![]() |
الاختلاف والافتراق .. أخطاء يجب تصحيحها
الاختلاف والافتراق .. أخطاء يجب تصحيحها يحسن بنا ونحن نتحدث عن الفرق بين الاختلاف والافتراق التنبيه على بعض الأخطاء التي يقع فيها كثير من الناس في هذا العصر ، خاصة الذين يواجهون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ، مع ضعف في العلم ، وقلة الفقه في الدين ، أو قلة التجربة ، أو قصور أو انحراف في التصور ، وأخص بعض رواد الدعوة الإسلامية المعاصرة . فمن هذه الأخطاء : الخطأ الأول : إنكار أن يكون في الأمة افتراق ، وينبني عليه نزوع بعضهم إلى إنكار حديث الافتراق الذي ورد عن النبي – صلى الله عليه وسلم - وسيأتي الكلام عنه تفصيلاً بعد قليل ، وهذا خطأ فادح ، أن يميل بعض الناس أو يدعي أنه ليس في الأمة افتراق ، وهو بذلك يزعم أنه يريد أن يظهر حسن النية في الأمة ، وأن يعامل الأمة بالظاهر ، ومن هنا يتنكر لحديث الافتراق أو يؤوله ، أو يصرف الافتراق إلى فرق خارجة عن الإسلام قطعًا ، أو إلى فرق في الأمة هي من غير المسلمين ، وهذا خطأ فادح ، بل هو معارضة صريحة لأخبار النبي – صلى الله عليه وسلم- ، بل الأخبار القاطعة في الكتاب والسنة ، تدل على وقوع الافتراق [ ، فالأمة فعلاً فيها افتراق وهذا حق ، والافتراق من الابتلاء ، والحق لا يتبين إلا بضده ، والله سبحانه وتعالى كتب منذ الأزل ألا يبقى على الحق إلا الأقلون ، وعلى هذا فإن القول بوقوع الافتراق لا يعد إساءة ظن بالأمة ، بل هو أمر واقع لابد من الاعتراف به ، ولابد من تصديق خبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه كما أخبر ، وكون الافتراق يقع في الأمة لا يعني أن الإنسان يُسلم بالأمر الواقع ، أو يزعم أن المفارقة مشروعة ، أو يرضى بأن يفارق أو لا يتحرى الحق ولا يبحث عنه استسلامًا لقدر المفارقة ، بل إن وقوع الافتراق هو دافعٌ لكل مسلم بأن يتحرى الحق ويستمسك به ، ويعرف الشر ليحذره ويتجنب مسالكه ، وليعلم أن الحق لا بد متحدّد في نهج النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي نهج صحابته ، ونهج السلف الصالح. الخطأ الثاني : وهو قد يتخذ ذريعة للمفارقة ، وهو يقابل الخطأ الأول بالتمام وهو اعتقاد أن المفارقة ما دامت أمرًا واقعًا فهذا يعني أن الأمة تقع فيه برضى وتسليم ، وأنه يشرع للدعاة أن يرضوا بواقع الافتراق ويسلموا به ، وأن يقبلوا هذا الضلال دون أن يسعوا لعلاجه ، وأنه لا يضر المسلم أن يكون مع أي فريق كان ؛ لأن المفارقة أمر واقع ، فعلى المسلم أن يذهب مع من يعجبه من أهل الأهواء وأهل الفرق ، أو يتعاطف معهم ، أو يسعى لجمعهم على ما هم فيه من افتراق . وهذه أيضًا دعوى باطلة ، بل هي تلبيس على المسلمين ، فلا يجوز أن يكون الخبر عن الاختلاف ذريعة للمفارقة ، أو ذريعة للرضى بالبدع ، أو ذريعة للرضى بالأهواء والرضى بالخطأ ؛ لأن الخبر عن الافتراق في الدين جاء بمعرض النهي والتحذير الشديد ، ولقد وصل الأمر عند البعض ممن ينتسبون للدعوة أن يقول ما دام الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبر بأن الأمة ستفترق ، فإذًا لابد أن نرضى بالبدع ونقرَّها أمرًا واقعًا ، ونرضى بالأهواء ونُقرها أمرًا واقعًا ، ونسلم للأمر الواقع ولنعرف بأنه لا ديـن إلا بدخن !! وهذه دعوى باطلة ، بل هي من مداخل الشيطان على الإنسان ، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حينما أخبر عن الافتراق ، أخبر بأنه ستبقى طائفة من هذه الأمة على الحق ، ظاهرة منصورة ، ظاهـرة بالحق تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، وهذه الطائفة تقوم بها الحجة ، ويهتدي بها من أراد الهدى ، ويقتدي بها من أراد الحق والخير والسنة ، فإذًا الحجة لابد أن تكون قائمة ، والحق لابد أن يظهر ، ولا يمكن أن يخفى على كل ذي بصيرة ، ولا على كل من يريد الحق ويسعى إليه صادقًا ، فإنه من يتق الله يجعل له مخرجًا ، فما دام الحق واضح والسنة قائمة فلا يجوز للداعية ولا لغيره أن يعدل عن السنة مهما قل اتباعها ولا أن يستسلم ويرضى بالبدع والأهواء مهما كثر أتباعها ، فإن الفرقة الناجية واحدة من ثلاث وسبعين فرقة - فافهم رعاك الله - . فمن هنا كان الرضى بالبدع والأهواء على أنها أمر واقع لا يجوز شرعًا ، بل هو تلبيس عل المسلمين ، وهو أيضًا تحقيق للباطل ، وإعراض عن الحق ، واتباع لغير سبيل المؤمنين ، نسأل الله السلامة . الخطأ الثالث : خطأ الذين يجعلون من الاختلاف ذريعة للتسرع في وصف المخالفين بالخروج ، أو المفارقة ، أو المروق من الدين ، وما يستتبع ذلك من الاستعجال في الحكم على المخالفين دون رجوع إلى قواعد الشرع وأصول الحكم ، ومناهج أئمة الدين في ذلك ؛ لأن التكفير له ضوابطه وأصوله ، حتى مع مرتكبي البدع والأهواء ؛ لأن ترتيب الأحكام عليهم بالكفر أو بالبراء والبغض والهجر ، والتحذير من المخالف مطلقًا ، دون التثبت ودون إقامة الحجة لا يجوز ، أعني بذلك أنه لا ينبغي لكل من رأى أي بدعة في شخص أن يصفه بالمفارقة ولا كل من رأى أمرًا مخالفًا للشرع والدين والسنة أن يصفه بالمفارقة ؛ لأن من الناس من يجهل الأحكام ، والجاهل معذور حتى يعلم ، ومن الناس من يكون مكرهًا في بيئة ، أو في مكان ما ، كما يحدث في بعض البلاد الإسلامية التي يُكره فيها المسلمون - مثلاً - على حلق اللحى ، أو على ترك الجماعة ، أو على التلفظ بالكفر ، أو على ممارسة بعض الأعمال التي لا تجوز شرعًا ، ويكرهون على ذلك ، ولو لم يفعلوا لقتلوا ، أو عذبوا ، أو انتهكت أعراضهم ، أو نحو ذلك . إذًا فإن عارض الإكراه لابد أن يرد في ذهن الحاكم على الناس بأي حكم من الأحكام ، وقد يكون فاعل البدع أو معتقد الضلالة متأولاً ، ولم تقم عليه الحجة ، فلابد من إقامة الحجة على الناس ، فقد يرى أحدنا منا إنسانًا يرتكب بدعة من البدع التي عادة إنما يرتكبها أهل الافتراق - كبدعة المولد مثلاً - فإذا فعلها إنسان عامي جاهل فلا يعني أن يوصف بالضلال ، حتى يُبيّن له الأمر ، وتقام عليه الحجة ، ولا أن يوصف بالافتراق ، أما فعله فيوصف بالابتداع ، لكن لا يوصف بأنه مفارق أو أنه خارج عن الجماعة ، أو أنه من الفرق الهالكة بمجرد رؤية بدعة أظهرها حتى تقام عليه الحجة ، اللهم إلا البدع المكفرة ، وليس المقام هنا يتسع للكلام عنها. بل اتهام الناس بالمفارقة للدين فيما هو دون الأصول من البدع والمخالفات والمحدثات لا يجوز ، بل هو من التعجل المذموم ، وينبغي على من رأى شيئًا من ذلك أن يتثبت وأن يسأل أهل العلم ويفترض أن المسلم الذي وقع في ذلك جاهل ، أو متأول ، أو مقلد يحتاج إلى نصح ، وبيان ، وإرشاد ، وأن يعامل ابتداءً بإشفاق ورفق ؛ لأن القصد هدايته لا تجريحه . الخطأ الرابع : الجهل بما يسع فيه الخلاف وبما لا يسع ، أي عدم التفريق عند كثير من المنتسبين للإسلام ، بل ومن المنتسبين للدعوة ، بين ما هو من أمور الخلاف ، وما هو من الأمور التي لا يصح فيها خلاف ، وأضرب لذلك أمثلة : 1- من الناس من يعد بعض المسائل الخلافية من القطعية والأصول دون أن يرجع إلى أصول أهل العلم ، وإلى أقوالهم أو دون أن يهتدي بأهل الفقه في الدين ، الذين يبصرونه في هذه الأمور . 2- ومن ذلك عدم التفريق بين الأمور المكفرة وغير المكفرة . 3- عدم التفريق بين البدعيات الكبرى وما دونها والبدعيات المخرجة من الدين أو المكفرة ومـا دونها ، كثيرًا مـن الأخطاء التي تحـدث مـن الأشخـاص ، أو مـن الهيئـات ، أو من الجماعات - ويكفرهم بعض المتعجلين بسببها - هي ليست كذلك ، فإن بعض الناس إذا عرف بأصل من الأصول التي تكفر ، كالقول مثلاً بأن القرآن مخلوق طبَّقه على كل قائل بهذه المقولة دون الأخذ بأحكام التكفير ، وهكذا في بقية المسائل ، وعدم التفريق بين الأصل وبين الحكم على المعين أمر مخالف لأصول السلف وأصول أهل السنة والجماعة إن أهل السنة والجماعة يفرِّقون بين الأحكام العامة بالكفر ، وبالفسق ، وبالتبديع على وجه العموم ، وبين الحكم على المعين ، فقد نحكم على عمل أو شيء ما بأنه كفر ، ونحكم على مقولة ما من المقولات بأنها كفر، وهذا لا يعني أن كل من اعتقد أو فعل هذا الكفر يكفر ، ولا كل من قال بهذا القول يكفر ، هناك كثيرون لا يفرقون في هذه المسائل فيُكفّرون باللوازم ويُكفّرون دون الأخذ بضوابط التكفير ، مع أن الكفر لا يجوز إطلاقه حتى يتم التثبت ، وبيان الحجة وإقامتها ، وبيان الدليل ومعرفة عدم وجود العوارض المانعة من إطلاق التكفير على المعين ، كالجهل وعدم وجود الإكراه ، وعدم وجود التأول . وهذه مسألة تحتاج إلى مقامات طويلة ، وإلى مقابلة للأشخاص ، وإلى الجلوس إليهم ، ونقاشهم ونصيحتهم ، أما أن نرتب أحكام الكفر على كل من ظهرت منه حالة كفر ، أو مقولة كفر ، أو اعتقاد كفر ، فإن هذا لا يجوز إلا في الأمور الكبرى التي تعلم من الدين بالضرورة ، كمن أنكر شهادة ألا إله إلا الله ، فهذا معلوم من الدين بالضرورة كفره ، أو من أنكر شهادة أن محمدًا رسول الله ، فهذا معلوم من الدين بالضرورة كفره ، أو من سب الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهذا معلوم من الدين بالضرورة كفره ، لكن هناك من أصول الدين ما تخفى دقائقه وتفصيلاته ، وألفاظ الاعتقاد به على العامة ، ومن في حكمهم كمسائل الصفات ، ومسائل القدر ، ومسائل الرؤية ، والشفاعة ومسائل الصحابة ، وغير ذلك من الأمور التي لا يعلمها العامة تفصيلاً ، بل تخفى حتى على بعض من ينتسبون إلى العلم ، تخفى عليهم تفاصيلها ، وربما يتلفظ بعضهم بلفظ كفر ، وهو لا يشعر ، أو وهو لم يعتمد أو هو لا يدري ، أو لم يتمعن العبارة ، فهل هذا يحكم بكفره ابتداءً ؟ طبعًا لا . إن من أشد الأخطاء التي يقع فيها كثيرون من الذين يتعرضون للحكم على الناس - خاصة بعض صغار طلاب العلم والأحداث منهم ، الذين لم يتفقهوا في الدين على أهل العلم ، إنما أخذوا العلوم الشرعية عن الكتب والوسائل دون الاهتداء ، ودون اقتداء ، دون مراعاة للأصول ، ولا معرفة بأصول الاستدلال وأصول الأحكام - هؤلاء يقع بعض منهم في هذه المسائل الخطيرة ، وهي عدم التفريق بيت الأصول وبين تطبيق الأصول على الجزئيات والحوادث والنوازل . فأحكام الكفر والتكفير وأحواله ، لا تعني تكفير كل شخص يقول بها ، أو يعملها ، أو يعتقدها ، وأحكام الولاء والبراء ، مثل أحكام التكفير ، لا تعني تطبيق هذا الولاء والبراء على كل من يظهر منه موجبه ، حتى يتم التأكد ، أقصد بذلك البراء بخاصة ، أما الولاء فهو الأصل لكل مسلم ، ولا يجوز التوقف والتبين في الولاء إذا الولاء واجب لكل من يظهر منه الإسلام ، حتى يظهر ويتأكد ما يخالفه . كذلك عدم اعتبار المصالح والمفاسد أو الجهل بقواعد جلب المصالح ودرء المفاسد سبب من أعظم أسباب الوقوع في هذه الأخطاء وأمثالها . |
| الساعة الآن 07:22 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى