آيت أحمد أعلمنا بعرض الرئاسة عليه.. وهكذا ردّ على نزار
18-01-2016, 12:52 AM

رانية مختاري



في خضم النقاش الساخن والجدل الواسع الذي يثيره الجنرال المتقاعد "خالد نزار"، بخصوص تصريحاته المتناقضة حول الزعيم الراحل "حسين أيت احمد" وتفضيله الخروج عن صمته وفتح ملفات طوية دون أن تسوّى لإحدى المراحل الحرجة والخطيرة التي عرفتها البلاد طيلة عشرية من الزمن، دون أن يحاسب مفتعلوها والمتسببين المباشرين في تشريد وضياع الآلاف وموت عشرات آلاف آخرين، يعود بنا احد المقربين من الراحل "أيت احمد" لتوضيح بعض الأمور.
حيث كان الحديث عن العشرية السوداء، من الخطوط الحمراء إلى زمن ليس بالبعيد، قبل أن يقرر احد المسؤولين البارزين وذو الدور الأساسي والبارز في عشرية الدم، إزاحة الستار عن جوانب فضّل الخوض فيها بدون إشراك الطبقة السياسية والعسكرية في تناول هذا الملف، مفضلا الخوض في علاقته مع الزعيم "أيت احمد" بعد رحيله .
"الشروق" ولتسليط الضوء على بعض الحقائق التي تعد في حقيقة الأمر، وقائع ليست بالخفية او السرية على الكثير خصوصا الطبقة السياسية والنظام الحاكم حينها، ارتأت التقرب من بعض من عايشوا الأوضاع مطلع التسعينات وتواجدوا في خضم الصراع والأحداث المتتالية والسريعة التي عاشتها الجزائر في ظرف زمني قياسي، كان كفيلا بأن يدخل الوطن في مرحلة دموية لا تزال تبعياتها قائمة لحد الساعة.
"سعيد خليل" احد القادة البارزين في حزب الأفافاس خلال التسعينات، عاد بنا إلى تلك الفترة التي شهدت فيها الجزائر تحولات كبرى وخطيرة ناجمة عن قرارات ارتجالية انقلب فيها العسكر على النظام وابعد الساسة عن دواليب الحكم وصنع القرار ليدفع الشعب ثمنه غاليا طيلة عشرية من الزمن.
عن تعاطي حزب القوى الاشتراكية مع نتائج الدور الأول لتشريعيات 1991، صرح "سعيد خليل" أن نتائج الانتخابات المحلية لجوان 1990 وفوز الفيس بالأغلبية الساحقة، كانت توحي بتحقيقه للنتائج التي تحصل عليها في الدور الأول للتشريعيات، وكحزب ديمقراطي شارك في انتخابات اختار الشعب نتائجها لم نعارض هذا الأمر، رغم أننا كنا نرفض الطريقة التي يعرض بها الفيس المحل توجهاته وفرضها على الشعب والدولة.

حكومة غزالي اعتمدت تقسيما لكبح الأفافاس لصالح الأفلان
وأضاف المتحدث انه بعد الإطاحة بحكومة "حمروش" في جوان 1991 بعد اعتصام جماعات الفيس المحل واستيلائه على الأماكن العمومية لعدة أيام، للمطالبة بتسبيق الانتخابات الرئاسية عن التشريعية، في محاولة منهم الاستيلاء على رئاسة البلاد بطريق مختصر، ألغيت مع هذه الحكومة الانتخابات التي كان مزمعا إجراؤها في ذات الشهر "الدور الأول للتشريعيات" فجاءت حكومة "سيد احمد غزالي" التي طلب منها التحضير لانتخابات نظيفة ونزيهة، فكان تاريخها وفق برنامج الحكومة الجديدة في الـ26 ديسمبر 1991.
كما اعتمدت تقسيما إداريا جديدا للانتخابات، وهو التقسيم الذي رأى الأفافاس انه جاء لكبح مساره كحزب ديمقراطي وقوة سياسية لديها قاعدة شعبية ومصداقية صنعها ايت احمد بنضاله النزيه، حيث حاولت ذات الحكومة – يقول محدثنا -، عرقلة الأفافاس لصالح الأفالان على أن يتوسط الفيس هذه القوى لدرء خطر اكتساحه للقاعدة الانتخابية، غير أن نتائج الدور الأول أخلطت أوراق السلطة، حين فاز الفيس بـ 188 مقعد من أصل 340 في المجلس الشعبي الوطني وحزب جبهة القوى الاشتراكية بـ25 مقعدا ثم جبهة التحرير الوطني بـ16 مقعدا، وهي النتائج التي أحدثت حالة طوارئ ونادت القوى السياسية من بينها الارسيدي والاتحاد العام للعمال الجزائريين وكذا وزارة الدفاع إلى ضرورة وقف المسار الانتخابي، الأمر الذي عارضته قيادة الأفافاس على رأسها زعيمها "حسين أيت احمد" الذي تمسك بضرورة مواصلة المسار الانتخابي معتبرا وقفه انقلابا عسكريا على النظام وكبحا للمسار الديمقراطي الذي تتخطاه الجزائر، حيث تمسك بذات الموقف في جميع لقاءاته مع الأحزاب المعارضة والنظام وحتى في لقائه مع وزير الدفاع آنذاك "خالد نزار"، ولما تيقن "حسين آيت احمد" بأن النظام قرر وقف المسار الانتخابي، دعا الى مسيرة 2جانفي 1992.

مسيرة 2 جانفي 92 استغلها النظام لعكس ما نودي إليه
المسيرة نادى إليها الأفافاس – يقول محدثنا - ليعبر خلالها الشعب عن رأيه في المرور للدور الثاني من عدمه، المسيرة الضخمة التي شهدتها العاصمة شاركت فيها جميع فئات المجتمع، التي دعمت مطلب الأفافاس وكانت مع استكمال المسار الانتخابي، إلا أن النظام استغلها لعكس ما نودي إليه، وأظهر للرأي العام الوطني والدولي، أن الشعب الجزائري ضد وصول "الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحلة" إلى الحكم وضرورة كبح مسارها، حتى أن قيادة الفيس طلبت ملاقاة "أيت احمد" للتعبير عن غضبها من تحريك الشارع ضدها، إلا أن أيت احمد أوضح موقف الأفافاس الذي لم يكن خفيا على احد، وهو إرساء الديمقراطية وحكم الشعب عبر نتائج الصندوق وضرورة المرور إلى الدور الثاني من التشريعيات، مؤكدا أنه لا يعارض وصول الإسلاميين إلى الحكم، ما دام من صلاحيات الرئيس في نظام الحكم المعتمد بالجزائر، أن يضع حدا لتجاوزاتهم عبر القانون وحتى حل المجلس الشعبي الوطني إذا ما اقتضى الأمر، حيث أكد أن الأفكار التي جاء بها الفيس كانت مرفوضة، لكنه فضل التعامل معهم وهم في الحكم وفقا للقانون، بدل التعامل ونتائج تجريدهم من حق حصلوا عليه بطريقة شرعية.
وكان "آيت احمد" على يقين بأن وقف المسار الانتخابي ووفقا للجو المشحون الذي عرفته الجزائر بعد نتائج الدور الأول، سيدخل الوطن في حمام دم، وحاول عبر اللقاءات المتعددة مع الفاعلين المختلفين، اختيار حل سلمي لن يكون سوى استكمال المسار الانتخابي. وكانت القاعدة النضالية للحزب قد تمسكت بمبادئ ومطالب وتوجهات القيادة العليا للأفافاس.

الشاذلي حرم من التعامل مع الأزمة كرئيس وآيت احمد حذر من تدخل الجيش
تسارع الأحداث في ظرف 10ايام، جعلت القوى السياسية والعسكر في سباق مع الزمن، بين معارض لوقف المسار الانتخابي ومصر على انقلاب جذري غير محسوب العواقب، فكانت "لجنة إنقاذ الجمهورية" ممسكة بزمام الأمور، حيث أقصي تماما رئيس الجمهورية "الشاذلي بن جديد" من التعامل والأزمة من منصبه كرئيس جمهورية وكان للجيش الكلمة الفاصلة، إلا أننا كنا ننتظر ونتحضر للدور الثاني للانتخابات التشريعية بعد مسيرة 2 جانفي 92 والتفاف الشعب حول خيار المرور للدور الثاني، قبل أن نتفاجأ بقرار إلغاء الانتخابات نهائيا ورئيس الجمهورية "الشاذلي بن جديد" يلقي استقالته عبر التلفزيون الجزائري بتاريخ 11 جانفي.
وعن رأيه حول استقالة أو إقالة الرئيس من منصبه، صرح المتحدث بأن الظروف المحتقنة التي تلت مرحلة الدور الأول وتسارع الأحداث وكذا تدخل الجيش واستحواذه على الواجهة والتعامل مع الوضع، جعلتنا نرجح أمر دفعه أو الضغط عليه للاستقالة، وعن عرض "خالد نزار"رئاسة المجلس الأعلى للدولة على الراحل "الحسين آيت أحمد" لم يكن سرا، حيث علمت بالأمر جميع القوى السياسية حينها، وأعلمنا بذلك فور عودته من لقائهما، أين قال مقولته الشهيرة "بأن الدواء سيكون أخطر من الداء على الوطن" مشيرا إلى أن نتائج وقف المسار الانتخابي كحل اختاره العسكر، سيكون أخطر على الوطن من الداء الذي هو وصول الإسلاميين إلى الحكم.