![]() |
أنتِ و لا أحد (الجزء الثاني)
...
كل الناس ترى الصبح في شروق الشمس , و أنا أرى صبحي في شروق محياكِ. أعود كل يوم بخيالي إلى الوراء , اتركه ينساب في الآفاق , و أستقرأ أمواج الأزمان و أستظهر خطوط الدهور , مسافرا في صحراء الأفكار و محلقا في حدائق البواطن. أستجديكِ و أناديكِ , فينطلق صوتي في صمت مع رذاذ الأمطار و حبات الضباب , يشق طريقه إلى مسامعكِ في ثبات. و أستيقظ على صدى صوتي حزينا متألما لحالي من طول الفراق. أخبرتني أشجار البساتين , و أزهار الحدائق لما مررتُ بها آتيا من شواطئ الملكوت , حين كانت تستقبلكِ صباحا مساءا , كيف كانت تقرأ الحنين في خطـــــاكِ و تلمح الحزن في وجنتيكِ ... و أخبرتني الرياح أنكِ كنتِ تصنعين للطيور من تسابيحكِ ألحانا تعزفها , و تجعلين لها من تهاليلكِ منازل خالدات ... و أخبرتني الجبال أنك كنت تتخذين من سفوحها خُلوة , لله تضرعا و مناجاة. و في الأسحار من كل ليلة , حين أكون مستغرقا في صلاتي و مناجاتي , تأخذني ردود صدى تسبيحات المخلوقات , فهذا طائر يغرد لله راكعا و هذا جبل يهتز في خفقان , و تلك أشجار ساجدات . حينها أراكِ تارة بين الركوع و السجود مسافرة , و تارة غارقة في بحر الدموع و التوسلات. فأجد نفسي تهفو إليكِ في صمت و قلبي ينادي قلبك بأعلى صوت : " ما أجمل أن نلتقي أنا و أنت بين يدي الرحمان في خضوع و خشوع لخالق الموجودات." تلك هي صورتكِ في عيناي , لا تمحوها ترسبات الأيام و لا تبلوها شدة الأزمات. و دهشت حين رأيت المياه تشبهكِ, بينما كانت تنساب من أعالي الجبال أو تنزل من السماوات , تحمل في طياتها من الرحمة تجليات ... فأخبرتني أن ذلك كان لها مما تعلمته منكِ أوقات التلاواتِ , و راحت تردد دون توقف ما تلقنته منك من فيوضات ... فأدركت حينها , كما أن لله في كل شيء إعجاز فإن له فيكِ إعجازات. إذ خلقني و إياك من نفس واحدة , ثم على شاكلتنا كانت الموجودات , افترقنا في يوم كان لنا مكيدة , و لقاءنا لا ضير من المحتومات ... فلا تحزني لطول الفراق , فاللقاء لبد صائر فذلك وعد من بارئ النسمات , فحين أخذ الميثاق من بني آدم كان اللقاء في الكتاب من المسطورات... تمنيت لو انك الآن قارئة لكلماتي, فربما في تقدير الخالق أن تكوني من القارئات ... يتبع ... |
| الساعة الآن 05:14 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى