لا خيار أمام الأدمغة الجزائرية سوى الهجرة
24-08-2015, 09:21 PM
حوار مع الباحثة الجزائرية كاميليا بوعاتي / حاورتها أماني أريس
الجامعة الجزائرية الرّاهنة واجهة غير مشرفة للوطن
كاميليا بوعاتي هي نموذج للمرأة الجزائرية الناجحة، مؤمنة جدا بمبادئها مناضلة من أجلها، اِختارت منحًى موفقا قادها إلى ضالّتها، فتفجّرت طاقاتها الفكرية النيّرة، وحجزت لها مكانة في مجال البحث العلمي، ومن خارج الحدود أبت إلّا أن تمدّ جسور التواصل مع أبناء وطنها الأم،ّ كعربون وفاء وولاء لهم رغم بعدها عنهم، وكان ذلك من خلال هذا الحوار الشفّاف الذي خصّت به جواهر الشروق.
من هي كامليا بوعاتي ؟
باحثة جزائرية مقيمة في فرنسا، وبالضبط في إمارة موناكو، ولدت ونشأت هناك، زاولت تعليمي الابتدائي والمتوسط فيها قبل أن أعود إلى بلادي الجزائر، وبالضبط إلى مدينة الأجداد قسنطينة، حيث أكملت تعليمي الثانوي والجامعي فيها، وتحصلت على ليسانس أدب عربي من جامعة منتوري، ثم انتقلت إلى العاصمة من أجل التحضير لشهادة الماجستير في تخصص الفلسفة، وتقلّدت منصب نائب المركز الثقافي لولاية الجزائر، ثم قدّمت رسالة الدكتوراه في جمهورية مصر العربية، و أهّلني تفوّقي للإنتقال إلى الجامعة الأمريكية بإمارة دبي والعمل كمؤطّرة لأربعة مواسم، اِكتسبت خلالها تجربة ثمينة، وأثريت رصيدي المعرفي أكثر، فكانت بوّابتي لولوج مجال البحث العلمي، فشددت الرحال نحو لندن واستقريت بها، وحاليا أنا باحثة ومحاضرة في جامعة مانشيستر.
ما سرّ تعلقك بالبحث العلمي والمجال الفكري خاصّة ؟
سرّ تعلقي بالبحث العلمي يعود لعدة عوامل؛ أوّلها البيئة التي نشأت فيها، فبفضل ربّي ترعرعت في عائلة تُعنى كثيرا بالعلم وشجعتني على تنمية مواهبي، و تحقيق طموحاتي، وقبل كل ذلك هناك أمر لابد من توضيحه، هو أن الإنسان لا يمكنه تحقيق النّجاح الحقيقي في مجال ما، إلّا إذا كانت له ميولات فيه، فهناك من يضطرّ لخوض غمار في مجال ما ويحقق النجاح فيه بفضل إرادته، لكن ذلك النجاح نسبي مقارنة بما كان سيحققه إن كان موافقا لميوله، وهذا الكلام أسقطه على نفسي لأوضح علاقتي بالبحث العلمي والفكري، فشهية التفكير كانت ملازمة لي منذ اِحتلام عقلي، وطالما كنت أطرح تساؤلات عديدة، وأعيش في رحلة دائمة لفهم واكتشاف الحقائق خاصة خلال مساري الدراسي.
وهناك عامل آخر يعتبر دافعا قويّا للبحث ويتمثل في التحولات الكبرى من حقبة زمنية إلى أخرى، وما يتخمض عنها من مفاهيم جديدة، وإيديولوجيات، وأحداث مختلفة تحفز الفكر وتدفعنا للبحث فيها.
كيف ترين مستقبل البحث العلمي ومستقبل الباحث في الجزائر ؟
دون مخاتلة؛ مستوى البحث العلمي في بلادنا متواضع جدا مقارنة بالطاقات البشرية والمادية المتاحة، لذلك لا يمكن رسم رؤيا لمستقبل هذا المجال دون التعرض إلى العراقيل التي يواجهها الباحث الجزائري .
على ذكر الباحث الجزائري، وعلى اِعتبار الجامعة الجزائرية المحضنة الأولى للبحوث والأفكار الشابّة ما تقييمك لبيئة التعليم العالي والبحث العلمي بشكل عام ؟
التقارير والتصنيفات الدولية تكشف الحقيقة بشفافية، لأنّها تعتمد على معايير مدروسة وملموسة، لا يمكن أن نغض الطرف عن اِنتكاسة الجامعة الجزائرية، التي غدت واجهة علمية غير مشرفة للجزائر مقارنة ببلدان أخرى أقل إمكانيات منها.
كنقد شخصي أرى أن النقائص موجودة على جميع المستويات سواء في المناهج، أو في طرق التسيير والتأطير، بالإضافة إلى تواضع فاعلية العنصر الأهم وهو الطالب.
ما هي أهم العراقيل التي تقف حجر عثرة في طريق الباحث الجزائري ؟
هناك عدة عوامل أبرزها العامل المادي، فالخامّ والمتمثل في الفكرة النّظرية يحتاج إلى دعم مادي؛ ليتحول إلى تطبيقات ميدانية، ويحتاج إلى تشجيع وتقييم ونقد وثقة، فلو نظرنا فقط إلى جامعاتنا وجدنا أن هناك عشرات من الأساتذة الأكاديميين الباحثين، تخلّوا عن البحث واكتفوا بتقديم المحاضرات والتلقين، والسبب دائما راجع لغياب الدعم الكافي ماديّا ومعنويّا. والأهم يتمثل في محدودية مساحة الحرية الفكرية فيما يتعلق بالعلوم الإنسانية، فالفرد العربي لا يزال مقيّد في أفكاره تقييدا ذاتيا في حالة من الرّهاب والمخاوف والبرمجة المسبقة، ويفتقد إلى حرّية عملية وهذا أخطر بمراحل من القيود الخارجية والعراقيل المادية.
تجدر الإشارة إلى وجود تحسن طفيف في بعض المجالات الضيقة، فقبل فترة قصيرة أشاد مكتب الدراسات الأمريكي طومسون روتيرز بتحسن مستوى البحث العلمي في الجزائر في مجال الطاقات المتجددة.
الجزائر وعلى غرار الكثير من دول العالم الثالث تعاني من ظاهرة هجرة الأدمغة هل ترين أنّه الحل الأنجع لهؤلاء لتحقيق أهدافهم ؟
الجزائر بجغرافيتها، بثرواتها الطبيعية، بطاقاتها البشرية سيما فئة الشباب، بتاريخها بتركيبتها الإثنية، كلّها عوامل يمكن أن تجعل منها قطبا رائدا في جميع المجالات، لأنّها تفتح آفاقا واسعة للبحث والإبتكار والإبداع، فحتى التركيبة الاجتماعية بكل خصوصياتها ومشاكلها تعتبر بيئة خصبة جدّا للبحث، لأنّ هدف الباحث أو العالم أو أي منتج هو تقديم دراسات تعبّد الطريق لحلّ المشاكل المطروحة، أو إيجاد بدائل من أجل تحقيق الأفضلية، وتحسين ظروف الحياة البشرية، لكن عندما يواجه عراقيل وقيود في بلاده يختار سبيل الهجرة، فلا خيار ثالث أمامه، إمّا الهجرة إما أن يغمر ويهمّش، لذلك يختار اللّواذ بأفكاره إلى بلد يجد فيه ظروفا أفضل، و أكثر تشجيعا وحريّة لتحقيق طموحه، وغالبا ما تعود دراساته ونتائج بحوثه بالفائدة على بلده الأصلي .
كيف يخدم المثقف المغترب وطنه الأمّ ؟
بلا شك أنّ كل مخلص لوطنه يغيب غيابا جسديا، بينما حضوره الروحي دائم في وطنه، فهو يحيى مع أفراد مجتمعه ويشاركهم كل اِنشغالاتهم، لذلك فالمثقّف المغترب يضع قضايا و هموم ومشاكل وطنه في أولويات تفكيره، وأغلب المثقفين ينطلقون في أفكارهم ودراساتهم من خلفيات صنيعة مجتمعهم الأصلي.
بماذا تفسرين تفوق نسبة الباحثين والعلماء الرجال على نسبة الإناث ؟ هل تعزينها لفروق فردية بين الجنسين، أم لأسباب اِجتماعية تتعلق بثقافة البيئة ؟
ليست هناك فروق ذاتية بين الرجل والمرأة، بل هناك ظروف تجعل الكفّة لصالح الرجال، وعلى رأسها ثقافة البيئة بالإضافة إلى ميولات المرأة، فهي غالبا تتفرغ لآداء واجبها الغريزي، وتفضل تكوين الأسرة وتربية الأطفال، فتكون فرصتها أقلّ من الرجل في استكمال مسيرتها العلمية، وبنفس وتيرة المجهود الذي يتطلبه البحث العلمي، مع ذلك نجد نماذج نسائية صنعت الاستثناء، ووفقت بين الأسرة و العمل مهما كانت صعوبته.
حدثينا عن نشاطاتك الراهنة هل من مشاريع أو بحوث قيد التحضير ؟
حاليا أنا بصدد تأليف كتاب يعالج ماهية العقل العربي في العصر الراهن بعنوان " معادلة الفكر العربي " كما أنني على تأهب دائم لحضور ندوات في الجزائر ودول الجوار.
كلمة ختامية للشعب الجزائري ولقرّاء موقع الشروق الالكتروني ؟
الشعب الجزائري شعب واعٍ وطموح، يحتاج إلى دعم واهتمام، ونصيحتي له مهما كانت العراقيل لا بدّ من العمل ثم العمل، وأدعو كلّ ذي طموح إلى التمسك بروح التحدي والعزيمة، وأتمنّى من صميم قلبي أن تكون لنا لقاءات وحوارات مكثفة مع مفكري الوطن الأمّ من الشباب خاصة، لتتلاقح أفكارنا ونبحث سويا عن حلول لمشاكل وطننا، وفي الأخير لا يفوتني أن أقدم شكري لطاقم جواهر الشروق وقرّائه.









.gif)






