![]() |
حمزة العشــــــــــــــــــــــــاب
:15: حمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــزة العشاب
مع انبلاج فجر جديد و تلاشي غيوم الصباح عن وجه السماء. كنت أحمل معي صداع المنزل الى مكتبي.. صداع الولد و الزوجة و فواتير الكهرباء التي تنتظر السداد. فوق دراجتي المتداعية كنت أكافح الرياح الباردة دون جدوى. كما كان الدون كيشوت يصارع طواحين الهواء. كنت أسير ببطء و لكنني أشعر بهواء مثلج يغمر جيوب أنفي في اصرار... دخلت المكتب مثقلا بالهموم و الإحباط. مصلحة الكهرباء أرسلت إلي إنذار بقطع النور عن منزلي. و النتيجة معروفة . معركة طاحنة مع زوجتي المتغطرسة... أرسلت بصري على الملفات و الخرائط و التقارير المكدسة فوق المكتب. تسلل القنوط واليأس الى نفسي. في هذه اللحظة دخل عادل و سليم و نطقا بلسان واحد (صباح الأنوار يا عمر) ...تمتمت بصوت متهدج ( استريحا. لأن الأنوار سوف تنقطع قريبا). كنا ثلاثة مهندسين في هذه القاعة الفسيحة. هذه القاعة طلقت الدفء وتزوجت الصقيع منذ أمد طويل...منذ شهر تقريبا تعطلت المدفأة وحملوها للتصليح. لكن ليست هناك أخبار سعيدة عن الموضوع حتى هذه الدقيقة. ديكور كئيب يرسم ملامح القاعة. ثلاثة مكاتب من خشب رخيص جدا.. وطاولة رسم كبيرة و حاسوب عتيق قد زهد فيه الجميع. في الركن الأيسر قرب الباب تنتصب خزانة عملاقة مثل جندي قوي من جنود القوزاق. اعتراها بعض الصدأ و هي حافلة بالأوراق و الملفات و الكتب... جثم عادل فوق مكتبه و فتل شاربه الرهيب ...بإمكان طائر الصقر أن يقف على هذا الشارب بكل اطمئنان.. تفحص عادل الجريدة بعينين ثاقبتين..( كح كح كح كح) سعل بشدة على غير عادته و راح يشتم ( قاتل الله السجائر سوف ترسلني الى المقبرة قريبا ). رد سليم مواسيا ( لا تلومن نفسك يا صديقي .فإذا حضر القدر عمي البصر). لكن صوتا أجش يقاطعه ( لا تظلم السجائر يا عادل . المتهم الحقيقي هو نزلة البرد و دواءها عندي). كان هذا العم حمزة. الكهل الوسيم صاحب الصلعة البراقة كما كنا نسميه...يجيد اعداد الشاي كل صباح و يوزعه على الموظفين في الشركة دون استثناء. ثم يختفي عن الأبصار كما يتلاشى الزئبق. أخرج منديلا أصفرا و أجاله فوق صلعته السمراء و قال في هدوء ( أنصت يا عادل . ضع شيئا من صفار البيض مع ملعقة من السكر الناعم ثم أخلط الجميع مع شيء من زيت الزيتون و تناول منه مع بزوغ كل فجر). انصرف عم حمزة كما البرق دون أن يستمع لمفردات الشكر و الامتنان التي يلهج بها عادل. ابتسمت قائلا ( أبشر يا رفيقي فقد كفاك العم حمزة مشقة زيارة الطبيب و طيش الممرضات و نزقهن ). مضى يوم أو يزيد.. مدير شركتنا يشتكي من وجع شديد في كليتيه. ذرف الدموع من وطأة الألم.. كان مشهدا سخيفا أن ترى المدير يبكي بحرقة. أرسلنا في طلب العم حمزة...جاء الرجل مهرولا و هو يضج بهده الكلمات ( سيدي المدير عليك بالمعدنوس فهو صديق الكلى). سكت مليا و فرك يديه الكبيرتين المكسوتين بالشعر و قال في هدوء ( أنضج أوراق المعدنوس مع الماء لمدة ساعة. استخلص الماء و دعه يبرد. ثم تناول من المشروب ليلا قبل النوم ). ذاع صيت العم في أروقة الشركة قاطبة. و أسدلوا عليه لقبا جديدا..حمزة العشاب.. مسؤول الأرشيف جاء الى العم حمزة و الخجل يغالبه. تلعثم قليلا ثم استجمع ما لديه من شجاعة و قال بصوت خفيض ( عماه ..زوجتي ليست سعيدة معي و..). قاطعه الكهل و هو يخفي ابتسامة ماكرة ( فهمت طلبك يا بني. أمزج العسل الطبيعي مع شيء من مسحوق اللوز و الزنجبيل. و تناول ثلاث ملاعق كل صباح ). هذا اليوم هو يوم الجمعة ..مارست الرياضة في فناء المنزل مثل كل صباح. تناولت قهوتي تحت شجرة التين العتيقة. لكن صداعا حادا ألم بزوجتي...خرجت الى صيدلية في الجوار لألتمس دواء أو مسكنا للألم. و لجت الباب الزجاجي الصقيل للصيدلية. لكن مفاجأة صادمة كانت في انتظاري...عقدت لساني و شوشت أفكاري. ( ص.ص.ص.باح الخير عم حمزة ) هتفت و أنا شارد النظرات. كان الكهل يحمل كيسا مترعا بالأدوية و قد توشح رداء من القطن الأزرق. صافحني بحرارة و هو ينطق بكلام لا أكاد أسمعه. ( ليلة البارحة هاجمتني الأنفلونزا و لولا لطف الأقدار لأصبحت اليوم في عداد الأموات)... :8: |
رد: حمزة العشــــــــــــــــــــــــاب
قصة للقراءة و اعادة القراءة . اسلوب الكبار في القصة القصيرة .. |
رد: حمزة العشــــــــــــــــــــــــاب
أديبنا الجميل محمد. مرورك السخي يزيدني ثقة و قوة و مودة. لا تحرمونا من هذا الكرم مع شكري الموصول.... |
| الساعة الآن 07:14 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى