منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   منتدى القصة القصيرة (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=63)
-   -   زهايمر/قصة قصيرة (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=356848)

علي قوادري 09-11-2016 09:11 PM

زهايمر/قصة قصيرة
 
..

في سنة 2030، بدأت أَدخل سنَّ الشيخوخة، ، سن تغيرت فيه طبائعي تقلصت مساحة حركتي فغدت من البيت إلى المسجد مثلها مثل أحلامي التي ولدت كبيرة ومع مرور اليوم تقلصت بل ومات جله، لم أعُدْ أذكرُ الكثير من الأحداث، وحتى بيتي وسنِّي واسمي، وأصبحت أَخْلِط أحيانًا في تسمية أبنائي وأحفادي، قال الطبيب:
• بعض أعراض الزهايمر بدأت تتسرَّب لذاكرتك يا حاجُّ.
كاستباقٍ للنسيان، كنت أُحدِّث أبناءَ ذاك الجيلِ عن فلسطينَ، والمسجد الأقصى، وغزة، وعن جهاد الكفار، ومن شدة ما كنت أحدثهم عنه؛ تخيَّلتُ أني أسرِد أساطيرَ من أيام عجائز القرن الماضي، وأني غريب الأطوار؛ رجلٌ تحنَّطتْ لغته، وعاد من غيابات الماضي كعودة فتية الكهف من سباتهم الطويل...

لمحتُ في وجوههم دهشةً وتعبيرًا ينُمُّ عن الجهل، سألتُ كبيرَهم الذي علَّمهم الاستهزاءَ بي::
• هل سمعتم بفلسطين، أو بغزةَ، أو بمسجدٍ منهوب لنا اسمه: المسجد الأقصى؟
أجابني - غامزًا الآخرين -:
• إيه يا شيخ، هَرِمْتَ، وأُصبتَ بأضغاث أحاديثَ، وتَوَزَّعتْك الوساوس والأخيلة، تفتَّتتْ ذاكرتك بين لفيف الأحاجي وهلوسات المجاذيب ، تُكلِّمنا عن أشياءَ لم نسمع بها في آبائنا الأولين، لو كلَّمتنا عن الربيع العربي، وجهاد الشيعة للسنة، وجهاد السنة للشيعة، وجهاد آبائنا في اليمن وليبيا وسوريا، ووو..؛ ولكن شطَّ بك الخيال فرُحتَ ترسم لنا مدنًا، وتترك أعداء ديننا، وتوجِّهُنا لأحبةٍ لنا.

وجدتُني كالمُهرِّج أو كجدي الحكواتي عندما كان يحدث مستمعيه عن الأندلس في الأسواق الشعبية ، لا أحدَ يهتمُّ بحديثي، ولا بتاريخ أُمَّة تغير بسرعة وأصبح بقيةً باقيةً في رؤوس القليل من الشيوخ مثلي؛ ممن تساقطت أسنانهم، وانحنت ظهورهم، وخفَّ نظرهم، وثقل سمعهم ، وتباطأت خطواتهم...
مات أكثرهم، وبقيت أنا وصديق غادر المدينة، ولم نعُدْ نسمعُ عنه شيئًا، كان أنيسي ويصحِّح لي أحيانًا؛ فذاكرته - ما شاء الله - كذاكرة الفيل.
..
وسرت تتقاذفني حيرة ،وتمزقني دقات قلب متعب ، لايمكنه مصاحبتي إلا بدواء لايفارقني ،أتكئ على عصاي- التي أهش بها على سنيِّ عمري الثقيلة ، ولي فيها عزاء وصحبة- بأصابع لا تتوقف رعشاتها وصحة تفضحها أناتها ، ولي في كل شارع صبية يلاحقونني ، وإما توقفت تحوقلوا وهم يصفقون ويصرخون غير عابئين بعصاتي السابحة في ملكوت نسائم الربيع المسائي- -:
• فلسطين فلسطين.. غزة غزة.. الأقصى الأقصى...مجنون مجنون!
حتى إذا افرنْقَعوا عني آمين بفرح حجور أمهاتهم ومستأنسين لبرامجهم الخاصة في أجهزتهم الالكترونية الصغيرة ، جمعتُ بعضي وأنا أحمِل طاقم أسناني في يدي، متشبِّثًا ببقايا جدار سقط بسب هِزَّةٍ أرضية خفيفة، قابَ خطواتٍ من بيتي الذي أفرُّ منه خشيةً من زوجة ابني الصغير؛ مسكينة، تنهرني ولا تحب أن تراني، تعاملني بوجهين؛ إذا ما كان زوجها في البيت، فرشت ليَ الهُدُبَ والنَّمارِق، وأطعمتني فاكهةً ولحمًا، وألبستْني النظيف المُعطَّر مِسْكًا، وإذا ما غادر زوجها إلى عمله في الصحْراء، انقلبت وانعكس حقدُها على مرايا وجهها ليغدوَ بسَحنةٍ سوداءَ أقربَ إلى الفحم، كلَّما سألني ابني الصغير عن معاملتها، طفِقتُ أَخْصِفُ عليها من ورق الدعاء.
لا أدري كم من الوقت قضيتُ لأصِلَ إلى عتبة الباب؛ ولكني سعيد لأني ثقيل المشي، فلا بد لكَنَّتي أنها نامت يملأ شَخيرها البيت بعد دردشة طويلة مع عائلتها في جهازها المحمول...

ألتفت نحو الصبية الذين تلاشوا كسنين العمر وككل الأحبة وأهمس بصوت شبيه بأنين خافت من محتضر أتحداهم وأتحدى كنتي وأتحدى الزهايمر وأتحدى الشيخوخة وأتحدى أجهزتهم وأقمارهم وكاميراتهم المعلقة في كل مكان

نععععععععم... فلثطين غذة ..الأقثى-

________________________________________
[1] فلثطين = فلسطين. غذة = غزة. الأقثى = الأقصى


الساعة الآن 12:05 PM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى