![]() |
بر الوالدين.. نماذج وسبل للعمل
بر الوالدين.. نماذج وسبل للعمل http://vb.shbab5.com/photos/2/20141356806436_770.jpg الحمدُ لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده؛ أما بعدُ: أولى الإسلام الأسرة اهتماماً كبيراً، وأحاطها بسياج آمن من الطمأنينة، والسعادة في كل أطوارها، من الطفولة.. إلى الزوجية.. إلى الأمومة والأبوة، فالأسرة التي تتكون من الزوج والزوجة والأولاد هي: قوام البناء الإنساني، وعماد أية أمة، وقد تدخلت الشريعة الإسلامية في بناء الأسرة على قواعد ثابتة من الدين والخلق، فإذا قامت هذه الأسرة على الضوابط الدينية، واسترشدت بما حددته الشريعة لها، واستنارت بإرشادات القرآن الكريم، وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد بدأت البداية السليمة، وسلكت الطريقة الصحيحة. بناء الأسرة المسلمة: وأساس السعادة في بناء الأسرة المسلمة: لا يقوم على الجمال أو الجاه أو الثروة فحسب، بل لابد من الدين والخلق الطيب، ومن هنا رغَّب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند تكوين العائلة في اختيار صاحبة الدين: ((تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين: تربت يداك))، وإذا حدث الزواج فأساسه – أيضاً - حسن الخلق - سواء بالنسبة للزوج أو الزوجة - قال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوْفِ}، وقال - صلى الله عليه وسلم –: ((خيركم خيركم لأهله)). وقد وردت الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية في فضل وعظمة نعمة الأولاد؛ ولذلك وصانا الله بهم: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ}، وقال - صلى الله عليه وسلم –: ((من كان له ثلاث بنات يؤويهن ويكفيهن ويرحمهن، فقد وجبت له الجنة ألبتة، فقال رجل من بعض القوم: و ثنتين يا رسول الله؟، قال: وثنتين)). وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد جعل الأولاد زينة لنا في الحياة الدنيا، فإنه سبحانه جعلهم أيضاً فتنةً وابتلاءً؛ قال تعالى:{إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ}، وليس في هذا أي تناقض أو اختلاف، بل هما طريقان، ولكلٍ اتجاه وعلامات. وإذا أراد الواحد منا أن يجعل ولده زينة وبهجة للناظرين وخليفة له، فليحسن تربيته، وليكن قدوة حسنة له في كل شيء يرعى نشأته، ويوجِّه سلوكه، ولا ينصرف عن ذلك إلى تجارته وأمواله، بل يحنو عليه، ويتعاطف معه، سواء كان الابن ولداً أو بنتاً. وإذا نشأ الولد وتربى التربية الإسلامية الحقة، فإنه يكون وفيَّاً لوالديه، فالعلاقة بين الوالد والولد، علاقة تبادلية، بمعنى :أن الوالد يربى ابنه، وهو صغير: ليرعاه الولد حين يكبر. برُّ الوالدين فريضة شرعية: رعاية الوالدين والوفاء لهما من أسمى وأعمق العواطف النبيلة التي دعا إليها القرآن الكريم، وفى هذا المقام يقول العلماء: إن القرآن الكريم على كثرة ما أوصى الولد ببر والديه؛ فإنه لم يوص الوالد بابنه كثيراً؛ لأن عاطفة حب الوالد لابنه عاطفة أصيلة فيه، والشذوذ فيها خارج عن طبيعة البشر، وبر الوالدين فريضة لازمة وعقوقهما حرام، وللأم في هذا المجال منزلة خاصة، ولا ينكر فضل الوالدين إلا كل نذل لئيم، ومهما فعل الأبناء، فلن يستطيعوا أن يكافئوا الوالدين بما قاموا به نحوهم من عطف ورعاية، وتربية وعناية، وقد فصَّل الله سبحانه وتعالى ما يجب من الإحسان إلى الوالدين بقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}. وقد أكد الله سبحانه وتعالى على الوفاء للوالدين ورعايتهما عند الكبر، حتى إنه - جلت قدرته - شفع الإحسان إليهما بتوحيده، ووردت الأحاديث النبوية حاثة على بر الوالدين، فعن ابن مسعود –رضي الله عنه – قال: ((سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي العمل أحب إلى الله ورسوله؟، قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال بر الوالدين. قلت: ثم أي؟، قال: الجهاد في سبيل الله))، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((من سرّه أن يُمد في عمره ويُزاد في رزقه فليبر والديه، وليصل رحمه)) وقال - صلى الله عليه وسلم - لرجل جاء يستأذنه في الجهاد معه: ((أحي والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد)). ورعاية الأم والاهتمام بها وبرها: مقدم في بر الوالدين؛ لأنها تتحمل في رعاية الطفولة وتربيتها أكثر مما يتحمل الأب؛ تتحمل مشقة الحمل، وصعوبة الوضع، وقسوة الرضاع، ثم الخدمة والتربية: ((جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟، قال: أمك، قال: ثم من؟، قال: أبوك)). عقوق الوالدين من الكبائر: وإذا كان بر الوالدين مروءة وعبادة وفريضة، فإن عقوقهما جريمة وكبيرة، وإن من أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، قال - صلى الله عليه وسلم - : ((ثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه، والديوث، والرجلة من النساء)). ومن أقبح مظاهر العقوق التي نشاهدها في مجتمعاتنا المعاصرة اليوم: أن يتبرأ الولد من والديه، حين يرتفع مستواه الاجتماعي، وتلك صفات وضيعة، وضعف ديني، وخلق دنيء. وقد قرن القرآن: الأمر بعبادة الله وعدم الشرك به بالإحسان للوالدين حيث يقول سبحانه:{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}، وقوله أيضاً: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}، وتكتمل الصورة المشرقة في أمر الله بقول النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين)). حيث تفضل عليه الصلاة والسلام، فجعل عدم بر الوالدين قرين الإشراك بالله، وبذلك أفاض أمر الله ورسوله هالة من القداسة والإجلال على علاقة الأبناء والبنات بالآباء، وبسط على الوالدين جناحاً من الرحمة؛ كما في قول الباري سبحانه: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}، ومن هذا وغيره: نجد أن إكرام الوالدين، وإبراز حقوقهما في دين الله الكريم يبلغ أقصى درجة يتصورها الفكر الواعي، والضمير الحي، ويدين بها الوجدان الصادق، والنفس المؤمنة. ويؤكد ذلك أيضاً ما يراه جمهور الفقهاء من أنه يحرم على الإنسان المسلم أن يخرج للجهاد في سبيل الله-في غير الحالات المتعينة عليه- بغير موافقة والديه ورضاهما؛ حتى لا يتضررا بفقد رعايته لهما، ولا يشق عليهما غيابه عنهما. فعن أبي سعيد الخدري أن رجلاً من اليمن جاء يستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الخروج للجهاد معه فقال - صلى الله عليه وسلم - له: ((هل لك أحد باليمن؟، فقال الرجل: أبواي يا رسول الله. فقال النبي: أبواك أذنا لك؟ فقال: لا. قال عليه السلام: ارجع واستأذنهما فإن أَذِنَا لك فجاهد وإلا فبرهما بطاعتك)). من سبل بر الوالدين: ومما أشار إليه بعض الفقهاء في صراحة وحزم: أنه ينبغي على الإنسان المسلم إذا اضطر أن يحنث في يمين يتعلق بوالديه ويتضرران منه: أن يفعل ما فيه رضا الوالدين وعليه الكفارة، ما لم يقع بذلك في معصية، ودون أن يكون في رضاهما شيء يتصل بالشرك بالله؛ قال تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً}. ويبلغ تكريم الدين للوالدين وتقديره لهما: ما يراه المالكية والشافعية من أنه ينبغي للشخص المسلم أن يجيب نداء أبويه دون تراخ ولو كان في صلاة النافلة. ومن الحقائق الثابتة: أنه لا ينتفع إنسان بعبادة غيره؛ لقول الله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}، ولكن عدداً من الفقهاء استثنى من هذه القاعدة: جواز انتفاع الأبوين بعد موتهما بالعبادة التي يؤديها أولادهما عنهما من صوم أو حج أو صدقة، يروى أن امرأة جاءت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقالت له: إن أمي ماتت وعليها صوم، أفأصوم عنها؟، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((أرأيت لو كان عليها دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟ فقالت: نعم. قال: فصومي عن أمك))،كما أفتى كثير من الفقهاء بأن الدعاء للوالدين واجب بالأمر المفهوم صراحة في قول الله الكريم:{وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيْراً}، وفى قوله تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ}، فقرن شكر العبد لربه بشكر الابن لأبويه، وقد سئل سفيان: كم يدعو الإنسان لوالديه؟ فقال: نرجو أن يجزيهما بالدعاء بعض حقهما إذا دعا لهما في آخر كل تشهد عند كل صلاة. كما أوجب العلماء النفقة عليهما؛ وقال: من عال والده فهو في جهاد، ومن عال نفسه فكفاها عن الناس، فهو في جهاد. صور ومواقف في بر الوالدين: من جميل ما يروى عن النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - أن رجلاً قال له: يا رسول الله، إن لي أما عجوزاً أحملها على عاتقي كل يوم وأطوف بها حول البيت، أفأكون بذلك قد وفيتها حقها؟، فيقول النبي لا، ولا بزفرة واحدة؛ إنها حملتك وهى ترجو حياتك، وأنت حملتها وتنتظر رحيلها. وهذا خليل الرحمن سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء وإمام الحنفاء يخاطب أباه بالرفق واللطف واللين - مع كفره وعناده - حين يناديه: "يا أبت". حين دعاه لعبادة الله الواحد الديان، وترك الشرك والضلال. ولما أعرض وأبى.. هدده بالضرب والطرد؛ فكان الرد الجميل: ﴿ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴾. وأثنى الله على يحيى بن زكريا - عليهما السلام -: ﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ﴾. وهؤلاء أحبوا النبي صلى الله عليه وسلم، فنفذوا وصيته: • أبو هريرة رضي الله عنه: كان إذا أراد أن يخرج من بيته: وقف على باب أمه فقال: السلام عليكم يا أماه ورحمة الله وبركاته، فتقول: وعليك السلام يا ولدي ورحمة الله وبركاته، فيقول: رحمك الله كما ربيتني صغيرًا، فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيرًا. • عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: طلبت أمه في إحدى الليالي ماء، فذهب ليجئ بالماء، فلما جاء وجدها نائمة، فوقف بالماء عند رأسها حتى الصباح، فلم يوقظها خشية إزعاجها، ولم يذهب خشية أن تستيقظ، فتطلب الماء فلا تجده. • ابن الحسن التميمي: يهم بقتل عقرب، فلم يدركها حتى دخلت في جحر في المنزل، فأدخل يده خلفها، وسد الحجر بأصابعه، فلدغته، فقيل له: لم فعلت ذلك؟، قال: خفت أن تخرج، فتجئ إلى أمي فتلدغها. • ابن عون المزني: نادته أمه يومًا فأجابها وقد علا صوته صوتها ليسمعها، فندم على ذلك وأعتق رقبتين. قصة من الواقع: كان أحد الدعاة في زيارة لإحدى الدول الأوروبية، وبينما هو جالس في محطة القطار: شاهد امرأةً مسنة شارفت على السبعين من العمر تمسك تفاحة بيدها، وتحاول أكلها بما بقي لديها من أسنان. جلس الرجل بجانبها، وأخذ التفاحة وقطعها وأعطاها للعجوز، وذلك ليسهل عليها أكلها، فإذا العجوز تنفجر باكية، فسألها: لماذا تبكين؟، قالت: منذ عشر سنوات: لم يكلمني أحد، ولم يزرني أولادي، فلماذا فعلت معي ما فعلت؟. قال: إنه الدين الذي اتبعه يأمرني بذلك ويأمرني بطاعة الوالدين وبرهما، وقال لها: في بلدي تعيش أمي معي في منزلي، وهي بمثل عمرك، وتعيش كالملكة، فلا نخرج إلا بإذنها، ولا نأكل قبل أن تأكل، ونعمل على خدمتها أنا وأبنائي، وهذا ما أمرنا به ديننا. فسألته: وما دينك؟، قال: الإسلام؛ فكان هو/ سببًا في إسلام هذه المرأة الكبيرة في السن. وأمير المؤمنين - رضي الله عنه - معه حكاية: جاء عن عمر أنه "كان رجلاً من سادات قومه وكان له ابن يسمى كلابًا. هاجر كلاب إلى المدينة في خلافة عمر - رضي الله عنه -، فأقام بها مدة، ثم لقي ذات يوم بعض الصحابة، فسألهم: أي الأعمال أفضل في الإسلام؟، فقالوا: "الجهاد"، فذهب كلاب إلى عمر يريد الغزو، فأرسله عمر - رضي الله عنه - إلى جيش مع بلاد الفرس، فلما علم أبوه بذلك تعلق به، وقال له: "لا تدع أباك وأمك الشيخين الضعيفين، ربياك صغيرًا، حتى إذا احتاجا إليك تركتهما؟"، فقال: "أترككما لما هو خير لي". ثم خرج غازيًا بعد أن أرضى أباه، فأبطأ في الغزو وتأخر، وكان أبوه وأمه يجلسان يومًا ما في ظل نخل لهما، وإذا حمامة تدعو فرخها الصغير وتلهو معه، وتروح وتجيء، فرآها الشيخ فبكى، فرأته العجوز يبكي فبكت، ثم أصاب الشيخ ضعف في بصره، فلما تأخر ولده كثيرًا ذهب إلى عمر - رضي الله عنه - ودخل عليه المسجد، وقال: "والله يا ابن الخطاب لئن لم ترد عليَّ ولدي: لأدعون عليك في عرفات"، فكتب عمر - رضي الله عنه - برد ولده إليه، فلما قدم ودخل عليه قال له عمر: ما بلغ برك بأبيك؟. قال كلاب: "كنت أُفضله وأكفيه أمره، وكنت إن أردت أن أحلب له لبنًا: أجئ إلى أغزر ناقة في إبله، فأريحها وأتركها حتى تستقر، ثم أغسل أخلافها - أي ضروعها - حتى تبرد ثم أحلب له فأسقيه"، فبعث عمر إلى أبيه، فجاء الرجل فدخل على عمر - رضي الله عنه - وهو يتهاوى، وقد ضعف بصره، وانحنى ظهره، وقال له عمر - رضي الله عنه -: "كيف أنت يا أبا كلاب؟"، قال: "كما ترى يا أمير المؤمنين"، فقال: "ما أحب الأشياء إليك اليوم؟"، قال: "ما أحب اليوم شيئًا، ما أفرح بخبر ولا يسوءني شر"، فقال عمر: "فلا شيء آخر"، قال: "بلى، أحب أن كلابًا ولدي عندي، فأشمه شمة، وأضمه ضمة قبل أن أموت". فبكى عمر - رضي الله عنه - وقال: "ستبلغ ما تحب إن شاء الله"، ثم أمر كلابًا: أن يخرج ويجلب لأبيه ناقة كما كان يفعل، ويبعث بلبنها إليه، فقام ففعل ذلك، ثم جاء وناول الإناء إلى عمر فأخذه - رضي الله عنه - وقال: "اشرب يا أبا كلاب"، فلما تناول الإناء ليشرب وقربه من فمه قال: "والله يا أمير المؤمنين: إني لأشم رائحة يدي كلاب"، فبكى عمر - رضي الله عنه - وقال: "هذا كلاب عندك، وقد جئناك به"، فوثب إلى ابنه وهو يضمه ويعانقه وهو يبكي، فجعل عمر - رضي الله عنه - والحاضرون يبكون، ثم قال عمر: "يا بني الزم أبويك، فجاهد فيهما ما بقيا، ثم اعتنِ بشأن نفسك بعدهما". ومن طريف ما يروى في مجال تكريم الوالدين: أن أبا الأسود الدؤلى خاصمته زوجته في ولدها منه إلى القاضي زياد كل منهما يريد أن يحتضنه، فقال أبو الأسود: أنا أحق بالولد منها، وحملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، فقالت الأم: وضعته شهوة ووضعته كرهاً، وحملته خفاً وحملته ثقلاً؛ فقال القاضي زياد: صدقتِ أنتِ أحق به منه. وكان علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب أبر الناس بأمه، ومع ذلك كان لا يأكل معها في وعاء واحد، ولما سئل عن ذلك قال: "أخاف أن تسبق يدي إلى شيء تكون قد سبقت إليه عيناها؛ فأكون قد عققتها". دعوة جادة: أيها الشباب: تجديد العلاقة، وتقبيل يد الأب والأم من سِمات الناجحين المقبولين، فما بالك بسماع كلامهم، والنزول لرأيهم، وخدمتهم حتى آخر نفس. فإلى متى تقاطعهم أو تجحدهم أو تتعبهم!!؟. أترى دمعة الأم التي تنزل لحزنها على معصيتك لها: كم تساوي عند الله؟!! والمواقف الدالة على حرص أسلافنا على برهم بآبائهم وأمهاتهم كثيرة جداً، لا تحصرها هذه السطور، ولا تتسع لها هذه المساحة، لكنها في جملتها تعكس صورة ذلك المجتمع البار، وحقيقة أولئك الأخيار، الذين زكت نفوسهم، واهتدت قلوبهم، فكانوا لنا مثلاً في برهم، ونبراساً في طاعتهم. فهيا لنتفقد حالنا مع آبائنا وأمهاتنا، وننظر بعين الملاحظة، هل نحن في برهم وطاعتهم على الحال الذي يجب، والطريقة التي تنبغي، أو أننا غير ذلك!!؟. ألا هيا فلنبادر إلى برِّهما وطاعتهما قبل أن يرحلا، ويفوت الوقت فينتقلا.. هيا قبل أن نحزن على فقدهما، ونذرف الدموع ندماً على التقصير في حقهما.. منقول بتصرف يسير. |
| الساعة الآن 10:00 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى