![]() |
دور الأسلوب القصصي في الدعوة إلى الله
بسم الله الرحمن الرحيم دور الأسلوب القصصي في الدعوة إلى الله "فوائده و عيوبه" الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين. المقدمة: أما بعد، فإن من الناس من لم يقم بقدر الدعوة إلى الله حقيقة القيام، ومنهم من لم يرفع بها رأسا، وبقدر رفعنا لقدر الدعوة إلى الله و إلى سبيله يرفعنا الله، فرفع الدرجات و الأقدار على قدر معاملة القلوب بالعلم و الإيمان، وفرحها بهدى الله يصيب الناس و بدينه يعم الخلق، فكم ممن يختم القرآن في اليوم و آخر لا ينام، و آخر لا يفطر، و غيرهم أقل عبادة منهم، و أرفع قدرا في قلوب الأمة، فقد روي أن بعض رجال السلف ككرز بن وبرة، و كهمس، و ابن طارق و غيرهم كانوا يختمون في الشهر كذا مرة، وحال ابن المسيب، و ابن سرين، و الحسن و غيرهم في القلوب أرفع. وكذلك ترى كثيرا ممن لبس الصوف، و يهجر الشهوات و يتقشف، وغيره مما لا يدانيه في ذلك من أهل العلم و الإيمان أعظم في القلوب و أحلى عند النفوس، وما ذاك إلا لقوة المعاملة الباطنة و صفائها و خلوصها من شهوات النفوس و أكدار البشر، و إنما نال من نال الذكر الحسن عند الناس بقوة يقينهم بما جاء به الرسول و كمال تصديقهم له في قلوبهم، و كمال محبتهم له، و فرحتهم بأن يكون الدين كله لله، فهم لا يهمهم أن يظهر الحق على أيديهم، ولكنهم يفرحون عندما يظهر، و يفرحون عندما ينقذ الناس أنفسهم من النار. وكما قال الشافعي:"وددت أن الناس أخذوا هذا العلم ولم يذكروني" ولذلك يقدرون الأمور، ولا يمنعون الناس ما يصيبهم من خير لاعتبارات أخرى ،فأرفع درجات القلوب فرحها التام بما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم و ابتهاجها و سرورها كما قال تعالى:{ و الذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك}"الرعد"، و قال:{ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}"يونس". ففضل الله ورحمته القرآن و الإيمان، من فرح به فقد فرح بأعظم مفروح به، ومن فرح بغيره فقد ظلم نفسه ووضع الفرح في غير موضعه. فإذا استقر حب الله و فرحه بكتابه و سنة نبيه في القلب، و تمكن فيه العلم بكفاية الله لعبده ورحمته و حلمه و إحسانه إليه على الدوام، أوجب له الفرح و السرور أعظم من فرح كل محب بكل محبوب سواه. فالناس يختلفون فيما يفرحون به بين من يفرح بشيوخه وطائفته وهؤلاء يفرحون بالناس إذا دخلوا في طائفتهم،أما إذا انتموا إلى طائفة أخرى أو لم ينتموا أساسا لطائفة ما فلا يفرحون بهم ولو تركوا الفجور و الفسق و الشرك، ومنهم من يفرح بعلمه، ومن يفرح بأصحابه،لكن أعظم الفرح أن نفرح بالمسلمين الذين يعودون إلى دينهم ،أن نفرح أولا بالتزام الناس بأركان الإسلام و أركان الإيمان،ثم نفرح بعد ذلك بانتشار السنة و اندحار البدعة، وهذا الفرح يجب تقديره واعتباره. وكمال علم العالم ثلاثة: ترك طلب الدنيا بعلمه، ومحبته الانتفاع لمن يجلس إليه، ورأفته بالناس، قال أبو حازم: "لا يكون العالم عالما حتى تكون فيه ثلاث خصال: لا يحقر من دونه في العلم، ولا يحسد من فوقه، ولا يأخذ على علمه دنيا"، وقال ابن المبارك:"علامة العالم من عمل بعلمه، واستقل كثير العلم و العمل من نفسه، ورغب في علم غيره، وقبل الحق من كل من أتاه به، و اخذ العلم حيث وجده." قد اشتهر في المدة الأخيرة بعض الدعاة ممن ينتحلون الأسلوب القصصي، سواء قصص الأنبياء أو السيرة النبوية، أو سيرة الصحابة، و قد يظهر في هذه الأيام من ينتحل قصص الصالحين والعباد و الزهاد. وقد أقبل الناس عليهم إقبالا شديدا، فتباينت مواقف العلماء و طلبة العلم منهم، فمنهم من يذمهم و ينهي عن أشرطتهم، و منهم من يصفهم بأوصاف أخرى مبتسرة و ظالمة وخارجة عن حدود العلم. وهذه الظاهرة التي غزت سوق الأشرطة و الأقراص و الفضائيات يجب التعامل معها بالموقف الشرعي و تحليلها على ضوء الأحكام الشرعية، ثم محاولة الاستفادة منها في الدعوة إلى الله، و تقويمها في الاتجاه الحسن إذا كانت بحاجة إلى تقويم. و للتمكن من تقييم هذه الظاهرة لابد من التعرض إلى نقاط محددة هي: حكم السلف الصالح في هؤلاء ـ تحرير محل النزاع ـ السلبيات والإيجابيات ـ أنواع القصاصين ـ سبب إقبال الناس عليهم ـ الاستفادة من عملهم وجهدهم ـ رد تحذير المتسلفة منهم. موقف السلف من القصاصين: ورد في كتب الحديث عدة أخبار عن القصاصين بعضها يذمهم، وبعضها يمدحهم، وبعضها يشترط عليهم، إلا أن أجمع ما قيل فيهم أو ما صُنف فيهم ما ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه، فإنه خص لهم بابا سماه:"باب إتيان القصاص[1] و مجالستهم ومن فعله" فممن كره القصص عبد الله بن عمر، فإنه قال:" لم يقص زمان أبي بكر ولا عمر إنما كان القصص زمن الفتنة "حديث رقم:26190". وعن علي أنه قال لقاص:"علمت محمود و المنسوخ قال لا، قال: هلكت و أهلكت"رقم:26192". وعن عبد الله بن خباب، قال:"رآني أبي و أنا مع قاص فلما رجع أخذ الهراوة قال:قرن قد طالع العمالقة" رقم:26193". كما صح عن ابن عمر أنه أمر قاصا بترك مجلسه فلما أبى طلب من الشرطي أن يخرجه. وقيل لعلقمة ألا تقص علينا، قال:" إني أكره أن آمركم بما لا أفعل"رقم:26196". وعن أم الدر داء أنها بعثت جبير بن نفير الحضرمي إلى نوفل بن فلان وقاص معه يقصان في المسجد فقالت لهما: "ليتقيا الله وتكون موعظتهما للناس لأنفسهما".رقم:26103" وقال ابن مسعود لقاص:"انشر سلعتك على من يريدها"رقم:26204". ومن خلال هذه النقول يتبين أن من السلف من كره عمل القاص لأجل ما فيه من التكليف، أو لأجل مخالفة القاص لما يقول، أو لأن بعضهم يزيد في الحديث، وغير ذلك من أسباب. توجيه هذه الكراهة: فابن عمر صح عنه الجلوس إلى القاص، ففي "مصنف عبد الرزاق"{220/3} حديث رقم:5404 عن نافع أن:" ابن عمر لم يكن يجلس مع القصاص إلا قاص الجماعة "، فلعله لم يكن يجلس إلا مع من يثق بعلمه و تقواه، حتى لا يحدث عنه الناس بما لم يقل، وقد وقع مثل هذا لشعبة، ففي"حلية الأولياء"{153/7}:"قال يحي بن سعيد القطان:كنت مع شعبة و رجل يسأله عن حديث فامتنع، فقلت:لم لا تحدثه؟قال:هؤلاء قصاص يزيدون في الحديث". وفيه عن عبيد الله بن أبي يزيد وغيره أنه:" رأى ابن عمر يرفع يديه مع القاص"قال عبد الرزاق:ورأيته يعني معمرا يفعله" رقم:5405"، فهذه النقول تؤكد أن ابن عمر لم يكن يكره مجالسة القصاص على الإطلاق. ومما يثبت أن القصص كان في عهد الخلفاء الراشدين مارواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم:26188 عن ابن عباس انه قال:"رأيت تميما الداري يقص في عهد عمر بن الخطاب". بيان السلف الذين قصوا: جاء في "مصنف بن أبي شيبة"{289/5} عدة روايات تثبت أن السلف كانوا يقصون بالوعظ و السنن و السير وغير ذلك منها: عن النعمان بن سالم أن عمرو بن أوس أخبره أن أباه أوسا أخبره قال:" إنا لقعود مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يقص علينا و يذكرنا"رقم"2618.". وفي المسند عن أبي امامة أنه قال خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم على قاص وهو يقص فأمسك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" قص فلأن أقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس أحب إلي من أن اعتق أربع رقاب""تفسير ابن كثير"{81/3}. والقاص في عرف السلف هو الواعظ، وقد كان النبي صلى الله عليه و سلم يعض أصحابه بمواعظ القرآن، وبقصص الأنبياء، و بأخبار بني إسرائيل كقصة جريج العابد وغيرها من أساليب يستعملها، يرغبهم في الاستماع و يستخلص لهم العبر، وقد وصف الله سبحانه و تعالى كتابه بأنه حوى أحسن القصص {نحن نقص عليك أحسن القصص}. وعن جرير قال:"كان الحسن يقص و كان سعيد بن جبير يقص"رقم:26184". و عن عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت قال "رأيت محمد بن كعب القرظي يقص رقم:26189". وكذلك عن مجاهد عن يزيد بن شجرة انه "كان يقص وكان يوافق قوله فعله"رقم:26186". فالقاص عند السلف إذا كان لا يخالف قوله عمله، ولا يزيد في الحديث لا ينهون عنه، بل يجالسونه و يؤمنون على دعائه وغير ذلك، ففي "مسند ابن الجعد"{22/1}رقم:1479 عن غالب القطان:"خذوا بحلم محمد و لا تأخذوا بغضب الحسن و إذا جلستم إلى قاص فرأيتموه يلعن فلا تؤمنوا". وفي مصنف عبد الرزاق تحت رقم 5403 عن معمر أن:"الحسن كان يقص بالصدق و أن عطاء الخراساني يقص بالسنن". وقد كان الصحابة يتخذون القصاصين، وكان في زمنهم وزمن التابعين في كل مدينة قاص، فكان وهب بن منبه وهو الثقة المشهور قصاصا حبرا، ضعفه أبو حفص الفلاس وحده كما في "المغني في الضعفاء" {727/2}. وكان الصحابة يتخذون القصاص في الحروب، و يسمون "قصاص الأجناد" كما تجده في "تاريخ الطبري"{416/3}، و" سنن البيهقي الكبرى"{266/7} رواية عن قاص الأجناد بالقسطنطينية. ودور قاص الجند أن يحمس المقاتلين فيذكرهم و يرفع معنوياتهم و يحثهم على الصبر و على طلب الجنة، وقد اتخذ المسلمون يوم اليرموك أبا سفيان قاصهم. وكان إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة، وكر دوس بن قيس قاص العامة بالكوفة، وفي كتب السنة عدة روايات عن قصاصين، كما في" صحيح مسلم" {1065/2 رقم:1439 عن سعيد بن حسان قاص أهل مكة، ومحمد بن قيس قاص عمر بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن أبي عمرة قاص المدينة. المهم قد اتخذ السلف الصالح القصة و الأسلوب القصصي وسيلة في الموعظة و التعليم، و كانوا يسمونه"المُذكِر"، ولكنهم كانوا يحذرون من القصاصين الكذابين، فمتى كان الواعظ و القاص و المذكر لا يكذب في حديثه، و يعتمد مراجع صحيحة لدرسه في السيرة أو السلوك أو قصص الأنبياء فلا إشكال، بل هو من الدعاة إلى الله، و من المصلحين مثله مثل العلماء، وقد يكون أنفع للعوام من الفقهاء. وبهذا تعرف أنهم لا يشكلون أية خطورة على العقيدة و المنهج، فإن دورهم لا يتجاوز الوعظ و الإرشاد و تعليم آداب السنة و الترغيب في الإسلام، فإذا كانت مواعظهم بهذه المثابة، و لا يقدر غيرهم أن يقوم مقامهم عند العوام، ولم يوجد في دروسهم انحرافات منهجية ظاهرة، ولا يدعون إلى عقيدة زائغة، فإن التحذير منهم حينئذ و النهي عن مجالستهم من الصد عن سبيل الله، والقول على الله و على رسوله و على السلف بدون علم. قال الإمام أحمد:"ما أنفع القصاص للعوام لولا أنهم يكذبون"{مسائل إسحاق}. فمتى اعتمد القاص على المراجع الصحيحة فليس أنفع منه للعوام لتعليمهم وتذكيرهم، إذا لم يكن في مواعظه داعية إلى بدعة كبيرة ظاهرة[2]. وكان رجاء بن حيوة يسمع لمواعظ القاص بمنى كما في "سنن سعيد بن منصور"{183/5}. قال ابن رجب في"جامع العلوم و الحكم"{267/1}:"النبي صلى الله عليه و سلم لم يكن له وقت معين يقص على أصحابه، خطبته الراتبة في الجمع و الأعياد، و إنما كان يذكرهم أحيانا أو عند حدوث أمر يحتاج إلى التذكير عنده. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال:» حدث الناس في كل جمعة مرة فإن أبيت فمرتين فإن أكثرت فثلاثا ولا تمل الناس"، وفي" المسند" عن عائشة رضي الله عنها أنها وصت قاص أهل المدينة بمثل ذلك." الخلاصة: القاص هو الذي يقص على الناس الأخبار سواء كانت أخبار أنبياء أو صحابة أو صالحين، وكذلك الواعظ في السلوك والرقاق يسمى عند السلف"قاصا" و يسمى"مذكرا"، فكل من يُذَكِر الناس و يعظهم فهو قاص، ولذلك فالقاص في عرفنا المعاصر هو الواعظ و الداعية، فلا يجب تحقيره بتسميته:"قاصا وقصاصا و حكواتيا" لتنفير الناس منه، فإن السلف إنما كرهوا للقاص الكذب في الحديث، و كرهوا للواعظ أن يخالف قوله عمله، و إلا فهم من الدعاة و المصلحين و المجاهدين في سبيل الله متى كان عملهم لله سبحانه[3]. لماذا يقبل الناس في هذا العصر على القصاص ولا يقبلون على بعض الفقهاء؟: ولعل هذا سبب النقد الذي يتعرض له هؤلاء الدعاة القصاص، بسبب ما يحسدهم عليه من يعانون من قلة إقبال الناس على دروسهم، فهذا تفصيل لدور الوعظ في المجتمع و تأثيره على النفس يبين هذه المسألة. أكمل أنواع العلم: من المعلوم أن العلم الذي يقترن به ذوق ولذة أكمل و أعظم من العلم الذي لا يقترن به ذلك، فالعلم مع الترغيب و الترهيب يقترن به ذوق ولذة و ألم، فالترغيب يستوجب للنفس الشعور باللذيذ، و الترهيب يستوجب لها الشعور بالمؤلم و المنافر. فالعلم متى قرن بالترغيب و الترهيب أفاد القوة العملية عند الإنسان، والعلم المجرد من الترغيب و الترهيب يفيد القوة العلمية النظرية، وكلاهما فيه تقصير إن لم يقترن بالآخر، ومعلوم أن البشر يشتركون في جنس الإرادة أي العمل و يختلفون في مدارك العقول أي النظر، و لذلك يقبل العوام على المواعظ و يقل إقبالهم على الدروس التي تخلو من الوعظ. وعليه فكل خطاب دعوي تعليمي جمع بين ما يفيد القوتين العلمية و العملية كان أكمل و ألذ عند الناس. والترغيب و الترهيب له طرق عديدة منها: ذكر الأخبار الصحيحة الواردة في النعيم و العذاب كأخبار الجنة و النار، ومنها ذكر أحوال الأنبياء و الصحابة و الصالحين، ومنها ذكر عواقب الذنوب من القصص الواقعة في حياة الناس. فإذا فهمت هذا فهمت أسباب قبول الناس على الوعاظ، وفهمت أين يكمن التقصير في طريقة الوعاظ، وفي طريقة الفقهاء ؟ لماذا يحب الناس المواعظ و القصص على الدروس العلمية؟ من المعلوم أن حب الإنسان لشيء ما يتبع إحساسه و شعوره، و الإحساس و الشعور لا يكون إلا بموجود ما، فمتى لم يشعر الإنسان بوجود الشيء لم يمكنه حبه، فلا يحب الإنسان مالا وجود له، ولا يحب مالا يحس به حسا ظاهرا أو باطنا، ولما كان المعدوم ليس بشيء فلا يتعلق به إحساس، فلا يتعلق به حب، ونقصد بالمحسوس ما يذوقه الإنسان و يلتذ به. فالصبي قبل أن يذوق الحليب لا يحبه، لأنه لم يحس به، لأنه لم يذقه، فهو أولا يبكي من الجوع الذي يحدث له الألم، فإذا إلتقم ثدي أمه و ذاق الحليب أحبه، فيصير يحبه لأنه يحدث له الشبع الذي يذهب عنه الألم، و يحبه كذلك لأنه أدرك لذته فوجدها مواتية له، فيصير يطلبه لجلب اللذة المواتية و دفع اللذة المنافرة، وهي الشعور بالألم. وهكذا كل من جاع فإنه لا يشتهي شيئا معينا إلا أن يكون ذاقه من قبل ذلك، فإذا اجتمع لديه شيئان احدهما ذاقه من قبل و الثاني لم يذقه، فإن نفسه تطلب أولا الذي ذاقه من قبل و أحس بلذته، أما شوقه للثاني فيكون من باب حب التطلع لا من باب طلب اللذيذ. لأن محبته للشيء مشروطة بذوقه إياه، أو سماع صفته ممن يخبره أنه ذاقه ووجده طيبا لذيذا، فسماع الوصف يحدث المحبة و الشوق كما يورثها الإحساس، لأن طرق العلم عند الإنسان إما التجربة و الشعور و الإحساس، و إما الخبر الصادق، وكما قيل: الأذن تعشق قبل العين. و الإنسان نفسه تجوع فتحتاج إلى الذكرى و الموعظة، وهي دائمة الاضطراب و التقلب تطلب السكون و الاطمئنان، فإن وجدت ما تحس به و تشعر به من العلوم و المواعظ مما يحدث لها لذة تحركها نحو الخير طلبته، و مالم يحدث لها لذة نفرت منه. وعليه تعرف أن الإنسان لا يمكنه أن يحب شيئا لم يحس به ولم يتذوقه، ولم يخبره مخبر بأوصافه المورثة لحبه و الاشتياق إليه، فاستعمل القرآن أسلوب القصص و التمثيل الذي هو نوع من القياس من أجل الترغيب و الترهيب، لأن الأمور الغائبة عن المشاهدة و الحس لا تعرف وتحب و تبغض إلا بنوع من التمثيل و القياس. سواء كان الغائب أكمل في الصفات المطلوبة المشتركة كالموعود به من أمر الجنة و النار، وكما يصف به الرب نفسه سبحانه و تعالى، أو ما كان دون ذلك كما مثل من الأمور بما هو أكمل منه. فطريقة القرآن في عرض مشاهد الجنة و النار، و مشاهد الأنبياء مع قومهم الغرض منها إشباع النفس البشرية بالمؤلم و اللذيذ، بالمقبل و المنفر على أساس قذف هذه المشاهد كإحساسات باطنية في النفس تولد لديها الشعور باللذيذ فتطلبه و تشتاق إليه، وهذا وسيلته الترغيب فيما عند الله من نعيم، أو تولد لها الشعور بالألم و المنافر فتهرب منه و هذا وسيلته الترهيب. و إذا قلنا:إن الوصف و سماع خبر المخبر يولد المحبة و الشوق كما يولدها الإحساس و التذوق، لأن العلم إما تجريبي ينتج عن الإحساس الباطن و الظاهر و الشعور بالموجود و إما خبر صادق، ولذلك قال الله تعالى:{ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد}"ق". فالإنسان إما يدرك الأمر بقلبه و تفكيره و شعوره، و إما يذكره بواسطة الخبر الصادق. وعليه تعرف دور القصة في التراث البشري التعليمي، و أن البشرية قبل اكتشاف التلفزيون كانت تعتمد على القصة كوسيلة للتسلية ووسيلة للتعليم، وذلك بتحميل القيم و المباديء في شكل صورة لذيذة أو مؤلمة في سياق القصة، فالقصص في القرآن دوره الأول التسلية عن الذين آمنوا و التخفيف من أعباء الرسالة، لأن الإنسان بطبعه اجتماعي بمجرد أن يحس أن من الناس من يجد ما يجده من الألم والضرر يشعر بالتسلية و التخفيف، وكما قيل إذا عمت خفت. {فإنهم يألمون كما تألمون} وقوله"{ قد مس القوم قرح مثله} أما الدور الثاني للقصص في القرآن هو الاعتبار بالغير و تحديد المثال القدوة و المثال السيء، و معرفة أن الشيء الفلاني ممكن إدراكه مادام قد أدركه من قبلنا.. فإذا كانت القصة من أساليب التعليم و التربية لإحداثها صورة الملائم و المنافر، لكنها ليست هي الهدف التعليمي إلا إذا كانت سيرة النبي صلى الله عليه و سلم فإن معرفتها لذاتها هدف، و استخلاص منها العبر و الدروس هدف آخر. أما الهدف الأساسي من القصة فهو تعليم صفات الله ليعرفها، و يعرف ما يجب عليه من ذلك في الإيمان، و تعليم الأمر و النهي، فالقصة وسيلة لمحبة إتيان الأمر و مجانبة النهي ليست هي هدفا في حد ذاتها. وعلى هذا الأساس تجد الدعاة الذين يعتمدون أسلوب القصص سواء قصص الأنبياء أو الصحابة أو العلماء و الزهاد يقبل عليهم الناس بكثرة، لأنهم يجدون أنفسهم تتحرك و تتفاعل مع مواعظهم، بخلاف من يعلم الحلال و الحرام و العلوم الإسلامية دون الاعتماد على أسلوب القصة و المراوحة في الدرس بالتنويع بين المواضيع، فإن الناس يحسون بأن درسه جافا، لا يولد لديهم الشعور بالإيمان و الشعور بالحب و البغض. فالأسلوب القرآني يخاطب العقل و القلب معا، لأن من الناس من يتبع المعاني العقلية و يطلبها و يجد اللذة في إدراكها، ومنهم من يطلب الأحاسيس و المشاعر كحال كثير من العوام، ولما كانت الإرادة من جنس الحيوان، وهي مشتركة في جميع الخلق كان تأثر الناس بمواعظ هؤلاء الدعاة عاما في الناس، بخلاف الدروس العلمية التي هي من جنس القول و العقل فإنها لا تؤثر إلا في القسم الأول. ومعلوم أن الإنسان تعترض طريقه نوعان من العوائق " الشبهات و الشهوات، الأولى اخص بأصحاب العقول و طلاب المعاني الدقيقة، و الثانية تخص الناس جميعهم، فالشبهات من جنس العلم النظري، و الشهوات النفسية هي أخص بالمشاعر و الأحاسيس وهذه موطنها القلب. مجال القصور في الطريقة الوعظية: إذا كانت طريقة هؤلاء الدعاة فيها دفع للشهوات المغوية التي تثني الناس عن التوبة و تسوفهم في الهدى و تصدهم عن ذكر الله، فإنها لا تستطيع دفع الشبهات في الاعتقاد و المنهج و الأمر و النهي، لأنها من جنس القول الذي لا يزيله إلا الدليل و البرهان. ولكن هذا القصور لا يمكن توجيهه لهؤلاء الدعاة لأن دورهم لا يتعدى تحسيس الناس بقيمة الإسلام و بطعم الإيمان، أي بإدخالهم المسجد، وهنا يأتي دور الفقهاء و علماء الحديث و التوحيد و أصول الفقه لتبدأ عملية التكوين على المدى الطويل، مع العلم أن الإنسان يحتاج إلى الوعظ على مدى حياته. كما أن الإشكال الممكن أن يواجهه هؤلاء الدعاة هو أنه إذا كانت السيرة و القصص و الوعظ غرضهم الوحيد، فإن ما يحدث في نفس المستمع إليهم يكون من نوع الحماس لا من نوع الإيمان، و أغلب الناس لا يفرقون بين الحماس و الإيمان، لان منبع الشعور بهما واحد، فكثيرا ما يحسبون الحماس هو الإيمان، و لكنهم لا يجدون لحماستهم تبعة الالتزام بالأوامر و النواهي، فبمجرد انتهاء القصة يعودون إلى سالفتهم. وقد تجد من لا علاقة له بالدين يطلب قصص الأنبياء و قصص الصحابة لأنه يطلب الشعور و الإحساس باللذة، لا يطلب الاستقامة و العلم، كأولئك الذين يفرطون في حب سورة يوسف عليه السلام وهم لا يصلون، يحبونها لأنها تحدث لهم المواساة على طلب نفوسهم العشق و الغرام، فهم يتسلون بقصة يوسف مع امرأة العزيز لأنها تطفيء حرارة بواطنهم المتوهجة بحب العشق والغرام. وحتى تفهم أسباب تحرك نفوس الناس عند هؤلاء الدعاة، و كيف يمكن استغلال ذلك في تعليمهم التوحيد و توجيههم نحو الامتثال للأحكام نقول: الإرادة و المحبة تنقسم إلى متبوعة للمراد تكون له كالسبب الفاعل، و إلى تابعة للمراد يكون هو لها كالسبب الفاعل، وتكون عنه كالمسبب المفعول، وهذا هو الأصل. فجميع حركات العالم صادرة عن محبة و إرادة، ولكن ولابد للمحبة و الإرادة من سبب فاعل يكون هو المحبوب المراد، علمنا حينئذ أنه لابد لجميع الحركات من إله يكون المعبود المقصود المراد المحبوب لها، و أنها دالة على الإله الحق من هذا الوجه. متى تصد المواعظ عن العلم النافع؟: وعليه فإن مواعظ هؤلاء الدعاة إن لم يستتبعها غرض في العلم الإلهي الذي هو أشرف المطالب لم تكن علما، وكانت مجرد تسلية لا تقود إلى غاية عظيمة كتوحيد الألوهية، فإن العلوم متى صارت تطلب لذاتها و للذات التي تحدثها صارت تضل العوام عن العلم النافع، وهذا ما وقع لطائفة عظيمة من الناس على رأسهم الفلاسفة. لما نظر الفلاسفة في اللذات وجدوها ثلاثة:حسية ووهمية و عقلية، فالحسية في الدنيا غرضها دفع الألم، و الوهمية خيالات و أضغاث، و اللذة الحقيقية هي العلم، فجعلوا جنس العلم غاية، فغلطوا من وجوه كما غلط هؤلاء الوعاظ فجعلوا جنس الوعظ بالقصة هو الغاية[إذا لم يسمع السامع لهم العلوم الأخرى]. والعلم بحسب المعلوم فإذا كان المعلوم محبوبا تكمل النفس بحبه كان العلم به كذلك، و إن كان مكروها كان العلم به لحذره و دفع ضرره كالعلم بما يضر الإنسان من شياطين الإنس و الجن، فلم يكن المقصود نفس العلم بل المعلوم. فأبو حامد الغزالي جعل في" الإحياء" المعلوم بالأعمال، و الأعمال كلها إنما غايتها هو العلم فقط، وهذا باطل وهو حقيقة قول الفلاسفة الذين جعلوا السعادة في العلم وليس في المعلوم، و لهذا تجده يعظم الزهد جدا و يعتني به أعظم من اعتنائه بالتوحيد الذي جاءت به الرسل، وهو عبادة الله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه. فمن الناس من يعظم السيرة النبوية حتى لا يخرج عنها، ومنهم من يعظم السلوك والرقاق، ومنهم من يعظم الحديث، ومنهم من يعظم الفقه، وهؤلاء كلهم مقصرون فيما جاء به الرسول و ما دل عليه القرآن، لم يجمعوا بين القوة العلمية و القوة العملية. فالتوحيد الذي ذكره الله في قصص الأنبياء أو ورد في السيرة يتضمن محبة الله وحده و ترك محبة المخلوق مطلقا، إلا إذا أحبه الله فيكون داخلا في محبة الله، بخلاف من يحبه مع الله. فالعلوم التي نحبها في الله، لأنه يحبها تقتضي منا أن نحب كل ما يحب الله و متى أحببننا بعضها ولم نحب كل ما يحب الله، نكون قد أحببنا هذه العلوم مع الله و ليس في الله، ولذلك نجتهد فيها وحدها و نشد الناس إليها، ونريد أن نجعلها الشجرة التي تخفي الغابة. فمن أحب علما أو طريقة لأجل حب الله لها، فالواجب عليه أن يحب كل ما يحب الله، والله يحب أن يعرف بأسمائه و صفاته وهذا أعظم العلوم عنده، و يحب أن يعرف أمره و نهيه، و غير ذلك. لماذا تتأثر النفس بهذه المواعظ؟: إن البكاء و الاضطراب و الحماس الذي تحدثه مواعظ هؤلاء الدعاة هو من جنس الشعور الطبيعي، فإن الذي يخشع إذا سمع القرآن بنغمة ولا يخشع إذا سمعه بدون نغمة لا شك أن النغمة المطربة هي التي أثرت في نفسه وحركتها، و النغمة المطربة مؤثر طيبعي فالبشر كلهم يطربون للصوت الحسن. فهل الحماس الذي يجده من يستمع لهؤلاء الوعاظ من جنس الحماس و الإيمان الذي كان في الصحابة عند سماعهم مواعظ النبي صلى الله عليه و سلم، بحيث يستوجب التقوى و اليقين و اتباع النبي صلى الله عليه و سلم وعدم الإعراض عن هديه و سنته لتأويل بعض الناس أم لا؟ إن الذي يحصل للنفوس من بكاء و اضطراب عند سماعها المواعظ هو بسببها لا بسبب ذكر الله، قال تعالى:{ الذين آمنوا و تطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب}"الرعد"، فتقديم المفعول يدل على أنها لا تطمئن إلا بذكره، وهو تعالى إذا ذكر وجلت القلوب و النفوس، فحصل لها اضطراب ووجل لما تخافه من دونه وتخشاه من فوات نصيبها منه. فالوجل إذا ذكر حاصل بسبب من الإنسان و إلا فنفس ذكر الله يوجب الطمأنينة، لأنه هو المعبود لذاته و الخير كله منه، قال علي:" لا يرجون عبد إلا ربه و لا يخافن إلا ذنبه"، فالخوف الذي يحصل عن ذكر الله أصله نفس الإنسان المقصرة في حق الله، لا ذكر الله هو الذي يوجب الخوف، بل ذكره يوجب الطمأنينة و الأمن، و لكن النفس تخاف بسبب تقصيرها في حقه. والله تعالى لم يقل: بذكر الله توجل القلوب كما قال:{ ألا بذكر الله تطمئن القلوب}، بل قال:{إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}"الأنفال". قال تعالى:{ تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله}"الزمر"، فذكر انه بعد الاقشعرار تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، فذكره بالذات يوجب الطمأنينة، و إنما الاقشعرار و الوجل عارض بسبب ما في نفس الإنسان من التقصير في حقه و التعدي لحده، فهو كالزبد مع ما ينفع الناس، الزبد يذهب جفاء و ما ينفع الناس يمكث في الأرض. فالحماس و الوجل و البكاء يزول، و يبقى الإيمان و التوحيد و الطاعة و التقوى الحقيقية، فالخوف مطلوب لغيره ليدعو النفس إلى فعل الواجب وترك المحرم، و أما الطمأنينة بذكره و فرح القلب بالله و محبته فمطلوب لذاته، وهذا يبقى مع المؤمنين في الجنة فيلهمون التسبيح كما يلهمون النفس. الخلاصــة: وعليه، فمواعظ هؤلاء الدعاة مطلوبة لغيرها و ليس لذاتها، وهم قد لا يقدرون على أن يضربوا في كل علم بسهم، فقل من المعاصرين من يقدر على ذلك، فالواجب أن لا نكلفهم ما لا يستطيعون، وهم يؤدون عملا عظيما للمسلمين، فبفضل دروسهم بدأت المساجد تعمر بالمصلين و الذاكرين، و بدأ الشر يقل و يولي الأدبار، يبقي على غيرهم أن يقوموا بواجبهم في التكوين و التعليم. أما بخصوص من يحذر منهم، فإنه لحد الآن لم يظهر منهم مخالفات في العقيدة و المنهج، فلا يلزم محاربتهم و التحذير منم، فإن ذلك من الصد عن سبيل الله، ومتى ظهر منهم مخالفة عقيدة أهل السنة و الجماعة الظاهرة و المتواترة و تعمد ذلك ينهى عنهم الناس. أما أسلوب بعضهم الاستعراضي فهو أسلوب عصري فرضته الفضائيات، ربما فيه بعض النقائص، ولكنه لا يغير من صلب الموضوع في شيء، ومعلوم أن منهجية التعليم متعددة، فهناك الطريقة الإلقائية السردية، وهناك الطريقة البيانية الحوارية التي تفتعل الأسئلة لإثارة انتباه المستمع، و تقسيم الدرس إلى مجموعة صور فيسيفسائية بحيث يسهل على المستمع إدراك كل صورة على حدة، مع توظيف الصوت بتغير النبرات و الحدة تبعا للمواقف المحزنة و المواقف المفرحة لتنبيه النفس أن أمرا ما قد تغير. و الطريقة التعليمية إذا خلت من المخالفات الشرعية فإن تقييمها يرجع إلى نجاحها لا إلى غربتها وحداثتها. و قد يأخذ على بعض هؤلاء الدعاة أنه يرتدي بذلة وسروال، وهذا لا قدح فيه على التحقيق فقد صدرت فتوى عن اللجنة الدائمة أيام الشيخ ابن باز ـ رحمه الله ـ تجيز لبس السروال و البذلة، وكثير من فقهاء العصر يجيزون ذلك و يرون اللباس من أمر العادات، وقد كنت كتبت رسالة في الموضوع بينت فيها أن اللباس يجمع بين العادة و العبادة، فمن جهة كونه لباسا هو عادة، ومن جهة شروطه التي جاء بها النبي صلى الله عليه و سلم هو عبادة، كأن يكون فضفاضا غير ضيق، ولا يكون لباس شهرة وغير ذلك، وقد بين الشيخ العثيمين ـ رحمه الله ـ أن اللباس العصري ليس فيه تشبها بالكفار،فليس هو من خصائص دينهم. وعليه، فالتحذير من هؤلاء الدعاة المنتمين و المعظمين للسنة من غير حجة واضحة ظلم وعدوان له عواقب وخيمة، فإن المنتفعين بهم لا يعلم عددهم إلا الله، فليقدر الأمر على حقيقته، ولا نكون مثل الذي ينهى عن طعام جاره ولا يقدم هو طعامه. و قبل أن نغلق هذا الموضوع ننظر بسرعة في أدلة أولئك الذين يحذرون من هؤلاء الدعاة و نتبين أية أرضية علمية يقفون عليها فنقول: دحض أدلة المحذرين: لقد صدرت بيانات تحذيرية من هنا وهناك تحذر من هؤلاء الأفاضل وتتكلم فيهم بكلام واحد يدور على مسائل عديدة. فكان الواجب النظر في تعليلاتهم بميزان الشرع، فإنه لا يجوز معاقبة الناس و التحذير منهم بدون دليل شرعي صحيح، ومن اخذ بالأحكام بدون أدلتها الشرعية فهو من الظالمين الجاهلين الذين يحبون أن تشيع ما يشبه الفاحشة في الناس. و لصد هذا العدوان على الشريعة المتمثل في اختراع أسلوب جديد في الجرح و التعديل يعتمد الحكم بدون دليل مسبق، أذكر المسائل التالية ثم أكر عليها بالنقض، فما كان لهؤلاء فهو لهم، وماكان للدعاة الوعاظ فهو لهم، ولا نحابي أحدا و لا نداهن طائفة و العاقبة للتقوى[4]. المؤاخذات على هؤلاء الدعاة : من بين المؤاخذات التي استند عليها المحذرون ، أمور تتلعق بشخص الدعاة الوعاظ و أخرى بمظهرهم، و أخرى بطريقتهم في الإلقاء، وهي باختصار كالتالي: 1 ـ بعضهم يحلق لحيته. 2 ـ بعضهم يلبس البذلة و البنطلون. 3 ـ بعضهم متخنث، أو نسواني. 4 ـ أكثر حديثهم عن الحب و الشباب. 5 ـ بعضهم يتكلمون بالعامية. 6 ـ ليسوا من أهل العلم ولا يعرف لهم شيوخ. 7 ـ بعضهم متفلسف على طريقة محمد الغزالي والسقا. 8 ـ بعضهم إخواني الطريقة و المنهج. 9 ـ أمور أخرى لا يحسن إيرادها إلا عند الجهال، أدعها لغيري يتكلم فيها. ثم استنتجوا أنهم من دعاة الضلالة و يدعون إلى جهنم وغير ذلك، ونحن قبل الدخول في تفاصيل الموضوع نقف عند ملاحظة ضرورية ربما أغفل الناقمون و المحذرون من الدعاة الوعاظ الإشارة إليها. ميزان الاعتدال في نقد الرجال: لا شك أننا عندما نريد التكلم عن شخص ما له دور في الدعوة إلى الله على مفهومنا أو على مفهوم طائفته، فإن الأمر يتجاوزه إلى غيره، فيجب أن نتكلم عنه من خلال الكلام عن طريقته و عقيدته و منهجه، ثم الكلام عن دوره سلبا و إيجابا، و بالتالي النظر في المصالح و المفاسد، وماذا يترتب عن التحذير منه، وهل يقضي هذا التحذير شيئا أم هو مجرد تحذير ليس إلا.؟ أصول الجرح و التعديل: كنت قد ذكرت في مقال سابق قاعدة في الجرح و التعديل عند أهل السنة و الجماعة، وفي هذا المقال و قبل الخوض في الأخذ و الرد نعود فنذكر المسلمين بها وبغيرها حتى تكون موضع ملاحظتهم و يقيسون بها الكلام، فتكون لهم عونا على فهم الإشكال و تحر العدل و الإنصاف، فنقول: 1 ـ الجرح بسبب اختلاف المذاهب و الجماعات: إن كلام كثير من الناس في بعضهم البعض ليس بسبب فساد أقوالهم أو انحرافها عن الكتاب و السنة و الإجماع، و لكن بسبب الانتساب و الانتماء، فمن الناس من يذم رجلا بمجرد انتمائه و انتسابه إلى طائفة أخرى، بغض النظر عن قوله إن كان صوابا أو لا؟ فمن الناس من يذم بعض السلفيين ليس لأن أقوالهم باطلة، ولكن لأنهم سلفيون، والعكس يحصل أحيانا، وعليه كان معرفة سبب كلام الناس في بعضهم البعض عونا لنا على الإنصاف و تقرير الأدلة و الانتصار للحق، وقمع الباطل. وسبب البغي و العدوان الواقع على المسلمين من بعضهم البعض هو التعصب و الغلو و الزيادة في الذم للمخالف و الانتصار للصاحب، وقد تكلم العلماء قديما على هذه الظاهرة وحاولوا الحد منها بضبط قواعد العلوم التي يمكن أن يستخدمها المتعصب للنيل من خصمه كعلم الجرح و التعديل و انتهوا إلى نتائج مهمة جدا منها على سبيل المثال: قال ابن حجر في" لسان الميزان"{16/1}:"وممن ينبغي أن يتوقف في قبول قوله في الجرح من كان بينه و بين من جرحه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد، فإن الحاذق إذا تأمل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب و ذلك لشدة انحرافه في النصب، وشهرة أهلها بالتشيع فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم بلسان ذلقة و عبارة طلقة حتى إنه أخذ يلين مثل الأعمش و أبي نعيم و عبيد الله بن موسى و أساطين الحديث و أركان الرواية، فهذا إذا عارضه مثله أو أكبر منه فوثق رجلا ضعفه قبل التوثيق و يلتحق به عبد الرحمن بن يوسف بن خراش المحدث الحافظ فإنه من غلاة الشيعة بل نسب إلى الرفض فسيأتي في جرحه لأهل الشام للعداوة البينة في الاعتقاد، ويلتحق بذلك ما يكون سببه المنافسة في المراتب فكثيرا ما يقع بين العصريين الاختلاف و التباين لهذا و غيره، فكل هذا ينبغي أن يتأنى فيه و يتأمل، و ما أحسن ما قال الإمام أبو الفتح القشيري:أعراض الناس حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان الحكام و المحدثون". وقد نسب أبو بشر الدولابي نعيم بن حماد الخز اعي إلى وضع الحديث، وتعقبه ابن عدي بأن الدولابي كان متعصبا عليه، لأنه كان شديدا على أهل الرأي، وهذا هو الصواب كما قال ابن حجر في"مقدمة فتح الباري"{447/1}. 2 ـ مدح المحب و قدح الساخط: المدح و التعديل و ذكر المحاسن فيمن ثبت جرحه بالأدلة القاطعة قد يكون من باب مدح المحب و المعجب و الراضي و الصديق و الصاحب و القرابة و غير ذلك، وكذلك الجرح و الذم وذكر المثالب من غير دليل معتبر، أو فيمن ثبتت عدالته بصفة قوية، يكون من باب قدح الساخط و المخالف و المعادي و الخصم؛ والجرح و التعديل لا اعتبار فيه إلا بما يخرج على سبيل الحكم ولم يكن حبا ولا سخطا. ومن فهم هذه القاعدة أزالت عنه إشكالات كثيرة، ومن شاء التفصيل فعليه بكتاب العلامة المعلمي" التنكيل". اعتبار المصالح و المفاسد: بعد أن ناقشنا هذه المطاعن نخوض في موضوع آخر، وهو اعتبار المفاسد و المصالح فنقول: هؤلاء الدعاة الوعاظ إن كان فيهم أو في بعضهم بعض ما يؤاخذ عليه، ولكنه في دروسه ومواعظه لا يذكر بدعته و فلسفته، و يقتصر على موضوع السيرة، فالواجب حمله على رواية المبتدع مالم يدعو إلى بدعته، خاصة في البلدان التي تعاني من خنق شديد، و الناس ينتفعون فيها بمواعظه، فإن التحذير منه حينئذ مفسدته كبيرة، فالواجب على المنصف أن ينظر إلى المسلمين التائهين و الذين انتفعوا بمواعظه وعادوا إلى الدين، ويرحمهم ويفرح بهم ولهم، ولا ينظر إلى شخص الواعظ، خاصة و أن المحذرين ليس فيهم من يقوم مقامه[5] و لو قام المحذرون بتعليم الناس سيرة النبي صلى الله عليه و سلم، و سيرة أصحابه، و قصص الأنبياء، و تنفذوا في وسائل الإعلام لما صار هذا، ولكنهم لا يفعلون، و ينهون من يفعل، وهكذا المحروم يترك دعوة جيرانه، فإذا جاءهم غيره يدعوهم للإسلام و الصلاة و غير ذلك، جاءهم هو وحذرهم منه لأنه يخالفه، فهذا يريد منهم أن يبقوا على جاهليتهم ولا يكونون على دين من يخالفه ، و يتمنى أن يكونوا سلفيين و لا يفعل شيء من اجل ذلك. ـ مع العلم أننا لو كنا قادرين على التحذير ممن يخالفن وقادرين على إخماد ذكره لفعلنا ذلك مع غيره ممن هو اخطر من هؤلاء الدعاة الوعاظ لو صح ما يتهمون به، فلزم أن التحذير لن يتجاوز أتباع المحذرين مع العلم أن أتباعهم أصلا لا يستمعون إليهم، و أتباع غيرهم لا يستمعون إلى المحذرين، و سيستمر الدعاة الوعاظ و تستمر دعوتهم و يخسر المحذرون المبطلون الناس. واعلم أن العدل في الكلام عن الناس من اكبر أسباب دعوتهم، و الجور عليهم و الظلم لهم من أكبر أسباب نفور الناس من الدعوة، فليحتط المحذرون و الناقمون. و التحذير من الناس بدون ذكر السبب و الدليل أو بذكر ما يوجب التحذير بدعة جديدة في الجرح و التعديل يجب ردها على أصحابها. وهؤلاء الدعاة الوعاظ لو كان المحذرون يخالفونهم في المنهج، و لكنهم لا يقولون زورا من الكلام في مواعظهم، فلماذا لا يستفيد المحذرون من عملهم هذا، و يعلمون الناس مالا يستطيع هؤلاء المحذر منهم تعليمهم إياه ويحسنه المحذرون ، إن كان لدى المحذرين شيء يحسنونه غير الوقيعة في الناس و التحذير منهم. والعاقل قبل أن يتكلم في الناس و يحذر منهم ينصحهم و يرشدهم و ينظر ماذا عندهم من حجج لعله يقنعهم فيكون بذلك قد استفاد خيرا عظيما بإصلاحه لفكر رجل يؤثر على شريحة كبيرة من المسلمين. أما تنميط الناس ثم الحط عليهم فهذا منهج جديد لا يخدم الدعوة ولا يخدم العلم، بل مفاسده أكثر من مصالحه. وهؤلاء الدعاة الوعاظ فضلاء في العلم و العمل ، أسأل الله أن يتم عليهم نعمة الهداية، و يبصرهم بالسنة، و يجعلهم من الدعاة إليها أبدا، ويختم لهم بالصالحات؛ ولم أجد في قول المحذرين منهم أية حجة علمية مقبولة، مجرد دعاوى خالية من أي أساس. و الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده. أرزيو، الجزائر في، 10محرم1424هـ مختار طيباوي [1] ــ القاص في عرف السلف هو كل من يقص على الناس الأخبار أو يذكرهم أو يعظهم، قال النووي في"شرح مسلم"{100/1}:" هو الذي يقرأ القصص على الناس، قال أهل اللغة القصة الأمر و الخبر "، ومن السلف من كان يسميه" المذكر"، فقد روى ابن أبي حاتم من طريق الأعمش عن أبي سعيد عن أبي الكنود أنه قال:" مر عبد الله يعني ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ على قاص، وهو يذكر الناس فقال:" يا مذكر لم تقنط الناس من رحمة الله، ثم قرأ:{قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله}"تفسير ابن كثير"{60/4}. وفي "مصنف ابن أبي شيبة" حديث رقم:26183 عن مغيرة انه قال:"كان إبراهيم التيمي يذكر أبي وائل فجعل أبو وائل يتنفض كما ينتفض الطير"، ومنهم من كان يسميه الواعظ، وهو باختصار كل من لا يخوض في دقائق العلم كالفقه وغيره جاء في"السنن الكبرى " للبيهقي{335/7} تحت رقم:14744 عن عطاء بن يسار أنه قال:"جاء رجل يستفتي عبد الله بن عمرو بن العاص عن رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يمسها، فقال عطاء إنما طلاق البكر واحدة، فقال لي عبد الله بن عمرو:"إنما أنت قاص، الواحدة تبينها و الثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره" [2] ــ تقييد البدعة بكونها ظاهرة ضروري، فإن من الناس من يعد لبس البدلة أو التسبيح بالمسبحة، وكل ما يخالف مذهبه الفقهي بدعا فيذم من اجلها و يحذر. [3] ـ وهنا يتوجه السؤال إلى بعض هؤلاء الدعاة الواعظين الذين لا يظهر عليه اتباع هدي النبي صلى الله عليه و سلم مع أنهم يزعمون محبته و يؤكدون في دروسهم على حب النبي صلى الله عليه و سلم وعلى حب الله، فلعله قد قامت عندهم شبهات تثنيهم عن تجريد الإتباع للنبي صلى الله عليه و سلم، فنقول لهم على سبيل النصيحة:المراد بمحبة الله محبة مختصة به على سبيل الخضوع له و التعظيم، و إذا كان لفظ المحبة جنسا عاما يدخل فيه أنواع كثيرة، فإن الله لا يرضى بالقدر المشترك، ولذلك إذا ذكر من يحب غير الله، قال تعالى:{ و الذين آمنوا أشد حبا لله}، فمن زعم أنه يحب الله و يحب النبي صلى الله عليه و سلم لا تتركه نفسه يتخلف عن هدي النبي صلى الله عليه و سلم مهما كان صغيرا لرأيه أو لرأي بعض أهل العلم و قد ثبت عنده هدي النبي صلى الله عليه و سلم، فالمعادلة بسيطة: ثبتت أشياء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتصف بها، وجاء آخرون فقالوا هي على سبيل الاستحباب، فمن كان همه الرخص ترخص لنفسه، ومن كان يحب النبي صلى الله عليه و سلم فإنه يتبعه و يحب متابعته ولو خالف الناس جميعا، قال تعالى:{ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم}"المائدة"، وقال:{ أحب إليكم من الله و رسوله و جهاد في سبيله}"التوبة". [4] ــ قد يظن بعض الناس أننا نريد الدفاع عن هؤلاء لمجرد الدفاع، أو قد يقولون أشياء أخرى، وليس هذا المهم، فإن الرجال يزولون و يبقى الدين، فعندما نقر بالباطل في أي صورة تلبس بها، فإننا حينئذ نخذل الدين لا نخذل الرجال، والواجب على المسلم أن يقوم مع الحق أين توجهت ركائبه، فإذا أقرينا المحذرين من هؤلاء الدعاة الوعاظ بهذا الأسلوب الباطل، نكون قد أقرينا الباطل في ديننا، فإن كانوا مظلومين فينصرهم الله، أما نحن فقد ظلمنا الدين بالإقرار على الباطل، فالمشكل أكبر بكثير من قضية الدعاة الوعاظ.. إنه مشكل في صميم المنهج، لا يمكن السكوت عنه، فإما يتكلمون في الدين بالحق، و الحق وحده، و إلا فإن كثيرا من الناس سيكونون حربا عليهم، ولو قال قائل: يجب التحذير من هؤلاء المحذرين لكان قد أصاب الحق، فإن هؤلاء من عامية الأذهان و التصور، لو تركوا على باطلهم لساد الفساد، فيجب على المؤمن أن يقوم مع الحق ولا يدع طائفته أو أصحابه أو مشيخته يتكلمون في الدين أو في الناس بالباطل، فإنه أحق الناس بنصيحتهم والرد عليهم. وفي هذا المقال سترى بالدليل المعتبر مجانبة المحذرين للصراط المستقيم، وسلوكهم درب الاعوجاج و العدوان، و الجمود على شبهات لا تنفق عند العقلاء، و لا تصمد أمام النقض، وعلى الله التكلان. [5] ــ و قد أغرب بل كذب من زعم أن الله ابتلى الأمة بمثل هؤلاء الدعاة لما تركت الشيوخ، لأن الأمة إنما تفسد بفساد العلماء و الأمراء، و الذين بدورهم يفسدون العوام، فالأمة ذهبت عند هؤلاء لما لم يقم آخرون بدورهم، فلا يجب تنزيه النفس و اتهام من لا دور له من العوام. |
رد: دور الأسلوب القصصي في الدعوة إلى الله
شكرا لك اخي
لكن بعض الدعاة قصاص بمعنى الكلمة يستعملون قصص خيالية لوعض الناس بحجة الكدب في مصلحة الدعوة وهم معروفون |
| الساعة الآن 05:13 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى