منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   منتدى القصة القصيرة (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=63)
-   -   كســـــارة البندق (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=337689)

أبو المجد مصطفى 29-03-2016 01:51 PM

كســـــارة البندق
 
:13: كســـــارة البندق
ارتفع الستار و انكمشت الأضواء و خفتت جلبة الجمهور .
و تسلل إلى المسرح الفسيح هدوء رهيب مثل هدوء الكنائس.
بدأ العرض الأسطوري لباليه كسارة البندق ذائع الصيت.
لم أكن أصدق أنني أتواجد هنا في الصف الثاني قبالة الركح مباشرة...
و لم أكن أصدق يوما أنني سوف أكون على مسافة أمتار من أعظم أوركسترا تضم عشرات العازفين المدججين بشتى الآلات الموسيقية.
ثلاثة شهور من المحاولات اليائسة للعثور على تذكرة... وعقدت صفقة ثمينة مع حارس المسرح.
كهل هزيل الجسد و غائر العينين من مفعول السجائر. يلتهم يوميا أربعين سيجارة. منحته سيجارا كوبيا نادرا. لم يكن يحلم به و لو في الأحلام .
أخيرا ظفرت بتذكرة...كانت بالنسبة لي أثمن من كل الشهادات التي حصدتها في مشواري الدراسي.
صفراء اللون من الورق الصقيل الباذخ . مكتوب عليها بخط عربي أنيق " باليه كسارة البندق " رقم المقعد سبعة و أربعون.
بسط الظلام سلطانه على القاعة الوسيعة ...جلست على أريكتي مثل أمبراطور متغطرس. رائحة التبغ لا تزال تسبح في فضاءات المسرح بكل أريحية. رغم كثرة اللافتات التي تمنع التدخين.
و صدحت الأوركسترا بموسيقى راقية. غرس فيها الموسيقار تشايكوفسكي جميع مواهبه و أوجاعه و آماله...و راح الراقصون و الفنانون يصولون و يجولون فوق الركح مثلما تصنع الجياد الجامحة فوق مرج خصيب.
خش خش خش . أحدهم كان يجتر حفنة من الفول السوداني في المقعد الخلفي.
خدش الصوت البغيض سمعي... و استعادني من فردوس جميل دخلته للتو ...أصابني شيء من الغثيان ممزوجا بشيء من السخط.
فمن الظلم الفادح أن يتزاوج صوت الفول السوداني مع موسيقى كسارة البندق...زجرت الرجل بصوت خفيض:
- حسبك يا هذا. نريد أن نسمع الموسيقى- و أمسك الرجل عن الإزعاج دون اعتراض.
في هذه اللحظات كان جيش الفئران يتناوش مع مجموعة من الدمى الملونة. الركح في حركة متسارعة و متناغمة و الموسيقى تنخفض حينا و تضج حينا آخر...والأضواء الزاهية تضفي على الباليه رونقا يأسر الأبصار.
كل شيء كان جميلا و فاتنا و رومانسيا. كأن المرء يعيش قريبا من ضفاف الشمس حيث عبق الأزهار و رائحة الربيع و حماس الحب و عنفوان الغرام...
أحداق المشاهدين كانت ذاهلة و واسعة مثل الأقمار المستديرة. الجميع يستمتع بهذه اللحظات المقتطعة من رحم السعادة.
- حمولة الأخشاب سوف تدخل الميناء غدا. لقد بذلت في سبيلها كل ما لدي من دولارات- همس أحدهم بجانبي و هو يتحدث إلى زوجته...كان الصوت خافتا جدا.
واصل الرجل حديثه و هو يتفحص في ملامح صاحبته:
- لحسن الحظ هذه المرة. لم نجد أي متاعب مع الجمارك-
أجابت الزوجة في برود و هي ترمق جيش الفئران :
- لا تنس يا سعيد أنني فرطت في كل مصاغي من أجلك فلا تنس نصيبي من الأرباح-
قال الزوج و هو يداعب لحيته الأنيقة :
- حسنا نحن في مركب واحدة. إما أن نخسر معا و إما أن نربح معا-
جحظت عينا المرأة و هي تسمع تلك الإجابة المقتضبة...لكن ارتفاع صخب الموسيقى يبدد ذلك الحوار إلى الأبد...
كانت الجميلة كلارا تبحث عن الأمير الوسيم في كل مكان. مثل النحلة تطير من مكان إلى مكان ومن غيمة إلى غيمة ومن خميلة إلى خميلة حتى استبد بها اليأس و تلاشى طيف الحبيب فوق خشبة المسرح....
صدمتني رائحة الفول السوداني مرة أخرى...لقد عاود الرجل افتراس الحبات بشراهة دون أن يحفل بتوسلاتي.
فوق الركح كان هناك استعراض لذيذ للدمى الملونة. و العرائس المرحة... ألبسة جميلة و رقص رائع و حركات متناسقة ما جعل أحد المتفرجين يطلق عقيرته معجبا :
- برافووووووووووووووووووووووووو-
و سرعان ما تأوه أحد الصبيان من الألم و صرخ فجأة:
- أبي الحذاء الجديد يؤذي قدمي. لقد سئمت المسرح. هيا بنا ندخل إلى البيت-
تأفف الوالد من آهات الصبي المتلاحقة و نهره بعصبية جعلت كل المشاهدين يلتفتون نحوه:
- مأمون أنت ولد طائش و لا تستحق مشاهدة هذا الباليه الرائع. أمامي إلى البيت-
ضج المسرح فجأة بعاصفة من التصفيق و استيقظت المصابيح بعد غفوة طويلة و عادت الأضواء لتملأ الأجواء مرة أخرى.
نزلت الستائر الحمراء الكبيرة و خرج الممثلون لتحية المشاهدين...كنت أصفق بحرارة و حماس مثل بقية الجماهير.
لكن يدا ناعمة تربت على كتفي من الخلف. و تدفق نحوي صوت أنثوي رقيق... غاب عني منذ سنوات:
- عزيزي رامي. ها نحن نلتقي مرة أخرى بعد غياب طويل جدا-
كنت ذاهلا كأنني في المنام. و عجزت شفتاي عن صناعة الكلمات.
كان الصوت الجميل بالنسبة لي بمثابة الفلاة القاحلة حين تستقبل المطر بعد طول انتظار...
لكن المرأة تبدد حيرتي و على محياها ابتسامة ساحرة يخجل منها القمر. و قالت:
- مصادفة جميلة حقا. أليس كذلك ؟-

mohamed yakon 05-04-2016 02:18 PM

رد: كســـــارة البندق
 
اسلوب قصصي من الطراز الاول . كثير من الدراما في سطور القصة . هل من تثبيت لمثل هذه المحاولات الابداعية الرائعة....

أبو المجد مصطفى 05-04-2016 02:43 PM

رد: كســـــارة البندق
 
عزيزي محمد. جميل حقا أن أقرأ مفردات المدح و الثناء من أديب مرموق مثلك.
خالص مودتي و تحاياي.....:13::13::13:


الساعة الآن 01:41 PM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى