![]() |
الجزيرة الضــــــــــــــــائعة
:13::13::13::13:أصبح في مدينتي البحث عن موضع لركن السيارة أشق على المرء من اللهث وراء رغيف الخبز...و أصعب من التفتيش عن الذهب في نهر الميسيسيبي ... هذه المدينة الحبلى بشتى أنواع السيارات أو المعدن النفيس كما كان يروق لوالدتي أن تصفه. ربما كان معدنا نفيسا حقا في بدايات اكتشاف البشر لهذه المركبة...لكنها اليوم أمست عبئا ثقيلا يتبرم منه الجهازان التنفسي و السمعي على السواء. حلمي الوحيد أن أستفيق يوما لأجد الأزقة و الدروب و الطرقات قد استراحت من ذلك المعدن النفيس...حينها سوف يتاح للمرء أن يستنشق هواءا رطيبا لا تخالجه الأدخنة البغيضة. حينها سوف تحتفي الدورة الدموية بأوكسوجين رائق و نظيف. في هذا اليوم فقط سوف يستمع المرء لصدى حذائه على الاسفلت... لا ضجيج و لا جلبة و لا صخب. بل الهدوء و السكينة و الدعة.. كانت الحرارة وسط السيارة لا تطاق. كأنني في جوف أتون الحداد. سيول من العرق شعرت بها تدب فوق جسمي...أمواج من السيارات كانت تنزاح في بطء قاتل فوق هذا الاسفلت الذي يوشك أن يذوب تحت لفح الشمس. بيييييييييييييييييييب..انتفض منبه أحدهم في محاولة يائسة منه لكي أسرع بسيارتي قليلا. كان يقود خلفي بسيارة قديمة جدا..الإفراط في السرعة وسط هذا الحشد الكبير هو انتحار و ضرب من الجنون... - أوووووووووف أخيرا- أفلتت من شفتي المتخشبتين من وطأة الظمأ. لقد رمقت موضعا ضئيلا هناك يكفي لركن سيارتي...يممت شطر المكان جذلان فرحا كما الظمآن حين يعثر على جدول ماء بين أحضان فلاة مترامية الأطراف. ركنت السيارة بعد لأي مع أني كنت أطمع أن يكون الموقع ظليلا لكن هكذا هي الدنيا ليس كل ما يتمناه المرء يدركه...ترجلت من السيارة و أحكمت إغلاقها و التمست الظل في أحد الأرصفة. بدأت حملة التبضع الأسبوعية...محل الأغذية و يليه محل الأقمشة و يليه محل العطورو و و... لكن يا للهول .أمر ما أفسد علي نشوة التجوال و بدد متعة التسكع . أمر لم يكن يخطر على البال إطلاقا. لقد تمزق حذائي الأيمن دون سابق إنذار ...و نسيت فجأة سيرة الغذاء و القماش و العطر. وعلى الفور هرعت إلى التماس اسكافي ينتشلني من هذا المستنقع الآسن. و سرعان ما وجدت ضالتي... دفع إلي الرجل مقعدا مهترئا و تلقف الحذاء كما يتلقف المتسول درهما. عيناه الغائرتان جعلتا تفحصان الحذاء السقيم من كل الجوانب. إنها أسرار الصنعة التي لا يعرفها إلا هذا الاسكافي ...أشعل سيجارة كان قد التهم نصفها منذ قليل. جذب نفسا عميقا في محاولة لإيجاد فكرة ذهبية يرقع بها هذا الحذاء . قلب نظره في الحذاء مرة و مرة... تطلع نحوي قائلا – يرحم الله أيام زمان و جلود أيام زمان – من أسفل شاربه الكثيف نفث سحابة عظيمة من الدخان تحاكي أدخنة السيارات. وقفت ذاهلا أمام ذلك المشهد المقزز. كيف لرئتين مجهدتين أن تقذفان كل هذه السحابة من الدخان. أردف و السيجارة تسترخي فوق شفتيه المنتفختين – حذائك سيدي ليس من الجلد الخالص – سحق ما تبقي من السيجارة تحت نعله و انكب يعمل في صمت طويل. لم أحفل بقول الاسكافي قط بل كنت أتطلع إلى هذه الطرقات التي ترزح تحت وطأة الزحام...شد بصري منظر شجرة سامقة توشك أن تعانق قبة السماء و تأوي في أسفلها الظليل حشدا من السيارات. انتابتني نشوة من الانتصار و كأنني اكتشفت القارة الأمريكية مجددا...لقد كان هناك موضع صغير جدا ينعم بالظل و مناسب لركن سيارتي.. استعجلت الاسكافي لكي يتم العمل بأسرع وقت... نقدت الرجل حفنة من الدنانير و لبست الحذاء و انطلقت مسرعا مثلما ينطلق السهم من عقاله....وسط الزحام البغيض تحركت بسيارتي ألتمس الجزيرة التي اكتشفتها للتو. وصلت إلى المكان المحدد بعد عناء شديد. - ربااااااااااااااااااااااااااااه - أطلقتها من جوف رئتي مصحوبة بألم و خيبة بالغتين...سيارة فارهة حمراء من الصنف مرسيدس كانت مستقرة على أرض جزيرتي في زهو و شموخ. استبد بي غضب كاسح يكفي لاقتلاع كل رمال الصحراء من مكانها. لقد سبقني أحدهم و ركن سيارته فوق تراب امبراطوريتي التي اكتشفتها منذ دقائق . ابتلعت هذا الفشل صاغرا و كظمت جبال الغيظ المتراكمة فوق صدري و جعلت أهذي كمن به مس من الجنون – لابد من العودة إلى الموضع السابق – و عدت أدراجي أنشد الموضع الأول و أنا كاسف البال مغتم النفس. لكنني كنت متأخرا كالعادة...كمية ضخمة من أكياس الاسمنت و الأخشاب و قضبان الفولاذ كانت جاثمة فوق ذلك المكان...:7::7::7: |
| الساعة الآن 04:46 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى