![]() |
الواقعية وخطرها على الأمة
بسم الله الرحمان الرحيم
ما هي الواقعية ما هو خطر الواقعية على الأمة الإسلامية ؟ وما هو دور الإعلام في إيجادها في عقول المسلمين ؟ وما هو علاج الواقعية ؟؟؟ قد يكون من السهل على مرتادي العبث ومعتاديه، أن يقوموا بما يريدون من أعمال دون النظر إلى تحقيق ما يصبون إليه من تلك الأعمال ، و دون اتخاذ معيار للنجاح أو الفشل يكون ضابطاً لصحة العمل من عدمها، ومسايرة الواقع للهروب من مشاكله والتخلص من ضغطه وتأثيره. ولكن من الصعب على مرتادي الرقي ومريديه وعلى أصحاب الهمم العالية، القبول بأدنى الحلول أو أنصافها،أو العيش في الظلام دون أن يحققوا القصد من أعمالهم والنهوض والرقي بأمتهم. عندما يواجه الإنسان واقعا معينا يحتاج إلى تقييمه ويتطلب منه اتخاذ موقف منه، قد يرى هذا الواقع موافقا لما يحمل من أفكار ومبادئ أو غير موافق: فإن كان الواقع موافقا لما يحمل من أفكار فلا إشكال في ذلك فإنه ينخرط فيه وينسجم معه، وإن كان مخالفا فينقسم الناس إلى قسمين: قسم (مبدئي) يجعل ما يحمل من أفكار أساسا للتفكير واستنباط الحلول ويعمل على تغيير الواقع ليوافق تلك الأفكار وقسم آخر يتعامل مع الواقع ويقر به ولو كان الأمر على حساب ما يحمل من أفكار ومبادئ وهنا تبدو الواقعية، والتي تتمثل بالقبول بالواقع والتسليم به و بمحاولات استمداد الحلول لمشكلات هذا الواقع من خلال ما يتيح الواقع نفسه ، وعدم التغيير عليه مع المحافظة على ما يحمل من أفكار تحت ذريعة ( فاتقوا الله ما استطعتم)، وقد لا يُحافظ على ما يحمل من أفكار ويتنازل عنها مسايرة للواقع السيئ. ومن هنا يبرز خطر الواقعية على الأمة الإسلامية، تلكم الواقعية التي تدعو للاستسلام والخنوع والرضا بما لا يرضاه المسلم بناءا على ما يحمل من أفكار، : { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } البقرة 249. ومن ثم تفضي إلى مخالفة الأحكام الشرعية تحت ضغط الواقع، أو للتنازل عن الأفكار والمبادئ التي يحملها المسلم، وهذه أخطر من سابقتها فيقع أسيرا لأفكار غيره ويغيّر أفكاره تمشيا مع هذا الواقع وتقع الأمة فريسة لردات فعل طبيعية للواقع للسيئ فتعالج قضاياها بعيدا عن أفكارها فيصبح داعيا للاشتراكية أو الديمقراطية أو حتى يتنازل عن أرضه أو جزء منها، والأخطر من هذا أن تتسرب الواقعية إلى السياسيين والمفكرين حيث استنباط حلول القضايا من واقع القضايا نفسها دون الرجوع إلى المبدأ مثل الحل لقضية فلسطين على قاعدة خذ وطالب، والرضا بالأمر الواقع، والعمل ضمن الظروف الدولية الراهنة على اعتبار أن السياسة هي فن الممكن وليس بالإمكان أكثر مما كان، مع استبعاد الحل الذي يمليه المبدأ. وحتى الفهم في الفقه الإسلامي لم يسلم من الواقعية، حيث حاول بعضهم تطويع الأحكام الشرعية بما يتفق مع متطلبات العصر أي مع الواقع فأصبحنا نسمع بقاعدة ‘ لا يُنكر تغير الأحكام بتغير الزمان’، بل تم الإفتاء بما يُعارض نص القرآن القطعي كإباحة الربا القليل بحجة أنه غير مضاعف وبحجة الضرورة. والإعلام المسيس والتابع لأنظمة الكفر القائم على أساس فصل الدين عن الحياة يلعب دورا أساسيا في تكريس هذه الواقعية من خلال البرامج المختلفة التي تنشر الديمقراطية والوسطية وكافة أفكار الكفر وتوجيه الرأي العام خاصة في العالم الإسلامي نحو التنازل والقبول بالحلول الواقعية المخدرة وقد برز هذا جليا من خلا ل استطلاعات الرأي التي توضع بعناية فائقة نحو القبول بالحلول الواقعية وإن الهدف المنشود من ورائها هو إيهام المتلقي وحصره في الخيارات الموضوعة والترويج لأفكار معينة يُراد فرضها على المسلمين وصرف الأنظار عن الحل الجذري الذي يفرضه الإسلام في كل قضية من قضايا الأمة الإسلامية 0 وكذلك بث صور جرائم القتل التي تحصل في فلسطين والعراق والتركيز عليها وتيئيس الأمة وأنها غير قادرة على التغيير وعليها أن تستسلم 0 وكذلك فإن كثيرا من الفضائيات ووسائل الإعلام تُسهم وبشكل واضح في طرح ما من شأنه تطويع الأحكام الشرعية بما يتفق مع متطلبات العصر 0 إن حاملي المبادئ والأفكار وذوي الهمم العالية يعملون على تغيير الواقع فلا يستسلمون ولا يتنازلون بل يبقَوْن ثابتين على مبدئهم وما يحملون من أفكار. والمسلمون هم أولى الناس بهذا الثبات وعدم التنازل وعدم الانجرار وراء المخططات الاستعمارية الخبيثة التي تريد تمييع دين الله سبحانه وتعالى فذووا الهمم العالية يدركون الحل من مبدئهم ويعملون على تغيير الواقع وإن طال وقت هذا التغيير وطالهم الأذى من معارضيهم، أسوتهم في ذلك نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم. ولو توقفنا عند بعض الأحداث التي آلت إلى بناء دولة الإسلام، لوجدنا أن العمل على إقامة ذلك النموذج الفريد الذي يصوغ الأمة في وحدة سياسية على اعتبارها جماعة واحدة كان هدفاً تقصد النبي –صلى الله عليه وسلم- تحقيقه منذ بداية سعيه لإقامة الإسلام شكلاً ومضموناً. فأما من حيث المضمون، فقد رفض النبي – صلى الله عليه وسلم- عرض سادة قريش الذين أتوه فقالوا له (إن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا ، فنحن نسودك علينا ، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا)، ورفض النبي –صلى الله عليه وسلم - كافة الصفقات التي استهدفت التنازل عن الدِّين، كلِه أو جزءٍ منه. وأما من حيث الشكل فقد أبى النبي الكريم قبول عرض قوم بني عامر بن صعصة، بعد أن أتى إليهم، ودعاهم إلى الله تعالى، وعرض عليهم نفسه طالبا منهم النصرة لدينه، فأجابوه إلى ما أراد، إلا أنهم اشترطوا عليه قائلين: (أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ، ثم أظهرك الله على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ رفض النبي الكريم ذلك قائلاً: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء، فقالوا له:...لا حاجة لنا بأمرك ، وأبوا عليه). وفي هذا المثال نجد أن النبي قد رفض التخلي عن أمر يتعلق بشكل نظام الحكم الذي يريد تحقيقه. وأما علاج مشكلة الواقعية يكون أولا بربط الناس بالمبدأ الذي يحملوه وأخذ الحكم من الدليل الشرعي بمعزل عن “الواقعية”. وثانيا بالحث على علو الهمة في تغيير الواقع الفاسد وعدم القعود والعمل على إيجاد شخصيات إسلامية صاحبة همة عالية لا ترضى بالدون ولا يرضيها إلا معالي الأمور فمن أراد الجنة سلعةَ الله الغالية لا يلتفت إلى لوم لائم، ولا عذل عاذل، ومضى يكدح في السعي لها : { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا}. وختاما أيها الإخوة الكرام هذه هي الواقعية التي هي النقيض الحقيقي لتغيير الواقع الفاسد الذي تعيشه الأمة الإسلامية وهذا هو خطرها وما يُكاد للمسلمين بها وبغيرها من الأفكار والأعمال التي يتم ضرب الإسلام من خلالها وضرب الخلافة الإسلامية والعاملين لها، وهذا هو الإعلام الذي يدعو للواقعية التي تشكل خطرا على الأمة الإسلامية بإبعاده عن المشروع الحقيقي للنهضة الصحيحة. فكان لزاما بيان وكشف الواقعية والوسائل والأساليب التي يستعملها الكافر المستعمر لتكريسها وزرعها في نفوس المسلمين ؛ ليتبين للمسلمين ما يُمكر لدينهم فيتمسكوا بدينهم ويحثوا الخطى للعمل الجاد والمخلص لتطبيق الإسلام كاملا من خلال الكيان السياسي للأمة الإسلامية المتمثل بنظام الخلافة على منهاج النبوة الذي يُسعد البشرية ويخلصها من المبادئ الفاسدة ويخرجها من الظلمات إلى النور . {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} الأنفال24. في امان الله. |
رد: الواقعية وخطرها على الأمة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
موضوعك أخي ذات أهمية بمكان وأشاطرك الرأي فيه فقد ابتليت الأمة بهذه الأفكار تحت مسمى(عصرنة الدين) زعموا حتى زعم أحدهم في الجريدة أنهم لا يمكننا أن نفهم الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح بحجة أن الزمان تغير وزمانهم غير زماننا ونسي المسكين أن فهم سلف للإسلام هو الفهم الصحيح الذي يتماشى مع كل زمان ومكان مهما تغير الواقع . والسؤال الذي يطرح:(هل نحن حقا مطالبون بعصرنة الدين ؟ أم أن مهمتنا كعباد لله تعالى , هي تديين العصر أي جعله متوافقا مع الدين ؟ . فعند عصرنة الدين نجعل العصر أصلا نكيف الدين على وفقه , الأمر الذي يقدح في كمال الدين ومصادر تلقيه , ويجعل معطيات العصر مصدرا من مصادر التشريع . وحين نقول بتديين العصر فنحن نجعل الدين مقياسا أصيلا لخطئنا وصوابنا , فما وافق الدين فهو الصواب وما خالفه فهو الخطأ , ونحفظ بذلك مصادر تلقي الشريعة من أن تنتهك حرمتها ويعبث بها المتأولون الذين يضيقون ذرعا برد متشابهها على محكماتها, ويأبون إلا أن تكون المتشابهات دليلا لهم على عدم جدوى اتخاذ النصوص الشرعية سندا أصيلا . وبالقدر نفسه الذي يبرز فيه خطأ استناد القائلين بعصرنة الدين على بعض القواعد الأصولية , يبرز استشكال إمكانية التوافق بين الدين والعصر , فهل كتب على الدين أن يبقى متحجرا لا يأبه بالمتغيرات حوله ؟ وهل كتب على أهله أن يعيشوا في خيار بين الدين والعصر وفي عقد نفسية ترجع كما يقول بعضهم إلى صلابة القاعدة ومرونة الواقع ؟. إن مثل هذا التساؤل يرفعه باستمرار أدعياء العصرنة في وجه دعاة التمسك بالنص ظنا منهم أن الجواب بنعم ,يوقعنا في دائرة التخلف , والجواب بلا , يلزمنا السير في ركب معارضينا , والحقيقة أن جوابنا هو نعم : كتب على الدين أن يبقى كما هو لكن لا متحجرا كما يزعمون , بل صامدا , لا يأبه بالمتغيرات حوله إذا لم يكن هو مركزها أو لم تكن محكوما عليها خصوصا أو عموما بنصوصه الخاصة والعامة التي لا يمكن أن يند عنها شاردة أو واردة في كل مكان وعصر علم ذلك من علمه وجهله من جهله واشتمال عمومات النصوص على كل ما يحتاج إليه المسلم في تفاصيل حياته ومجملاتها عبر تعاقب الأزمنة هو مقتضى كمال الدين وتمام النعمة التي أخبر الله بها في قوله تعالى : ( الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً) المائدة 3 , وحتى هذه الآية لم تسلم من محاولة تأويلها لإيهام أن الكمال على غير ما فهمه السلف الصالح من هذه الآية سعيا وراء تبرير إتباع الأهواء أو الضعف أمام ضغط الواقع بزعم عصرنة الدين , لكننا لن ننفك برغم ما نواجهه من غربة في عصرنا عن اليقين بأن تمحيص الاستعباد لله عز وجل لا يتم دون الإيمان بهيمنة الدين على سائر أمور حياتنا وأن كل مسألة حادثة أو مستقبلة , لا تخلوا النصوص من حكم لها , وأن عدم العلم بهذا الحكم ليس دليلا على عدم وجوده , لقوله صلى الله عليه وسلم: ( الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ) فكل ما لم يتضح حكمه فهو من المشتبه حتى يتبين , وعدم تبينه إنما هو لقصور أو تقصير في المجتهدين لا لقصور في أحكام الشريعة , ويأتي هذا القصور إما لعدم استيعاب عمومات النصوص التي يندرج هذا الحادث تحتها , أو لعدم فهم هذا المستجد فهما كاملا يبرز دخوله في تلك العمومات . هذا من جهة مستجدات العصر , أما المحرمات التي أثبتت النصوص حرمتها , أو الواجبات التي أثبتت النصوص أيضا وجوبها , فلا يمكن أن تنقلب أحكامها إلى غير ما هي عليه بدافع من ضغط الواقع ومبرر من عرف أو عادة أو نحوها , ما لم يحل دون الحكم بحرمتها أو وجوبها استثناء أثبته النص وتحقق وجوده. ) ما بين قوسين من كلام الشيخ محمد بن إبراهيم السعيدي رئيس قسم الدراسات الإسلامية جامعة أم القرى مع تصرف يسير . |
Re: الواقعية وخطرها على الأمة
يا أخي لابد من أن نفرق بين المصطلحات العلمية والمواقف الشخصية فليس من الحكمة في شيء أن نقول أن الواقعية خطر على الأمة فكأنما تقول أن الدواء خطر على المريض الواقعية هي النظر إلى الأشياء بنظرة خالية من التشوهات التي نستمدها من الماضي أو من الإنتماء العرقي أو من الأوهام التي تساورنا النظرة الواقعية هي النظرة إلى الشيء كما هو كائن وليس كما يجب أن يكون ثم التعامل معه وفق قواعد الممكن وترجيح المصالح ومراتب الأعمال ودرأ المفسدة أولى من جلب المصلحة وغيرها من القواعد التي ضبطها العلماء الأجلاء ومازالت هذه القواعد مفتوحة لكل مجتهد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها والواقعية لم تكن في يوم من الأيام خطر على الأمة ولا على أي أمة إنما كانت وبالا على من تجاوزوها وتعاملوا مع واقعهم برؤى بعيدة عن الواقعية فأوقعتهم في المحظور شرعا وعرفا ولا حول ولا قوة إلا باللهno |
| الساعة الآن 04:55 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى