منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   منتدى القصة القصيرة (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=63)
-   -   زربية الامل (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=84833)

zoulikha2 07-05-2009 10:48 AM

زربية الامل
 
زربية الأمل


بقلم بن اسماعين زليخة خربش


مضت شهور علي عرس عائشة إلى خالد، زفت إلى البرنس الذي يغطيها والزوج الذي يحميها من الفقر والبؤس...

اندلعت ثورة التحرير ، انتشر العساكر والبوليس في مدينة تلمسان ، زمجر صوت المدافع وصفارات الانذار ،هبت عواصف الموت ،ضجت السلاسل والدبابات ...اشتعلت النيران ودوي الرصاص... ،عزفت القنابل على الاذان و أوتار القلوب .

بكت الامهات ، وحزنت الزوجات وتيتم الاطفال... فقد خالد كل نقوده بالملاحقة والحصار الذى كان يضرب على المدينة ... تاه خالد في المظاهرات والمعاملة القاسية التي كان يعانيها شعبه..ذبحه الفراغ القاتل والبطالة القاسية ، ودع عائشة والتحق بالمجاهدين...

بقيت عائشة وحيدة تقردش الايام و تغزل الليالي ...تترقب الاخبار، تتأرجح بين التصديق والكذيب... يقتحم العساكر بيتها ، يبحثون عن خالد، يخلطون شعيرها بحنطتها، وزيتها بخلها ، وأثاثها بفحمها... يقلبون بيتها على رأسها... يسبون ،يشتمون، تسند عائشة ظهرها الى الجدار، مشدوهة واجمة خائفة، تضع يدها على بطنها ، تقاوم الإجهاض والسقوط... يصفعها العسكري:

اين خالد؟ فلاقة... ( بيكو )سفاحين...

يحرقها الشوق ، يضنيها الانتظار ، تصلها رسالة ملفوفة من هنا او هناك ، تضيع في صخب الاقوال ، تتعلق بخيوط الامل مرة وتكوى بنار اليأس مرارا...

تتغذي التشيشة بالزيت وتتعشى الخبز بالماء... تفكر في مصيرها ،تأمل ان يدق بابها احد الاقارب لعله يجود عليها بزكاة او عطاء تسد به رمقها كي تقوى علي حمل جنينها .

ملت مد اليد ، فكرت في صناعة الزرابي ، كانت قد تعلمتها في معامل اليهود اثناء طفولتها...

صنعت منسجا بسيطا... ساعدها جيرانها في صنعه... بدأت تنسج الزربية ...تزركشها بالألوان والأزهار والأوراق ، وتبيعها في الديار .

صنعت اجمل زربية باجمل الالوان ، اخذت من ايامها الطويلة وقتا ،ومن جهدها المضني كثيرا، قررت ان تهديها لزوجها ، اذا عاد صلى عليها، واذا استشهد غطته بها ، مكثت تتأمل الزربية... تقبلها تضمها تتمتم: سيعود ، سيعود ان شاء الله ، ربي يحميه...علي عيون الاعداء نعاس، وعلي آذانهم رصاص، وسيدنا محمد الحبيب على المجاهدين عساس، . كانت تردد كل الادعية التي حفظتها عن جدتها في صباها ،كانت جدتها تقراها عندما ياتي البوليس يطارد ابها و اعمامها باحثا عن بضائع السوق السوداء.
تنام بجانب الزربية... تضع يدها عليها ، تستسلم لأحلامها... والى نومها...
فاتت الايام ولدت عائشة ابنها وحيدة ساعدتها الجارة ، سمته { جهيد } ملا حياتها ببكائه وأضاء (البراكة التى تسكنها ) .بعينيه و بألعابه وبسماته .كانت تنسج والخلال في اليد والمهد في الرجل .
سقطت اوراق الاشجار سبع مرات واورقت... وانتهت الحرب بالانتصار ... استشهد جل المجاهدين وعاد بعضهم، بأثواب رثة واحديه ممزقة، وأعلام مخضبة... كان خالد مع العائدين ، مسح دموع عائشة ، ملأت الفرحة قلبها ، شعت الدنيا حولها ، قدمت الزربية لزوجها، صلي عليها شكرا لله على انتصار بلاده و عودته ... سر خالد بالزريبية واعتبرها احلى هدية في حياته ... فرح بالهدية الكبرى{ جهيد} ضمه وقبله ولعب معه .
واذا ذهب الشيطان بقي ابنه... خرج الوحش الاستعماري بقي شبحه ...خرج الاستدمار وترك المقابر عامرة والعقول فارغة والمعامل باردة، والمؤسسات جامدة ...وجد نفسه فارغ الايام والجيوب ...طلب الهجرة الى فرنسا من اجل الشغل ، رفضت عائشة :
لا، لا تسافر، لا تسافر { قالتها قانطة في يأس وخوف }
لم يسمع لها صوت ، سافر خالد وبقيت عائشة ...راسلها في الايام الاولي ثم انقطع ، سالت عنه الناس و البوليس والمحاكم بدون جدوى...
انصرف الناس من الحياة العامة الى الشؤون الخاصة... اختف التعاون والتضامن ،اشتعل لهيب النتنافس والتسابق.... كل كان مشغولا بحمى الجري وراء السياسة، ولهيب التسابق نحو المنصب والثروة...تخلي عنها الاهل والاصحاب ، حتى اصدقاء زوجها .
سئمت عائشة عد الايام والليالي ...اختلطت عليها السياسة بالمبادئ ، والاخلاص بالخداع ... والخير بالشر...
يئست ، ماتت امانيها واحلامها ، عانقت المنسج ونامت على صدر خيوطه...حاولت ان ترتاح، وما اقل ان تنام ، تجلس امام المنسج بلا هدف ..تتعلق بعنكبوت الخيال ، تغمض عينيها ، تضمد الجراح بالجراح ...تتذكر ساعة الوداع، تردد وعود زوجها لها ...تحلم بالسعادة ، تفتح عينيها فلا شيء ، لا شيء غير اليتيم والمنسج وخيوطه ... تشتد هواجسها، تدق المنسج بالخلال في عنف ونرفزة ...ثم ترمي الخلال وتنصرف.
ينهش اليأس عقلها يخرب القلق اعصابها ، تهدر طاقتها في جهد بليد سحيق، تعود الى المنسج... ملت الازهار سئمت الالوان ، بدأت ترسم الاشباح والشياطين علي الزربية ... تسهى في النسيج تتدحرج الاحداث بين خيوطه ، تتنهد في صمت تنهدا يشق الحجر ويقطع الشجر ، يردد النسيج حديثها مع نفسها ...يناديها ابنها : ماما، ماما ، تتلاشى الذكريات ، تعود الى الواقع ، لا شيء غير عائشة العائشة واليتيم بالحياة الى جانبها .
كرهت عائشة الانتظاركما كرهت الزركشة...ملت كل شيء حولها ، توقف نبض الحياة في نفسها ، نسيت حتى اسمها ، لم تبق في اذنها الا كلمة{ امي }التي كان يناديها بها ابنها ...كانت الكلمة الوحيدة التي تشدها الى الحياة ...ومن اجلها عكفت على المنسج وصارت لا تفارقه الا للضرورة . تستيقظ مع الفجر... تصلي تتضرع الى الله... ثم تستأنف العمل
تركت الاشباح كما تركت الازهار قبلها ، صارت تنسج ، بالخيوط البيضاء والسوداء التي تشبه ايامها ولياليها ، وتساوت الالوان في نظرها كما تساوت الاشياء .سيطر عليها الروتين أهلكها الارق .
تنظر الى المرآة ، تتأمل الشيب ، تلامس التجاعيد ...نسيت ايام الربيع ، اصبحت لا تفكر الا في الخريف.
كبر الطفل وتعلم وبدا يستغنى عن خدمات الأم ، كان يكابد من آلامها واحزانها، ويحاول التخفيف عنها :
عندما اكبر اعوضك...عندما اكبر اريك الدنيا الجميلة ..ترتسم على ثغر الأم ابتسامة صفراء، تردد :
عندما تكبر؟ ..عندما تكبر؟ ، تضم ابنها ،تمسح دمعتها تنصرف الى هواجسها .
كانت عاكفة على منسجها... طرق الباب بعنف ، فتحت دون ان تسال ...وكانت المفاجأة .. عاد الغريب بخف جنين .ما عدا خردوات جمعها من محلات {طاتي} التاجر الكبير اليهودي المشهور في باريس ...
لم تفرح عائشة ولم تقرح ...قابلته ببرودة لم يعهدها فيها ، ولم يكن استقبال الابن لابيه احر من استقبال امه له.
جلس خالد طويلا في صمت ...لا يدري من اين يبدأ :
اعذريني يا عائشة، لم اتخلى عنكما ؟ قالها بلهجة المذنب ...نظرت اليه دون اكتراث...واصل حديثه :
نعم كنت في السجن ...قتلتها الخائنة ، خانتني وافسدت ابنتي ...
عائشة في دهشة وخيبة امل : قتلتها ؟ ابنتك؟ ماذا اسمع؟
خالد في وقاحة:
نعم تزوجتها رغم انفي...انطلت علي حيلتهم ...تجيب عائشة في احتقار له :
قيدوك وزوجوك؟ الان عرفت سبب تشوه لغتك وذوقك ... فلا انت محمد ولا انت {جاك}... الوان ثيابك الزاهية، زركشة سروالك ...استمرت عائشة و الاسف ياكل قلبها:
يا خسارة ايامك ،زملاؤك في الجهاد عملوا وكسبوا الفيلات والسيارات وأنت ورطت نفسك في جريمة قتل؟
صدقيني سوف اعوضك عما فات ...سأطلب حقوقي في الجهاد، بالساعد والذراع سمعت ان الدولة سنت قوانين حقوق المجاهدين... سأتعلم كيف اخطف دبلوما مثلهم... انتهى خالد النية وجاءك خالد الداهية ...تعلمت الكثير في سجون فرنسا... سترين... سوف اعرف كيف افقئ عيونهم واشرب دماءهم؟ تسأله عائشة :
من هم؟ اتحارب زملاءك في الجهاد ؟ ام تقتل من حاربت فرنسا من اجلهم؟
مرت الايام، جمع الشمل من جديد ، دفنت عائشة الجراح وبقي الخدش ...قبلت عائشة الاستسلام والهروب من الضياع ، لم يكن لها اختيار...
سافر جهيد الى روسيا ليتمم دراسته ، تحصل خالد على حقوقه في الجهاد ، اسس معملا ، امتلأت جيوبه... سكن الفيلا ، ركب المرسداس ، كل شيء اصبح جيدا ، الا عائشة ابلتها الايام والهموم واصبحت في سلة قطع الغيار التي تحتاج الي تغيير، أستأسد البغاة وبقيت عائشة هي، هي...
مرت بضة سنين ، دخل خالد وفي يده الكثير من الهدايا الذهبية والملابس الثمينة... تتوسطها قنبلة منمقة... قدمها لها :
خذي يا عزيزتى ... ما أجملك يا حبيبتي...هذا وما زال، سترين المزيد إذا كنت صوابية ....سأزيدك عندما احقق اغراضي ...عائشة في خوف :
ألا زالت لك اغراض؟ يجيب خالد في محاولة تاثير على عائشة:.
نعم وجئتك لاحدثك في امر مهم ؟
امر مهم؟ ما هو؟
يجب ان تعرفي مكانتك عندي يا عزيزتي يا خير امرأة اعطاهانى الله... انت امرأة محترمة ولا اريد ان احط من قدرك ؟ تعرفين اني أمي... لا اقرا ولا اكتب ..واني في حاجة الى امرأة تتقن اللغات...تساعدني علي المراوغة والتفاهم مع الاجانب، ولكي تجلس معهم وتدخن وتشرب الخمر ان دعت الضرورة ...وانت حاشاك من كل هذا ...انت شريفة وأصيلة وبنت عائلة تعرفين شرع الله والزواج شرعه الله ؟
بقي خالد يسهب في الحديث ، وعائشة تنظر اليه وهي تفكر في شيء اخر ، ثم اجابت:
نعم انك تريد كاتبتك...تلك التي لا تراها الا مزوقة بالوان الطيف؟ ولم تراها بالمئزر تنظف الدار...ولا تراها عندما تنهض في الصباح؛ وشعرها أشعث وفمها يفوح؟ أرجوك كف عن هذا الحديث السخيف...واصل خالد :
لقد تزوجت بامرأة انت احسن منها بكثير... ما هي الا فتاة ساقطة سأقضى بها حاجتي واطلقها .
كفاني شرور حماقتك { قالتها عائشة وانصرفت } جمعت حوائجها واخذت حايكها ، خرجت الى حيث لا تعود... الى عالم اسماك القرش... ذهبت الى زربيتها ومنسجها لتبقى عائشة ميتة في فراغ الدنيا التي اعدها لها مجتمعها؟

zoulikhz2

aNiSSa09 07-05-2009 03:45 PM

رد: زربية الامل
 
غريبة هي الدنيا ... أناس يولدون في صمت و ألم و يموتون كذلك ... حال المرأة الجزائرية و ما خرجت به بعد الاستقلال أمضت السنين المرة على أشياء رأت فيها أملاً... و حال الجزائر كذلك.. نحن اليوم لا نعرف عن ذلك الماضي غير أول نوفمبر و 5 جويلية و أناس تعبت في سبيلهما و لا نعرف حق المعرفة كيف تعبت و ماذا دفعت إلاّ كلاماً... يقال لنا التاريخ مزيف لكن لا أحد يشرح كيف ذلك ، و لكن الرواية و القصة حاضرة لتكشف الكثير...
قصة قصيرة بكلماتها طويلة عميقة بمعانيها...
لا تحرمينا من مما تحوي جعبتك...
لك مني كل الاحترام و التقدير...

zoulikha2 08-05-2009 10:20 AM

رد: زربية الامل
 
انستى شكرا على كلماتك الحلوة لقد وصلت، ودفعتنى الى التفكير فيى كتابة الوجه الاخر للثورة وكشف المسكوت عنه لان الناس يظنون ان الحقيقة مرة قد تشوه الثورة وهذا خطا لان الثورة صماء بمقوماتها ودخلت التاريخ من ابوابه العريضة اما الذين شاركوا في الثورة هم بشر والبشر يخطئ ويصيب وذكر الحقائق يدعم الثورة لان الحقائق تكشف مدا معانات الناس اثناء الثورة وان هذه الثورة لم تات هكذا بل انتصرت على انقاض واشلاء وارواح وضحايا استشهدوا كي يحيي الوطن.
هذا الوطن الذي -مع الاسف- لم يعرف اغلب هذا الجيل قيمته.
zoulikha


الساعة الآن 05:42 AM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى