![]() |
لا تعتذر , فقد أتاك موتٌ أصغر شأنا من رحيلك
هي مرثية من صديق وصلتني عبر البريد في حقّ الشّاعر الفلسطينيّ الرّاحل محمود درويش إرتأيت أن أضعها بين أيديكم لجمال معانيها فإليكموها لا تعتذر , فقد أتاك موتٌ أصغر شأنا من رحيلك حين تصدى الموت لرحلة الستين , جلستَ على ضفة الرحيل مبتسما , تنتظر القطار وتكتب للريح أنك لن تعتذر عما فعلت , لا تعتذر , فقد أتاك موتٌ أصغر شأنا من رحيلك , لا تعتذر فالريح تحملك ملاكا تزف إليك القصيدة , يكسوها ثوبٌ لم يفصله سواك , ويحملها تراب وطن لم يعرف الحزن عن نفسه بقدر ما عرّفته له قصائدك , وثورة كان يفتك بها الوقت ويأكلها صدى النسيان و لم تشرّعها للسماء إلا هتافاتك . أترى تناولت فطورك قبل أن يجئ الزائر الأخير , وكنت تفكر بغيرك ؟ أكنت تقرأ فاتحة ؟ أم تضع التنوين على صدر الوطن ؟ سمعتك مرةً تقول" لا أريد الموت ما دامت على الدنيا قصائد وعيونٌ لا تنام فإذا جاء ولن يأتي بإذن لن أعاند بل سأرجوه لكي أرثي الختام " . أراك قد أعلنت أنها لم تعد على الدنيا قصائد وكل العيون نيام , فقد جاءك بغير إذنٍ ولم يمنحك فرصة الرجاء كي ترثي الختام ... فأي المراثي قد يقولها المرء عند موتك ؟ وأي قصائدٍ ترجى من غياهب اللغة لتقول فلسطين من بعدك ؟ هناك في البعيد ترقد وحدك , لا شريك لك سوى القصيدة , تنهل من قلبك , تقول لها :" لا أنام لأحلم , فتقول لك بل نم لأنساك , ما أطيب النوم وحدي بلا صخبٍ في الحرير , ابتعد لأراك وحيدا هناك , تفكر بي حين أنساك ولا شيء يوجعني في غيابك ." وكأنها تكذب لئلا تحمّلك حزنا يفوق احتمالك , ووطنا أثقل كاهل مشوارك . يا صاحب الرسالة أفرغت الطريق من خطاك أم أفرغت خطاك الطريق من بعدك ؟ الآن أسافر في خطاك فتقول لنفسك : " تمهل ولا تمت الآن , إن الحياة على الجسر ممكنة والمجاز فسيح المدى هاهنا برزخٌ بين دنيا وآخرة بين منفى وأرض مجاورة " ويجيبك الصدى لا تقل إنه مات أو عاش قرب الحياة سدى , قل أطل على نفسه من علٍ ورأى نفسه ترتدي شجرا واكتفى بالتحية ." لم يكن يا صاحبي لك حاضر آخر سواك , فامتلكت مفاتيح أمسَك , لكن أمسُك لن يكون كله معك لذا لم تمتلك غدك كله , فأمسك حاضر الكلام , أمسُك أسلاك الطريق وأعمدة الجسر ليمر به العابرون إلى السماء . وكلما كنت وحدك كان الطريق يتسع لملايين الشعراء , يعبرون بعدك وكأنك تذيب الجليد من أعماق الحياة , فتمضي للنهاية ويمضي الآخرون للبدء بعدك , فالقصيدة بين يديك "وفي وسعها أن تدير شؤون الأساطير بالعمل اليدوي ولكنك مذ وجدت القصيدة شرّدت نفسك وساءلتها من أنا من أنا " والآن يا صاحبي ضع يدك اليمني في جيبك ولا تصافح الموت فقد يرى في ذلك اعتذارا والأمر أقل شأنا من اعتذارك , واليسرى ضعها على قلبك , وابتسم , فقلبك قد توقف ليعطي الراية لحصان الشعر الذي بقي وحيدا يسألك لم تركته في جوف بيارات حيفا ورحلت وحدك ؟ قلبك الذي لم تنزع عنه الأقفال يوما لئلا يجرح الآخرينَ حزنك , فتح اليوم على مصراعيه فأحزن عالما هو موطنك , فُتح ليقول لتراب حيفا ويافا وعكا وغزة والجليل أنك في حياتك لم يكن سواه معك ومذ سلبوه عشت وحدك . "فكم كنت وحدك يا ابن أمي , يا ابن أكثر من أبٍ كم كنت وحدك " ولكن لا تبتئس , "فمن يكتب حكايته يرث أرض الكلام ويملك المعنى تماما "والمعنى هو خلود الروح في ذاكرة الحياة . والآن بعد رحيل الكلام , لنا حلمٌ واحد , أن نجدك نجمة تحمل عبر الجسر قصائدنا وأحلامنا للسماء , فتلك النجمة التي حلمت بها في قصيدتك تحمل الميتين لم تحملك , فأنت هي , إذ تحملنا على كتفك كما حملت عبء الغناء ولم تطيّر أحلامنا هباء , فبقينا من بعدك نحلم عارين من كل شيء إلا الحقيقة , فنم يا صاحبي واهدأ فكل حينٍ يولد طفل وصرخته في شقوق المكان تدرك اسمك , سيعلق حلمك على جدران فلسطين "وحدك " . شجاع الصفدي فلسطين المحتلة |
رد: لا تعتذر , فقد أتاك موتٌ أصغر شأنا من رحيلك
رحم الله درويش واسكنه فسيح جنانه ارى ان الكلمات لاتكفي في حق الراحل |
رد: لا تعتذر , فقد أتاك موتٌ أصغر شأنا من رحيلك
شكرا على النقل ‘خلاص ورحم الله درويش |
رد: لا تعتذر , فقد أتاك موتٌ أصغر شأنا من رحيلك
اقتباس:
تقبّل الله منك الدّعاء و شاكرة لك هذا المرور |
رد: لا تعتذر , فقد أتاك موتٌ أصغر شأنا من رحيلك
اقتباس:
العفو عبدو و تقبّل الله منك الدّعاء |
رد: لا تعتذر , فقد أتاك موتٌ أصغر شأنا من رحيلك
الأخت إخلا ص
رثاء جميل .... في رجل جميل..بأخلاقه..ووطنيّته.... مدحه وإن ْ طا ل قليل شكرا للجهد..و حسن النّقل ناجي ابن مسعود |
رد: لا تعتذر , فقد أتاك موتٌ أصغر شأنا من رحيلك
اقتباس:
العفو أستاذنا الفاضل سعيدة بكذا مرور و دمت في حبور تحيّتي |
| الساعة الآن 11:37 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى