![]() |
محطات شرعية مع دعاة الإفساد والتفجير والإعتداء على البرية
محطات شرعية معدعاة الإفساد والتفجير والإعتداء على البرية (لا بأس عليك يا مدينة مصطفى بن بولعيد) كتبه فضيلة الشيخ أبو عبد الباري عبد الحميد العربي الجزائري الحمد للهوكفى والصلاة والسلام على المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى وأشهد أن لا إلهإلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد: *المحطة الأولى: أولا: لايجوز للمغرر بهم أن يفرحوا بفتاوى المشبوهين، من أمثال أبي قتادة الفلسطيني، وضربهمن الهلكى الذين يقيمون في ديار الصلبان، أو بعض المتطفلين على العلم من أشاعرةشنقط؛ الذين يحفظون المتون ولا يفهمون!، فإنّ هذا الصنف لا يحق له أن يتكلم فيالحيض والنفاس لجهله بالشريعة، وغرقه في مستنقع التقليد، فكيف يفتي في دماءالناس!؟ ثانيا: يحرم على المغرَّر بهم أن ينطلقوا في نصرة الإسلام في ديارهمالإسلامية والآمنة تقليدا لصنيع بعض المسلمين في العالم، فما يحدث في الشيشان،وأفغانستان، والفلبين، والصومال، وفلسطين، وكشمير، وأخيرا العراق، له أحكام خاصةجدا لا يجوز تعميمها ولا توسيعها، ولا أن يكون أصلا يقاس عليه غيره، أضف إلى ذلك أنالقائمين على تصحيح الوضع في هذه الأقاليم فيهم دخن واعوجاج، وتعدٍ وظلم، لجهلهمبمنهج السلف في باب التغير، والسياسة الشرعية. ثالثا: على المغرّر بهم أن يدركواأن قضايا الأمة يجب أن لا تؤثر على أمن الوطن القائم وإن كان فيه اعوجاج، وأن الذييحدث في الأقاليم السابقة يعالج بالمحافظة على أمن الأوطان القائمة، وأنه لا يجوزبحال من الأحوال أن تكون قضايا الأمة سببا في زرع الفتن في الأوطان الآمنة، ولو كانللمغرر بهم فقه متين لوقفوا على هذه القاعدة التي حررها علماءُ السنّةِ الأفذاذ،وأن مصلحة الوطن المسلم مقدمة على قضايا الأمة. **المحطة الثانية: جعل دعاةالتفجير أصل أصولهم قبل توحيد الله تعالى إسقاط الأنظمة القائمة بكل وسيلة شرعيةكانت أو بدعية!! إنّ دعاة الإرهاب والخروج، وتكفير الخلق بالصّغيرة والكبيرةجعلوا أصلَ أصولهم ذكرَ عيوب الحُكام، ونشرها في وسائل الإعلام: وأن الدين لا تقومله قائمة إلا بإسقاط الأنظمة الحاكمة، عن طريق التمرد والعصيان وإراقة الدماء،وتدمير وقتل كل ما امتدت إليه أيديهم!. إن صنيع القوم مخالف تماما للأدلةالشرعية الساطعة، ومباين للواقع المعيش، ومن الأدلة: قوله جل وعز في سورة الرعد [إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْوَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّندُونِهِ مِن وَالٍ] وقول النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي أمامة: (لتُنْقضَنَّعُرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة؛ تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضًاالحكم، وآخرهن الصلاة). قلت: الحديث إسناده جيد: أخرجه الإمام أحمد (5/251)، وابنهعبد الله في السنّة (برقم764)، والحاكم (4/190 برقم 7101ط: مقبل بن هادي الوادعي )من طريق عبد العزيز بن إسماعيل بن عبيد الله، أنّ سليمان بن حبيب حدثهم عن أبيأمامة الباهلي به. قال الحاكم: عبد العزيز هذا هو ابن عبيد الله بن حمزة بنصهيب، وإسماعيل: هو ابن عبيد الله بن المهاجر، والإسناد كله صحيح، ولميخرجاه. تعقبه الذهبي بقوله: عبد العزيز ضعيف. قلت: قد وهم الحاكم والذهبيرحمهما الله في ذلك. قال العلامة مقبل بن هادي رحمه الله في تذييله على مستدرالحاكم: (عبد العزيز ترجمه الحافظ في "تعجيل المنفعة" قال أبو حاتم: ليس به بأس،وأمّا الذهبي فقد تبع في هذا الحاكم على أن عبد العزيز هو: ابن عبيد الله إلخ، وليسكذلك، بل هو: ابن إسماعيل بن عبيد الله كما في مسند أحمد (5/251)، وشيخه سليمان بنحرب)اهـ. قلت وبالله التوفيق: فعبد العزيز هذا ليس هو ابن عبيد بن حمزة بن صهيببن سنان الحمصي، وإنما هو عبد العزيز ابن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجرالمخزومي، مولاهم الدمشقي، الذي وثقه ابن حبان في الثقات (7/110)، وقال عنه أبوحاتم في الجرح والتعديل (5/377 برقم 1766): ليس به بأس، انظر تعجيل المنفعة للحافظ(1/820 برقم659). وعليه فيكون حاله أنه حسن الحديث. وقد نبه إلى وهم الحاكموالذهبي العلاّمة الألباني فقال رحمه الله في تعليقه على صحيح الترغيب والترهيب (1/369 ط مكتبة المعرف) بإيجاز شديد: (وفي سنده تحريف خَفِيَ على الذهبي فضعفالحديث من أجله! وإسناد أحمد صحيح) قلت: وإسناد الإمام أحمد حسن، ولا أظنّ أنهيرقى إلى الصحة، والله أعلم. وأخرجه الطبراني في الكبير (برقم 7486)، وفيالشاميين (2/411 برقم 1602)، والبيهقي في الشعب (برقم 7524) من طريق محمد بن عبدالله الحضرمي، عن أحمد بن حنبل به. وأخرجه ابن حبان (برقم 6715) من طريق إسحاقبن إبراهيم المروزي، والبيهقي في الشعب (5277) من طريق أبي جعفر المسندي؛ كلاهما عنالوليد بن مسلم به. قلت: وفي هذا الحديث أخبرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنّأول شعائر الدين ذهابا الحكم بما أنزل الله، وبين في نفس الحديث أن كثيرًا من شعائرالدين تبقَى بعد ذهاب الحكم، والشيء لا يذهب كله بذهاب أوله كما في هذا الحديثوحديث فيروز الديلمي الذي أخرجه الإمام أحمد (4/232) وقد رُوي موقوفا ومرفوعا،وفيه: (لينقضن الإسلام عروة عروةً، كما ينقض الحبل قوة قوة)، فظهر بذلك أنه ليسالأمر كما يقولون: ذهاب الحكم؛ ذهاب الدين كله، وعليه تصير الدولُ الإسلامية علىمفهومهم العفن دُوَلَ كفرٍ شبيهة بروما وباريس، آخذين هذا العفن من رأسهم سيد قطبالمصري الذي يقول في ظلال القرآن (4/2122): (إنّه ليس على وجه الأرض اليوم دولةمسلمة، ولا مجتمع مسلم، قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله والفقه الإسلامي)، ويقولكذلك: كما في ظلال القرآن (3/1634 ): (إن المسلمين اليوم لا يجاهدون، ذلك أنالمسلمين اليوم لا يوجدون)، ويقول كذلك كما في الظلال (4/2009): (إن هذا المجتمعالجاهلي الذي نعيش فيه ليس هو المجتمع المسلم)، ويقول كما في كتابه العدالةالاجتماعية (ص:250): (وحين نستعرض وجه الأرض كله اليوم على ضوء هذا التقرير الإلهيلمفهوم الدين والإسلام لا نرى لهذا الدين وجوداً، إن هذا الوجود قد توقف منذ أنتخلت آخر مجموعة من المسلمين عن إفراد الله سبحانه بالحاكمية في حياة البشر،ويجب أن نقرر هذه الحقيقة الأليمة، وأن نجهر بها، وألاّ نخشى خيبة الأمل التيتحدثها في قلوب الكثيرين، الذين يحبون أن يستيقنوا كيف يكونون مسلمين..). وقال فيتفسيره (3/1451)، حاثاً شباب الأمة على الخروج والفتنة: (إنه لا مندوحة للمسلمين أوأعضاء الحزب الإسلامي عن الشروع في مهمتهم، بإحداث الانقلاب المشهود، والسعي وراءتغيير نظم الحكم في بلادهم التي يسكنونها)، وقال أيضا في ظلال القرآن (2/1057): (لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية، وعادت البشرية إلى مثلالموقف الذي كان فيه يتنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم…، لقد استدارالزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية إلى عبادة العباد، وإلى جور الأديان،ونكصت عن لا إله إلاّ الله، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن لا إله إلاّ الله،دون أن يدرك مدلولها…، البشرية بجملتها، بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن فيمشارق الأرض ومغاربها كلمات لا إله إلا الله، بلا مدلول ولا واقع… وهؤلاء أثقلإثماً وأشد عذاباً يوم القيامة، لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد من بعد ما تبين لهمالهدى، ومن بعد أن كانوا في دين الله). ولما استقر ضلال سيد قطب -ومن خدم منهجهالمنحرف؛ كمحمد سرور زين العابدين، وسفر الحوالي، وعدنان عرعور، والمراكشي، وخلقكثير- في قلوب دعاة التكفير بالكبيرة والصغيرة، صار اهتمامهم بالحاكمية هو شغلهمالشاغل، ولا تجدهم أبدا يعنون بباقي الواجبات، وحق الله على البريات، بل ربما جعلبعضُهم الدعوة إلى التوحيد الخالص، والعقيدة السليمة من التأويل والتمثيل والتحريف؛مضيعة للوقت، ونفخة في رماد، وأن قضية العصر التي يجب أن تجمع لها الجهود، وتسل فيسبيلها السيوف، وتجهز لها الجيوش هي: الإطاحة بالأنظمة القائمة، على قاعدة: أنالهرم يُؤتى عليه من أعلاه، حتى ولو أدى الأمر إلى تحويل الدول الآمنة إلى نسخةشبيهة بالصومال والعراق، والله العاصم من منهج دعاة الضلال. قال شيخ الإسلامابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (35/45): (...وأما الحديث النبوي "السّلطانظل الله في الأرض، يأوي إليه كلّ ضعيف وملهوف" ، وهذا صحيح ، فإنّ الظل مفتقر إلىآو، وهو رفيق له، مطابق له نوعا من المطابقة، والآوي إلى الظل المكتنف بالظل صاحبالظل، فالسلطان عبد الله، مخلوق، مفتقر إليه، لا يستغني عنه طرفة عين، وفيه منالقدرة والسّلطان والحفظ والنصرة وغير ذلك من معاني السؤدد والصمدية، التي بها قوامالخلق، ما يشبه أن يكون ظل الله في الأرض، وهو أقوى الأسباب التي يصلح بها أمورخلقه وعباده، فإذا صلح ذو السلطان؛ صلحت أمور النّاس، وإذا فسد فسدت بحسب فساده ولاتفسد من كل وجه، بل لا بد من مصالح، إذْ هو ظل الله، لكن الظل تارة يكون كاملًامانعًا من جميع الأذى، وتارة لا يمنع إلا بعض الأذى، وأما إذا عُدِم الظل؛ فسدالأمر...). إنّ أهلَ السنة والجماعة، أهلَ الحديث والأثرفي الجزائر الغراءوغيرها من بقاع الأرض راضون ببعض الظل، ويسعون بعون الله، ثم بجهد المخلصين منأبناء الأمة إلى جلب الجزء الناقص بالتي هي أحسن للتي هي أقوم، وفي نفس الوقتيحذرون الأمة من حرّ ولهيب دعاة والإرهاب والاستئصال، والخروج على السلطان. ***المحطة الثالثة: لنمشي جدلا مع دعاة الإفساد أن حكام الدول الإسلام كفار، فما هوالعمل!؟ إنّ الحاملين لمشروع الجهاد في ديار الإسلام هداهم الله، وأنا لا أعنيالقائمين على مقاومة العدوّ الغاصب كما هو الشأن في فلسطين الجريحة فهذا أمر آخر،عراةٌ من المستند الشرعي، ليس لهم مرجعية شرعية معروفة بالعلم، موثوق بها في العالمالإسلامي، ولهذا من أين لهم أن يعرفوا مواطن المصالح ليحققوها، وبؤر المفاسدليجتنبوها، وقضايا الجهاد والسياسة الشرعية لا تسند إلى مراجع وهمية ومجهولة، لايعرف لها صوت في الوسط العلمي، ومن رامى إقامة مشاريعه على المجهولين أو المفقودينفإنّه يكون قد شابه الرافضة الذين أرادوا أن يقيموا حجج الله على الخلق من ثقبسرداب ذاب فيه طفل مفقود!! قال ابن قيّم الجوزية رحمه الله في مفتاح دار السعادة(1/452 تحقيق علي الحلبي): (وحُجج الله لا تقوم بخَفِىٍّ مستور، لا يقع العالم لهعلى خَبَرٍ، ولا ينتفعون به في شيء أصلا، فلا جاهل يتعلم منه، ولا ضالٌّ يهتدي به،ولا خائف يأمَن به، ولا ذليل يتعزَّر به، فأي حجة لله قامت بمن لا يُرى له شخص، ولايُسمع منه كلمة، ولا يُعْلَم له مكان...) إلى أن قال: المستجير بعمرو عند كربته ** كالمستجير من الرمضاء بالنار)اهـ. وأعود إلى الحاملين على كواهلهم مشروعالجهاد، وهموم الأمة من غير مستند شرعي ولا عقلي، وأقول لهم: هبّو جدلا أن الحكامالذين تقاتلونهم كفار في منظور أهل الحل والعقد، لا يشك في كفرهم إلا أعشى! فهل هذهالحقيقة تبيح لكم إعلان الجهاد في ساحة الأمة جزافا من غير النظر إلى باب المصالحوالمفاسد، والتحقق من مواطن القوة والضعف، ودراسة الأوضاع دراسة دقيقة وشرعية،بالعودة إلى كبار أهل العلم، والخبراء من رواد السياسة الشرعية وصنّاع القرار، وهليتصور القوم رزقهم الله العقل أنّ اسقاط ناظم كامل ومتناسق في عصر العولمة،والتكتلات العالمية يكون بالتحريش والتشويش، وإثارة الفتن، وظلم الأبرياء من أبناءالشعب المسلم! وقد قيل: لكلّ داءٍ دواء يستطبُّ به-- إلاّ الحماقة أعيت منيداويها. قال العلاّمة صالح الفوزان رحمه الله كما في (فتاوى الأئمة في النوازلالمدلهمة ص 76-77): (وأما التعامل مع الحاكم الكافر؛ فهذا يختلف باختلاف الأحوال: فإن كان في المسلمين قوة، وفيهم استطاعة لمقاتلته وتنحيته عن الحكم، وإيجاد حاكممسلم؛ فإنه يجب عليهم ذلك، وهذا من الجهاد في سبيل الله، أما إذا كانوا لا يستطيعونإزالته؛ فلا يجوز لهم أن يتحرشوا بالظلمة والكفرة، لأن هذا يعود على المسلمينبالضرر والإبادة، والنبي صلى الله عليه وسلم عاش في مكة ثلاث عشرة سنة بعد البعثةوالولاية فيها للكفار، ومعه من أسلم من أصحابه، ولم ينازلوا الكفار، بل كانوامنهيين عن قتال الكفار في هذه الحقبة، ولم يُؤْمروا بالقتال إلا بعد ما هاجر × وصارله دولة وجماعة يستطيع بهم أن يقاتل الكفار، هذا هو منهج الإسلام. فإذا كانالمسلمون تحت ولاية كافرة، ولا يستطيعون إزالتها؛ فإنهم يتمسكون بإسلامهموبعقيدتهم، ولكن لا يخاطرون بأنفسهم، ويغامرون في مجابهة الكفار، لأن ذلك يعودعليهم بالإبادة والقضاء على الدعوة، أما إذا كانت لهم قوة يستطيعون بها الجهاد؛فإنهم يجاهدون في سبيل الله على الضوابط الشرعية المعروفة)اهـ. إنّ فقه القوةوالضعف في مواجهة العدو مقررٌ في السياسة الشرعية، فقد قرر شيخ الإسلام ابن تيميةرحمه الله بعد ما ذكر المراحل التي مرّ بها المسلمون في إقامة دولتهم: وأن المسلمإذا كان في حال ضعف؛ فيأخذ بنصوص العفو والصفح والصبر، وإذا كان في حال قوة؛ فيأخذبالنصوص الدالة على قتال الكفار، وقد ذكر شيخ الإسلام هذا وغيره في سياق الرد علىمن استدل بقول الله تعالى: [لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْوَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَالَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ]، فاستدل المعترض بذلك ونحوه على ترك قتل أهل الذمة، وإنطعنوا في كتاب الله، ودينه، ورسوله صلى الله عليه وسلم فرد عليه شيخ الإسلام: (إنالأمر بالصبر على أذاهم، وبتقوى الله؛ لا يمنع قتالهم عند المكنة، وإقامة حد اللهعليهم عند القدرة...) وذكر أن هذه الآية وما شابهها منسوخة من بعض الوجوه، ونقل أنالناسخ قوله تعالى: [وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ]، وقوله تعالى: [قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَيُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّمِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْصَاغِرُونَ] إلى أن قال رحمه الله: (...وصارت تلك الآية في حق كل مؤمن مستضعف لايمكنه نصر الله ورسوله بيده ولا لسانه، فينتصر بما يقدر عليه من القلب ونحوه، وصارتآية الصَّغار على المعاهَدين في حق كل مؤمن قوي يَقْدِر على نصر الله ورسوله بيدهأو لسانه، وبهذه الآية ونحوها كان المسلمون يعملون في آخر عُمُر رسول صلى الله عليهوسلم وعلى عهد خلفائه الراشدين، وكذلك هو إلى قيام الساعة، لا تزال طائفة من هذهالأمة قائمين على الحق ينصرون الله ورسوله النصر التام، فمَنْ كان من المؤمنينبأرضٍ هو فيها مستضعف، أو في وقت هو فيه مستضعف؛ فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذيالله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة: فإنما يعامِلون بآيةقتال أئمة الكفر، الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب،حتى يعطواالجزية عن يد وهم صاغرون) انظر الصارمالمسلول (2/413-414 ط/ الرمادي). قلت: إنّالعُجب الذي ملأ قلوب القوم، جعلهم يرون الأمور بمنظار آخر، ويزنونها بميزان خاص،ويتصورون أنهم يسلكون سبيل المجاهدين ضد فرنسا الكافرة مع تبان المواقف، واختلافالظروف كما بينا في جزء خاص لنا يسر الله طبعه، ويمنّون أنفسهم بالنصر القريب، فعمىالعجب أبصارهم، وصوّر لهم الشيطان أن الحق لا يصدر إلا عنهم، وكأنهم موكلون به،وهذه الصفة هي التي منعت الكفار من قبول الحق كما قال تعالى عنهم في سورة غافر: [فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَالْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون]. قال شيخ الإسلامرحمه الله في مجموع الفتاوى (10/292): (ألا ترى أن الذي يعظم نفسه بالباطل يريد أنينصر ما قاله، ولو كان خطأً). وصدق القاضي عياض حين قال كما في التذكرة في الوعظ (97): (لو أن المبتدع تواضع لكتاب الله، وسنة نبيه لاتّبع ما ابتدع، ولكنّه أُعجببرأيه فاقتدى بما اخترع). وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله في الجامع (1/285): (وقال بعض المتقدمين: صوّر ما شئت في قلبك، وتفكر فيه، ثم قسه إلى ضدِّه؛ فإنك إذاميّزت بينهما عرفت الحق من الباطل). وأنا العبد الفقير إلى الله أطالب المغرربهم هداهم الله إلى الحق أن يقارنوا الأفكار التي تشبعوها بالعلم الذي عليه كبارأهل العلم في هذا العصر، إن كانوا ينشدون الحقّ ويسعون إلى إصلاح الأرض. إن الذيعليه القوم من خلاف، واختلاف، واضطراب، وتيه، وضياع، ومعاص؛ شبيه بالعفن الذي يتخبطفيه النصارى، وصدق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حين قال في الجواب الصحيح (2/155): (ولهذا قال طائفة من العقلاء: إنّ عامة مقالات النّاس يمكن تصوُّرها إلامقالة النصارى، ولذلك أن الذين وضعوها لم يتصوروا ما قالوا، بل تكلموا بالجهل،وجمعوا في كلامهم بين النقيضين، ولهذا قال بعضهم: لو اجتمع عشرة نصارى لتفرقوا عنأحد عشر قولا! وقال آخر: لو سألت بعض النصارى وامرأته وابنه عن توحيدهم؛ لقالالرجل قولا، وامرأته قولا آخر، وابنه قولا ثالثا). وهكذا حال ثورنا هداهم اللهإلى السنّة؛ فإن العقلاء فضلا عن العلماء لم يتصوروا إلى الآن ماذا يريد القوم، وماهي معالم هذه الدولة التي يسعون إلى إقامتها، ومنهم أعمدتها من العلماء؟ زبرتهذا كله مشيا مع القوم أن الحكام الذين يناهضونهم كفار، فكيف إذا كان الحال خلافذلك تماما، وأننا لم نسمع من علمائنا أنهم كفروا حكامنا، ولا أنهم أمروا بمناهضتهم،والخروج عليهم. إنني من خلال هذا المقال أناشد المغرر بهم بالعودة إلى كبار أهلالعلم لمعرفة الحق، وسبيل النجاة من الفتن. قال العلاّمة الصنعاني رحمه الله فيإرشاد النقاد (ص:106): (وفرق بين تقليد العالم في جميع ما قاله، وبين الاستعانةبفهمه، فإن الأول يأخذ بقوله من غير نظرٍ في دليل من كتاب ولا سنة، والاستعانةبفهمه وهو الثاني: بمنزلة الدليل في الطريق، والخريت الماهر لابن السبيل، فهو دليلإلى دليل) ****المحطة الرابعة: تجريد دعاة الإفساد من بعض الأدلة التي يظنون أنها تخدممنهجهم. قلت: قد يستدل بعض من يدعي العلم من رؤوس الخوارج، وأدعياء الجهاد فيديار الإسلام على جواز حرق ممتلكات الأمة، وتخريب عتادها بقوله تعالى: [مَاقَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَافَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ]، وبما جاء في صحيح البخاري من حديثالليث وموسى بن عقبة كلاهما، عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (حرّق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير)، وبوّب الإمام البخاري فيصحيحه كتاب الجهاد والسير؛ (باب: حرقِ الدّور والنخيل). وبحديث صالح بن أبيالأخضر، عن الزهريّ: قال عروة: فحدثني أسامة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانعَهِدَ إليه فقال: (أَغِرْ على أبنى صباحا وحرق)، أخرجه الإمام أبو داود (برقم 2613)، وابن ماجه (برقم 2843)، والطياليسي (برقم625). قلت: والجواب على استدلالالقوم بما يلي: 1- نقول للقوم اثبتوا العرش ثم انقشوا، فإنّ الخلاف بينكم وبينعلماء الأمة الأخيار في صحة المشروع الذي تتبنونه من أساسه، فأهل السنّة والحديث لايصححون عملكم، ولا يرونه مشروعا، و لا أنّه الجهاد الذي أمر الله به ورسوله، حتىيستقيم لكم الاستدلال بالنصوص السابقة في قطع وحرق مُلك من ترونه مرتدا. 2- إنّحرق ممتلكات العدو يـخضع للمصلحة والمفسدة، ويحتاج إلى فهم العلماء المجتهدين لإذنالله تعالى، والذين هم بدورهم يقومون بإسقاطه على الحادثة، قال الشاطبي في الاعتصام(2/245): (فشأن الراسخين تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضا)، ثم قال: وشأنمتبعي المتشابهات أخذ دليل ما -أي دليل كان- عفوا وأخذا أوليا، وإن كان ثَمَّ مايعارضه من كلي أو جزئي)، وقال كذلك رحمه الله: (الشريعة لا يطلب منها الحكم علىحقيقة الاستنباط إلا بجملتها لا من دليل منها - أي دليل كان- وإن ظهر لبادي الرأينُطق ذلك الدليل، فإنما هو توهُمي لا حقيقي). ليت شعري من أين لأدعياء الجهاد فيديار الإسلام معرفة المصالح والمفاسد، وهم لا يملكون في صفوفهم رُبع طالبِ علمٍعُرف بالجتهاد فيه، نهيك أن يكون معهم عالم مشهور بالعلم، له وزنه في الأمة، وصدقحبر الأمة عبد الله ابن عباس حين ناظر الخوارج فقالوا له: ما جاء بك؟ قال: (جئتكممن عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس فيكم منهم أحد، ومن عند ابن عمّرسول الله ، وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله). إسناده حسن؛ أخرجه ابن عبدالبر في الجامع (2/963 برقم1834). قلت: وراقم هذه الأسطر غفر الله له جاء من عندالعلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، والعلامة محمد ناصر الدين الألباني،والعلامة محمد بن صالح العثيمين، والعلامة عبد المحسن العباد، والعلامة ربيع بنهادي المدخلي، وكوكبة مشرقة من العلماء وطلاب العلم، فمن هم العلماء الذين يستندإليهم المغرر بهم في أعمالهم؟!!. 3-لقد بوّب الإمام أبو داود رحمه الله (باب: الحرق في بلاد العدو)، وأنا أطالب أدعياء الجهاد في دارنا الحبيبة الجزائر أنيحددوا لنا بلادهم وحدودَها، والتي هي بلاد الإسلام والهجرة؛ البلاد التي يجب علىالشعب الجزائري المسلم أن يهاجر إليها، والتي تحرم فيها الاغتيالات والتفجيراتوالأعمال الإجرامية من حرق ونهب، ثم بعد ذلك يحددون لنا بلاد العدو، التي هي بلادالكفر، أو دار الحرب، والتي تصلح فيها الأعمال التي تعود على الإسلام والمسلمينبالعزة والنصرة والكرامة من حرق وهدم؟!. قال الأمير الصنعاني رحمه الله في سبلالسلام (7/222 تحقيق: محمد صبحي حلاق) بعد ما بوّب: إتلاف أموال المحاربين: (يدلعلى جواز إتلاف أموال أهل الحرب بالتحريق، والقطع لمصلحة في ذلك) ثم قال رحمه الله: (وقد ذهب الجماهير إلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدوّ، وكرهه الأوزاعي، وأبوثور، واحتجا بأنّ أبا بكر رضي الله عنه وصّى جيوشه أن لا يفعلوا ذلك. وأجيببأنّه رأى المصلحة في بقائها، لأن قد علم أنّها تصير للمسلمين، فأراد بقاءها لهم،وذلك يدور على ملاحظة المصلحة). انظر المغني لابن قدامة (13/146 تحقيق التركي). وفتح الباري للحافظ ابن حجر، كتاب الجهاد والسير، باب: حرق الدور والنخيل. قالالعلامة القرطبي رحمه الله في الجامع لأحكام القرآن (18/11 تفسير سورة الحشر): (اختلف النّاس في تخريب دار العدو، وتحريقها وقطع ثمارها على قولين: الأول: أن ذلكجائز؛ قاله في المدونة. الثاني: إن علم المسلمون أن ذلك لهم لم يفعلوا، وإن يئسوافعلوا؛ قاله مالك في الواضحة، وعليه يناظر أصحاب الشافعي ابن العربي. والصحيحالأوّل: وقد علم رسول الله أن نخل بني النّضير له، ولكنه قطع، وحرّق ليكون ذلكنكاية لهم، ووهنا فيهم، حتى يخرجوا عنها، وإتلاف بعض المال لصلاح باقيه مصلحة جائزةشرعا، مقصودة عقلا)، انظر تتمة الأضواء (5/284). إنّ الذي عليه علماء الأمةقاطبة أن إقليم جزائر من شرقه إلى غربه، ومن جنوبه إلى شماله دارُ إسلام وهجرة، ولايوجد فيه مترا مربعا يصلح أن نقول فيه أنه خاضع لأحكام دار الحرب، فما يفعله أدعياءالجهاد في ديارنا صنيع قطاع الطرق واللصوص، والعصابات الإجرامية. جاء فيالموسوعة السياسية (6/497) في تعريف الإقليم: (رقعة من الأرض والبحر، وطبقات الجوّالّتي تعلوها، تباشر الدولة سلطاتها بصفة دائمة ومستمرة، والإقليم عنصر أساسي منعناصر قيام الدولة، لأنه لا يمكن أن يكون لشعب كيانٌ مستقل وحقيقي ما لم يكن علىإقليم معين). وقد اجتمعت كلمة المذاهب الأربع وغيرهم من علماء الإسلام، ومن خالففخلافه من قبيل التنوع؛ أن مناط الحكم على الإقليم أنه أصبح دارهجرة وإسلام إذادخل في منعة المسلمين، واستقر تحت سيادتهم، بحيث يقدرون على إظهار أحكام الإسلاموالامتناع عن أعدائهم. أخرج الإمام مسلم في صحيحه (برقم1731) من طريق علقمة بنمرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذاأمّر أميرا على جيش أو سريَّة، أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمينخيرا، ثم قال: (اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولاتغُلّوا ولا تغدروا، ولا تمثُلُوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوّك من المشركينفادعهم إلى ثلاث خِصال -أوخلال- فأيتهنّ ما أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم، ثم ادعهمإلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم، ثم ادعهم إلى التحوّل من دارهم إلىدار المهاجرين، وأخبرهم أنهم –إن فعلوا ذلك- فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما علىالمهاجرين، فإن أبوا أن يتحلوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجريعليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أنيجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فأقبل منهم وكفّعنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم..). ينظر للفائدة الحديثية إكمال المعلمللقاضي عياض (6/32). وأخرج الإمام البخاري في صحيحه (برقم610) من طريق إسماعيلبن جعفر، عن حميد، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلمكان إذا غزا قوما، لم يكن يغزو بنا حتّى يصبح وينظر: فإن سمع أذانا كفّ عنهم، وإنلم يسمع أذانا أغار عليهم...). قد يقول قائل: في عصرنا الحديث كثير من ديارالصلبان فيها مساجد، ويسمع فيها الآذان، والجواب: أن المراد أن تكون المساجد مظهرامن مظاهر البلد، وهي علامة على ظهور شعائر الإسلام، والتي الصلاة من أهم دعائمه،وعندما أقول ظهور شعائر الإسلام لا أعني اجتماعها كلها، فإنه منذ انقراض عهدالخلفاء الراشدين والنقص متتابع في هذه الأمة كما جاء في الحديث (لتُنْقضَنَّ عُرىالإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة؛ تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضًاالحكم، وآخرهن الصلاة). وقد يوصف الإقيلم باعتبار سكانه الذين يملكون السيادةفيه: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (18/282): (...وكونالأرض دار كفر ودار إيمان، أو دار فاسقين؛ ليست صفة لازمة لها؛ بل هي صفة عارضةبحسب سكانها، فكل أرض سكانها المؤمنون المتقون هي دار أولياء الله في ذلك الوقت،وكل أرض سكانها الكفار فهي دار كفر في ذلك الوقت، وكل أرض سكانها الفساق فهي دارفسوق في ذلك الوقت، فإن سكنها غير ما ذكرنا وتبدلت بغيرهم فهي دارهم). وللهالحمد والمنـّة أن سكان الجزائر مسلمون، ولا يضر أن يكون بينهم بعض الفاسقين أوالكافرين، فإنّ الدار تنسب لسوادها الأعظم من السكان، الذين لهم السيادةفيه. قال العلاّمة الشوكاني رحمه الله في السيل الجرار (4/575) في تعريف دارالإسلام: (الاعتبار بظهور الكلمة، فإن كانت الأوامر والنواهي في الدّار لأهلالإسلام، بحيث لا يستطيع من فيها من الكفار أن يتظاهر بكفره إلا لكونه مأذونا لهبذلك من أهل الإسلام فهذه دار الإسلام، ولا يضر ظهور الخصال الكفرية فيها، لأنها لمتظهر بقوة الكفار، ولا بصولتهم، كما هو مشاهد في أهل الذمة من اليهود والنصارىوالمعاهدين السّاكنين في المدائن الإسلامية، وإذا كان الأمر بالعكس؛ فالداربالعكس). وقال عبد الله خلاف في السياسة الشرعية (ص69): (دار الإسلام: هي التيتجري عليها أحكام الإسلام، ويأمن من فيها بأمان المسلمين، سواء أ كانوا مسلمين أمذمِّيين. ودار الحرب: هي الدار التي لا تجري عليها أحكام الإسلام، ولا يأمن منفيها بأمان المسلمين)، ينظر كتاب (العبرة فيما جاء في الغزو والشهادة والهجرة. ص (234-237) (لصديق حسن خان القنوجي رحمه الله). وأُراني أجزم أن الذين خرجوا فيديارنا على حُكّامنا وشعبنا المسلم، وسعوا في إفساد البلاد والعباد لا يفقهون هذهالأحكام، لهذا خبطوا وخلطوا، وأدخلوا الأمة في أزمة لم يشهد لها التاريخنظيرا. فلدار الكفر أو الحرب أحكامٌ، ولدار الإسلام أو الهجرة أحكام، ويبقى دمالمسلم وماله معصومان بعصمة الإسلام في دار الحرب وغيرها، وأن الحكم على الرجلالمسلم بخروجه من دين الإسلام، ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليومالآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار، كما قال العلامة الشوكاني فيسيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار. تنبيه هام: لقد وقفت على قول لرأس منرؤوس الخوارج الأشرار في هذا العصر، يصور فيه وضع الأقاليم الإسلامية الحالية بحالةأهل ماردين في عهد شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال: (وأمصارنا لا تختلف كثيرا عن بلدةماردين التي سئل عنها شيخ الإسلام ابن تيمية... حيث كان فيها الكفار ويمثلون الطبقةالحاكمة المتنفذة ... والمسلمون ويمثلون عامة الناس والسكان [ ثم ذكرى فتوى شيخالإسلام، التي سأذكرها فيما بعد] وهذا الحكم يحمل على أكثر أمصار المسلمين في هذاالعصر، لتطابق أوصافها مع أوصاف بلدة ماردين التي سئل عنها شيخالإسلام)اهـ. وغلا صنف آخر مثل شكري مصطفى كما في كتاب (الهجرة)، وماهر بكري فيكتاب (ذكرياتي مع جماعة المسلمين)، وعبد الجواد يس في كتاب (مقدمة في فقه الجاهليةالمعاصرة)، وغيرهم حين جعلوا مدى التلازم بين صيرورة الإقليم دار كفر وبين تكفيرأهله، وهذا من الجهل بمكان، فإنه لا تلازم بين أن تصير الأرض دار كفر وبين أن نحكمعلى قاطنيها بالكفر كما سيأتي بيانه قريبا. قلت: ماردين إقليم إسلامي في تركياحكمه الأراتقة نسبة إلى أرتق بن أكسب من عشيرة تركمانية ما يزيد على عن ثلاثة قرون،وذلك من سنة 460 إلى سنة 812 هجرية، وقد استولى عليه التتار، ودخل تحت حمايتهم،وبعد هجوم التتار على الشام ناصر جنود ماردين التتار على المسلمين، ودونك فتوى شيخالإسلام ابن تيمية رحمه الله التي استشهد بها الخارجي على تكفير المسلمين وقتالهم،جاء في مجموع الفتاوى (28/240): (وسئل رحمه الله عن بلد ماردين، هل هي بلد حرب أمبلد سلم؟ وهل يجب على المسلم المقيم بها الهجرة إلى بلاد الإسلام أم لا؟ وإذا وجبتعليه الهجرة ولم يهاجر، وساعد أعداء المسلمين بنفسه وماله، هل يأثم في لك؟ وهل يأثممن رماه بالنفاق وسبه به أم لا؟ فأجاب: الحمد لله، دماء المسلمين وأموالهم محرمةحيث كانوا، في ماردين أو غيرها، وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة، سواءكانوا أهل ماردين أو غيرهم، والمقيم بها إن كان عاجزا عن إقامة دينه وجبت الهجرةعليه، وإلا استحبت ولم تجب. ومساعدتهم لعدو المسلمي بالأنفس والأموال محرمةعليهم، ويجب عليهم الامتناع من ذلك، بأي طريقة أمكنهم، من تغيبٍ، أو تعريض، أومصانعة، فإذا لم يمكن إلا بالهجرة تعينت. ولا يحل سبهم عموما ورميهم بالنفاق، بلالسّب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكورة في الكتاب والسنة، فيدخل فيها بعضأهل ماردين وغيرهم. وأما كونها دار حرب أو سلم؛ فهي مركبة: فيها المَعنيَان،ليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام، لكون جنودها مسلمين، ولابمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث، يعامل المسلم فيها بما يستحقه،ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه)اهـ. والمتمعن في كلام شيخ الإسلامبصدق وتجرد يجده أنه لم يكفر حكومة ماردين ولا جندها، وحالها شبيه بالحكم الذاتي،فهل الدول الإسلامية القائمة والآمنة اليوم وضعها شبيه بماردين حتى تقاسعليها؟ ثم إنه يوجد قول آخر لعلماء المسلمين يخالف ما جنح إليه شيخ الإسلام رحمهالله، فقد سئل الفقيه الشافعي الرملي عن المسلمين الساكنين في وطن من أوطان الأندلسيقال له "أرغون"، وهم تحت ذمة السلطان النصراني، يأخذ منهم خراج الأرض، ولم يعتدعليها بظلم، ولهم جوامع يصلون فيها، ويصمون رمضان، ويتصدقون، ويقيمون حدود الإسلامجهارا كما ينبغي، ولا يتعرض لهم النصراني في شيء من أفعالهم الدينية فأجاب: (لا تجبالهجرة على هؤلاء المسلمين من وطنهم، لقدرتهم على إظهار دينهم به، ولأنه × بعثعثمان يوم الحديبية إلى مكة على إظهار دينه بها، بل لا تجوز الهجرة منه، لأنه يرجىبه إسلام غيرهم، ولأنه دار إسلام، فلو هاجروا منه صار دار حرب) انظر فتاوى الرملي (4/52-54) ومعه الغلو في الدين (ص339) للويحق. إنني أدعوا المغرر بهم إلى دراسةهذا الباب من مصادره الأمينة والمتينة، إذا أرادوا أن يجنبوا أنفسهم وأمتهم المهالكوالأضرار، وإياهم ثم إياهم أن يعتمدوا على كتب سيد قطب وأخيه محمد وقطب، ومن قبلهماأبي الأعلى المودودي في تحرير هذا الباب، فإن من سبق ذكرهم قد شطّوا كثيرا عن منهجالسلف، وأبدعوا من المصطلحات ما زادت أبناء الأمة خبالا، وبعدا عن سواءالسبيل. 4- إن المغرر بهم يخلطون في مسألة التترس، ولا يفقهون قضية التزيل، ولهذانراهم يرمسون كل من جاء في طريقهم من مسلم ومرتد على تأصيلهم، وإذا سئلوا عنالأبرياء الذين لا ناقة لهم ولا جمل، بأي ذنب مزقت أشلاؤهم، يكون جوابهم: يبعثونيوم القيامة على نياتهم. قال تعالى [هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَارِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْفَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِيرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْعَذَابًا أَلِيمًا]، فإن الذي صنعه ويصنعه أدعياء الجهاد في ديار الإسلام جلب لهمالعار والخزي، ولأمتهم الذل والهوان ولم يحققوا عُشر مصلحة انتفع منها الإسلاموأهله والله المستعان. 5- حديث أسامة لا يصح للاحتجاج، لضَعف صالح بن أبي الأخضراليمامي. والحمد لله رب العالمين. الله أسأل أن يعيد للمغرر بهم عقولهم،وأن يرزقهم العلم النافع الذي يصححون به مسارهم. المصدر : موقع الشيخ عبد الحميد العربي أبو عبد الباري |
| الساعة الآن 11:09 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى