![]() |
مقتطف من شرح متن الورقات لشيخ صالح أل الشيخ حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
(معنى أصول الفقه) هذه ورقات تشتمل على فصول, من أصول الفقه, وذلك مؤلف من جزأين مفردين. فالأصل: ما بني عليه غيره. الفرع: ما يبنى على غيره. والفقه: معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد. (أنواع الأحكام) والأحكام سبعة: الواجب, والمندوب, والمباح, والمحظور, والمكروه، والصحيح, والباطل. فالواجب: ما يثاب على فعله, ويعاقب على تركه. والمندوب: ما يثاب على فعله, ولا يعاقب على تركه. والمباح: ما لا يثاب على فعله, ولا يعاقب على تركه. والمحظور: ما يثاب على تركه ويعاقب على فعله. والمكروه: ما يثاب على تركه, ولا يعاقب على فعله. والصحيح: ما يتعلق به النفوذ ويعتد به. والباطل: ما لا يتعلق به النفوذ, ولا يعتد به. بسم الله الرحمن الرحيم قال الجويني (هذه ورقات تشتمل على أصول من أصول الفقه) ، (هذه ورقات) لتقليلها، ومن سنة العلماء أنهم يقللون شأن ما يكتبون عند أنفسهم، ولا يمدحون ما يقولون أو ما يكتبون، فهذا قال (هذه ورقات) تقليلا لحجمها؛ لعدد صفحاتها، وأيضا يُشْعَر منه أنه ليس بمُتَبَاهٍ بها مع أنها مما اعتنى به العلماء بعده تدريسا وتأليفا وشرحا. (هذه ورقات تشتمل على أصول من أصول الفقه) (أصول من أصول الفقه) يعني ما اشتملت على جميع مسائل أصول الفقه؛ ولكنها اشتملت على فصول منها؛ يعني على مسائل منها؛ المسائل الأصلية المشهورة من مسائل أصول الفقه يشير إليها إشارة. ثم قال بعد ذلك (وذلك) يعني به أقرب مشار إليه وهو أصول الفقه، (ذلك) يعني أصول الفقه، (مؤلف من جزأين مفردين) يعني كلمة ”أصول الفقه“ مؤلفة من جزأين مفردين، مؤلفة من ”أصول“ ومن ”فقه“، فحتى نفهم ونعرف تعريف أصول الفقه, المعنى الاصطلاحي الخاص لابد أن نعرف تركيبها ، وهي مركبة من مفردين كلمة ”أصول“ ومن كلمة ”فقه“، ثم أضيفت فقيل ”أصول الفقه“، فصار لها تركيب إضافي، وصار لها معنى اصطلاحي, حتى نفهمها نأخذ كل كلمة على حدا. ( قال (فالأصل) الأصل واحد الأصول، ”أصول الفقه“ أصول جمع أصل، أراد أن يوضح ذلك فقال (الأصل: ما بني عليه غيره.)، يقال أصل الدار يعني أساساتها، أصل الشجرة جذورها وجذعها الأسفل، قال جل وعلا ?مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ?[إبراهيم:24]سمّى أسفلها أصلا لأنه بني عليه غيره وهو بقية الشجرة, أصول الإسلام؛ لأنه يبنى عليها الإسلام؛ أصول الإسلام الخمسة يبنى عليها الإسلام, أصول الإيمان المسائل التي يبنى عليها الإيمان، وهكذا، قال (فالأصل: ما بني عليه غيره. والفرع: ما يبنى على غيره.) الأصل مجتمع الفروع، فالفروع تتفرع من أصل واحد، لهذا صار الفرع يُبنى على غيره, يبنى على أي شيء؟ يبنى على الأصل, الأصل ينبني عليه الفرع, الأصل يُبني عليه الفرع, والفرع يُبنى على الأصل, يريد بذلك أن يبيِّن أنّ الفروع التي هي مسائل الفقه، أنّ لها أصولا بنيت عليها وأنه لم تكن من طريق اجتهاد ليس له مستند؛ بل لها أصولُها، ولها أدلتها، ولها براهينها، هذا هو المراد من قوله (أصول)، فالأصول تنبني عليها الفروع، كما أن الفروع تُبنى على الأصول، ولهذا في مؤلفات العلماء تخريج الفروع من الأصول وثَم الفروع، وثَم فروع الأصول ونحو ذلك, هذا الجزء الأول. ( الثاني قال (والفقه: معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد)، (معرفة الأحكام الشرعية) عبّر عن الفقه بالمعرفة، والفقه تارة يُعَبَّر عنه بالعلم، وتارة يعبر عنه بالفهم، وتارة يعبر عنه بالمعرفة. والمعرفة ثَم فرق بينها وبين العلم؛ لكن نقول تسهيلا في هذا المقام: إنّ المعرفة هي العلم. وإنْ كان العلم بلا شك أشرف وأعظم من المعرفة، في تفصيل يضيق المقام عن بيانه. لكن قوله (معرفة) يعني العلم، فقوله (والفقه معرفة الأحكام الشرعية) يعني العلم بالأحكام الشرعية, الأحكام الشرعية قسمان: (منها أحكام خبرية. ( ومنها أحكام عملية. الأحكام الخبرية: هي التي لا يدخلها الاجتهاد؛ يعني مسائل الاعتقاد ونحو ذلك، ممثل صفات الله جل وعلا، مثل الغيبيات وما يتعلق بالرسالات ونحو ذلك، هذه مسائل خبرية؛ يعني ليست مدار اجتهاد بين العلماء. هل هذا مراده في الفقه؟ الفقه في الأصل يطلق على العلم والفهم ?فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ?[التوبة:122] يشمل الفقه هذا معرفة العقائد؛ معرفة التوحيد، ومعرفة الأحكام العملية، هنا قيد لما تُوُهِّم من دخول الخبريات، قال (معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد)، (طريقها الاجتهاد) يعني تختلف فيها أنظار العلماء, هذا الفقه, (الفقه هو معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد) يعني تنبني على الاجتهاد؛ على النظر، ليست مسألة مقطوع بها بل ربما اختلفت فيها أنظار العلماء. إذن ما تعريف ”أصول الفقه“؟ على هذا لما عرف الجزئين؛ بيّن معنى الجزئين ”الأصول“ و”الفقه“ الآن نستطيع أن نركب تعريفا لأصول الفقه، قال (الأصل: ما بني عليه غيره)، (الفقه: معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد) فنستطيع أن نقول بناء على كلامه إنّ: أصول الفقه: هي الأصول التي يُبْنَى عليها معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد. أو تقول الأصول؛ أصول الفقه: المسائل التي بُنِيَ عليها معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد. إذن لا يدخل في أصول الفقه العقائد؛ لا يدخل فيها الأحكام الخبرية؛ إنما يتعلق بأصول ينبني عليها معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد، هذه الأصول هي طرق الاستنباط نعطيها بعبارة أخرى: هي طرق الاستنباط، أصول الفقه معناها: طرق الاستنباط؛ طرق استنباط الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد؛ كيف تستنبط؟، طرق الاستنباط هي أصول الفقه. بعد ذلك قال (الأحكام سبعة) أيُّ أحكام هذه؟ الأحكام التي ذكرها من قبل، وهي التي ذكرها في قوله (معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد)، فقال (والأحكام -يعني الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد- سبعة: الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه والصحيح والباطل) هذا التقسيم في كون الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد يعني الأحكام سبعة، هذا التقسيم خاص به، والعلماء من بعد يقسمون الأحكام إلى قسمين: ( إلى أحكام تكليفية. ( وإلى أحكام وضعية. يقولون: ( الأحكام الشرعية إما أن تكون مَنُوطة بالتكليف؛ يعني قد كُلِّفَ العباد بها، هذه تسمى الأحكام التكليفية، وهي الخمسة المذكورة هنا: الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والمحضور. ( وإما أن تكون أحكاما هي علامات يُستدل بها على أحكام الشرع، سموا هذا القسم من الأحكام بالأحكام الوضعية، معنى الأحكام الوضعية؛ يعني الأحكام التي وضعها؛ يعني نصبها الشارع علامات على الأحكام التكليفية. ولهذا القسمة المشهورة عند أهل العلم؛ أنّ الأحكام قسمان أحكام تكليفية وأحكام وضعية، وأنّ الأحكام التكليفية خمسة، والأحكام الوضعية أيضا خمس. ما هي الأحكام الوضعية؟ الشرط, السبب, المانع، الصحيح, الباطل. الشرط؛ فنقول هذا من شروطه؛ شروط الصلاة منها دخول الوقت، دليله قوله تعالى ?أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ?[الإسراء:78], (دُلُوك الشَّمْسِ) أليس حكما شرعيا؟ لكن كلف العباد به أم جُعل علامة لم يكلف العباد به؟ فهو حكم ليس حكما تكليفيا وإنما هو حكم وضعي؛ يعني جُعل أمارة، جُعل دلالة، وهذا يسمى هاهنا الشرط (أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) يعني زوال الشمس شرط لوجوب إقام الصلاة، (أَقِمْ الصَّلَاةَ) الصلاة واجبة عليك إذا زالت الشمس؛ إذا دلكت، فيكون الدلوك شرطا، هذا حكم وضعي. أي صارت الأحكام عندنا: التكليفي منها خمسة، والوضعي منها خمسة. هو جعلها سبعة، ولم يفرق بين التكليفي والوضعي، وجعل السبب والشرط والمانع ليس من هذه الأحكام، وكما قلتُ لك من قبل إن هذا اصطلاح خاص له، والصحيح القسمة. قال (الأحكام سبعة: الواجب والمندوب...) إلى آخره, لو تأملت معي لوجدت أنّ (الواجب) ليس حكما، لما؟ لأنّ الواجب صفة يوصف بها الشيء؛ نَصِفُ الصلاة بأنها واجبة، فالحكم الذي أتى من الشارع هل يصح أن نقول إنّ الحكم هو الواجب؟ لا يصح؛ لهذا يقول العلماء إن هذه العبارة وهي كثيرة عند الأصوليين فيها شيء من التجوّز لأجل الملازمة، والتلازم بين الواجب وما سأذكره؛ ألا وهو أنّ حكم الشارع هو الإيجاب، حكم الشارع هو الندب، حكم الشارع الإباحة، حكم الشارع الحظر، حكم الشارع الكراهة. أما الواجب فهو وصفٌ لما قام به الإيجاب، الإيجاب حكم واحد، أما الواجب هذا وصف لما تعلق به الإيجاب، -أليس كذلك؟- فحكم الله (أَقِمْ الصَّلَاةَ) نقول فيها حكم بواجب الصلاة؟ ما يستقيم؛ لكن فيها حكم بإيجاب الصلاة، هذا صحيح، كذلك ?وَافْعَلُوا الْخَيْرَ?[الحج:77] هذا فيه حكم بندب فعل الخير أو بإيجاب فعل الخير، ?لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى?[النساء:43]، فيها التحريم، فيها الحَظْر؛ لكن نقول فيها المحرم؟ إذن هناك فرق بين حكم الشارع الذي هو الإيجاب والندب والإباحة والحضر والكراهة، هذه الأحكام السالفة، والصحة والبطلان في الأحكام الوضعية ظاهر هذا؟. إذن نقول هذه العبارة فيها تجوّز. بدأ يشرح هذه الأحكام السبعة فقال (الواجب: ما يثاب على فعله، ويعاقب على تركه), الواجب غير الإيجاب تجوُّزًانقول الواجب يعني ما تعلق به، ما تعلق به الإيجاب, الإيجاب الذي ذكرته لك الذي يكون من الله جل وعلا من الأحكام قال (الواجب: من الأحكام ما يثاب على فعله، ويعاقب على تركه) الثواب على الفعل، والمعاقبة على الترك، ليس وصفا للواجب؛ ولكنه أثر تعلق الواجب بمن فعله؛ يعني الواجب: ما يثاب على فعله, يثاب من؟ يثاب الفاعل على فعله، الواجب: العمل الذي يثاب فاعله على فعله ويعاقب تاركه على تركه, إذن تعلق بالفاعل هذا نتيجة؛ يثاب على فعله ويعاقب على تركه، هذا نتيجة من النتائج، لكنه ليس حَدًّا في الواقع الصحيح للواجب, لكن نحن نأخذ ذلك على سبيل التجوّز لأجل أن هذه الورقات كما ذكرت لك من الرسائل السهلة الميسورة في علم أصول الفقه، تُعَرِّف الشيءَ بأبسط ما يدل عليه؛ يعني بأسهل ما يدل عليه، قال (الواجب: ما يثاب على فعله، ويعاقب على تركه) فاجتمع في الواجب شيئان: أن من فعله أثيب، ومن تركه عوقب. (ما يثاب على فعله) أخرج غير ذلك، وهو ما يعاقب على فعله وهو المحرم أو المحظور، أليس كذلك؟ أخرج أيضا ما لا يثاب على فعله وهو المباح, إذن (ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه) هذا وصف لنتيجة فعل الواجب، وإنه إذا فعله فإن أثيب على فعله وعوقب على تركه صار واجبا. الثواب على الفعل والمعاقبة على الترك، في الدنيا أو في الآخرة؟ يعني كيف نفهم من النصوص أنّ هذا واجب بهذا التعريف؟ الثواب على الفعل المقصود منه الأجر، ليس المقصود منه الثواب الدنيوي؛ لأنّ من الأعمال ما يثاب عليها المرء في دنياه ولا يسمّى واجبا، ويعاقب على تركها لأجل الدنيا ولا يسمى واجبا، من جنس الأعمال المختلفة إذْ تقع عليها عقوبات كونية ونحو ذلك. يثاب على فعله ويعاقب على تركه يوم القيامة إنْ فعله في الدنيا أثيب عليه يوم القيامة، إنْ تركه؛ ترك فعله في الدنيا عوقب عليه يوم القيامة هذا هو الواجب. لاحظ هنا أنّ الفعل والترك ها هنا أنّ المراد منهما مع تمام الشروط-مع بقية الشروط- لأنه قد يفعله ولا يثاب، وقد يتركه ولا يعاقب، قد يفعل الشيء الواجب ولا يثاب عليه؛ لأنّ صورته صورة الواجب، لكن ما أتى ببقية الشروط، مثل لو صلى بدون طهارة, الصلاة في نفسها واجبة لكنه لا يثاب عليها؛ لأنه صلى على غير طهارة، لو ترك أداء واجب لعارض إما لجهل أو لمرض أو لخطأ أو لعذر، فهو تَرَكَه لعارض فهذا لا يسمى تاركا للواجب، ولا يعاقب عليه وإنْ كان في الصورة تاركا للواجب؛ لأنه لابد من قيد أنْ يكون فعله حين فعله بنية الفعل؛ نية التقرب، وأنْ يكون تركه حين ترك بنية المخالفة، وهذا القيد مهم جدا، فيمكن أن نقول في كلام الماتن: فالواجب: ما يثاب على فعله قصدا -يعني إنْ فَعَلَه قاصدا-, ويعاقب على تركه إنْ تركه قاصدا. هذا قيد مهم. قال (والمندوب: ما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه), المندوبات أنواع, والندب هو الدعاء لفعل شيء، كما قال الشاعر: ليسألون أخاهم حين يَنْدُبُهم في النائبات على ما قال برهانا ”حين يندبهم“ يعني حين يدعوهم, فالمندوب هو الذي دُعِي إلى فعله, لكنه ليس في درجة الواجب؛ لأنه لم يكن الأمر به أمرا جازما، بحيث أنه توعد من تركه بالعقاب، وإنما كان الأمر به حثا وترغيبا، ليس معه توعد عند المخالفة, لهذا قال (ما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه)، من جنس أنواع المسنونات المختلفة في العبادات؛ في الصلاة، والزكاة، في الصدقات وغيرها، وهذا كما ذكرت لك سالفا نتيجة للفعل. (المباح: ما لا يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه), وهنا أيضا نُوزع في المباح؛ هل المباح من أنواع الأحكام الشرعية؟ إذا كان (لا يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه)، فكيف صار حكما؟ معنى ذلك أنّه تُرِك المرء وشأنه فيه لم يخاطب فيه بأن يفعل، ولم يخاطب فيه بأن يترك؛ فلم يُقَلْ له افعل ولم يقل له أترك، ولم يحث على الفعل ولم يحث على الترك، فصار مباحا، فكيف صار حكما شرعيا؟ لهذا كثير من العلماء نازعوا في كون المباح حكما شرعيا، وقالوا: المباح باقي على ما هو عليه ولم يأتِ أمر من الشارع. وهذا اعتراض ليس بوجيه؛ بل إنه مردود، لما؟ لأن الإنسان في هذه الدنيا مخلوق لعبادة الله جل وعلا، مخلوق لكي يخاطب بالأمر والنهي، فإن لم يخاطب بشيء وسُكِت عنه، كان السكوت دليلا على جواز اختياره للفعل أو للترك، فجاء الحكم من حيث التخيير؛ أنّ الشارع سكت عنه، فتركك مخيرا، وهذا الترك لخِيرَتِك والترك لما تريد هذا نوع من الأحكام، كما جاء في الحديث «إِنَّ الله فَرَضَ فَرَائِضَ، فَلاَ تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلاَ تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ، غَيْرَ نِسْيَانٍ، فَلاَ تَبْحَثُوا عَنْهَا» هذا سكوت، سكوت عن الحكم، صار السكوت مقصودا. أليس كذلك؟ صارت الإباحة حكما شرعيا؛ لأن المرء ما يترك هواه في الدنيا لابد يخاطب، فإذا خُيِّر في هذا بين الفعل والترك بالسكوت عن إبداء أن هذا الفعل أنت مخاطب فيه بفعل أو ترك صار ذلك السكوت وذاك التخيير حكما شرعيا. قال (المحظور: ما يثاب على تركه, ويعاقب على فعله), المحظور الذي هو المحرم ؛ يثاب على تركه مثل الأول نقول يثاب على تركه قصدا , ويعاقب على فعله قصدا , لكن إن فعله غير قاصد هل يعاقب؟ لا يعاقب؛ لأنه لابد من القصد، ?رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا?[البقرة:286]، وقال ? إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا?[النحل:106]، فلابد من القصد؛ قصد الفعل. طبعا الثواب والعقاب على أي شيء؟ على هذا الفعل وعلى الترك في الآخرة، ولكن في الدنيا فاعل المحظور، في الدنيا قد يعاقب ولو كان غير قاصد، ولهذا نقسم ها هنا المسألة إلى قسمين، نقول: (أحكام يُقبل فيها التَّدَيُّن -التدين عبارة عند أهل العلم؛ يعني يُتْرَكُ المرء فيها ودينه مع ربه جل وعلا-. ( وهناك محظورات يتعلق بها العقاب عند القاضي؛ ... الأمر والنهي ونحو ذلك، فمثلا فمن قتل نفسا خطأ، هو لم يقصد الجناية، قتل الخطأ، مثلا هو يقصد يرمي طيرا فرمى آدميا، لكن أليس عليه دِيَة؟ عليه الدية؛ الدية نوع من العقوبة, أليس عليه كفارة أن يصوم؟ عليه كفارة أن يعتق رقبة أو يصوم؛ يعني فإن لم يجد صام شهرين متتابعين هذا نوع من العقوبة. فإذن نقسم هنا قوله (يعاقب على فعله) إلى أنه لابد من قيد القصد، وأنّ ثَم أشياء يعاقب عليها في الدنيا وإن لم يقصد، لكنه في الآخرة معذور، فتكون هذه التعريفات المراد بها الثواب والعقاب الأُخروي. ظاهر؟ (والمكروه: ما يثاب على تركه, ولا يعاقب على فعله) فيقابل المندوب؛ لأن (المندوب: ما يثاب على فعله), والمكروه يثاب على تركه، (المكروه) يراد به هنا المكروه الاصطلاحي الذي هو قسيم الأنواع السابقة. والمكروه في القرآن وفي السنة أعم من هذا التعريف؛ لأنه قد يكون المكروه محرما؛ بل أكثر ما جاء في الكراهة في النصوص ما كان محرما محظورا، لما ذكر الله جل وعلا المحرمات والكبائر في سورة الإسراء من الزنا وقتل النفس بغير الحق وأخذ المال ونحو ذلك، قال بعد ذلك ?كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئة?[الإسراء:38] في قراءة، وفي قراءتنا ?كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا?[الإسراء:38] مع أنها محرمات، لكن قال (عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا)، فدل على أن الكراهة في نصوص القرآن والسنة قد تكون للتحريم. ومراده هنا ما جرى عليه اصطلاح الفقهاء؛ اصطلاح العلماء المتأخرون الذين يجعلون الكراهة إنما هي كراهة التنزيه، التي وصفها بقوله (يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله). قد تكون الكراهة في النصوص كراهة تنزيه ممثل قوله «كره لكم قيل وقال»، وقد تكون للتحريم كما ذكرت لك في الآية، وكما في قوله «كره لكم قيل وقال وإضاعة المال», (إضاعة المال) محرم ليس كراهة تنزيه. فإذن لفظ الكراهة في النصوص فانتبه له إلى أنه لا يراد به ما اصطلح عليه الفقهاء والأصوليون من هذا التعريف الذي عرف به الماتن حيث قال (والمكروه: ما يثاب على تركه, ولا يعاقب على فعله.) قال (والصحيح: ما يتعلق به النفوذ ويعتد به. والباطل: ما لا يتعلق به النفوذ, ولا يعتد به.). نترك البيان للصحيح والباطل إلى غد إن شاء الله، وأسأل الله جل وعلا لي ولكم التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. |
رد: مقتطف من شرح متن الورقات لشيخ صالح أل الشيخ حفظه الله
موضوع يلزمه التركيز بارك الله فيك أخي و جُزيت الجنة |
| الساعة الآن 12:24 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى