![]() |
العــــصا البيــــــــضاء
:16::16::16::16: العصا البيضاء مسح نظاراته السوداء بطرف ثوبه...ثم أجال بصره يمينا و شمالا كأنه ينتظر أحدا، ثم تسمر نظره في سماء صارخة الزرقة. الحق أن الرجل كان وسيما و أجمل ما في سحنته عيناه السوداوان . كنت للتو قد جلست على مقعدي في هذا المقهى الأثير إلى نفسي ،و أنا ألتمس ظلا ألوذ به في هذا اليوم القائظ. - ماذا تشرب يا سيدي ؟- سألتني النادلة الأنيقة بصوت أنثوي رخيم يشبه واحة يانعة في بيداء قاحلة. قلت و أنا أتعمد إطالة الحوار حتى أمتع العين بمحاسنها إلى أقصى حد – أخشى ما أخشاه يا آنستي أن الشراب الذي أنشده غير متاح هنا- - أطلب و سيجاب طلبك في الحين - - أبتغي شرابا أعد من الرحيق الذي يترنح فوق شفتيك الشهيتين – بهتت الفتاة من طيشي و نزقي ..و تورم خذاها بحمرة آسرة و قالت بصوت خافت – أنت تبالغ يا سيدي كثيرا.و على كل حال أنا في انتظار طلبك – - بعض العصير المثلج من فضلك – كان صاحبنا قد ارتدى نظاراته مجددا و أخذ يرتشف قهوته قرير العين كأنه إمبراطور يسترخي فوق أريكته الأنيقة... كانت وسامته محط إعجاب رواد المقهى. ذقن حليق بعناية. بدلة باريسية فاخرة . وحذاء أسود لامع من روما. طك..طك..طك.عادت النادلة ثانية و هي تمشي بحذاء ذو كعب عالي. جاءت نحوي تحمل ذلك العصير المثلج و جديلتها المعطرة تتدلى في خجل على كتفها الأيمن . أثلج صدري لقاءها مجددا... و رحت أفترس أنوثتها الفائرة بنظري الظمآن. قالت و هي تبتسم كأن الشمس قد أشرقت من شفتيها – ها هو ذا عصيرك يا سيدي . بالصحة و الهناء- - أشكرك على كرمك الأسطوري يا آنستي – و مضت الفتاة لحالها كالنسيم العليل...و مضى قلبي يقفز في أثرها و أنا أحاول جاهدا أن أسترده إلى قواعده الجدباء فما أفلحت. فرغ الرجل الأنيق من ارتشاف قهوته . كان جاثما على كرسيه قبالتي لا تفصلنا سوى أمتار قليلة... أخرج من جيبه مشطا أسودا و أجاله على شعره المتموج. ثم أشعل سيجارا عملاقا كتلك السجائر التي يقتنيها المترفون من كـــــــــــــــــــــــــــــوبا... أخذ يرنو إلي من خلف نظاراته المهيبة . اقتلعني سيل نظراته من النهر المخملي الذي كانت تسبح فيه أفكاري رفقة تلك الجديلة الآسرة... أمعن صاحبنا في التحديق نحوي كأنه يعرفني . انتابني شك عارم و خوف من سلوك الرجل... و هنا ألحت علي تلك المقولة الفلسفية ( أنا أشك إذن فأنا موجود )...و سمعت هاتفا من أعماقي السحيقة يهمس – إن الرجل يدبر لك مكيدة فاحترس - استحوذت الريبة على تفكيري فقد يكون الرجل يترصدني أو يلتمس لي الأذى... و تمادى صاحب النظارات السوداء في النظر صوبي دونما توقف ...وأمسى المقهى خاليا من رواده ما عدا...أنا... و ذلك الشخص الغريب الأطوار . كنا وحيدين و متقابلين مثل ديكين متوثبين فوق هذه البقعة التي تئن تحت قيظ الشمس. لقد تعكر مزاجي للغياب المفاجئ لتلك النادلة الفاتنة و لافتقادي لتلك الجديلة المخملية التي يتضوع منها عطر يكفي لتستحم فيه كل حسناوات العالم. أخيرا قررت أن أواجه ذلك الغريب بنفس السلاح ...و أن أقاتل ذودا عن حصوني و دفاعا عن كرامتي المجروحة. و تطلعت إليه بعينين حانقتين . كان يرمقني رابط الجأش و هادئ القسمات كأن ملامحه قدت من حديد ... استفزتني نظاراته السوداء و أثارت حفيظتي بسمته الواثقة ، فشعرت بدماء غاضبة تسري في عروقي ... انقبضت عضلات وجهي و فرقعت أصابعي المتخشبة. كنت مستعدا لمعركة حامية الوطيس. أخيرا أفرجت عن سؤال مقتضب و بصوت جهوري – ما الذي يحملك على أن تتطلع إلي بهذه النظرات المتلاحقة؟ هل تعرفني يا هذا ؟ ما هذه الجرأة المفرطة ؟؟ - خمدت تلك البسمة بين شفتيه ...لكن نظراته المتلاحقة نحوي لم تنقطع قط حتى كدت أن أفقد أعصابي ... قلت في ضجر- لا أعتقد أنك أخرس كي لا تحفل بسؤالي ..أجب لم لا تتوقف عن التحديق في وجهي ؟ - أخرج صاحبنا قطعة نقدية و وضعها على الطاولة ثمنا للقهوة . وانتصب واقفا بعد جهد شاق و هو يستند على كرسيه... ثم أخرج عصا بيضاء اللون .مددها في صمت و مضى يتلمس الطريق بتلك العصا خشية أن يسقط أو مخافة أن يصطدم بتلك الكراسي المتناثرة ... ذهلت حقا و تملكني الخجل من نفسي و أحسست أنني أذوب وسط أثوابي شيئا فشيئا. .. كانت أول و آخر جملة نطق بها قبل أن يمضي – لا حول و لا قوة إلا بالله – :16::16::16: |
رد: العــــصا البيــــــــضاء
لا يجب الحكم على مظاهر الاشخاص
كان ينقصه الاعتذار ولحسن حظه لم تكن صاحبة الجديلة بينهما والا لاراد عنتر ان يتعنتر أكثر تحية للكاتب المثابر , من القصة المقبسة التي يعرفها الجميع كتبت واجدت تحياتي |
رد: العــــصا البيــــــــضاء
قرات وانا أبتسم أجدت |
| الساعة الآن 12:30 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى