![]() |
" يوميات فلحوس " ...... إنه يعرف !
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أستيقظ مبكرا كعادتي . اعتدت أن أفتح عيني علي الجرائد , أتصفحها في عجالة فقط لأتأكد أن كل شىء ليس علي ما يرام , و أن أشياء جيدة لم تحدث في هذا العالم . هذا العالم لن يتغير . أدركت هذا بعد الكثير من التجارب . لست مسنا , ولكن عقلي كذلك . متخم بالمعرفة إلي حد يثير الملل . هذا هو عيب الاطلاع . أن تعرف كثيرا معناه أن تشيب مبكرا . وأنا عرفت , عرفت أكثر من اللازم . عرفت ماهية الحكم وآليات سيطرته . عرفت القانون السري الذي تخضع له رقاب الناس . عرفت من يصعد ولماذا يصعد , ومن ينسحق ولماذا ينسحق . عرفت الخوف , كيف يُصَنّع وكيف يُسَوّق , وكيف يستشري كوباء , وكيف يكون شكله عندما يستوطن عيون الناس . عرفت العسكر , كيف يطيعون , وكيف ينفذون , وكيف يتحولون إلى آلات لا تسمع لا ترى لا تعترض . عرفت الزيف , كيف يُصاغ , كيف تُنشأ له الهيئات و الصحف والإذاعات والبشر , كيف يُقال كيف يُكتب كيف يصبغ وجه الوطن ! عرفت وعرفت و عرفت , حتى صرت أخاف أن أعرف ! الآن لا أخاف , لأن الجائع لا يخاف . الجائع يتناول إفطاره في عجل ليذهب لكليته . هذا إن لم يكن لدى أمي مانع . لها عاداتها هي الأخرى , و ها هي ذي تستعد لممارسة عادتها اليومية في جعل حياتي جحيما . ليس سرا أنني وأمي لا نتفق . أنا لا أتحامل عليها ولا أجرؤ . ربما هو سوء الفهم المتبادل , أو تصادم الحريات , أو ... - كف عن هذا الهراء . لنفسي أقولها وأتهيأ للخروج . علي سلم البناية تصطدم بى . هي جارتنا الهوجاء التي كانت تنطلق للأعلى كالصاروخ . لابد أنها نسيت شيئا ما .. دائما هي تنسي شيئا ما ... دقيقة هي في نسيانها . إذن فلقد صدمتني هذه المرة أيضا ! ماذا كنت أقول عن تصادم الحريات؟! ليس لي اعتراض علي الغباء بشكل عام , أما أن يتسبب في خلع كتفي فهذا لا يطاق ! لا أغتم كثيرا في الحقيقة , لأنني في طريقي لرؤية ما سينعشني حالا ! إن أكوام القمامة التي تمرح بطول شارعنا وعرضه قادرة على إنعاشي كما تعلمون ! صدقني ليس من المفيد للصحة أن يفوتك منظر كهذا كل صباح . لو استيقظت يوما و وجدت شارعنا نظيفا لاتجهت مباشرة إلي الطبيب , لأني سأعرف عندئذ أنني أهذي . ليس أروع من منظر أكوام القمامة إلا منظر أكوام البشر التي تنتظر الحافلة . لن أجعل هذا يفت في عضدي , وسأقاتل دون مقعد في أول حافلة تمر . أحظى بمقعد بالفعل , وبمجرد أن أستقر , و أتأكد أن كل عظامي في مكانها أتطلع لساعتي . ربما سأصل مبكرا اليوم . بمجرد أن أعبر بوابة الجامعة تبدأ أذني في التقاط الأحاديث . إن كلمة جادة واحدة لا تضل طريقها أبدا لتصل إلي أذني . لا بأس .. أتجه مباشرة إلي مجموعة العملي - أفوت المحاضرات حتى لا أصاب بالفالج - و هناك أضطر أن أفعل الشىء الذي أمقته .. الانتظار . فلابد أن يتأخر البيه " المعيد " كالعادة و لا يعلم إلا الله متى يأتي . في هذه الأثناء تواصل أذني آداء المهمة المقدسة التي خلقت من أجلها .. التقاط الأصوات و ترجمتها . ليتها تأخذ أجازة كي أستريح من كل هذا الرياء و الكذب و التصنع و الـ.... " المظهرة " لا أخرج من كل هذا إلا بتأكيد على فكرتي العتيدة " ليست الحياة إلا محاولة مستمرة و دائبة لقول أنا أفضل منك " . لا يهم ما قيل و ما شُرح ... الصراخ و الصخب و الصداع .. معارك العودة و مهالك الطريق , كل هذا لا يهم . المهم هو البيت الذي عدت إليه سالما , و الطعام الذي تدعي أمك أنه كذلك . الطعام الذي ستأكل أصابعك ليس ورائه بل بدلا منه إذ ستكون ألذ . ألتهمه مضطرا في النهاية إذ لا بديل , و أنا أستمع إلي مراسل قناة الـ..... و هو يقول : " ليس هذا مشهدا من فيلم رعب ردىء الصنعة .. بل مشهدا حقيقيا من قلب العالم .... لأناس يعيشون خارج حدود ضميره .. بمنأى عن دساتيره و أعرافه و مجلس أمنه " انتهي كلام المراسل و راحت الصور تتوالي . هي ذات المشاهد التي يغطيها الدم , و تبصرها عيون قررت ألا تري . هذا العالم لن يتغير . فقط الإحصائيات تتغير .. زيادة في عدد القطع التي يتفتت إليها الوطن , تباين في أعداد القتلى , و نقص حاد في أعداد الورق الذي يستهلك لصوغ الاتفاقات ! لم أذرف الكثير من الدموع , ولا القليل في الواقع . الحق أنني ..... التكرار ربما ..... يقولون أن الشرايين تتصلب , فهل يفعل القلب ؟ عندما أستلقي على فراشي ليلا أشعر برغبة شديدة في أن أتحسس قلبي . ربما لم يتصلب بالكامل , و إلا بماذا تفسر هذا الوخز ؟! يوم ممل جدا كما ترى , ومع هذا سأنام لأستعد لاستقبال يوم آخر . فهل ستكف الحياة غدا عن كونها مملة ؟ لنري ! هل تأخرت؟ أعتقد لا . قلت في السابق أنني أصحو مبكرا . لن أصحو متأخرا فقط من باب عدم كسر الروتين . لا داع لتكرار نفس اسطوانة أمس . فقط سأخبرك إن لم تصطدم بى الفتاة علي السلم . يا إلهي! لقد فعلتها . خالفت كل توقعاتي و فعلتها . لقد نجا كتفي هذا الصباح . رباه! الروتين في خطر . لم تكن هذه هي المفاجأة الأخيرة لهذا اليوم . المفاجأة الأكبر كانت القمامة . لقد اختفت تماما ! أنظر لساعتي . متأخر بالفعل لكني لن أذهب إلي أي مكان قبل أن أفهم . استفسارات كثيرة خلصت منها إلي التالي: لقد كانت تحنقها القمامة إلي حد مرعب . من ؟ جارتنا التي أخبرتك عنها . الجديد هنا أنها لم تكتف بالحنق كمثلنا . بعد شكاواها المتعددة إلي كل الجهات المختصة , و بعد أن أفلست و لم تعد تستطيع إرسال الشكاوي , فكرت أن تجرب أمرا ما . كي أشرحه علىّ أن أدخل في تفاصيل مرهقة . الخلاصة أن شارعنا يتقاطع مع شارع واسع به موقف سيارات , هذا الشارع الواسع كان كشارعنا بالضبط من ناحية القمامة . في خطتها قررت استغلال هذا الوضع الجغرافي . كانت تنهض مبكرا , كل يوم تحمل القمامة من أمام البناية التي تسكن فيها و تضعها في هذا الشارع الكبير ثم تعود و تحمل ما تستطيع حمله من قمامة الشارع و تكومها في ذات المكان . لم يلتفت أحد إلى ما فعلته ولا ما كانت تنوي فعله , إلي أن زاد الأمر عن الحد و بدأ يعوق حركة السيارات , و كان لابد من خطوة حاسمة . عادت من كليتها بالأمس , وأخبرت الناس بخطتها . شكك في عقلها من شكك , انكمش من الخوف من انكمش , لكن الكثير عاونها . لقد كوموا القمامة بحيث سدت الشارع تماما و شلت حركة السيارات , و كانت أزمة مروعة بحق . أزمة أجبرت الجميع على التحرك . كان الضغط كبيرا لدرجة جعلت ما حدث شىء كالسحر ! أزيلت القمامة بهمة من كل شوارع الحي , مع التزام وتعهد بحل مشكلة القمامة نهائيا . لن تتكوم القمامة في شوارعنا بعد الآن . فجأة صار الحي كله نظيفا بفضلها ! حدث كل هذا و أنا نائم بالأمس .. لقد كنت نائما حقا . عرفت الآن لماذا كانت الفتاة تصطدم بى .. كانت تتولي أمر القمامة كل صباح .. تنطلق مسرعة إلي شقتها التي تعلو شقتي .. تصطدم بى .. تأخذ كتبها و تذهب للكلية . لا أدري لماذا تسمرت في مكاني أحدق في الشارع النظيف ..لم أعد أبالي بالذهاب إلي الكلية من عدمه . أترنح قليلا وأحاول أن أتزن . رويدا رويدا تتركز أفكاري في شىء واحد . إذن لقد فعلتها الفتاة ! ليس لي اعتراض علي الغباء بشكل عام , لهذا قررت أن أحتكره . لم تعد بي رغبة في الذهاب إلي الكلية , و لكن خطرت لي فكرة , فقررت الذهاب . قابلت أصدقائي بوجه غير الذي عرفوه . اتفقنا علي شئ ما . شكوى وقعت عليها المجموعة كلها , ورفعناها للعميد , نشكو فيها من تأخر البيه المعيد الذي أخبرتك عنه . كانت مجرد تجربة , و لقد نجح الأمر . في اليوم التالي حضر البيه في الميعاد بالضبط . تجارب كثيرة تنتظرنا إذن ! لا أمكث كثيرا في الجامعة بعد انتهاء جدولي , لكن هناك شئ يستحق الذكر . لقد ضلت طريقها .. الكلمة الجادة -إن كنت تتذكر - ضلت طريقها ووصلت إلي أذني . ليست كلمة واحدة بل كلمات . هل خمنت لماذا؟ لأنني غيرت الطريق الذي أمضي منه عادة . " من يعرف كثيرا , يشيب مبكرا " كان هذا أحد آرائي البالية .أيقنت الآن أنني لا أعرف شيئا على الإطلاق , و أنني مازلت صغيرا جدا ! لقد بدأ العلم يتغير . لكنني لم أعرف هذا ... بل فعلته . **** منقول أرجو ان تكون قد أكملت قراءتها فهي رائعة محبتي وتقديري |
رد: " يوميات فلحوس " ...... إنه يعرف !
icon30icon30icon30 لقد قلت انها رائعة لكنني اقول لك ان الروعة بل وكل الروعة تجلت فيها صحيح فعلا انه مهما تعلم الانسان سيضل جاهلا "وما اوتيتم من العلم إلا قليلا" |
رد: " يوميات فلحوس " ...... إنه يعرف !
وردك أروع يا أخت وفاء
بارك الله فيك على المرور والرد الكريم شكرا جزيلا لك كل المحبة والتقدير |
| الساعة الآن 11:31 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى