منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   المنتدى الاسلامي العام (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=90)
-   -   من التائبين من يعود إلى أرفع من درجته ومنهم من يعود الى مثل درجته ومنهم ‏من لا ي (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=55884)

جمال البليدي 02-01-2009 01:13 AM

من التائبين من يعود إلى أرفع من درجته ومنهم من يعود الى مثل درجته ومنهم ‏من لا ي
 
كلام نفيس للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله:
ومن عقوباتها ( المعاصي ) أنها تجعل صاحبها من السفلة, بعد أن كان مهيئا لأن يكون من العلية, ‏فان الله خلق خلقه قسمين: علية وسفلة وجعل عليين مستقر العلية وأسفل سافلين ‏مستقر السفلة, وجعل أهل طاعته الأعلين في الدنيا والآخرة وأهل معصيته الأسفلين ‏في الدنيا والآخرة, كما جعل أهل طاعته أكرم خلقه عليه، وأهل معصيته أهون خلقه ‏عليه، وجعل العزة لهؤلاء والذلة والصغار لهؤلاء. كما في مسند أحمد من حديث عبد ‏الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( وجعلت الذل والصغار على من ‏خالف أمري ) وكلما عمل العبد معصية نزل إلى أسفل درجة ولا يزال في نزول ‏حتى يكون من الأسفلين، وكلما عمل طاعة ارتفع بها درجة ولا يزال في ارتفاع حتى ‏يكون من الأعلين.‏
‏ وقد يجتمع للعبد في أيام حياته الصعود من وجه والنزول من وجه وأيهما كان أغلب ‏عليه كان من أهله, فليس من صعد مائة درجة ونزل درجة واحدة كمن كان بالعكس ‏ولكن يعرض هاهنا للنفوس غلط عظيم؛ وهو أن العبد قد ينزل نزولا بعيدا أبعد مما ‏بين المشرق والمغرب ومما بين السماء والأرض ولا يفيء بصعوده ألف درجة بهذا ‏النزول الواحد كما فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن العبد ‏ليتكلم بالكلمة الواحدة لا يلقى لها بالا يهوى بها فى النار أبعد مما بين المشرق ‏والمغرب ) فأي صعود يوازي هذه النزلة والنزول أمر لازم للإنسان ولكن من الناس ‏من يكون نزوله إلى غفلة؛ فهذا متى استيقظ من غفلته عاد إلى درجته أو إلى أرفع ‏منها بحسب يقظته, ومنهم من يكون نزوله إلى مباح لا ينوي به الاستعانة على ‏الطاعة فهذا إذا رجع إلى الطاعة قد يعود إلي درجته وقد لا يصل إليها وقد يرتفع ‏عنها فانه قد يعود أعلي همة مما كان وقد يكون اضعف همة وقد تعود همته كما ‏كانت. ومنهم من يكون نزوله الي معصية إما صغيرة أو كبيرة فهذا قد يحتاج فى ‏عوده إلي توبة نصوح و انابه صادقة.‏
واختلف الناس هل يعود بعد التوبة الى درجته التي كان فيها بناء على أن التوبة ‏تمحو أثر الذنب وتجعل وجوده كعدمه فكأنه لم يكن, أو لا يعود بناء على أن التوبة ‏تأثيرها فى إسقاط العقوبة وأما الدرجة التي فاتته فانه لا يصل إليها ؟ ‏
قالوا: وتقرير ذلك انه كان مستعدا باشتغاله بالطاعة في الزمن الذي عصى فيه ‏لصعود آخر, وارتقاء تحمله أعماله السالفة إليه بمنزلة كسب الرجل كل يوم بجملة ‏ماله الذي يملكه, وكلما تضاعف المال تضاعف الربح, فقد راح عليه في زمن ‏المعصية ارتفاع وربح تحمله أعماله فإذا استأنف العمل استأنف صعودا من نزول ‏وكان قبل ذلك صاعدا من أسفل إلى أعلى وبينهما بون عظيم.‏
‏ قالوا ومثل ذلك رجلان يرتقيان في سلمين لا نهاية لهما وهما سواء, فنزل أحدهما ‏إلى أسفل ولو درجة واحدة ثم استأنف الصعود فإن الذي لم ينزل يعلو عليه ولا بد. ‏وحكم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بين الطائفتين حكما مقبولا فقال: التحقيق ‏أن من التائبين من يعود إلى أرفع من درجته ومنهم من يعود الى مثل درجته ومنهم ‏من لا يصل الى درجته.‏
‏ قلت: وهذا بحسب قوة التوبة وكمالها وما أحدثته المعصية للعبد من الذل والخضوع ‏والإنابة والحذر والخوف من الله والبكاء من خشية الله وقد تقوى على هذه الأمور ‏حتى يعود التائب إلى أرفع من درجته ويصير بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة, فهذا ‏قد تكون الخطيئة في حقه رحمة, فإنها نفت عنه داء العجب وخلصته من ثقته بنفسه و ‏إذلاله بعمله ووضعت خد ضراعته وذله وانكساره على عتبة باب سيده ومولاه ‏وعرفته قدره وأشهدته فقره وضرورته إلى حفظ سيده ومولاه له والى عفوه عنه ‏ومغفرته له وأخرجت من قلبه صولة الطاعة وكسرت أنفه أن يشمخ أو يتكبر ‏بالطاعة أو يرى نفسه بها خيرا من غيره وأوقفته بين يدي ربه موقف الخطائين ‏المذنبين ناكس الرأس بين يدي ربه مستحييا منه خائفا وجلا محتقرا لطاعته مستعظما ‏لمعصيته قد عرف نفسه بالنقص والذم وربه متفرد بالكمال والحمد والوفاء كما قيل:‏
‏ استأثر الله بالوفاء وبالحمد وولى الملامة الرجلا ‏
فأي نعمة وصلت من الله إليه استكثرها على نفسه, ورأى نفسه دونها ولم يرها أهلا ‏وأي نقمة أو بلية وصلت إلى رأي نفسه أهلا لما هو أكبر منها ورأى مولاه قد أحسن ‏إليه إذ لم يعاقبه على قدر جرمه ولا شطره ولا أدنى جزء منه.‏
‏ فان ما يستحقه من العقوبة لا تحمله الجبال الراسيات فضلا عن هذا العبد الضعيف ‏العاجز فان الذنب وان صغر فان مقابلة العظيم الذي لاشيء أعظم منه, الكبير الذي ‏لاشيء أكبر منه, الجليل الذي لا أجل منه ولا أجمل, المنعم بجميع أصناف النعم ‏دقيقها و جليلها, من أقبح الأمور وأفظعها وأشنعها فان مقابلة العظماء و الأجلاء و ‏سادات الناس بمثل ذلك يستقبحه كل أحد من مؤمن وكافر وأرذل الناس وأسقطهم ‏مروءة من قابلهم بالرذائل فكيف بعظيم السموات و الأرض وملك السموات و ‏الأرض وإله السموات والأرض.‏
‏ ولولا أن رحمته غالبت غضبه ومغفرته سبقت عقوبته و إلا لتدكدكت الجبال بمن ‏قابله بما لا يليق مقابلته به ولولا حلمه ومغفرته لزلزلت السموات و الأرض من ‏معاصي العباد قال تعالى: ( إن الله يمسك السموات و الأرض أن تزولا ولئن زالتا ‏إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا ) فتأمل ختم هذه الآية باسمين ‏من أسمائه وهما الحليم والغفور, كيف تجد تحت ذلك انه لولا حلمه عن الجناة ‏ومغفرته للعصاة لما استقرت السموات والارض وقد أخبر سبحانه عن بعض كفر ‏عباده أنه ( تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هذا ) وقد أخرج ‏الله سبحانه الأبوين من الجنة بذنب واحد ارتكباه وخالفا فيه نهيه, ولعن إبليس وطرده ‏وأخرجه من ملكوت السموات بذنب واحد ارتكبه وخالف فيه أمره, ونحن معاشرُ ‏الحمقاء كما قيل:‏
‏ نصل الذنوب الى الذنوب ونرتجى درج الجنان لذا النعيم الخالد‏
‏ ولقد علمنا أخرج الأبوين مــــــــن ملكوته الأعلى بذنب واحـــد
‏ والمقصود أن العبد قد يكون بعد التوبة خيرا مما كان قبل الخطيئة وأرفع درجة, ‏وقد تضعف الخطيئة همته وتوهن عزمه وتمرض قلبه, فلا يقوى دواء التوبة على ‏إعادته إلى الصحة الأولى فلا يعود الى درجته, وقد يزول المرض بحيث تعود ‏الصحة كما كانت ويعود الى مثل عمله فيعود الى درجته هذا كله إذا كان نزوله الى ‏معصيته فان كان نزوله الى أمر يقدح في أصل إيمانه مثل الشكوك والريب والنفاق ‏فذاك نزول لا يرجى لصاحبه صعود الا بتجديد إسلامه من رأسه‏ ( الجواب الكافي: ص: 58‏‎-‎‏ 60‏ )

أبو عبد الرحمن2 02-01-2009 08:47 AM

رد: من التائبين من يعود إلى أرفع من درجته ومنهم من يعود الى مثل درجته ومنهم ‏من
 
اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين


جزاك الله خيرا أخي جمال


الساعة الآن 02:31 PM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى