الاحتجاج بما عليه الأكثر دون نظر إلى مستنده!!!
08-02-2009, 10:39 PM
الاحتجاج بما عليه الأكثر دون نظر إلى مستنده
المسألة الخامسة

[ إنَّ من أكبر قواعدهم : الاغترار بالأكثر ، ويحتجُّونَ به على صحَّة الشَّيء ، ويستدلُّون على بُطلان الشَّيء بغُربتِهِ وقِلَّةِ أهلهِ ، فأتاهم بضدِّ ذلك ، وأوضحه في غير موضع من القرآن ] .

الشّـرح :

من مسائل الجاهلية : أنهم يستدلون بالأكثرين على الحق ، ويستدلون بالأقلين على غير الحق ، فما كان عليه الأكثر عندهم فهو الحق ، وما كان عليه الأقل فهو غير حق ، هذا هو الميزان عندهم في معرفة الحق من الباطل . وهذا خطأ ؛ لأن الله - جل وعلا - يقول : وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ، ويقول - سبحانه وتعالى - : وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ، ويقول - سبحانه وتعالى - : وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ، إلى غير ذلك . فالميزان ليس هو الكثرة والقلة ؛ بل الميزان هو الحق ، فمن كان على الحق - وإن كان واحدًا - فإنه هو المصيب ، وهو الذي يجب الاقتداء به ، وإذا كانت الكثرة على باطل فإنه يجب رفضها وعدم الاغترار بها ، فالعبرة بالحق ، ولذلك يقول العلماء : الحق لا يعرف بالرجال ، وإنما يعرف الرجال بالحق . فمن كان على الحق فهو الذي يجب الاقتداء به .

والله - جل وعلا فيما قص عن الأمم - أخبر أن القلة قد يكونون على الحق ، كما قال تعالى : وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ وفي الحديث - الذي عرضت فيه الأمم على النبي صلى الله عليه وسلم - رأى النبي ومعه الرهط ، والنبي ومعه الرجل ، والرجلان ، والنبي وليس معه أحد . فليست العبرة بكثرة الأتباع على المذهب أو على القول ، وإنما العبرة بكونه حقًا أو باطلا ، فما كان حقًا - وإن كان عليه أقل الناس ، أو لو لم يكن عليه أحد ، ما دام أنه حق - يُتمسك به فإنه هو النجاة . والباطل لا يؤيده كثرة الناس أبدًا ، هذا ميزان يجب أن يتخذه المسلم دائمًا معه .

والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ وذلك حين يكثر الشر والفتن والضلال ، فلا يبقى على الحق إلا غرباء من الناس ونزاع من القبائل ، ويصبحون غرباء في المجتمع البشري ، والرسول - صلى الله عليه وسلم - بعث والعالم كله يموج في الكفر والضلال ، ودعاء الناس ، فاستجاب له الرجل والرجلان ، إلى أن تكاثروا . وكانت قريش - وكانت الجزيرة كلها ، وكان العالم كله - على الضلال . والرسول - صلى الله عليه وسلم - وحده يدعو الناس ، والذين اتبعوه قليل بالنسبة للعالم .

فالعبرة ليست بالكثرة ، العبرة بالصواب وإصابة الحق . نعم ، إذا كانت الكثرة على صواب فهذا طيب ، ولكن سنة الله - جل وعلا - أن الكثرة تكون على الباطل وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ، وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ .

من شرح العلامة صالح بن فوزان الفوزان-حفظه الله- لمسائل الجاهلية للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-