منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   منتدى القصة القصيرة (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=63)
-   -   على مائدة الحوت (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=66813)

Hakimas 10-02-2009 11:44 PM

على مائدة الحوت
 
أطل من عليائه..مرّر أنامله الناعمة على شاربيه الكثيفين..وقال:
" لا أفهم لماذا يلقي أبناء الجزائر بأنفسهم في البحر"

على مائدة الحوت
ماذا وراءك..لتقتحم مائدتي..؟
سألني الحوت قبل يلتهم مني بياض العينين..ويلقي ببقايا الجسد المنهك في قمامة البحر الهائلة..
ورائي ضباب كثيف غيّب ملامحي..وشاطئ صخري أكل مؤخرتي فأسلمته ظهري إلى غير رجعة..
ورائي أرض شاسعة..تسع شعوب الصين والهند معا..ولم تعد تسعني..
ورائي خيرات لم تشهدها جزر الواق واق..ولا حلم بها السند باد في رحلاته العجيبة..
و..ورائي حلم تكسر ألف مرة..ورعب يثقل الذاكرة السقيمة..
ورائي جثث تسعى في الطرقات دون اتجاه..عبثا تتساءل في حيرة..أية حرب طاحنة نثرت دماءها..؟
وهل يهمك ما ورائي..ومن أكون يا سيد الأعماق..؟
كائن مجهول الهوية مبهم التقاسيم..يلعب لعبة الموت منذ الفطام..يركض عبر الطرقات الموحلة حافي القدمين..شاهرا أنيابه الحليبية..عبثا يذود عن نفسه فتك القواطع الحادة..يخوض معركة البقاء العبثي ليل نهار..في ساحة مبلطة بالعقارب..
أروع إنجازات غريزة البهيمة الحمقاء..تلك التي أرغمتهما ذات ليلة باردة..على الاضطجاع جنبا إلى جنب..في غيبوبة العبث ونشوة اللاوعي..دون أن يقدّرا ضخامة الفعل..
استمتعا باللعبة ما دامت ممتعة..ثم تخلصا من صداعها المقرف..وقذفا بها إلى غابة الشوارع..ومملكة الحيطان..
لكل قذيفة حائطها الندي..وحائطي ذاك المتهرئ الذي لا تحصى أعوامه..امتلكته بالتقادم..حفرت عليه اسمي وصور أحلام حمقاء..و أودعته عند الرحيل لمنتظرين في طابور طويل..
أوصيتهم به خيرا..ما زال جزءا مني..ما زلت جزءا منه..يحمل بصمات ظهري.. وحروفا بلون الدم ..خطتها صيحات صامتة لغضبي المزمن..
غضبي من ذاك الذي يدّعي عند الحاجة..أنه صاحب النطفة..ومالك رقبتي..دون أن يكلف نفسه يوما عناء تحسس أضلعي..وفحص مكمن مواجعي..ودون أن أعرف يقينا..كيف حاز هذه الملكية في غيابي..؟
غضبي من صاحب القبعة الزرقاء..والسيارة الزرقاء..ذاك الذي ما فتئ يتعقبني ليل نهار..مذنبا بالولادة..رغم أن ابنه الطيب وفلذة كبده..رفيقي في مملكة الحيطان والزوايا الموحشة..
غضبي من ذلك الشيخ الحكيم الذي يمتلك بالوراثة ناصية العلم والفتوى و أصدر حكمه العلني والجماعي دون أن يحدق في وجوهنا الملطخة بالقسوة" جيل شرير..والعياذ بالله "..فحشرني ورفاقي في قائمة الموبقات السبع..لتصير ثمانية..
غضبي من معلمي..ذاك الذي حمّلني حروفا براقة لم أعثر على أية سوق لتصريفها..فألقيت بها في مزبلة الإهمال العامرة..
غضبي من الصفعات المتتالية لأكف"الحقرة"..و من الخنجر الذي اقتنيته ودسسته في حزامي متأهبا للطعن..
غضبي من التكشيرات المرسومة على الوجوه كل حين..وفي كل مكان..ومن العيون التي تقدح شررا..ومن الأفواه التي تجلدني بالعبارة ذاتها في كل الزوايا:
- ما بالك تنظر إلي..يا ابن ال..؟
غضبي من غرائزي الحمقاء..كيف استيقظت ذات يوم في جسد يجمع الحكماء على ضرورة وأد نزواته..وستر عوراته..
غضبي من وجوه الشاشة المحتجزة..ومن كلماتهم المستنسخة..وادعائهم المتكرر..معرفة ما يدور في خلدي ويضطرم بين أحشائي..أكثر مني..
غضبي من الآذان التي أصابها الصمم..والعيون التي فقدت القدرة على الإبصار..
غضبي من القدر الغاشم..هذا الحمار الأجرب الذي أركبونا على ظهره
في ظلمة حالكة..وأقنعونا بأن لا مركوب لنا غيره..
وغضبي من غضبي..هذا الذي حرمني طعم الابتسام..
يقال بأننا ننحدر من مضر..و أن الغضب فينا سجية وطبع متجذر..لكن غضبي هذا ..فاق حدود ما تحمله الوراثة..
غضب لم يعد يسعه المكان..
غضب لا يطوقه تعاقب الزمان..مستعر يتأجج لهبه كل حين..
بعضهم تمكنوا منه..أو تمكن منهم..أطفئوا جمرته على حافة الجسر الكبير لمدينتنا الجميلة..وأغمضوا أعينهم للمرة الأخيرة..منتظرين ليوم الحساب الموعود..
و غيرهم احتموا بملاجئ النسيان..تلك التي يستوردها كبار النخاسين..لتبعث الدفء في النفوس لحظة ارتيادها..ريثما توضع قيود الرق في معاصمهم..
ولست لا من هؤلاء..ولا من أولائك..
ركبت ورفاقي ألواح اليأس..بعدما دفنا أواخر الأحلام في مقبرة منسية..
وغنينا ملء عقيرتنا.." ليأكلني الحوت..خير من انتظار الموت"..
وفجأة اكتشف العقلاء خلفنا أنا موجودون..أننا إحدى عوراتهم..ولعلنا أسوأها..فثارت ثائرتهم..
أفتوا..وشرّعوا..وتوعدوا..
قالوا عنا ما قالوا..
معتوهون فعلت بهم الأقراص المهلوسة فعلتها..
خونة متنكرون للوطن الكريم..
مستلبون..أغرتهم صور الضفة الأخرى..
مغرورون..يرسمون الواقع بفرشاة الخيال الزائف..
كسالى شلت الأحلام سواعدهم..ورهلت أذرعهم..
صعاليك يشوهون الصورة المشعة..إدانتهم واجب..وفرض عين..
ولم نأبه لما قالوا..القول ديدنهم..وضمان دوامهم السرمدي..
نحن هنا..وهم هناك..
تصدّينا للموج الصاخب يا سيدي الحوت بحزم المقتنعين..وواجهنا هو..بألسنته الجارحة..
فكانت الموقعة الضارية..
يصفعنا بكل ما يمتلك من قوة..يغرز أنيابه في أجسامنا المنهكة..يذرو ملحه على جروحنا المفتوحة حتى العظام..يصيح في وجوهنا..يزأر كأسد اقتحم عرينه..يترجانا..علنا نرجع على أعقابنا..علنا نكف عن مجابهته الحمقاء..لكن إصرارنا كان أقوى وأشد..
البحر أمامنا..والضياع وراءنا..وطارق المغوار يهتف فينا..
جرح الجبار من جرح..وألقى بمن ألقى على مائدتك التي لم تشهد ألذ طعما من أجسادنا..
لسنا كما قد تعتقد..ولا كما يعتقدون..
شجعان نحن يا سيدي الحوت..ومن نسل شجعان..
لو كنا طرفا في معركة حامية الوطيس..ما أفلت منا النصر..
لو شهدنا ثورة مثل ثورتهم..لخلدت أسماؤنا في تماثيل تثقب بطولها هامات السماء..
لو أشركنا في سباقهم المحموم..لكان منا الأوائل دون ريب..
لو امتحنا يوما..لداست عبقرياتنا بلادتهم السافرة..وجهلهم الصارخ..
لو نزعت الكمامات من على أفواهنا..لأسمعنا العالم ما لم تسمعه أذن..
لكنهم لم يسمحوا..ولن يتسامحوا..
وكيف يفعلون..ولسنا قتلة تتقاطر الدماء من بين أصابعنا..ولا سفاحين أبدنا قرى ومدا شر..وأهلكنا ما كان بها من حرث ونسل..؟
لم نلحق الأذى بأية جهة..ورغم حلمنا..وصبرنا الذي لا يقوى عليه أيوب ونسله..جردونا من كل حميم..حتى الحيطان الندية لم تعد ملكنا..مذ ألصقوا عليها صورهم البشعة..وأرغمونا على اختيار جلادينا..
ولأن اليابسة ضاقت بنا..يممنا صوب البحر الهائج غير هيابين..تصدينا له كجدنا "بربروس"..
جدنا هذا أرعب الأمواج..وكسر سواريها..فلماذا ترانا نخشاها ونحن
أحفاده..؟
قراصنة الضفة الأخرى..كانوا يبولون في سراويلهم عند ذكر اسمه العظيم..
لا تنخدع سيدي الحوت..فليس الصيد صيدك..
كنا ندري..حتى قبل أن نركب الألواح..بأنها ستنتهي بنا على مائدتك..
رأينا الجثث المنتفخة الزرقاء تلفظها الشواطئ..ورأينا المحاجر منزوعة المقل..وشهدنا الجنائز من غير توابيت ولا قبور..ولكن..ما الفرق بين الموت..والموت..عدا ضراوة الانتظار..؟
خيّرنا بين أنيابهم وأنيابك..فتراءت لنا ا أنيابك أكثر سماحة..ونبلا..
فهنيئا لك..وطابت مائدتك..
ح .ع

روان علي شريف 11-02-2009 09:26 PM

رد: على مائدة الحوت
 
في البداية أرحب بالكاتب(ة)hakimas لأنه عمله الاول الذي انزله هنا وتراني لم أحسم الأمر في شخصية الكاتب لأن القصة بتفاصيلها الدقيقة جعلتني أشك أن يكون كاتبها رجلا.
حقيقة انها قصة حزينة تعالج بشكل درامي ظاهرة الهجرة السرية التي تفاقمت وأصبحت
تهدد المجتمع بكل فئاته الاجتماعية.
لقد وفق الكاتب في معالجة هذه الظاهرة وبين أسبابها التي هي في الحقيقة ظاهرة ومعلومة
لدى اصحاب القرار الذي يمكنهم معالجتها بحكمة ما داموا يعرفون الاسباب لكن بدلا من أن
يبحثون على الدواء نجدهم لا يهتمون الا بمصالحهم الشخصية وسمعة الوطن.
بداية موفقة وقص هادف يعالج قضية.
شكرا للكاتب.
تحياتي.

Hakimas 11-02-2009 11:23 PM

رد: على مائدة الحوت
 
شكرا للقاص الفاضل روان علي الشريف
ليس في القصة ما يدعو للريبة حول جنس الكاتب
ولكن في تعليقك محاولة ذكية لكشف النقاب عن شخصية الكاتب
هو مثلك تماما..يعرفك من خلال كتاباتك..ويحترمك لما يبدع قلمك..

روان علي شريف 12-02-2009 08:54 AM

رد: على مائدة الحوت
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة hakimas (المشاركة 493743)
شكرا للقاص الفاضل روان علي الشريف
ليس في القصة ما يدعو للريبة حول جنس الكاتب
ولكن في تعليقك محاولة ذكية لكشف النقاب عن شخصية الكاتب
هو مثلك تماما..يعرفك من خلال كتاباتك..ويحترمك لما يبدع قلمك..

سعيد بردك أخي وسأكون أسعد
لو انضممت الى نادينا الادبي(( وحي القلم)) المنارة الوحيدة
في وهران الذي يستقطب خيرة الاقلام حاليا.
وهناك يكون لنا تواصلا حقيقي وعملي.
تقبل تحياتي.

عايدة 12-02-2009 12:04 PM

رد: على مائدة الحوت
 
رغم المأساة قصة جميلة تماماً مثل ما يمثل البحر للشباب الحراق حيث الموت و الحياة

جديرُ بهذه القصة أن تنسخ و توزع على كل من أطل من عليائه ومرر أنامله الناعمة على شاربيه الكثيفتين ...... و رفع يده مؤيداً للمادة 175 من قانون العقوبات المعدلة لعله يفهم ....


تحية تليق بإبداعكم

Hakimas 12-02-2009 11:47 PM

رد: على مائدة الحوت
 
شكرا للأخت الفاضلة عايدة..مرورك ربح..وفايدة..يكفيني فخرا واعتزازا أن يقاسمني أمثالك
ما يختلج في صدري من من مشاعر الأسى على أوضاع شبيبة الجزائر..أما صاحب الشوارب وأمثاله من سدنة البيوت المغلقة..فلا أمل فيهم..من لم تحركه صور الواقع الأليم..فلن تحركه الكلمات..

Hakimas 12-02-2009 11:52 PM

رد: على مائدة الحوت
 
الأخ الفاضل روان..تحية طيبة..
شكرا على ما تفضلت به..
أعدك بأني سألبي دعوتك..فمثل هذا الكرم لا يرفض..


الساعة الآن 04:34 PM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى