حوار مع ميت
20-01-2021, 12:09 PM
في مساء يوم ثقيل مكفهر, إحتوى كوامن العبوس كله, ولم يترك مقتا واحدا في حاله, كل شئ ذابل في عيني ليس له طعم ولا رائحة, الذبول نفسه إنكمش وأنطوى, غابت تقاسيمه بين الخنوع وطأطأة الراس, اصفرار يطارد حمرة, حاصر كل الألوان, لم يعد هناك بريق بين الشرفات, والمسالك, تغير الصمت من كامن بين الأركان الى منكمش بين الفجوات, لم يعد هناك سكون ولا خفقان أجنحة, تلاشت فرحة العاصفير بين طيات الهواء, الفراشات دخلت في سبات, وداهم الثقل القلوب, غابت البسمة ولم يعد للبريق وجود, الشمس في سيرها ذابلة, تداريها سحب قاتمة, في أعماقها براكين من غضب القوافي وسخط الجمل, هذا يطارد حلما ليحيا من جديد بين الركام, وذاك يردد كلمات من ذاكرة عهد قيس, ليسعد حبيبته, المنغمسة في بريق سيارة ولوعة فستان, وشاب يراود احلامه عله ينتشي,ليرتاح ساعات مع العواطف المزورة, واخر يقلب هاتفه في قلق, منتظرا بشغف ملتهب, طلة حروف الحنان, لينهي يومه في سلام, من حب فاتر ليس له فصل ولا بداية , كهل يسارع الخطوات, في البحث عن أي شئ ليروض لقمة عياله, وووووو, الهمس لا ينتهي, والقلق ليس له موقف ولا وجهة.
سر ت بخطوات متعبة, مثقلة فيها ترنح وأعوجاج, وكأنها لا تريد المغادرة, أكملت بصعوبة طريقي بين الحشود الهائمة, سيارات مسرعة وكأن اصحابها يفرون من الموت, لا يتركون لك فرصة عبور الطريق, القلق يشتد ويشتد, يطوق المكان, يتعداه لطموح اكبر وأوسع.
فجأة توقفت الحافلة أمامي, صعدت بداخلها مثقلا وكأن قيود العصور كلها تكبلني, الكل عابس, احتواهم الصمت وانتزع من وجوههم براءة التقاسيم وإرتجال البسمة, الجميع في تفكير, الماديات, العمل, لقمة العيش, خصومة كبلت قلب هذا, تركته جسدا بلا شعور, وعقلا بل تفكير.
أخذت مقعدي, متهاويا كفكرة إستغنى عنها صاحبها.
انطلقت الحافلة, بقيت واجما متيبس الأطراف, دخلت في تفكير طويل, متعرج ليس له نهاية, الموت والحياة, كيف يحيا أصحاب القبور؟. رحمة الله حسن الظن به, وسلسلة من التساؤلات, لم أفق الا على صوت سائق الحافلة يدعوني للنزول, نهاية المحطة. وجدت نفسي أمام مرش باهي, اكملت طريقي, أجر خطواتي بثقل منهك, منكسر, متعرج اجتمعت عليه مجاميع الكأبة من هم وغم ويأس وقنوط, نحو طريق المقبرة, بعد عدة خطوات تذكرت قول الله : (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ). دبت الحياة في جسدي من جديد, تفتت غيوم الكأبة, اشرقت أنوار ربي واحتوت المكان, السماء جميل والأرض من تحتي يداعب حسها أطرافي, تكسرت القيود وحلت رحمة الله, وأصبح الصمت وحيا من الذكر إنطلق به لساني.
عشق الله اذا احتضنك واحتواك فقد فزت, ولم يعد للهموم اليك سبيل, تسير مرفوع الرأس مكرما كظيف عزيزعند كريم مقتدر, قبول بين الخلق, كنور مرصع بلون الأصيل. مفروش كزرابي الملوك وقت السمر.
وصلت المقبرة, فتذكرت أبيات مالك ابن دينار الذي قال:
أتيتُ القـبورَ فناديتُها أينَ المعظَّـم والمُحْتَقَـرْ
وأين المدِلُّ بسُلْطـانِهِ وأين المزكَّى إذَا ما افْتَخَرْ
قال :
فنُوديتُ من بينها ولم أَرَ أحداً :
تَفانَوا جميعـاً فما مُخبـرٌ وماتوا جميعاً وماتَ الخَبَـرْ
وَصَاروا إلى مَالِكٍ قَاهـرٍ عَزِيزٍ مُطَـاعٍ إذا مَا أَمَـرْ
تروحُ وتغدو بناتُ الثَّرى فَتَمْحُوا محاسنَ تلك الصُّوَرْ
فيا سائلي عن أُناسٍ مَضَوْا أما لَكَ فيما ترى مُعتَبَـرْ
لقدْ ثلّدَ القَـوَم مَا قَدَمُوا فإمّا نَعِيـمٌ وإمّـا سَقـرْ
دخلتها, سلمت واثقلت خطواتي, رحمة بأرواح ترفرف بدون اجنحة في عالم برزخي, تزيد للمكان رهبة وكرامة. اخترت قبرا من بين القبور وجلست عند رأسه, تلوت فاتحة الكتاب وبعض الأيات, احسست براحة تامة, زرعت في جسدي طاقة عصماء, وكأنني ولدت من جديد, صمت المقابر رهبة وخشوع, متعة بين عالمين الموت والحياة, دفع جديد نحو الأمل وتحسين الذات واصلاح مسار الخطوات, انطلاقة جديدة بلون وثوب جديد , من التوبه وتعظيم الخالق, الذي يقول في سورة التوبة ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم ). صدق الله العظيم.
ب, محمد الناصر