![]() |
الحوار..ذلك البعد المفقود في ثقافتنا؟؟؟(د-حسين العودات)
الحوار....البعد الثالث المفقود في بناء ثقافتنا العربية الاسلامية؟؟؟
قبل ما يزيد على الأربعة عشر قرناً نزل في القرآن الكريم (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)، في وقت كانت تسود فيه في عالم ذاك الزمان شريعة القوة والتحكم والاستئثار والسيطرة، ليس فقط في العلاقات بين الإمبراطوريات بل داخل مجتمعاتها وبين أفرادها أيضاً. خاصة وأن العبودية كانت من مقومات مجتمعات عالم العصر الوسيط، تدخل في صلب هيكليتها وأساليب إنتاجها وبالتالي في رسم ملامح بنياتها الفوقية كلها، وكان الحوار من مكونات هذه المجتمعات أو كان بين الدول نافلة، نادراً ما يلجأ إليه أحد فرداً كان أو طبقة أو دولة، فالقوة والعنف والسيطرة كانت من تقاليد المجتمعات والدول وتشكل جزءاً من ممارساتها وتقاليدها، والأمر نفسه اتصف به المجتمع العربي قبل الإسلام مع بعض الاستثناءات التي تؤكد القاعدة، ولما جاء أمر الوحي بممارسة الحوار (الجدل) كان نهجاً جديداً على المجتمع العربي وعلى التقاليد العالمية المعمول بها سياسياً واجتماعياً، فضلاً عن العلاقات الفردية. والآن بعد مرور مئات السنين يبدو أننا نحن العرب والمسلمين أقل الناس اهتماماً بالحوار وممارسته وإيماناً به، في علاقتنا كأفراد وفي علاقات طبقاتنا الاجتماعية وتياراتنا السياسية وقوانا المجتمعية وبين دولنا بعضها مع البعض الآخر، ذلك أن كلاً منا يكاد لا يرفض الحوار فقط بل يدين الآخر المختلف ويتفّه آراءه ويجرّم مواقفه، ففي السياسة يعتبره خائناً لأن له رأياً آخر وفي الاقتصاد يعتبره مخرباً وفي الدين كافراً وفي المجتمع نشازاً وفي الحالات كلها يتهمه ويدينه ويعاقبه إن أمكنه ذلك. لقد ضاقت صدورنا أفراداً ومجتمعات به ونكاد لا نعترف بالرأي الآخر ولم نعد نطيق وجوده ولا السماع به ولا نسمح بالتمايز والاختلاف، وهيأنا المناخ بذلك لخلافات فردية وحزبية ومجتمعية سياسية واقتصادية لا حصر لها، كما أوجدنا الشروط المناسبة لإشعال العنف بين فئاتنا وتسهيل الحروب الأهلية، وصارت كل فئة تعتبر نفسها هي الفئة الناجية دون اعتبار لآراء الآخرين ومصالحهم (وكلما جاءت أمة لعنت أختها)، والأمة في القرآن الكريم لا تحمل معنى الأمة المعاصر بل مجموعة من الناس متماثلة السمات والشروط. نلاحظ على نطاق الواقع المعاش هذه المعايير الشاذة أينما توجهنا في طول أوطاننا وعرضها، فالمنظمات الفلسطينية ترفض الحوار فيما بينها ويلعن بعضها البعض الآخر، ومثلها الأحزاب اللبنانية والطوائف العراقية والأحزاب والتيارات الجزائرية والقوى المجتمعية السودانية وغيرها، فضلاً عن قوى الموالاة والمعارضة في بقية البلدان العربية والإسلامية، حيث يعتقد كل منها أن رأيها هو الحق المطلق وموقفها صحيح لا يدانيه الشك، والأنكى أن كل فصيل يطلق على الآخر أقسى الأوصاف كالخيانة والانحراف والكفر والزندقة وغيرها، وما إن تتاح له الفرصة حتى يهمّشه ويصفيه إن أمكنه ذلك، وصرنا لا نطيق سماع غير رأينا ولا نقبل شريكاً في السلطة أو في أداء مهماتنا (وما حدا شايف حدا). من نواميس الدولة الحديثة أن يتشاور الحاكم باستمرار مع زعيم المعارضة وأن يضع بين يديه دورياً أدق المعلومات وأكثرها سرية، نلاحظ هذا في الدول المتقدمة والديمقراطية كما نلاحظه لدى عدوتنا إسرائيل، رغم الصراعات الشديدة القائمة بين المعارضة والسلطة في هذه الدول. فقد كشفت أخبار الأسبوع الماضي مثلاً أن إيهود أولمرت رئيس الحكومة الإسرائيلية يتشاور باستمرار ودورياً مع بنيامين نتانياهو زعيم المعارضة، في معظم الأمور الأساسية التي تهم المجتمع الإسرائيلي، ليس في مجال «الأمن القومي» فقط بل في المجالات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، رغم كل ما بين الرجلين من صراع وتربص كل منهما بالآخر. والأمر نفسه يطبق في معظم الدول الأوروبية، فتحترم الموالاة آراء المعارضة وتتشاور معها وتشركها في القرارات الأساسية. ولا يخطر ببالها طبعاً اتهام المعارضة بالخيانة والتواصل مع الأجنبي والانحراف والمروق وغيرها من التهم التي نستسهل إطلاقها على الآخر في بلادنا، وقد طورت المجتمعات (والدول) المتقدمة تقاليدها فأخذ بعضها يقدم مخصصات مالية ومادية لرئيس المعارضة ويفسح له المجال كشريك ذي حق في الشراكة، ولا يأبه الحاكم بأن زعيم المعارضة هذا ينتظر الفرصة المناسبة ليقفز على السلطة ويحل محله، وذلك كله انطلاقاً من أن (رأيي صحيح يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب) كما قال الإمام الشافعي قبل اثني عشر قرناً. إنه من المستغرب أن قوماً (أعني العرب والمسلمين) مارسوا الجدل في الرأي (أي الحوار) بأوسع أطيافه قبل أكثر من ألف وأربعمئة عام، لا يستطيعون الآن السماح بالرأي الآخر فكيف الاعتراف به! لا شك أن ذلك يعود لأسباب عديدة تراكم بعضها خلال التاريخ الطويل وفرض قيماً مغايرة، ونشأ بعضها الآخر من حال التخلف وأكداس العادات والتقاليد والاجتهاد والمصالح والطغيان والاستبداد حتى أصبح تقليداً للأفراد والجماعات وقيماً للمجتمعات والأمة كلها. فلم تعد بعدها تتفق على شيء وطغت الشخصانية والتزمّت وعدم احترام الديمقراطية بل عدم تعلمها على سلوكنا أفراداً وأحزاباً موالية ومعارضة وحكومات ومجتمعات ودولاً، فصار كل منا يظن أنه وحده مالك صحة الرأي المطلقة والحق المطلق وبالتالي لا يحق لغيره أن يكون شريكاً، له لا بالرأي ولا بالممارسة. إن معظم أنظمتنا السياسية للأسف لا تتشاور مع معارضيها بل تتهمهم بالعمالة للخارج والانحراف عن الخط الوطني، ولا ترى في مواقفهم وجهات نظر مختلفة لحل قضايا وطنية بأسلوب آخر وبرأي آخر، فتعزلهم بمختلف السبل وتضعهم أحياناً وراء القضبان لأنها تريد أن تستأثر وحدها بالسلطة، ذلك أن بعض الحاكمين يرون في السلطة امتيازاً يحاولون الاستئثار به وحدهم ويرون الدولة ملكية خاصة لا يريدون أن يكون لهم فيها شريك. وبين الشخصانية وانعدام الديمقراطية وتراكم القيم البالية والفهم الأعوج للدولة والسلطة، زادت تناقضاتنا الداخلية وزاد الحذر والشك بين حكومات بلداننا فلم تستطع هذه الحكومات لا تحقيق الوحدة العربية ولا التضامن العربي ولا أي نوع من أنواع التحالف الجدي تقريباً، وبقي التنافر والحملات الإعلامية الهجومية المتبادلة هي وسيلتنا التي نراها وكأنها أمر عادي. والمشكلة الأخطر أن التنافر والرفض المتبادل لم يعد يسري على العلاقات بين الدول والحكومات، بل يطاول أحوال المجتمعات الداخلية والعلاقات بين قواها وفئاتها السياسية والاجتماعية والدينية، وفي السنوات الأخيرة الطائفية. لقد تمزقت مجتمعاتنا وتعمقت فيها تقاليد الخلافات والعنف والرفض المتبادل والحروب المحلية وألغي الجدل ولم يعد للحوار مكان، ولعل هذا بداية الانهيار. د-حسين العودات (كاتب سوري نقلا عن البيان الامارتية عدد15/07/2007) |
رد: الحوار..ذلك البعد المفقود في ثقافتنا؟؟؟(د-حسين العودات)
بارك الله فيك أخي الكريم
أرجو من جميع الأعضاء الذين مروا به أن يقرؤوه كاملا. |
رد: الحوار..ذلك البعد المفقود في ثقافتنا؟؟؟(د-حسين العودات)
السلام عليكم
وفيك بركة ايها الأخت الكريمة....شكرا على مرورك |
رد: الحوار..ذلك البعد المفقود في ثقافتنا؟؟؟(د-حسين العودات)
السلام عليكم وبعد
أولا دعني أخي اشكرك على المجهود واثارتك لموضوع مهم ...كما لا يسعني الا ان أوجه خالص العرفان لجريدة البيان الاماراتية المعنية بمجريات الاحداث الوطنية ولكأني بها جريدة وطنية والله...ولنعد لمناقشة الموضوع. فعلا قد يبدو للوهلة الاولى ان حرية التعبير وان كانت بالفعل سببا في تقدم وازدهار مجتمعات الغرب حتى اصبحت نموذجا للحرية الفردية والجماعية وما كان لها ذلك الا نتيجة اقترانها بتقدم وازدهار الجانب الاقتصادي....الا ان هذه الحرية قد تكون وانا لا اعارضها سببا للفتن ولنا في التجربة الجزائرية ما نستدل به على ذلك ....كيف لا وانا شاهد على من افتى بتحريم الديمقراطية وحرية الرأي في بداية التسعينات وهم الذين اتت بهم تجربة حرية الكلمة والديمقراطية....وها نحن حتى اليوم ندفع ثمن ما اقترفه الشاذلي في منح من طالب بالخبز ذات العاشر من اكتوبر 1988 ليمنحه قنبلة الديمقراطية وحرية الكلمة..... |
رد: الحوار..ذلك البعد المفقود في ثقافتنا؟؟؟(د-حسين العودات)
اقتباس:
شكرا على اعادة طرح الموضوع بهذه الدقة، وعلى الملتا حظة الذكية؟؟ماحدث بالجزائر كان متعمدا،وكل رجال القانون قد نبهوا الى هذا في حينه،فالحزب المنحل وطبقا للدستور كان لا يجب ابتداءا ان يعطى الاعتماد، وهناك احزاب جهوية اخرى....كان اعتمادها خرقا صريحا للدستور، ولكن الانتهازية واللؤم السياسي كان اكبر من الدستور،..فدارت الأيام وانقلب السحر على الساحر؟؟ ثانيا كان الحزب المنحل اثناء نشاطه النضالي يخترق الدستور ليل نهار، بطريقة صريحة ولكن السلطة رفضت التدخل،؟؟وكلنا نتذكر عندما قام مناصلوا الحزب المنحل بانزال صورة رئيس الجمهورية من البلديات التي حكموها وشعار الجمهورية من الشعب وللشعب...ورفع بدلها شعار البلدية الاسلامية،..وأيضا قام مناضلوا هذا الحزب بالتحرش والتجاوز على حرية المواطنين، في اكثر من مرة، ومكان ...ولكن السلطة لم تتدخل لتطبليق القوانين وانصاف المواطنين الذين تعرضوا للتجاوزات... *الحكاية انه كان هناك من يدفع هذا الحزب لارتكاب اكثر من خطأ،والسكوت الى حد تراكم التجاوزات تمهيدا للاجهاز عليه...وقد حصل ولكن مع الأسف كان الثمن باهضا جدا.... |
| الساعة الآن 08:56 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى