![]() |
وجـــــــــــــــــــــــــــــــه
:13::15::13::15:
وجــــــــــــــــــــــــــــ ـــــه وجه توشك فيه التجاعيد أن تصرخ من ثنايا هذه البشرة السمراء لتروي له يوميات كتبت بغبار الزمن.. محراث السنين و حده كفيل أن يختط في إصرار و أناة تلك الخطوط الغائرة ،التي تذكر الإنسان بساعة النهاية القادمة يوما ما . . انه وجه العم مسعود الذي كافح رياح التاريخ و تعاقب الأحداث و الوقائع . الأخاديد تكاد تنفذ إلى عظام الجمجمة المترعة بهواء الريف النقي و بشمسه الدافئة... جمجمة تحبس بين أعظمها الرقيقة بحرا من التجارب الطويلة و الحكايا اللذيذة و نزق الطفولة الأول و صفحات خالدة من قصة الحياة... عم مسعود سوف يسلخ عقده الثامن قريبا. يتبرم من هذه الحقيقة المؤكدة التي تذكره بها زوجه أم أحمد إذا ما دب الخلاف بينهما . ( يا شيخ سوف تطل على الثمانين قريبا و أنت لا تزال تعبث مثل عبث الصبية ).. تلك الحقيقة توغل في إيلامه كلما تذكرها.. و تلتف تلك التجاعيد حول حلقتين غائرتين وسط جبينه العريض...عينان متوثبتان أبدا مثل أعين الطيور الكاسرة. لقد شهدت تلكم العينان أياما زاهرة و مواقف باهرة من حياته الحافلة بالأحداث.. و يتذكر أنهما كانتا أيضا مصرع كثير من الصبايا أيام الشباب. لقد كانتا رمز وسامته و أناقته و بهاءه.. و لكنهما في الوقت نفسه ذرفتا الدموع الغزيرة مرة و مرة ..حارة أحيانا و باردة أحيانا أخرى. لقد كان عم مسعود يحفظ عن ظهر قلب مقولة والدته: ( الأحزان دموعها حارة و الأفراح دموعها باردة).... أهداب طويلة (أو بقايا أهداب)..بيضاء ناصعة مثل حبات البرد. إنها تحيط هذين الحلقتين في أدب و طاعة . كانت الأهداب أجنادا بحق..تتوشح السلاح و الحراب للذود عن هاتين البحيرتين الوسيعتين ، تضمن سلامتهما من المياه الغريبة أو الحشرات التي تسعى جاهدة لتلويثهما و تكدير صفوهما... و تستمر الأخاديد في رحلتها غير المباركة طبعا. تحاصر بضراوة أنفا ضخما و شامخا، معقوف المقدمة قليلا ليتحدى في كبرياء الأمواج المتلاطمة التي تسعى للإطاحة به في أقرب مستنقع . يبددها في يسر حينا و في عنف أحيانا. أنف لم يعرف يوما الانحناء أمام العواصف العاتية ..أو الإحجام دون النوائب و الأرزاء. أنف جبار لا يحفل للتملق أو الانبطاح أو المسكنة أو الاستسلام... نمتطي مجددا قطار التجاعيد لغزو هذه الدائرة التي تقبع أسفل الأنف في خجل. طبعا ليس غزوا مسلحا بالبوارج و الدبابات لأن العم مسعود لا يمكن اجتياحه بقوة السلاح و العسكر و هو الرجل الذي دوخ فرنسا الاستعمارية و أذاقها ألوانا من الألم و المذلة و الخطوب.. انه الفارس المغوار الذي نعتته الصحف الاستعمارية يوما و بلا محاملة : – مسعود ثعلب الجبال – ثغر مبتسم أبدا حتى في أحلك الظروف و أقساها فتكا و مرارة... الشيخ يعلم جيدا أن الابتسام كفيل أن يفتح كل الأسوار التي تطبق على القلوب و كفيل أيضا أن يذيب كل الجليد المترسب بإصرار في العقول المتحجرة... ثغر لا يجيد لغة المنافقين و لا يتقن لهجة الالتواء و لا يزور عن قول الحقيقة مهما كانت ثقيلة على الأسماع.. . ليس بعيدا عن الثغر الجميل تندثر الأخاديد فجأة و تفسح المجال أمام هذا الكساء الرباني الأبيض الذي يبث الوقار في سحنة الشيخ.. لحية مهذبة و مكتنزة تنم عن أناقة العم مسعود و أبهته رغم عجلة الشيخوخة التي تطوي العمر في ضراوة. تلك اللحية البيضاء هي سر الوقار الذي يملكه الشيخ... - ضع رأسك برفق على المخدة يا عماه – هتف صوت أنثوي عميق و دافئ و عطوف . كان صوت الطبيبة و هي تمسك رأس الشيخ في رفق و أناة .. . شكرا يا بنيتي..صدقيني إنني متوتر كثيرا - هتف الشيخ أخيرا بصوت متهدج - لا داعي للتوتر. لا تخش شيئا ،ما زال الشباب ينبض في عروقك - أجابته في ابتسامة آسرة. قلبت المرأة عينيه بمصباح يدوي دقيق...فحصت أسنانه وألقت ببصرها الثاقب في أذنيه الكبيرتين. بحركات مدروسة راحت تقيس ضغطه..نقرت أضلاعه بأناملها اللطيفة. وجست صدره و ظهره ثم راقبت أصابع قدميه. (طن..طن..طن) انتفضت الساعة الحائطية ...أعلنت تمام العاشرة. و نطق الشيخ الممدد فوق السرير في محاولة لكسر الصمت المطبق على الحجرة: - كانت الساعة العاشرة تصادفني دوما في الحقل رفقة زوجتي أم أحمد – سكت قليلا و أردف. - كنا نرتشف الشاي في هذا الموعد - ...ابتسم و أغمض عينيه. فرغت الطبيبة من الفحص...و ابتسمت راضية عن النتيجة. - أنت بصحة يحسدك عليها الفتيان يا عماه..فقط هي نزلة البرد و الدواء كفيل بردعها في أيام فلا داعي للقلق – أخذت تملأ الوصفة الطبية و الشيخ يرنو في أبوة صادقة إلى هذا الوجه الملائكي الذي يحمل الشفاء إلى الأجساد العليلة. - هل معك و صفة لآخر فحص يا عماه – هتفت الطبيبة و هي تدون النتائج على جهاز الحاسوب. أفرج الشيخ عن ابتسامة كأنها نبتت للتو من قلبه الطيب... وقال بعد لأي: - ليست لدي وصفات يا سيدتي - ردت الطبيبة في ذهول واضح : - أقرانك من الشيوخ يصطحبون معهم حزمة من الوصفات و الأشعة لتسهل على الطبيب مهمة الفحص. على أية حال لا تكترث للأمر يا شيخ – قال عم مسعود مودعا الطبيبة و هو يستلم الوصفة من يدها: - ببساطة هذه أول مرة في حياتي أزور فيها عيادة الطبيب –:12::20::8: |
رد: وجـــــــــــــــــــــــــــــــه
اقتباس:
|
| الساعة الآن 01:50 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى