![]() |
*** ساكنة الشباك ***
قصة قصيرة
ساكنة الشبـــــاك … … السماء تمطر خيبة ..السماء تمطر خيبة .. لا تسمو برأسك نحو الأعلى ..لا تسمو برأسك نحو الأعلى ..كانت الأصوات تتعالى داخله تحذره من مغبة النظر صوب الحواء القابعة في النافذة تصطاد بنظرها كل عابر ووالج إلى عمارات المقابلة ..وبخطا متثاقلة .. مترامية توجه صوب ( مهجره ) يجر أذيال تعب النهار وأوساخه يسابق الساعة والنعاس إلى سريره ونظراتها ( هي ) لازالت مطبوعة في عينيه بتساؤل كبير عن هذه الجديدة التي سكنت جواره وراحت تنشر حبال صيدها قبالته .. هو الذي أغرق ذاته في دوامة الوحدة ،وسكن بين ثنائية العمل والبيت، منذ عشقه ذات ( خطأ ) لسحاب عابر ظن بأنه يمطره حبا فأمطره سحقا وغدرا ومن يومها كتب لنفسه بأن تعيش له ..وله فقط فلا مجال ليحب أو يحب .. مجرد خطا في تصويب عشقه نحو حب لم يبادره غيره نظرة أولى حسبت له وباقي النظرات كانت لغيره ،جعلته يرفض قطعا منح تأشيرة تخط جديد لحدود جغرافيته وخرائطه.. فقد أيقن ... أيقن أنه أحب مرة وحصد نتاج ذلك صدرها وغرورها فلم يكن أكثر من مجرد محطة من محطات عبورها ومرورها ...صفر آخر في سلسلة أرقامها الطويلة ..( نظرة لك والباقي عليك .. فحبالي يا هذا..بقدر ما هي جذابة و (جميلة )...قصيرة.. قصيرة جدا وعلى من يمتطيها أن يتعلم أولا فنون القفز والنط ..) ..كان هذا خطاب وداعها الأخير الذي أسكنته مسامعه لترحل هي وينتهي هو إلى سقوطه وانبطاحه وسحقه وإلى مقبرة عمله .. كانت ساكنة (الشباك) لم تبرح شباكها أو ربما عاودته السكن تغازل ليلا بنظراتها، أعمدة الكهرباء، بعد انتفاض المدينة ورحيلها جوف المدينة وخرج (هو) يسعى وراء سجائره المنتفضة أيضا ليسترق النظر إليها وعلامات تعجبه بادية كبيرة اتجاه هاته الحواء التي تغازل الليل والقمر وأعمدة الكهرباء وحيدة ..وسكنه التساؤل..أهي مجنونة .. أهي عاشقة ..ليستوطنه من كل جانب لحظة ابتسامتها له من غير كلام أو بوح وهرول (هو) ساعيا وراء سجائره وسعت (هي) تلاحقه بنظراتها تحرسه من نباح الكلاب.. وعاد...عاد يستنشق بنهب (دخانه) ولازالت ..لازالت .. (هي) قابعة تحرس الليل والقمر و تحرسه و الشباك .. وارتمى في سريره وأبى النوم مضاجعه فقد بات تفكيره معلقا في الشباك وصاحبته وطوى الليل ستائره وأقام النهار ضجيجه وتوجه (هو) صوب مقبرة علمه وكانت هي ..هي ..ترمقه بنظراتها وترسلها نحوه.. عبر مداه البعيد معلنة بأنه قد أضحى وجهتها والقبلة ..وتكرر مشهد النظرات الصامتة وابتسامتها الصامتة واليوم تلاه يوم والأسبوع تلاه أخوه وأصواته تتعالى داخله ...السماء تمطر خيبة ...الشباك يمطر خيبة ..لا تسمو برأسك نحو الأعلى ..وأبى أن يسمع صراخه ..وأبى أن يستوعب ما فاته فقد قرر أن يكثف بخار نظراتها ونظراته كلاما ...وأعلن ..أعلن تشبثه بحبالها والشباك ..قرر ..قرر ..أن ما مضى من عمره ما مات وإليها صوب عشقه والنهاية ..وفي محطات عشقه ولهفه ونظراته لمحها من بعيد تستند عمود كهرباء من جهة وزميلتها من جهة أخرى تستعجل الذهاب والركوب تنادي (تاكسي ...تاكسي) لتلتحق ربما مبكرا بالنافذة.. فدنى منها دنوا ووقف أمامها جاثما يتصبب عشقا ولهفا عليها..نسي الناس والزميلة وكل الدنيا ونفسه ولم يبصر غيرها وغيره وحدثها بحروف متلعثمة ومتجمدة ..(نقدر نمشي معاك شويا..) فارتبكت وبهتت ...شهقت ثم بكت و تزلزلت ..( منقدرش نمشي راني معوقة ...معوقة .. عندي رجلين وما نتحركش ..الطبيب قال لي ....) فأرتبك وبهت .. شهق تم بكى من غير دموع وأنصرف برقا إلى النافذة يبحث عنها ...عن نظراتها و كانت ..هي ..هي المعوقة ساكنة الشباك ...الشباك الذي أمطر زلزالا وشمع من يومها وظل الوحيد الحامل لسر رحيله وسفره المفاجئ من دون سكان الحي أجمعين زاده جرح آخر وحب دون رجلين.. |
| الساعة الآن 01:46 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى