السوفيات والمخابرات المرتبطة بموسكو يعرفون مرض بومدين
09-01-2016, 02:13 AM

حاوره: عبد الحميد عثماني

رئيس تحرير التحقيقات والحوارات الكبرى بجريدة الشروق

يؤكد الدكتور محيي الدين عميمور أن السوفيات وحدهم من يعلم حقيقة المرض الذي أودى بحياة الزعيم هواري بومدين، ثمّ يوسع الدائرة العالمية لتشمل برأيه المخابرات المرتبطة بموسكو، وغير هؤلاء، تبقى قلّة قليلة من المسؤولين الجزائريين، على علم بالتشخيص الفعلي للوفاة، لكن أغلب عناصرها هم في الدار الآخرة، موضّحا بهذا الصدد، أن الرئيس لم يظهر عليه أي شعور بالاستسلام للموت، بل ظلّ يواصل عمله اليومي في الرئاسة بشكل عادي، إلى أن باغتته الغيبوبة، حيث تولّى مجلس الثورة برئاسة رابح بيطاط إدارة شؤون الدولة.
ويعتقد مدير الإعلام برئاسة الجمهورية سابقا، أنّ تكليف بومدين خلال فترة مرضه، للشاذلي بن جديد، بالتنسيق بين قادة النواحي العسكرية، كان مؤشرا على ترشيحه للاستخلاف.
هل كان الرئيس رحمه الله يشعر أنه في مرض الوداع...؟
أبدا، والسطور القليلة التي كتبها على سرير المرض في العاصمة الروسية كانت مليئة بالحيوية وبالأمل في عودة سريعة، أي لم يكن فيها أي شعور بالنهاية المؤلمة التي حدثت بعد أقل من شهرين، وهو ما كنت تناولته في كتاباتي منذ أكثر من ربع قرن، وبعد أن تسلمت مذكرات الرئيس بومدين من الرئيس الشاذلي.
هل تُرجع ذلك لقوة شخصية الرئيس، كقائد يرفض أن يظهر في حالة ضعف بشري، أم لعدم بروز خطر الأعراض المرضية عليه...؟
ربما، الأمران معا.
إلى متى استمرت متابعته لشؤون البلاد...؟
في حدود ما أعرفه، فقد ظل الرئيس يتابع الأمور بنفسه إلى أن أصابته الغيبوبة في داره بالجزائر بعد العودة من الاتحاد السوفيتي.
هل تتذكر تاريخ الغيبوبة...؟
آسف، لا أتذكر التاريخ بالضبط.
منْ خلفه في متابعة أوضاع البلاد خلال الأيام الأخيرة التي سبقت الوفاة...؟
كان مجلس الثورة في اجتماع دائم برئاسة رابح بيطاط على ما أتذكر، وكان هو الذي يسير الشؤون اليومية، وكان للعقيد الشاذلي بن جديد دور فاعل بصفته كان منسقا لشؤون الدفاع الوطني.
ما زالت الروايات تتضارب بشأن وفاة الرئيس، أنتم تحدثتم عن مرض غريب ظهرت أعراضه منذ 1974 بتساقط شعره، هل مثل هذه الشهادة تؤكد فرضية "الاغتيال والمؤامرة" أم تنفيها...؟
في غياب دراسة جادة لكل المعطيات يظل الباب مفتوحا أمام كل الاحتمالات.
البعض يعتبر أن وفاة بومدين كانت طبيعية، وأن كل الإشاعات التي رافقت موته كانت بفعل الإعلام المغلق...؟
التشخيص الحقيقي للوفاة يعرفه عدد محدود، معظمهم في دار البقاء، والقول بذلك يدخل في إطار التكهنات (spéculations) التي لا تعتمد على معطيات علمية، وأنا ممن يرفضون القسم بأن الوفاة كانت طبيعية، لكنني لا أملك دليلا أبرر به موقفي.
الذين يعرفون سبب الوفاة هم أنفسهم "الدائرة الضيقة" التي سبق ذكرها أم يوجد غيرهم، ومن هم ..؟
المؤكد أن السوفييت كانوا يعرفون، وبالتالي فإن كل دوائر المخابرات المرتبطة بموسكو والمتعاونة معها كانت تعرف الكثير.
تكليف الشاذلي بن جديد من بومدين للتنسيق بين النواحي العسكرية في فترة مرضه، ألم يحمل إشارة استخلاف برأيك..؟
أعتقد ذلك، لأن أي رئيس للدولة، خصوصا في تلك المرحلة، كان يجب أن يكون حائزا على الدعم الكامل للقوات المسلحة.
هل ترك بومدين أي وصايا خاصة لمقرّبيه ورجال ثقته حول مستقبل الجزائر...؟
لا أعتقد، لأن وقوع الرئيس في الغيبوبة كان أمرا مفاجئا، لكنني لا أستطيع أن أقطع برأي نهائي.
كيف أدارت السلطة إعلاميا خبر المرض وإعلان الرحيل إلى الرفيق الأعلى...؟
ما حدث آنذاك ولسبب أجهله أنني استبعدت تماما من العملية، وهمس لي بعضهم يومها أن السبب كان ما يتردد عن علاقات الصداقة التي كانت بيني وبين الأخ محمد الصالح يحياوي، منسق حزب جبهة التحرير الوطني آنذاك، لكنني لا أقطع بسبب معين.
وهل تمّ استبعاد أطراف أخرى من مواقع حساسة، على أساس أنها محسوبة على المنافس الثاني عبد العزيز بوتفليقة...؟
لا أتذكر.
هل فعلا أن البعض اقترح نقل جثمان الرئيس إلى مسقط رأسه، بمبرر صعوبة التحكم في الجنازة...؟
ربما، لست متأكدا من ذلك، وبفرض أنه طرح فالأمر كان مرفوضا لأن رئيس الدولة يدفن دائما في عاصمة الدولة، خصوصا إذا حدثت الوفاة وهو في مركز المسؤولية.
علي بن محمد يؤكد أنه كان من المقرر أن يقرأ تأبينية الرئيس، الأمين العام للأفلان وقتها محمد صالح يحياوي، لكن في آخر لحظة، وبأمر من الأمن العسكري تقدم عبد العزيز بوتفليقة، ألم يكن ذلك برأيكم خطة لتضليل الرجل، وصرف نظره عن قرار "الجماعة"، بهدف قطع الطريق على مناوراته الداخلية والخارجية...؟
يحياوي لم يكن أمينا عاما ولكنه كان المنسق المكلف بتنظيم مؤتمر الحزب القادم، وقد قلت لك إنني استبعدت تماما من العملية كلها، لكنني لا أستطيع أن أرفض ما يقوله علي بن محمد، وهو رجل موثوق ولا يلقي الكلام على عواهنه، وعلى كل فأنا لا أستطيع أن أحكم على أمر بهذه الخطورة إذا لم أكن أملك شخصيا كل المعطيات المتعلقة به.
ما هي أجمل ذكرى تحتفظ بها مع الرئيس الراحل بومدين...؟
أجمل ذكرى سجلتها صورة التقطت في خميس الخشنة يوم 17 جوان 1972، يوم نزل الرئيس من المنصة للمرة الأولى والأخيرة في حياته ليطيب خاطري بعد أن كان بالغ الخشونة في تعنيفي هاتفيا في الليلة السابقة على خطأ ارتكبته من دون قصد، وبناء على نصيحة رفيق كنت أظنه على غير ما وجدته عليه.
هل تذكر أي موقف معه ندمت عليه...؟
ردي حول سؤاله في قضية مصطفى لشرف.
لو طلبت منكم أن تقارنوا في صفات جوهرية أساسية بين الرئيس بومدين وكل من أعقبوه في هرم الحكم إلى اليوم...؟
أنا عملت أو تعاملت مع أربعة رؤساء بعد وفاة الرئيس بومدين، وكان لكل رئيس طابعه وشخصيته وأسلوبه في العمل، ومن الصعب عليّ عاطفيا أن أقارن بينهم، والصفة الجوهرية في نظري للجميع كانت حب الوطن والغيرة على مصالحه العليا والاعتزاز بالثورة.
أليست هذه هي المجاملة التي تعدّ من عيوب الثقافة الاجتماعية السائدة بين الجزائريين، أنت تعدّد مزاياهم المشتركة، لكن لا تذكر الفوارق التي تميزهم، فطريّا، وسياسيّا، وسلطويّا...؟
فليكن، أنا على استعداد لكي أعترف بأنني أتعامل مع رؤسائي كرواد مناضلين وكقادة دوليين، أحترمهم وأقدرهم وأتفهم ظروف توليهم للمسؤولية، وليس من حقي أن أتصرف تجاههم كأنني أتعامل مع المغنيين أو الممثلين أو حتى الأدباء والفنانين، فأفضل هذا على ذاك.
أما الفروق، فمن الطبيعي أن تكون هناك فروق ناشئة عن ظروف النضال ونوعية التكوين، لكن هذه هي مهمة كتاب السيرة الذاتية وليست مهمة مثقف يدلي بحوار، يظل مهما كانت أهميته، مجرد لقاء عابر.
أترك لكم كلمة الختام...؟
أنت طرحت أسئلة كثيرة بدا في بعضها طابع الاستفزاز والاتهام الظالم للرئيس بومدين، لكنني استطعت معك صبرا لأنني أعرف أن كثيرا من تلك الأسئلة تتردد على بعض الأفواه، وبعضها بخلفيات مغرضة، وكان واجبي، كمناضل حظي بثقة الرئيس بومدين، أن أوضح الأمور خصوصا للشباب الباحث عن الحقيقة، وبناء على ما عشته ورأيته شخصيا، ولا أعطي لنفسي أكبر من حجمي ولا أحملها أكثر مما تحتمل.
وكما قلت لك، أنا لست شهرزاد.
غير أنني أعترف بحبي للرئيس هواري بومدين، ولا أدعي أنني محايد في نظرتي له، ولا أنكر تعاطفي معه، لكن هذا لا يعني أنني أتحيز له بشكل أعمى وأعطي لإنجازاته أكثر مما تستحق، لكنني أرى أنها إنجازات هائلة خصوصا إذا تذكرنا الإمكانيات المادية والبشرية المتوفرة في الستينيات والسبعينيات، وبومدين كان يؤمن بأنه بشر يجتهد ويصيب ويجتهد ويخطئ، وله دائما أجر المجتهد، رحمه الله وعوضنا عنه خيرا.