![]() |
أروع ألامثلة في التعامل مع ولاة الامر وفق الكتاب والسنة
تعامل الامام أحمد وشيخ الاسلام بن تيمية مع ولاة الامر عبرة لمن يرى الخروج عليهم
إن من الأمثلة العملية في تطبيق أهل السنة والجماعة لهذا المنهج القويم مع ولاة الأمر؛ موقف الإمام أحمد إمام أهل السنة- رحمه الله- عندما جاءه نفر من فقهاء بغداد وشاوروه في ترك الرضا بإمرة الواثق وسلطانه الذي ظهر القول بخلق القرآن ودعا إليه وأمر بتدريسه للصبيان في الكتاتيب، وقرب من القضاة وغيرهم من قال به، وعزل وأبعد من خالفه، فأنكر الإمام أحمد عليهم ذلك وأكثر من نهيهم عن ذلك وقال: "لا تخلعوا يداً من طاعة، ولا تَشُقُّوا عَصَا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ولا دماء المسلمين معكم، انظروا في عاقبة أمركم، ولا تعجلوا...". هكذا أوصاهم وصية العالم السني الحكيم، فخالفوه وكان ما كان. قال حنبل بن إسحاق بن حنبل: "... لما أظهر الواثق هذه المقالة، وضرب عليها وحبس، جاء نفر إلى أبي عبد الله من فقهاء أهل بغداد: فيهم بكر بن عبد الله، وإبراهيم بن علي المطبخي، وفضل بن عاصم، وغيرهم فأتوا أبا عبد الله وسألوا أن يدخلوا عليه فاستأذنت لهم فدخلوا عليه، فقالوا له: يا أبا عبدالله: إن الأمر قد فشا وتفاقم، وهذا الرجل يفعل ويفعل، وقد أظهر ما أظهر، ونحن نخافه على أكثر من هذا، وذكروا له أن ابن أبي دؤاد مضى على أن يأمر المعلمين بتعليم الصبيان في الكتاب مع القرآن، القرآن كذا وكذا. فقال لهم أبو عبدالله: وماذا تريدون؟ قالوا: أتيناك نشاورك فيما نريد. قال: فما تريدون؟ قالوا: لا نرضى بإمرته ولا بسلطانه. فناظرهم أبو عبدالله ساعة، حتى قال لهم- وأنا حاضرهم-: "أرأيتم إن لم يبق لكم هذا الأمر، أليس قد صرتم من ذلك إلى المكروه؟ عليكم بالنكرة بقلوبكم، ولا تخلعوا يداً من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ولا دماء المسلمين معكم، انظروا في عاقبة أمركم، ولا تعجلوا، واصبروا حتى يستريح بر، ويستراح من فاجر. ودار بينهم في ذلك كلام كثير لم أحفظه، واحتج عليهم أبو عبدالله بهذا فقال بعضهم: إنا نخاف على أولادنا، إذا ظهر هذا لم يعرفوا غيره ويُمحى الإسلام ويدرس. فقال أبو عبدالله: كلا، إن الله عز وجل ناصر دينه وإن هذا الأمر له رب ينصره، وإن الإسلام عزيز منيع. فخرجوا من عند أبي عبدالله، ولم يجبهم إلى شيء مما عزموا عليه، أكثر من النهي عن ذلك والاحتجاج عليهم بالسمع والطاعة، حتى يفرج الله عن الأمة فلم يقبلوا منه. فلما خرجوا، قال لي بعضهم: امض معنا إلى منزل فلان رجل سمو حتى نوعده لأمر نريد. فذكرت ذلك لأبي، فقال لي أبي: لا تذهب واعتل عليهم، فإني لا آمن أن يغمسوك معهم فيكون لأبي عبدالله في ذلك ذكر، فاعتللت عليهم ولم أمض معهم. فلما انصرفوا دخلت أنا وأبي على أبي عبدالله، فقال أبو عبدالله لأبي: يا أبا يوسف هؤلاء قوم قد أشرب قلوبهم ما يخرج منها فيما أحسب، فنسأل الله السلامة، ما لنا ولهذه الآفة، وما أحب لأحد أن يفعل هذا. فقلت له: يا أبا عبدالله، وهذا عندك صواب؟ قال: لا، هذا خلاف الآثار التي أمرنا فيها بالصبر، ثم قال أبو عبدالله: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن ضربك فاصبر، وإن حرمك فاصبر، وإن وليت أمره فاصبر". وقال عبدالله بن مسعود: كذا، وذكر أبو عبدالله كلاماً لم أحفظه. قال حنبل: فمضى القوم، فكان من أمرهم أنهم لم يحمدوا، ولم ينالوا ما أرادوا، اختفوا من السلطان وهربوا وأُخد بعضهم فحبس، ومات في الحبس"1!؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1 ذكر محنة الإمام أحمد بن حنبل لحنبل بن إسحاق بن حنبل (ص70-72) وراجع الفتاوى لابن تيمية (12/488). وفي هذه القصة أبلغ عظة في خطورة مخالفة منهج أهل السنة والجماعة في هذا الأصل العظيم، وأن مفارق منهجهم لا يجنى من ذلك إلا مثل هذه العواقب الوخيمة، إضافة إلى مجانبته للحق ومفارقته الصواب. ومثال آخر: فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- قد عاش في زمن كانت السلطة فيه لديها قصور وتقصير بَيِّنٌ، بل إنه- رحمه اطه- أوذي من قبل السلطة بسبب تقريره ونشره لعقيدة أهل السنة والجماعة، ورده على الفرق الضالة كالصوفية والأشعرية، وسجن بسبب ذلك مراراً، حتى إنه- رحمه الله- مات محبوساً بقلعة دمشق1. ومع ذلك كان شديد التحذير من الخروج عل الولاة ونزع اليد من الطاعة، ويبين أن هذا المسلك يترتب عليه من الفساد ما هو أعظم مما يقع من الولاة من فسق أو ظلم أو حور. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1 وقال قبل موته ما معنا: "إني قد أحللت السلطان الملك الناصر، من حبسه إياي لكونه فعل ذلك مقلداً غيره معذوراً، ولم يفعله لحظ نفسه، بل لما بلغه مما ظنه حقاً من مبلِّغه، والله يعلم إنه بخلافه". الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية للبزار (ص82). ص -23-قال- رحمه الله-: "ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف وإن كان فيهم ظلم، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فلا يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته..."1. المصدر:مؤلفات الامام بن تيمية |
| الساعة الآن 06:17 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى