منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   منتدى الدراسات الإسلامية (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=158)
-   -   المنهج الإمام لدعاة الإسلام (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=84251)

jaloux2002 04-05-2009 08:32 PM

المنهج الإمام لدعاة الإسلام
 
بسم الله الرحمان الرحيم


المنهج الإمام لدعاة الإسلام
مراعاة مراتب الأعمال

الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده، وبعد؛

1 ـ إذا ثبت أن الله قد خلق العباد ليعرفوه و يعبدوه، و العبادة هي امتثال أمره و اجتناب نهيه، و أمره و نهيه هما الشرع، فمن لم يمتثل أمر الله ولم يجتنب نهيه لم يعبده، والذي لا يعبده لا يمكنه أن يزعم انه عرفه، فمن جهل الله عصاه، ومن عرفه عبده.
ومن لم يعبد الله لم يحقق الغاية من خلقه، أي:لم يحقق الغاية المرادة منه، فلا يمكنه أن يطلب الغاية المرادة به، وهي السعادة في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالتمكين فيها، و في الآخرة بالجنة.
ـ أما من يقول:أنا و إن كنت لا أفعل أمر الله من صلاة و حج و زكاة و ذكر وتلاوة قرآن و غير ذلك إلا أنني اجتنب نواهيه، فلا أشرب الخمر ولا أسرق ولا ازني و لا اقتل و غير ذلك، فهذا كذلك لم يعبد الله، لان العبادة فعل و ليست من قبيل الترك.
فالعباد خلقوا ليفعلوا، لا لمجرد أن يتركوا، لأن الترك أمر عدمي لا كمال فيه من حيث هو عدم، بخلاف امتثال المأمور، فإنه أمر وجودي مطلوب الحصول، ولذلك كانت أركان الإسلام كلها أوامر.
2 ـ لكل غاية وسيلة، ولا يمكن أن يصل الإنسان إلى غايته إلا بوسيلة تكون فعلا موصلا للغاية، ولاشك أن أعظم وسيلة هم الأنبياء، فإنهم الطريق إلى معرفة الله و عبادته، فكما هناك غايتان:غاية من خلق الإنسان مرادة به، و غاية مرادة له، فهناك وسيلتان:
الوسائل الشرعية لتحقيق العبودية:

1ـ الوسيلة لمعرفة الله حقيقة المعرفة و عبادته العبادة التي يحبها هم الأنبياء، فعندهم بما أوحى الله لهم خبر السماء، و أقصى معرفة بالله يمكن أن يدركها الإنسان على الأرض هي عند الأنبياء لا يعرف غيرهم إلا النزر اليسير المخلوط بالخرافات و الجهليات، و كذلك الأنبياء عبدوه بما أمرهم و نهاهم، فهو بين لهم كيف يعبدوه، وبين لهم أفضل العبادة.
فهذه الوسيلة تستلزم كذلك اتباع النبي صلى الله عليه و سلم.
2ـ الوسيلة الثانية هي الوسيلة لتحقيق الغاية المرادة بالإنسان وهي السعادة في الدنيا و الآخرة، في الدنيا بالتمكين فيها و في الآخرة جنات عدن، وكما بين الله تعالى في كتابه الوسيلة الأولى بين الوسيلة الثانية وهي طاعته، فالوسيلة إلى كرامته طاعته، قال سبحانه:{يا أيها الذين آمنوا لتقوا الله و ابتغوا غليه الوسيلة}.
فخاصة عباد الله هم الذين يبتغون إليه الوسيلة، قال:{أولئك الذين يدعون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب}.
3 ـ الغاية لذاتها هو الله، و الغاية لغيرها هي الجنة، و السبيل الموصلة إلى الغايتين: اتباع الأنبياء و طاعتهم، فمتى أخل الإنسان بالوسيلتين، وكلاهما عند الأنبياء اتباعهم وطاعتهم، اخطأ الوسيلة فاخطأ الغاية، و الخطأ في الوسيلة يسبب الضلال، و الخطأ في الغاية يسبب كذلك الضلال.
فمن قصد ما لا ينبغي له أن يقصده فقد ضل في الغاية، كمن يقصد بعبادته الجاه و الرئاسة، أو يقصد تعظيم الشيوخ أو القبور و المشاهد، و طلب رضا المخلوقين و غير ذلك، فهذا قد ضل الغاية.
وهناك من قد يصب الغاية و المقصود الحق، لكنه يضل في طريق طلبه و السبيل الموصلة إليه فيسلك غير مسلك الأنبياء، فالأول ضلال في الغاية، و الثاني ضلال في الوسيلة.
فإذا فهمت فقد فهمت مهمة الأنبياء، وفهمت استحالة الحصول على رضوان الله بدونهم، وفهمت من أين أوتيت الفرقة الضالة في العقليات و القياسيات و المنطقيات، ومن أين أوتيت الفرقة الضالة في الوجديات و السلوكيات و الزهديات.
ولكن هذا كله في جانبه النظري العلمي الشرعي الديني، فهل يتسير لك تطبيقه بدون معارضة من القدر أو المشيئة الكونية الخلقية، وهل يمكنك القيام به في جميع الأحوال و الأماكن، وكيف تتصرف إذا لم تقدر عليه؟
هذا ما سيبينه الفصل التالي، وهو فصل عظيم الفائدة، من أعظم ما سطره ابن تيمية في كتابه"الاقتضاء"،فإن من الناس من يوصي بقراءة هذا الكتاب ليعرف أصول السنة و مظاهر البدعة،ولكن هذا الفصل لا يمكن فهم "الاقتضاء" بدونه، فعليك به،فإنه المنهج الذي يحقق لك مهمة الأنبياء:"تحقيق المصالح و تكميلها و درء المفاسد و تقليلها".
مراتب الأعمال من حيث السنة و البدعة:

الأعمال إما أن تكون خيرا محضا وهي السنة الثابتة الصحيحة نوعا ووصفا قصدا و إرادة، و إما أن يكون فيها خير لاشتمالها على أنواع المشروع و فيها أيضا شر من بدعة و نحوها، فيكون ذلك العمل شرا بالنسبة إلى الإعراض عن الدين بالكلية كحال المنافقين و الفاسقين، وهذه نسميها: المشروع نوعا المبتدع وصفا[1].
و في مثل هذه الحالة عليك بأدبين:
أدب السني مع نفسه و غيره في مراتب الأعمال:

1 ـ أن يكون حرصك على التمسك بالسنة باطنا و ظاهرا، في خاصتك خاصة من يطيعك و اعرف المعروف و أنكر المنكر.
أي:عليك أنت أن تتمسك بالأعمال الشرعية من المرتبة الأولى فلا تترخص لنفسك باطنا وظاهرا، فالقدر تعذر به غيرك، لا تعذر به نفسك، وكذلك مع خاصتك ومن يطيعك من المسلمين لا تأمرهم إلا بالأعمال من المرتبة الأولى: أعمال النبي صلى الله عليه و سلم و صحابته.
كذلك عليك أن تعرف مراتب المعروف و مراتب المنكر، فإن فعل بعض المنكر أحيانا بغرض درء المنكر الأكبر هو من المعروف، وكذلك العكس، وهذه المسألة كنا قد ذكرناها في رسالة" كيف نعامل المخالف لمنهج السلف" في المقدمة بعنوان: الواجب المعجوز عنه، وفعل المنهي عنه ضرورة.
2 ـ أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان[2]، فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا إلى شر منه، فلا تدعو إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه، أو بترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه، ولكن إذا كان في البدعة نوع من الخير فعوض عنه من الخير المشروع بحسب الإمكان إذ النفوس لا تترك شيئا إلا بشيء.
ولا ينبغي لأحد أن يترك خيرا إلا إلى مثله أو إلى خير منه، فإنه كما أن الفاعلين لهذه البدع معيبون قد أتوا مكروها، فالتاركون أيضا للسنن مذمومون، فإن منها ما يكون واجبا على الإطلاق، ومنها ما يكون واجبا على التقييد كما أن الصلاة النافلة لا تجب، و لكن من أراد أن يصليها يجب عليه أن يأتي بأركانها، وكما يجب على من أتى الذنوب أن يأتي بالكفارات و القضاء و التوبة و الحسنات الماحية.
وما يجب على من كان إماما أو قاضيا أو مفتيا أو واليا من الحقوق، وما يجب على طالبي العلم أو نوافل العبادة من الحقوق.
ومنها ما يكره المداومة على تركه كراهة شديدة.
ومنها ما يكره تركه أو يجب فعله على الأئمة دون غيرهم و عامتها يجب تعليمها و الحض عليها و الدعاء إليها.
وكثير من المنكرين لبدع العبادات تجدهم مقصرين في فعل السنن مع ذلك أو الآمر به.
ولعل حال كثير منهم يكون أسوأ من حال من يأتي بتلك العبادات المشتملة على نوع من الكراهة بل الدين هو الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، ولا قوام لأحدهما إلا بصاحبه، فلا ينهى عن منكر ولا يؤمر بمعروف يغني عنه، كما يؤمر بعبادة الله و ينهى عن عبادة ما سواه، إذ رأس الأمر شهادة إن لا إله إلا الله، والنفوس قد خلقت لتعمل لا لتترك و غنما الترك مقصودا لغيره، فإن لم يشتغل بعمل صالح، و إلا لم تترك العمل الشيء أو الناقص.
لكن لما كان من الأعمال السيئة ما يفسد عليها العمل الصالح نهيت عنه حفظا للعمل الصالح.
فتعظيم المولد و اتخاذه موسما قد يفعله بعض الناس و يكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده و تعظيمه لرسول الله صلى الله عليه و سلم،لا لاتخاذه موسما و حفلا، و إن كان عليه وزر البدعة التي أحدثها، ولكن عمارة القلب بحب النبي صلى الله عليه و سلم و تعظيمه و توقيره من اشرف خصال الإيمان، كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد.
فالاحتفال بالمولد النبوي بدعة و لكن هناك فرق بين ما بتدع هذه البدعة وعنده محبة النبي صلى الله عليه و سلم وبين من لا يحتفل به و ليس عنده محبة النبي صلى الله عليه و سلم الشرعية ، فالأول مجازى على المحبة ملام على البدعة ، و الثاني مجازى على ترك البدعة ملام على التقصير في محبة النبي صلى الله عليه و سلم،و الأفضل منهم من جميع بين محبة النبي صلى الله عليه و سلم و ترك البدعة،فالأعمال مراتب.
ولهذا قيل للإمام أحمد عن بعض الأمراء:إنه أنفق على مصحف ألف دينار و نحو ذلك، فقال دعه فهذا أفضل ما انفق فيه الذهب أو كما قال.
مع أن مذهبه أن زخرفة المصاحف مكروهة، و مقصود أحمد أن هذا العمل فيه مصلحة، وفيه أيضا مفسدة كره لأجلها.
فهؤلاء إن لم يفعلوا هذا و إلا اعتضادوا الفاسد الذي لا صلاح فيه مثل أن ينفقها في كتاب من كتب الفجور.
وهنا مسائل مهمة:
1 ـ معنى قول ابن تيمية:"الدعوة على السنة بحسب الإمكان" هو أن تدعو الناس إلى المرتبة الأولى من الأعمال وهي كما قلنا سابقا أعمال النبي و صحابته، ولكن إن لم يطيعوك، فهم إما في الدرجة الثانية من الأعمال وهي الأعمال المشروعة نوعا المبتدعة وصفا، و إما أن يكونوا في الدرجة الثالثة وهي الأعمال المبتدعة أصلا.
ولما كان الإنسان بخلقته خلق حارثا هماما، لا يترك عملا إلا إلى عمل مثله، و الدين ليس نهيا عن المنكر فقط، بل هو مقرون دائما بالأمر بالمعروف، وجب عليك إن نهيتهم عن عمل أن تأمرهم بعمل خير منه وهو العمل من المرتبة الأولى، أو عمل قريب منه، ولا يجب عليك بأي حال أن تنقلهم إلى العمل من المرتبة الثالثة.
فإذا أمرتهم بالعمل من المرتبة الأولى ولم يطيعوك، فإما تتركهم على العمل من المرتبة الثانية وهو المشروع نوعا المبتدع وصفا، و إما تنهاهم عنه وهم لا يقبلون العمل من المرتبة الأولى، فسينتقلون حتما إلى العمل من المرتبة الثالثة، فتكون قد نهيت عن منكر مشوب بخير أو عمل مشروع مشوب ببدع إضافية، إلى ترك الدين وهو العمل الذي أصله بدعة.
وحتى تفهم ذلك أضرب لك هذا المثال:
جعل الناس في بعض المساجد خيوطا بيضاء ممتدة على عرضها لضبط الصفوف أثناء الصلاة، مع تقصيرهم في العمل المشروع، وهو خروج الإمام لتسوية الصفوف ومراقبتها قبل أداء الصلاة، فإن نهيتهم عن هذه الخيوط وقلت لهم: المشروع ضم الأقدام و المناكب فبها تتم الصفوف و تتراص، فقد يطيعونك وهذا هو المطلوب شرعا:إرجاع الناس إلى السنة و ترك الابتداع أي العمل من المرتبة الأولى.
ولكن إذا لم يطيعوك ولم يضموا الأقدام و المناكب، فيضيعون العمل من المرتبة الأولى و العمل من المرتبة الثانية، و ينتقلون إلى العمل من المرتبة الثالثة وهو ترك رص الصفوف و تسويتها في الصلاة.
وعليه، فمتى أطاعوك فهو المطلوب، و إن لم يطعوك لم يكن لك أن تقطع الخيوط لأنك ستوقعهم في البدعة الأصلية.
2 ـ إن تجاوزت عن هذا العمل المشروع نوعا المبتدع وصفا للأسباب المذكورة لمن لا يطيعك، لم يلزمك أن تتجاوز العمل من المرتبة الأولى بالنسبة لنفسك ولمن يطيعك.
3 ـ متى عملت بهذا الأصل ازداد العمل بالمرتبة الأولى و نقص العمل بالمرتبة الثانية، و إن فعلت العكس كثرت البدع.
مثال ثان:
يهنيء الناس بعضهم البعض يوم العيد بالضم، ويحرص بعض الشباب على أن تكون التهنئة بالقول فقط، أو بالقول و المصافحة، ولكنهم أحيانا يضيعون ما هو أهم مما يحرصون عليه وهو الألفة و المودة و يشيعون البغضاء و الشحناء، فإن من الناس إذا جاء ليهنئك بالعيد وهو لا يعرفك ولا يحتاجك، فتجابهه في وجهه بترك ضمه يغضب ويتركك نهائيا، فيقع من الشر أضعاف ما كنت تحذر منه.
وعليه، إن أمكنك أن تفهمه وتعلمه هدي السلف الصالح في التهنئة فهو الأحسن، ولكن إذا كان لا يطيعك لأن عرف الناس و عادتهم الضم و ثابرت على إنكارك، نقلته من العمل المشوب ببدعة وهو مشروع وهو التهنئة بالضم، إلى الحرام المنهي عنه أصلا وهو المقاطعة و البغضاء.
فهذا أمثلة وقعت عندنا، وهناك عشرات الأمثلة يمكن أن ينزل عليها المسلم كلام شيخ الإسلام ابن تيمية
حقيقة الدين:

فتفطن لحقيقة الدين وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية و المفاسد، بحيث تعرف ما ينبغي من مراتب المعروف ومراتب المنكر حتى تقدم أهمها عند المزاحمة، فإن هذا حقيقة العمل بما جاءت به الرسل.
الفرق بين معرفة جنس الدليل و معرفة مرتبة الدليل:

إن التمييز بين جنس المعروف و جنس المنكر و جنس الدليل بحيث تقدم عند التزاحم اعرف المعروفين فتدعوا إليه و تنكر أنكر المنكرين و ترجح أقوى الدليلين فإنه هو خاصة العلماء بهذا الدين فالمراتب ثلاث[3].
مراتب العمل:

1 ـ العمل الصالح المشروع الذي لا كراهة فيه.
2 ـ العمل الصالح من بعض وجوهه أو أكثرها إما لحسن القصد أو لاشتماله مع ذلك على أنواع المشروع.
3 ـ ما ليس فيه صلاح أصلا، إما لكونه تركا للعمل مطلقا أو لكونه عملا فاسدا محضا.
ـ أما الأول فهو سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم باطنها و ظاهرها، قولها و عملها في الأمور العلمية و العملية مطلقا، فهذا هو الذي يجب تعلمه و تعليمه و الأمر به و فعله على حسب مقتضى الشريعة من إيجاب و استحباب.
و الغالب على هذا الضرب هو أعمال السابقين الأولين من المهاجرين و الأنصار و الذين ابتعوهم بإحسان.
ـ المرتبة الثانية: فهي كثيرة جدا في طرق المتأخرين من المنتسبين إلى علم أو عبادة ومن العامة أيضا، وهؤلاء خير ممن لا يعمل عملا صالحا مشروعا ولا غير مشروع، أو من يكون عمله من جنس المحرم كالكفر و الكذب و الخيانة، والجهل و يندرج في هذا أنواع كثيرة.
فمن تعبد ببعض هذه العبادات المشتملة على نوع من الكراهة كالوصال في الصيام و ترك جنس الشهوات و نحو ذلك، أو قصد إحياء ليال لا خصوص لها كأول ليلة من رجب و نحو ذلك، قد يكون حاله خيرا من حال البطال الذي ليس فيه حرص على عبادة الله و طاعته، بل كثير من هؤلاء الذين ينكرون هذه الأشياء زاهدون في جنس عبادة الله من العلم النافع و العمل الصالح، أو في احدهما، لا يحبونها ولا يرغبون فيها، لكن لا يمكنهم ذلك في المشروع فيسخرون قوتهم إلى هذه الأشياء، فهم بأحوالها منكرون للمشروع و غير المشروع، و بأقوالهم لا يمكنهم إلا إنكار غير المشروع، ومع هذا فالمؤمن يعرف المعروف و ينكر المنكر، ولا يمنعه من ذلك موافقة بعض المنافقين له ظاهرا في الأمر بذلك المعروف و النهي عن ذلك المنكر، ولا مخالفة بعض علماء المؤمنين.[4]
النوع الثالث:ما هو معظم في الشريعة كيوم عاشوراء و يوم عرفة و يومي العيدين و العشر الأواخر من شهر رمضان و العشر الأول من ذي الحجة، وليلة الجمعة و يومها، والعشر الأول من محرم و نحو ذلك.
فهذا الضرب قد يحدث فيه ما يعتقد أن له فضيلة وتوابع ذلك، ما يصير منكرا ينهى عنه، وغير ذلك من الأمور المحدثة التي لم يشرعها الله ورسوله، ولا احد من السلف.
روى الخلال في كتاب"الأدب" عن إسحاق بن منصور الكوسج أنه قال لأبي عبد الله:يكره أن يجتمع القوم يدعون الله و يرفعون أيديهم قال: ما اكره للإخوان إذا لم يجتمعوا على عمد إلا أن يكثروا " ومعنى أن يكثروا: إن لا يتخذوها عادة حتى يكثروا، كلام إسحاق.
قال المروزي: سألت أبا عبد الله عن القوم يبيتون فيقرأ قاريء و يدعون حتى يصبحوا قال:أرجوا أن لا يكون به بأس.
و قال أبو السري الحربي:قال أبو عبد الله و أي شيء أحسن من إن يجتمع الناس يصلون و يذكرون ما انعم الله به عليهم كما قالت الأنصار[5].
قال أبو أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي سألت احمد بن حنبل عن القوم يجتمعون و يقرأ لهم القاريء قراءة حزينة فيبكون و ربما أطفئوا السراج، فقال لي احمد:إن كان يقرأ قراءة أبي موسى فلا بأس.
وروى الخلال عن الأوزاعي انه سئل عن القوم يجتمعون فيأمرون رجلا يقص عليهم قال:إذا كان ذلك يوما بعد الأيام فليس به بأس.
فيأذنوا الاجتماع للدعاء بما إذا لم يتخذ عادة.
قال ابن تيمية في"المجموع"{75/25}:"إذا تعارضت المصالح و المفاسد و الحسنات و السيئات أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح و المفاسد، وتعارضت المصالح و المفاسد، فإن الأمر و النهي و إن كان متضمنا لتحصيل مصلحة و دفع مفسدة، فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأمورا به، بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح و المفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، و إلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه و النظائر، وقل إن تعوز النصوص من يكون خبيرا بها و بدلالتها على الأحكام".
خلاصة المقـــال:

1 ـ الذم و المدح و الحب و البغض و الوعد و الوعيد و الموالاة و المعاداة ونحو ذلك من أحكام الدين، لا يصلح إلا بالأسماء التي انزل الله بها سلطانه، أما تعليق ذلك بأسماء مبتدعة حتى لو أطلقها من ينتسب للسنة، فلا يجوز بل ذلك من باب شرع دين لم يأذن به الله.
فالذام بالألفاظ المحدثة إما مجتهد و إما مقلد، أما المجتهد فلابد له من نص أو إجماع أو دليل يستنبط من ذلك، فإن الذم و الحمد من الأحكام الشرعية.
فالمجتهد في الذم و المدح عليه الدليل، و إن اخطأ فالمرجو أن يغفر الله له، أما المقلد فلا يلزمه إلا السكوت، فإن اضطر للحجاج وجب عليه سوق دليل من يقلد في المدح و الذم.
2 ـ الخير كل الخير في اتباع السلف الصالح و الاستكثار من معرفة حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و التفقه فيه، والاعتصام بحبل الله، وملازمة ما يدعو إلى الجماعة و الألفة و مجانبة ما يدعو إلى الخلاف و الفرقة، إلا أن يكون أمرا بينا قد أمر الله و رسوله فيه بأمر من المجانبة فعلى الرأس و العين.
و أما إذا اشتبه الأمر هل هذا القول أو الفعل مما يعاقب صاحبه عليه أو مالا يعاقب، فالواجب ترك العقوبة لقول النبي صلى الله عليه و سلم:"ادرءوا الحدود بالشبهات، فإنك إن تخطيء في العفو خير من أن تخطيء في العقوبة "رواه أبو داود.
ولا سيما إذا آل الأمر إلى شر طويل و افتراق أهل السنة و الجماعة فإن الفساد الناشئ في هذه الفرقة أضعاف الشر الناشئ من خطا نفر قليل في مسألة فرعية."المجموع"{505/6}.
فعلى السني السلفي واجبان اتجاه المخالف :
1 ـ ألا يقصِّر في تقرير السنة بالأدلة العلمية الثابتة، ودرء ما يعارضها من شبهات و شهوات فيقيم الحجة عليهم، فإنه إن قصر في ذلك ظنوا أنهم على الحق، ورأوا شبههم أدلة.
2 ـ أن لا يعتدي عليهم فيما معهم من حق و صواب بسبب العداوة و الشدة، فيكون قد صار فتنة لهم يضلون بها، و يبتعدون عن الشرع و الهدى، فإن الإنسان بطبعه إذا خالفت الضرورة عنده، أو أنكرت ما معه من حق أنكر ما معك من الحق.
فالتقصير في تقرير الحق، و العدوان على حق الغير هم أعظم أسباب الفتنة المضلة للمبتدعين، فإن توفرت الشروط بعد ذلك وظهرت المصلحة في هجرانهم هجرهم، و إن لم تظهر بل بدت موجبات التأليف، فإن التأليف عند أهل السنة لم يكن أبدا سببا لترك التحذير من البدعة و الرد عليها و بيانها و إظهارها للناس، بل هذا واجب لا يسقط إذ هو المصلحة و المفسدة هي تركه، بينما هجر المبتدع يتوقف على المصلحة و المفسدة، و القدرة وما شابه ذلك.
و قد يكون السبب الذي دفع هؤلاء الأفاضل إلى إنزال كتب شيخ الإسلام هذه المرتبة المتدنية هو عجزهم عن الرد على مخالفيهم، ممن ينتحل اتباع ابن تيمية و يحتج بمقالاته، فدعاهم ذلك إلى محاولة تجاوزهم بإلصاق ما يراه بدعة فيهم أو مرجوحا بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية.
و الحقيقة تقال:لا منفذ للأفاضل على ابن تيمية أو ابن القيم، ولو أنهم استعانوا ببعض طلبة العلم الذين عندهم عناية بكتب ابن تيمية لأمكنهم أن يزيحوا مثل هذه الشبهة، ويردون على المخالفين لمنهج السلف في بعض المسائل، بمقالات ابن تيمية نفسه، بدلا من أن يحطوا من شأن كتبه بطريق غير مباشر، فيزداد الخصوم عليه.
أرجوا من الإخوة الشباب أن يحرصوا على العلم، فإن أهل العلم أحرص على مودة الشيوخ و دعائهم، وهم انفع لهم في الدنيا و الآخرة ممن يتعصب لهم، أو يترك الحق لأجلهم، فإن وقع بين المسلمين شيء من التنافر و البغضاء من هذا وذاك، فالفتهم ومودتهم مما يرجى أن يغفر الله لهم به ما فرطوا فيه.
فأوصي نفسي و إخواني بحسن الظن بالشيوخ العاملين، و بالدعاء لهم، و أن يعرفوا لهم مكانتهم و فضلهم و علمهم، ولا يجوروا عليهم مهما كان، فقد يجمع الله بهم و بأمثالهم أهل السنة و الجماعة، فحكمة الشيوخ غالبة إن شاء الله.
وفقنا الله و إياهم لاستدراك هذا الأمر، و ختم لنا ولهم بالحسنى في العلم و العمل، اللهم تجاوز عنا ما كان من خطأ أو عدوان، وهب المسيئين منا للمحسنين.
و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله، و السلام عليكم و رحمة الله.
الجزائر، ارزيو في؛ 2009-05-02
مختار الأخضر طيباوي


[1] ــ أي الأعمال ثلاثة مراتب: العمال الشرعية الصحيحة وهي عمل النبي صلى الله عليه و سلم، وكل عمل موافق للكتاب و السنة و الإجماع وهذه خير محض.
2 ـ العمل المشروع في أصله و قد ادخل فيه الناس بعض البدع، فهو مشروع نوعا مبتدع وصفا.
3 ـ العمل المبتدع أصلا وهي البدعة المطلقة التي لم ينزل الله بها سلطانه وهي تضاهي شرعه.

[2] ــ مع ضرورة فهم ما معنى السنة،من المعلوم أن ما خلقه الله في سائر الأرض من القوت واللباس و المراكب و المساكن لم يكن كل نوع منه موجودا في الحجاز، فلم يأكل النبي صلى الله عليه و سلم من كل نوع من أنواع الطعام و الفاكهة، ولا لبس من كل نوع من أنواع اللباس، ثم أن من كان من المسلمين بأرض أخرى، كالشام، و مصر، و العراق، و اليمن، و المغرب، وآسيا الوسطى وغير ذلك عندهم أطعمة و ثياب ليس لهم أن يظنوا ترك الانتفاع بها سنة نبوية لكون النبي صلى الله عليه و سلم لم يأكل مثله، و لم يلبس مثله[2].
و عليه فعدم الفعل إنما هو عدم دليل واحد من الأدلة الشرعية، وهو أضعف من القول باتفاق العلماء، وسائر الأدلة من أقواله كأمره و نهيه و إذنه من قول الله تعالى هي أقوى و أكبر، فلا يلزم من عدم دليل معين عدم سائر الأدلة الشرعية.
و عليه فنفي الحكم بالاستحباب لانتفاء دليل معين من غير تأمل باقي الأدلة خطأ عظيم، فان الله يقول:{هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} "البقرة"، وقال:{و سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه}"الجاثية"، و قال:{والخيل و البغال و الحمير لتركبوها و زينة و يخلق ما لا تعلمون}"النحل"، ولم تكن البغال موجودة بأرض العرب، ولم يركب النبي صلى الله عليه و سلم بغلة إلا البغلة التي أهداها له المقوقس من أرض مصر، وهذه الآية نزلت بمكة، ففي القرآن يمتن الله على عباده بنعمه التي لم تكن بأرض الحجاز، كقوله:{فلينظر الإنسان إلى طعامه(24) أنا صببنا الماء صبا(25) ثم شققنا الأرض شقا(26) فأنبتنا فيها حبا(27) وعنبا و قضبا(28) وزيتونا و نخلا(29) و حدائق غلبا(3.) وفاكهة و أبا(31) متاعا لكم و لأنعاكم}"عبس"، ولم يكن بأرض الحجاز زيتون، ولا نقل عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه أكل زيتونا، ولكن لعل الزيت كانت تجلب إليهم، و قال عليه الصلاة و السلام:"كلوا الزيت و ادهنوا به فانه من شجرة مباركة"[الترمذي في الأطعمة{1851}، وابن ماجه {3319}، وأحمد{3/497}].
تعريف السنة:

فسنة النبي صلى الله عليه وسلم في الطعام و اللباس أنه كان يأكل مما يجده في أرضه و يلبس ما يجده، و يركب ما يجده مما أباحه الله، فمن استعمل ما يجده في أرضه فهو المتبع للسنة.
فالسنة هي ما قام الدليل الشرعي عليه بأنه طاعة لله و رسوله، سواء فعله رسول الله صلى الله عليه و سلم، أو فعل على زمانه، أو لم يفعله ولم يفعل على زمانه لعدم المقتضى حينئذ لفعله أو وجود مانع منه.
فانه إذا ثبت أنه أمر به أو استحبه فهو سنة، كما أمر بإجلاء اليهود و النصارى من جزيرة العرب، و كما جمع الصحابة القرآن في المصحف، و كما داوموا على قيام رمضان قي المسجد جماعة و غير ذلك."من المجموع {181/21}.


[3] ـ معرفة الأدلة ومعرفة المنكر و معرفة المعروف قد يقدر عليه كثير من الناس،أما معرفة مراتب الأدلة ومراتب المعروف و مراتب المنكر هو خاصة أهل العلم،لذلك يترك بعض العلماء النهي عن بعض المنكر لأن النهي عنه يولد منكرا أعظم منه،و ترك النهي عن المنكر لهذا السبب غير الأمر به،وهذا الفارق يفرق بين علماء السنة و علماء الكلام و القياس.
إن علماء السنة يتتبعون مسالك التقسيم حسب الوقائع لا الأنظار، فيجمعون النصوص في الباب الواحد، وإذا اختلف شيئان جعلوا لكل واحد حكمه الذي يخصه، فالمعتمد عندهم جمع النصوص، فيجدون مثلا أن واجب الصلاة ليس كواجب الغسل يوم الجمعة فلا يحاولون وضع حد جامع ربينهما.
إن موضوع أصول الفقه هو معرفة الدليل الشرعي ومرتبته، و أهل السنة يميزون بين الدليل الشرعي وبين غيره، ويعرفون مراتب الأدلة فيقدمون الراجح منها، لأنهم يعرفون أعيان الأدلة لمعرفتهم بالنصوص والآثار.
بينما الأصوليون و القياسيون يعرفون جنس الأدلة فقط، وهذا هو الفرق الجوهري بين المدرستين.
إن من عرف أعيان الأدلة وفرق بينها كان بجنسها أعرف، فيستعمل الأصول في الاستدلال على الأحكام، كمن يعرف جميع أعيان السبع ،لا شك هو أعلم بجنس السبع، ممن يعلم أن السبع جنس، ولكنه لا يعرف أعيانه.

[4] ــ المؤمن الذي يعرف المعروف و المنكر و مراتبهما قد يوافقه في إنكار ذلك المنكر أو في المر ببعض المعروف بعض المبتدعة أو المنافقين، فقسم من الناس يظن أنه مبطل إذ لو كان محقا لم يوافقه هؤلاء، وقسم من الناس يتهمه بموافقة الطواغيت و الظلمة و المبتدعة و غير ذلك.
وقد يأمر بمعروف و ينهى عن منكر دل على ذلك الشرع ولكن خفاء الحكم أو دليله على بعض المؤمنين من أهل العلم فيخالفونه، فيكون في ذلك فتنة للأتباع يردون لأجلها الحق و يتهمون المحق.
ولذلك فإن المؤمن الصادق لا يهمه إن وافقه منافق أو مبتدع، أو خالفه مؤمن إن كان يأمر بما دل عليه الشرع عنده، وعرف انه مراد الرسول، وقد عبر الإمام ابن القيم عن هذه الحالة بكلمة جميلة فقال:مساكين وقعوا بين جاهل مقلد، و مجتهد مخطىء حسن القصد، و ظالم معتد متعصب".

[5] ـ يقصد الإمام احمد ما رواه هو في مسنده وعبد الرزاق و عبد بن حميد عن محمد بن سيرين أن الأنصار جمعوا قبل إن يقدم النبي و قبل إن تنزل الجمعة، قالت الأنصار:لليهود يوم يجمعون فيه في كل أسبوع و للنصارى مثل ذلك، فهلم فلنجعل يوما نجمع فيه فنذكر الله تعالى و نشكره، فجعلوه يوم العروبة و اجتمعوا في بيت أبي أمامة اسعد بن زرارة و ذبح لهم شاة و صلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسموا الجمعة حين اجتمعوا غليه، فأنزل الله تعالى في ذلك بعد:{يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة } الآية.
قال الحافظ في" التلخيص":ورجاله ثقات إلا انه مرسل.
وفي "عون المعبود"{285/3} القصة كاملة.


الساعة الآن 08:40 AM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى