![]() |
بحثا عن شباب اكتوبر 1988
رغم ان كثير منا كان في سن مبكرة من الطفولة ، الا اننا بالتأكيد مازلنا نتذكر احداث اكتوبر 1988 ، وما اصبح يلقب فيما بعد بأحداث الربيع الامازيغي ، مازلنا نتذكر صرخات الشباب الثائر على النظام انذاك ، نتيجة لما عاناه من عبث الحزب الواحد بالوطن ومقدرات البلاد . مازلنا نتذكر شعارتهم التي كان الثوار يحملونها ويتغنون بها في تحركاتهم ومظاهراتهم في جميع ربوع الوطن في خنشلة وبجاية وتيزي وزوا والعاصمة وورقلة ، نتذكر وقفاتهم أمام البيوت وفي الأحياء والساحات الوطنية ، وهم يغنون ويرقصون رقصة الحرية على أنغام وطنية وكلمات ثورية توارثوها عن جيل الثورة على الاستعمار الفرنسي واخرى منسوجة من جميل كلماتهم بعد أن استشعروا طعم الحرية والوطن وتنسموا بعضاً من عبيرها. كنا اطفالا ، مشدودين الى ذلك الصخب الجميل ، ومنبهرين جميعاً أمام مشهد هذه الجموع المطالبة بالعدل والحرية والوطن ، والتي ما أن تعودّنا عليها حتى بدأ يختفي صوتها في المناطق المنتفضة تباعاً، وانتهت بشكل تدريجي، خاصة بعد انسحاب الرئيس الشادلي من جديد من سدة الحكم والاصلاحات التي حاولت بها الحكومة ، كسر صوت الشارع بداية من اعلان التعددية الحزبية وتعديل الدستور، واجراء اول انتخابات تعددية في الجزائر،والتي فاز فيها الفيس ، نتيجة للتصويت العقابي الذي مارسه الشعب انتقاما من الحكومة ، وسياستها الفاشلة طيلة 36 سنة من الاستقلال والانعتاق من الاستعمار الفرنسي ،وما ان ظهر فوز الجبهة الاسلامية للانقاذ في الانتخابات حتى تدخل النظام الجزائري وجنرالاته رافضين نتائج الانتخابات ،منقلبين عليها حتى تفرّق بعدها الشباب الثائر في الساحات ما بين معتقل في ايدي النظام ، وشهيد، ومغررا به في صفوف الفيس الذي غدى مسلحا،فيما اتجه آخر فارا الى خارج الوطن بحثاً عن طريق آخر للوطن! اخذ الربيع الأمازيغي في تلك الفترة ، ابعادا مختلفة، خاصة بعد تدخل قيادة الجيش الوطني الشعبي الجزائري ، في الصراع ورفضها لنتائج الانتخابات ، التي فازت فيها الجبهة الاسلامية للانقاذ ، وما عقبها من تشكيل الجيش الاسلامي للانقاذ كجناح عسكري للجبهة الاسلامية للانقاذ ، وتوجه قادة الحزب الى العمل العسكري، ردا على انقلاب جنرالات الجيش الوطني الشعبي على نتائج الانتخابات ، و واعتقال قادة ومناضلي الجبهة الاسلامية للانقاذ ، وهو ماقاد البلاد الى مسلسل من الدم استمر لأكثر من عشرية كاملة، كانت نتيجته الاف الألأف من القتلى والجرحى والمفقودين في صفوف المدنيين ومن العسكريين ..، كما ادى هذا الصراع الى هجرة الالاف من سكان القرى لقراهم ومداشرهم فأحتشدت بهم المدن وزاحم منهم الشباب الذين كانوا يعملون في الفلاحة ، شباب المدن من البطالين على المقاهي، فزادت ارقام البطالة في اعدادها وتضاعفت. _لكن الذي ينظر في حال البلاد اليوم ، يجد ان شباب الامس الذي انتفض على مايعانيه من مشاكل اجتماعية، وحمل الحكومة مسؤولياتها ، رافعا شعارات كبيرة كشفت عن مستوى وعيه السياسي، و فارضا نفسه كرقم فاعل في البلاد ، عاد الى صمته في سنين الصراع بين الارهاب والجيش الوطني الشعبي، فاقدا الامل في قدرته على التغيير بعد ان سرقت العصابات واللصوص وجماعات المال منه ثورته وانتفاضته التي اصبحت تسمى اكتوبر الاسود ،فأكتشفناه بعد سنين يعيش لنفسه، مختزلا مشاكله في منصب عمل وتكوينه اسرة... الملاحظ ايضا ان الاعلام الوطني اليوم ، والمثقفين ، واحزاب المعارضة ، في الجزائر تلقي باللوم على الشباب تتهمه ، بانتهاجه للصمت طريقا، جاعلا من نفسه في وطنه مجرد كتلة محايدة ، لايهمه مايحدث في البلاد من صراعات سياسية مختزلا مشاكله في العمل والزواج ...والسكن . لهؤلاء نقول لهم لا تلوموا الشباب الثائر بالأمس، إذا مابحث اليوم عن قوته ورزقه ، خاصة بعد أن تخلى عنه الجميع بعد انتفاضة اكتوبر 1988 ، ووجد نفسه في سنين الصراع بين الجيش والارهاب منفرداً في مواجهة الوطن تارة والغربة في تارة اخرى وتعقيدات الحياة في تارات. لقد كان الشباب الجزائري من خيرة شباب الامة العربية واكثرها وعيا بالقضايا الوطنية والعربية والاسلامية وحتى العالمية ، وكان ممن يواصل الليل والنهار في ترتيب المظاهرات وكتابة اللافتات وتجهيز الأهازيج والترديدات المختلفة التي تختلف من قضية الى اخرى ، وكثير منهم ترك تعليمه أو عمله لأجل قضية يؤمن بها ا والعمل في سبيلها ،لقد كان شبابنا في الجزائر ممن قدم وقته وماله وجهده في سبيل نصرة الوطن وازدهاره او حتى في استمرار القضايا الدولية التي كان يؤمن بها مناصرا لها من اجل تحقيق أهدافها خاصة القضية الفلسطينية او الصراع العربي الاسرائيلي. اما ان بعد أن قُضي على ثورته في اكتوبر 1988 وما عقبها من توالي للأحداث والأزمات الامنية والسياسية ، وخرج الشباب - أو بالأحرى أُخرج - من ثورته صفر اليدين ، وجد - هذا الشباب- نفسه يتخبط في مشاكله وحيدا ، لايثق في صراعه معها بأحد ، لايرى من سبيل لحلها سوى الهجرة خارج حدود وطنه مهما كانت الطريقة ، يقضي ايام عمره في البحث عن مورد مادي لتأمين قوته، خاصة بعد أن يئس الكثير منه في حل حكومته لمشكل البطالة. رغم كل ماقلته في هذا المقال اعتقد ان هناك طائفة من الشباب مازالت تؤمن بامكانية التغيير في الوطن وتحاول اعادة فرض نفسها ،الا أن العمل والحراك غير المنظم هو من جعلها غير قادرة على ايجاد موطئ قدم لها في الساحة السياسية في البلاد،خاصة ان افكارها لا تخرج الى ساحات الوطن الواقعية بل تتلخص في كتابتها كمناشير على ساحات التواصل الافتراضي ، هناك جزء اخر من الشباب الجزائري نجد كثيراً منهم حائرين بين خيارين أحلاهما مرّ، إما الاستمرار في نهج محاولة التغيير في البلاد وكبح جماح الفساد المتغلغل في مؤسسات الوطن بدون مخططات مدروسة اواهداف واضحة، وإما الانحياز إلى قافلة الصمت في البلاد والانشغال في ترتيب أمور ايامهم وحياتهم وأعمالهم! لم يكن هذا شباب الجزائر يعرف الكل أو الملل في الساحات السياسية كان متمكنا من قوانين هذه اللعبة ، ولم يكن يهدأ له بال وهو يقض مضاجع الفساد في وطنه بنهجه الثوري المستمر، ولكن هذا الجيل وجد نفسه خارج مايحدث في الساحة السياسية الوطنية تماماً، مختزلا ادواره في كثير من الاحيان عن بحثه عن مكان او منبر يقدم من خلاله مساعدة لأهله ومجتمعه، مستغلا بعض الجمعيات الاجتماعية - خاصة الخيرية - كباب خير ينفذ منه إلى إعانة المحتاجين . في اخر هذا المقال يجب ان ننوه الى ان هذه الفئة الكبيرة من مجتمعنا في الوطن تستحق ان تجد من يستفيد من خبراتها ويوظفها لصالح الوطن ومن أجل الصالح العمل العام، لا لمصالح شخصية ضيقة، أو مناطقية بغيضة كما انه يجب ان نشير الى انه ابدا ليس عيبا في أن يبحث الشباب الثائر عن رزقه وتأمين مستلزمات حياته، ولكن العيب هو في عدم قدرته على التوحد من اجل ايجاد موطن قدم لنا كفئة يمكنها صناعة وجه اخر للوطن والمساهمة في بناء هذا البلد الذي ارادته الانظمة المتعاقبة مجرد وسيلة لخدمة مصالحها السفلى منتهجة تحويل خيراته الى ارقام بنكية خارج ارض الوطن حتى اللحظة، انه لا يعقل ان نستمر في تداول الاتهامات وتقاذف المسؤوليات، بحثاً عن راحة ضمير، بدل البحث عن ازدهار الوطن وايجاد حلول واضحة للأمات التي تحيط بهذا الشعب من كل حدب وصوب خاصة ان هذه الأزمات تضع البلاد على كف عفريت ! ايضا يجب ان نشير في ختامي لهذا المقال انه العيب كل العيب هو في بخس الناس أعمالهم، وتحقير مساعيهم، بدل الاحتفاء بها، وتقديرها، بغية الاستفادة والاستزادة منها، وهذا ما نراه عند تراشق الكثير من المنابر الاعلامية والتي تجمع في حواراتها غالبا بين السياسي والعسكري والمدني! ختاما نوجه كلمة في هذا المقال الى جميع الأحزاب السياسية والى جميع الفاعلين في الساحة الوطنية من اعلام ووطنيين ومثقفين وخبراء ونقول لهم ايها الناس انه يستحق هذا الشعب - بعد مرور مايقارب الثلاثين سنة من صرخة اكتوبر الربيع الامازيغي او اكتوبر الأسود مثلما يحلوا للكثيرمنك تسميته - أن تكون له قيادة ذات مستوى عالٍ تليق به وبإنجازاته، وتقوم على الاستفادة من إنجازات وخبرات الآخرين سواء في الساحة العربية او الدولية ، والدمج بينها، كما انه يستحق هذا الشباب الذي اثبت وطنيته في الكثير من الازمات التي حاطت بالوطن أن يجد من يستفيد من خبراته ويوظفها لصالح العمل العام، لا لمصالح شخصية ضيقة، أو مناطقية بغيضة وفي الاخير تولانا الله جميعا برحمته الازدهار للوطن والمجد والخلود لشهدائنا في جميع مراحل البلاد. كريم دزيري18 ديسمبر 2016 |
| الساعة الآن 07:11 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى