القصة في الجزائر بحاجة للشرط الحضاري كي تقرأ....// بقلم : شرف الدين شكري / باحث
07-09-2009, 12:01 PM
القصة في الجزائر بحاجة للشرط الحضاري كي تقرأ....// بقلم : شرف الدين شكري / باحث وقاص
بقلم : شرف الدين شكري / باحث وقاص




تبدو القصة القصيرة أشبه بالفن اليتيم الذي يشذ عن القاعدة ويخرج عن المألوف، حاضرة/غائبة، يكتبها البعض بحب مجنون، والبعض يمتطيها ظنا منه أنها الفن السهل، وآخرون يمارسونها لكي ينقلبوا عليها بسرعة، أو لتكون مرحلة من مراحل التكوين،
لكل خياراته طبعاً لكن يحق لنا التساؤل عن كتابة القصة القصيرة في بلادنا، لماذا يكتبها الكتاب؟ وما هو أفقها في ظل تراجع المقروئية لصالح الرواية دائما؟ اقتربنا من مجموعة يكتبون القصة القصيرة البعض شارك، والبعض في عطلة، والبعض الآخر حجته معه لا نعرفها، ولكن المهم بعض الشذرات، التأملات، الشهادات كافية لفتح النافذة وترك أشعة الضوء تنفذ•
عن ملف : القصة القصيرة في الجزائر،أسئلة الحضور والغيابإعداد بشير مفتي.
***
القصّة القصيرة فنّ أدبي يعتمد خصوصا على ذكاء القاصّ في اختزال الفكرة وإيصالها بقدر كبير من الاحترافية في العمل على مستوى الشّكل واللُّغة••• دون هذا، يخفق العمل، ويغدو مجرّد سرد روتيني مملّ لأحداث معينة لا تختلف عن الأحداث اليومية الكثيرة التي تعجّ بها الحياة والتي تعدُّ أغنى بكثير من أي سرد قصصي يمكن أن يعيد تشكيلها في قالب لغوي لا غير، مثلما دأبت على ذلك المدارس الكلاسيكية الأدبية المحافظة التي ملأت أسماعنا لسنوات طويلة عبر البرامج التربوية المدرسية والأكاديمية، والتي لم تؤسّس - أي هذه الأخيرة- عبر تاريخ الآثار الأدبية، لأي عمل إبداعي•
يمكننا أن نفرّق بين الأعمال الأدبية إذن، من خلال فكرة الكاتب التي تصوّرُ الحدث التاريخي ذاته• فهناك أعمال أدبية تؤسس لتاريخها الجواني عبر صناعتها للحدث فنيا، فتعير بذلك التاريخ أبطالا وأحداثا جُددا كما يرى /جورج طرابيشي/؛ أي أنها تخلق عالما جديدا ومتنفّسا أوسعَ، وإبداعا أبقى، وهناك أعمال أخرى تستَـلف وقائعيتها من التكرار المملّ لأحداث التاريخ دون أن تسمح للذهن بفسحة التجوال في العوالم الجديدة وتشغيل الخيال وخلق عالم مفاجأة وإبداع من اجل طرح إمكانية حياة أفضل بجدّتها، وأبقى بتمايزها•
من هنا أيضا، يمكننا أن نخلق معايير (وزن) نسبية أو مقارباتية للتفرقة بين قيمة الكُتّاب الذين يتبنون مختلف الأشكال الأدبية، والتفرقة بين المُبدع حقّا فيهم، الذي يعي جيدا ميكانيزم البنية الذهنية التي تتحكّم في المجتمع الذي تتفاعل فيه مختلف البنى الفوقية والتحتية، من جهة، ومتطلبات الفعل الإبداعي الذي يشترط سياسة حكيمة وذكية جدًّا، ومستقلّة ودرجة عالية من الحرية والإنسانية والتفهُّم والفهم، وبين الكاتب المعيد الذي يتلهّى باللّعب بالكلام كسلعة رائجة في الثقافة العربية لا تؤسس إلاّ للهباء(مثلما ينطقها ازراج اعمر)، والتي وصَمت أغلب نشاطات الفعل الثقافي بالتخلّف والإعادة والنقل وتمجيد الذات المركزية وتعويد الاختلاف على التلاقح المماثِل•••الخ من قاموس التبعية والتكرار•
وعليه، فإن تبني نوع معين من النشاط الأدبي، لا يُعدُّ شرطا تفضيليا يُعلي من قيمة النوع المُتبنّى عن غيره غير المُتبنّى، بالرغم من اختلاف كل نوع عن الآخر، بقدر ما يجب الاعتماد أولا وقبل كل شيء على حبّ الفعل المٌتبنّى،ثم على درجة الوعي التي نستمدّها أو نستخلصُها من ذلك الفعل، وأخيرا على نسبة ثقتنا في ذواتنا على قدرتها على إيصال شيء جديد يشارك في إنماء ذلك الفعل المُتبنّى، وبالتالي في تواصله مع العالم الجامد الذي تعوّد على الاستهلاك أكثر من تعوُّده على الإبداع•
لماذا تكتب القصة إذن ؟
أعتقد بأنني ربيت نفسي على التفاعل مع أشكال كتابية عديدة حتى يتسنى لي تفهُّم بنى ذهنية مختلفة تتجدّدُ دوما حسب ظروف المكان والزمان: فكتبت بالمقابل من القصة، الرواية، الكتاب الفلسفي، الشعر،النقد، الترجمة •إلخ، وبانت بفضل هذا تباريح غنى الفعل الفني في اقترابه ومحاولة تفهمه من للأوجاع والعلل والأمراض التي تنخر المجتمع ،كي يغدو الأديب فيَّ طبيبا مهنته الإنسان، وتخصُّصه النفس البشرية بقدر الإمكان• فالأديب، هو طبيب المجتمع، ولا يمكنني تصوّر فعل إنساني وحضاري أرقى من هذا بإمكانه أن يطرح بدائل للإنسان المريض الذي يحاصره السياسة والدين والمصالح الأنانية التي تطرحها حضارة اليوم بشكل مشره وعنيف ربما لم تشهده أية حضارة من قبل• أنا لا أطرح الأدب كبديل موضوعي مستقلّ عن البدائل الحضارية الأخرى التي ترسم الحياة البشرية إيجابا في سعيها لتبسيطها وتغيرها وإنمائها،لأن كل نوع ثقافي (علمي أو أدبي)، هو في الأخير نشاط بشري خالص مهمّته خدمة مصالح معينة، ولكنّ الأدب هو المخرج الوحيد ربما الذي عليه أن يتخلى بقدر الإمكان عن فكرة المصلحة المتوحّشة التي تعكسها الإيديولوجيا وسياسة العلوم والاقتصاد والأديان• ولذلك فإن كتابة القصة، تعدُّ مشروعا آنيا، ربما يدوم وربما ينتفي ويتحوّل إلى نوع فني آخر كامتداد طبيعي- لمَ لا؟-، والإصرار على مواصلة الكتابة - وليس فقط في الفنّ القصصي!- ،في ظل التنامي المهول لتدني درجة المقروئية- وأنا لي نظرة مغايرة تماما لذلك الفهم الكلاسيكي لفكرة القراءة الآلية- يعدُّ مواصلة عنيدة تؤكّد على ضرورة المضي قدما في ذلك المشروع التوعوي الخالص الذي عليه أن يمتدّ حتما نحو الأثر الفني•والأثر الفني ،بقدر ما يحتكم إلى العامل الظرفي، بقدر ما يحتكم إلى عامل الطّرح البديل، وهذه هي الغاية التي على أي كاتب أن يسعى نحوها ،مثلما فعل ويفعل كل ممتهن لفن الكتابة عبر التاريخ ،مهما ادعى لااكتراثه ولاانتماءه•
وأمّا عن الأفق الثقافي الذي بإمكان القّصَّة أن تطرحه في جزائر المستقبل، فإنه لن يخرج عن مصير باقي الفنون الأخرى التي تتأرجح بين الملء الروتيني لروزنامة النشاط الثقافي الخاضع للريع المركزي والذي يفتقد لفكر التمايُز والنقد والاستشراف، وبين المحاولات الفردية الناضجة التي أسست للاسم ولم تؤسس للمدرسة ولم يتبناها أي نشاط نخبوي ذو وزن مؤثّر، والتي تجد ذاتها ومكانتها خارج نطاق أوطانها أكثر مما تجده بداخلها• وعليه، فإن الفن القصصي كغيره من الفنون الأخرى، بحاجة، ليس فقط إلى جمهور قرّاء أو تجمعات سوسيولوجية مضحكة مثلما يحدث مع الجمعيات الفنية العالم- ثالثية واتحاداتها، وإنما إلى تمهيد تنموي على مستوى الوعي ينطلق من المركز ويمتدّ إلى القاعدة• وهذا الشرط حتى الساعة غائب؛ أي أن الحضارة في الجزائر تقف عند الباب وتنتظر الدخول، ولا أحد يجرؤ على مدّ يده نحو القفل وفتح الباب، خوفا من عصف وهج الحضارة الجديدة بما يتطلبه من استعدادات نفسية أكثر منها مادية، وتضحيات حضارية ضارية• الحضارة عندنا تقف خارج الباب حتى السّاعة، لأننا لم نحسن التضحية إلاّ مجازا عبر اللغة الشفهية•
"الإرهاب أن نرى الذل والظلم أمامنا ولا نحرك ساكنا
أن نرى العدالة تحطم أمامنا ولا ننهض ثائرين في وجه
وحوش الدولة"

لا مُكحلةلا سيف مسلـول *** ثائر من غير ســــــلاح
بالكلمة يصنع أسطــــول *** قبطان فالشّعر مـــــلاّح
مالمرّ يسقيك معســــــول *** حكيم في لمعاني جرّاح
هذاك (رفيق جــــــلول) *** شاعر من الـــزّاب لاح
للشاعر أبو أسامة 19/09/2009 سيدي عقبة

http://montada.echoroukonline.com/sh...721#post604721