![]() |
العلامة ابن القيم رحمه الله : يقتبس نورا من مشكاة النبوة وينهل من معين السلف الم
قال رحمه الله تعالى :
الحمد لله رب العالمين , والعاقبة للمتقين , ولا عدوان إلا على الظالمين . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له رب العالمين , وإله المرسلين , وقيوم السموات والأرضين . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بالكتاب المبين , الفارق بين الهدى والضلال , والغي والرشاد , والشك واليقين . أنزله لنقرأه تدبرا , ونتأمله تبصرا ً, ونسعد به تذكراً , ونحمله على أحسن وجوهه ومعانيه , ونصدق به ونجتهد على إقامة أوامره ونواهيه , ونجتني ثمار علومه النافعة الموصلة إلى الله سبحانه من أشجاره , ورياحين الحِكم من بين رياضه وأزهاره . فهو كتابه الدُّال عليه لمن أراد معرفته , وطريقه الموصلة لسالكها إليه , ونوره المبين الذي أشرقت له الظلمات , ورحمته المهداة التي بها صلاح جميع المخلوقات , والسبب الواصل بينه وبين عباده إذا انقطعت الأسباب , وبابه الأعظم الذي منه الدخول , فلا يغلق إذا غُلَّقت الأبواب . وهو الصراط المستقيم الذي لاتميل به الآراء , والذكر الحكيم الذي لاتزيغ به الأهواء , والنُزُلُ الكريم الذي لايشبع منه العلماء , لاتفنى عجائبه , ولاتقلع سحائبه , ولاتنقضي آياته , ولاتختلف دلالاته , كلما ازدادت البصائر فيه تأملا وتفكيرا , زادها هداية وتبصيرا. وكلما بَجَّست مَعينهُ فجّر لها ينابيع الحِكمة تفجيراً , فهو نور البصائر من عماها , وشفاء الصدور من أدوائها وجَواها , وحياة القلوب , ولذة النفوس , ورياض القلوب , وحادي الأرواح , إلى بلاد الأفراح , والمنادي بالمساء والصباح : يا أهل الفلاح , حَيَّ على الفلاح . نادى منادي الإيمان على رأس الصراط المستقيم (يا قومنا أجيبوا داعيَ الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويُجركم من عذاب أليم ) . أسمعَ- والله – لو صادف آذانا واعية , وبصّرَ لو صادف قلوباً من الفساد خالية . لكن عصفت على القلوب هذه الأهواء فأطفأت مصابيحها وتمكنت منها آراء الرجال فأغلقت أبوابها وأضاعت مفاتيحها , وران عليها كسبها فلم تجد حقائق القرآن إليها منفذاً , وتحكمت فيها أسقام الجهل فلم تتنفع معها بصالح العمل . واعجبا لها ! كيف جعلت غذاءها من هذه الآراء التي لاتسمن ولاتغني من جوع ولم تقبل الاغتذاء بكلام رب العالمين , ونصوص حديث نبيه المرفوع , أم كيف اهتدت في ظلم الآراء إلى التمييز بين الخطإ والصواب , وخفي عليها ذلك في مطالع الأنوار من السنة والكتاب ؟ . واعجبا ! كيف ميزت بين صحيح الآراء وسقيمها , ومقبولها ومردودها ,وراجحها ومرجوحها , وأقرّت على أنفسها بالعجز عن تلقي الهدى والعلم من كلام من كلامه لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه , وهو الكفيل بإيضاح الحق مع غاية البيان ؟ وكلام من أوتي جوامع الكلم , واستولى كلامه على الأقصى من البيان . كلا , بل هي والله فتنة أعمت القلوب عن مواقع رشدها , وحيرت العقول عن طرائق قصدها , يُرَبّى فيها الصغير , ويهرم فيها الكبير . وظنت خفافيش البصائر أنها الغاية التي يتسابق إليها المتسابقون , والنهاية التي تنافس فيها المتنافسون , وتزاحموا عليها . وهيهات . أين السُّهى من شمس الضحى ؟ وأين الثرى من كواكب الجوزاء ؟ وأين الكلام الذي لم تُضمن لنا عصمة قائله بدليل معلوم , من النقل المصدّق عن القائل المعصوم ؟ وأين الأقوال التي أعلا درجاتها : أن تكون سائغة الاتباع , من النصوص الواجب على كل مسلم تقديمها وتحكيمها والتحاكم إليها في محل النزاع ؟ وأين الآراء التي نهى قائلها عن تقليده فيها وحذر , من النصوص التي فُرض على كل عبد أن يهتدي بها ويتبصر ؟ وأين المذاهب التي إذا مات أربها فهي من جملة الأموات , من النصوص التي لاتزول إذا زالت الأرض والسموات ؟ سبحان الله ! ماذا حرم المعرضون عن نصوص الوحي , واقتباس العلم من مشكاته من كنوز الذخائر ؟ ! وماذا فاتهم من حياة القلوب واستنارة البصائر ؟ قنعوا بأقوال استنبطتها معاول الآراء فِكرا , وتقطعوا أمرهم بينهم لأجلها زُبرا . وأوحى بعضهم إلى بعض زُخرُف القول غرورا . فاتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجوراً . دَرَسَت معالم القرآن في قلوبهم فليسوا يعرفونها . ودَثَرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها . و وقعت ألويته وأعلامه من أيديهم فليسوا يرفعونها . وأفلت كواكبه النيرة من آفاق نفوسهم فلذلك لايحبونها . وكُسفت شمسه عند اجتماع ظلم آرائهم وعقدها فليسوا يبصرونها . خلعوا نصوص الوحي عن سلطان الحقيقة , وعزلوها عن ولاية اليقين . وشنوا عليها غارات التأويلات الباطلة . فلا يزال يخرج عليها من جيوشهم كمين بعد كمين . نزلت عليهم نزول الضيف على أقوام لئام . فعاملوها بغير ما يليق بها من الإجلال والإكرام . وتلقوها من بعيد , ولكن بالدفع في صدورها والأعجاز . وقالوا : مالِك عندنا من عبور , وإن كان ولابد , فعلى سبيل الاجتياز . أنزلوا النصوص منزلة الخليفة في هذا الزمان . له السكة والخطبة وماله حكم نافذ ولا سلطان , المتمسك عندهم بالكتاب والسنة صاحب ظواهر , مبخوس حظه من المعقول . والمقلد للآراء المتناقضة المتعارضة والأفكار المتهافتة لديهم هو الفاضل المقبول . وأهل الكتاب والسنة , المقدمون لنصوصها على غيرها , جهال لديهم منقوصون ( وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناسُ قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لايعلمون ) . حرموا – والله – الوصول , بعدولهم عن منهج الوحي , وتضييعهم الأصول .وتمسكوا بأعجازٍ لا صدور لها , فخانتهم أحرص ما كانوا عليها . وتقطعت بهم أسبابها أحوج ما كانوا إليها . حتى إذا بُعثر ما في القبور , وحُصَّل ما في الصدور , وتميز لكل قوم حاصلهم الذي حصلوه . وانكشفت لهم حقيقة ما اعتقدوه , وقدِموا على ما قدموه ( وبدا لهم من الله مالم يكونوا يحتسبون ) وسُقِط في أيديهم عند الحصاد لمّا عاينوا غلّة ما بذروه . فيا شدة الحسرة عندما يعاين المبطل سعيه وكدّه هباءا منثورا ؛ ويا عظم المصيبة عندما يتبين بوارق أمانيه خُلّبا وآماله كاذبة غروراً . فما ظن ُّ من انطوت سريرته على البدعة والهوى , والتعصب للآراء , بربه يوم تُبلى السرائر ؟ وما عذر من نبذ الوحيين وراء ظهره في يوم لا تنفع الظالمين فيه المعاذر ؟ أفيظن المعرض عن كتاب ربه وسنة رسوله أن ينجو من ربه بآراء الرجال ؟ أو يتخلص من بأس الله بكثرة البحوث والجدال , وضروب الأقيسة وتنوع الأشكال ؟ أو بالإشارات والشطحات , وأنواع الخيال ؟ هيهات والله . لقد ظن أكذب الظن , ومنّتهُ نفسه أبين المحال . وإنما ضُمنت النجاة لمن حكّم هدى الله على غيره , وتزود التقوى وائتم بالدليل . وسلك الصراط المستقيم , واستمسك من الوحي بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها والله سميع عليم . |
| الساعة الآن 04:51 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى