بعض وسائل الاخلام الجزائرية تعرض معاناة الشعب مباشرة
19-09-2009, 09:15 AM
أقسم لك على “المصحف” أنني أقتات من المزابل ما تبقى من خضر “مضروبة”

في وقت كثر فيه الحديث عن غلاء الأسعار وحرارة السوق، هناك عائلات لم تفكر في الأمر بتاتا ليس لأن أمرهم محسوم بالغنى وتوفر المواد الأساسية للمائدة الرمضانية، فهناك من أجهدهم التفكير في حالتهم حتى نسوا أنهم يحتاجون للحم في وجباتهم ولم يجدوا إلا المعكرون والبطاطا·

لم نكن نتخيل أن نقف على حالات مماثلة في زمن العزة والكرامة لكن واقع الحال قادنا إلى حقائق غريبة فقد اكتشفنا من خلال رحلة رمضانية إلى عائلات في إحياء شعبية بقلب العاصمة حقيقة مرة لمائدة رمضانية تفتقد إلى أدنى متطلبات المائدة الرمضانية التي تفوح منها رائحة اللحم والشوربة والبوراك وأطباق أخرى ألفناها في هذا الشهر الكريم·

جولتنا كانت إلى دويرات بالقصبة حيث استقبلتنا عائلة “علي·م” المتكونة من 8 أفراد، كانت عقارب الساعة 4,30 مساءً لكن الشيء الذي شد انتباهنا عند دخولنا إلى البيت هو أنه لم تزكم أنوفَنا أية رائحة طهي تشتهيه الأنفس كالمعتاد عليه في أي منزل في شهر رمضان·


هذه العائلة التي دلنا عليها أحد الأقارب وجدناها تحضر طبقا بسيطا جدا يتماشى مع باقي أشهر السنة وحسب القدرة الشرائية لها وهو إعداد طاجين المعكرون وسلاطة البطاطا أما الأجواء الرمضانية في البيت فهي غائبة تماما، ونحن في ضيافتنا عند هذه الأخيرة تناسينا للحظات أننا في رمضان نظرا للحالة التي وقفنا عليها وحزت في أنفسنا كثيرا، وقبل مبادرتهم بالسؤال عن وضعهم قال السيد علي إن مدخوله لا يتعدى 12 ألف دج وعائلته متكونة من 8 أفراد كيف باستطاعته إعداد الأطباق الرمضانية في ظل الأسعار الملتهبة، فالدجاج واللحم وصل سعرُهما إلى السقف ناهيك عن الخضر التي عرفت هي الأخرى لهيباً كبيراً، مضيفا: حتى هذا الأكل البسيط والخبز أجلبه بشق الأنفس فأنا وعائلتي ليس لنا الحق في الجو الرمضاني وعندما تنازلت وتوجهت إلى بلدية القصبة لأطالب بقفة رمضان رفضوا حتى استقبالي، مع العلم أن وزير التضامن ولد عباس صرح أنه منح مبالغ مالية معتبرة للبلديات من أجل قفة رمضان، إلا أنه في الحقيقة لم نستفد من شيء· والله هو من يتولى أمرنا·


وتعيش عائلة علي في بيت لا يليق كمأوى للبشر في ظل غياب أدنى شروط الحياة الطيبة، وما زاد معاناة العائلة هو وضعية ابنهم المصاب بمرض مزمن· ورغم هذا وذاك فلقد وجدنا إيمانها وثقتها بالله كبيرة· وهكذا ودعنا عائلة “علي” التي تعرف بالفقر المدقع في الوقت الذي قال فيه وزير الشؤون الدينية إنه لا توجد عائلات فقيرة بالجزائر· وما هذه العائلة إلا عيِّنة، والسؤال المطروح في أي خانة تصنف عائلة “علي” إذن؟


وجهتنا الثانية كانت عائلة “م· ف بباب عزون بساحة الشهداء والمتكونة من 5 أفراد، رب العائلة عامل مؤقت وهذا بعد توقفه من الشركة التي أوصدت أبوابها في التسعينيات، وقفنا على حالته في هذا رمضان فوجدنا أن الوضع سيء للغاية نظرا لحالته المادية البسيطة التي تلائم عمَله· وفي هذا السياق، سألنا زوجته كيف تقضي أيامها الرمضانية فتنهدت الصعداء، قائلة إن الشربة غائبة عن مائدتها طول هذه الأيام نظراً لغلاء الأسعار وزوجها يعمل باليوم مع أصحاب الطاولات ولم يتقاض إلا دنانير، بالكاد يستطيع شراء الخبز وبعض المواد لسد الرمق فقط، وأصارحك وأقسم لك على “المصحف” أنني أقتات من المزابل ما تبقى من خضر “مضروبة” لإتمام إعداد الوجبة، رددت هذه العبارة ثم أجهشت بالبكاء· صمتت للحظة ثم قالت: من المفروض أن نستفيد من قفة رمضان من البلدية كما في السنوات الفارطة لكن عندما توجهت للبلدية أطلب إدراجي ضمن المحتاجين لجلب القفة قالت لي إحدى الموظفات بالبلدية إنها غير مبرمجة ولا توجد قفة رمضان هذا الموسم· ورغم هذا زوجي يرفض جلب الوجبة من دور الرحمة، غير أنني أضطر لإرسال أبنائي إلى مطعم الرحمة الكائن بساحة الشهداء لجلب اللقمة بعدما يعود فارغ اليدين· المهم أمام هذه الظروف الصعبة التي أواجهها وأبنائي لا حل آخر أمامنا نسلكه سوى التسول لسد الجوع في بلد البترول وبلد العزة والكرامة ونحن مشتاقون رغيف خبز·


للإشارة، إنه نظرا للوضعية المزرية توقفوا وحرموا أطفالي عن الدراسة والسؤال المطروح ألسنا مواطنين جزائريين؟ وفي الأخير ترفع هذه العائلة نداءها إلى السلطات العليا في البلاد قائلة: أين أنت يا ولد عباس؟ إنها صرخة عائلة تستغيث·


على هذه العبارة تركنا هذه العائلة في استياء كبير ووضع أقل ما يقال عنه إنه واقع مر ومؤسف للغاية· وهاتان الحالتان اللتان وقفنا عليهما ماهما إلا عينة مصغرة لمئات العائلات التي تعاني نفس الوضع أو أمرّ منه· سنوافيكم بتحقيقات أخرى لاحقا·
*************************************************
السلطات الجزائرية تحاول أن تفتك قصب السبق في محاربة الهجرة غير الشرعية وهي من يوم إلى آخر تبدع في هذا المجال ولا أحد يعلم إلى أي حد ستصل بها عبقريتها. شباب الجزائر اليائس يزداد يوما بعد يوم شوقا إلى مغادرة بلده نحو الفردوس الأوروبي مع أنه يعلم علم اليقين أن الطريق إلى هناك ليس محفوفا بالورود وأن هناك احتمالا كبيرا أن يجد هؤلاء الشبان (هناك أيضا شيوخ ونساء وأطفال) أنفسهم في قبضة ملك الموت أو في معتقل المهاجرين غير الشرعيين في إحدى دول الضفة الشمالية للبحر المتوسط.

لا أدري إن كانت الحكومة الجزائرية قد فعلت ذلك أم لا، لكني أحثها على أن تطلب من أحد معاهد استطلاعات الرأي أن يسأل عينة من الشباب هذا السؤال: (إذا أتيحت لك فرصة الهجرة والعيش خارج البلد هل ستفعل؟)، أنا شخصيا لا أنتظر نتيجة الاستطلاع لأعرف الجواب، لكني أريد من الحكومة أن تعرفه إن كانت لم تفعل بعد. فقط نريد منها أن تعرف، ولا نطلب منها بعد ذلك أن تتصرف وفقا لذلك، لا نريد منها أن تعلن عن إجراءات تحفيزية للشباب لحثهم على البقاء في وطنهم وإقناعهم أن مستقبل البلد في أيديهم وعليهم أن يكونوا في مستوى التطلعات، لا نريد من هذه الحكومة أن تعقد ندوات ومؤتمرات من أجل تحسيس الشباب بخطورة وحرمة التفكير في الهجرة غير الشرعية، ولا نريد منها أيضا أن تعلن أمام الرأي العام عجزها وفشلها في تطويق ظاهرة تنخر خزان البلد البشري، ولا نريد منها مجرد التفكير في الاستقالة وفسح المجال لطبقة سياسية جديدة تتولى شؤون الحكم في البلد، معاذ الله!

هل سألت حكومتنا الموقرة نفسها يوما، أو هل تجرأ كبيرها أو أحد من أعضائها يوما على طلب إدراج بند الهجرة غير الشرعية في اجتماع مجلس الوزراء وفتح نقاش صريح حول الظاهرة؟ هل تساءل رئيس الدولة أو رئيس وزرائه يوما عن هذا (الفيروس) الذي أصاب شباب الجزائر حتى صاروا يبيعون ما يملكون وما لا يملكون من أجل قطع تذكرة ذهاب على متن قارب خشبي أو مطاطي يغادر بهم بلدهم إلى غير رجعة ويبعدهم عن أعز الناس إليهم؟ هل فكر أي وزير في الحكومة الجزائرية يوما في استدعاء مجموعة من الشباب الذي سبق لهم أن خاضوا تجربة السفر على قوارب الموت (وما أكثرهم) حول مائدة غداء والاستماع إلى تجاربهم وإلى الأسباب التي تجعلهم يختارون الموت في عرض البحر على العيش بين ذويهم وفي أحضان جمهوريتهم المستقلة الديمقراطية الشعبية؟ هل تساءل أحدهم يوما لماذا هذا الإصرار على التحدي رغم خطر الموت ورغم القوانين الردعية التي اهتدت إليها الحكومة والتي تصل إلى السجن عشر سنوات ورغم الفتاوى الشرعية التي تحرم الهجرة غير الشرعية وتعتبر الساعين إليها في منزلة الذين يلقون بأيديهم إلى التهلكة؟

مأساة حقيقية أحاطت بالبلد ونزيف داخلي ينخر الجزائر وسط صمت إجرامي رسمي عام. النظام الحاكم لا يهمه موت شاب أو ألف شاب أو هروبهم من البلد ولا حتى موت بلد بأكمله بقدر ما يهمه أن يبقى مهيمنا وجاثما على كرسيه، المهم بالنسبة إليه هو أن لا تنضب خيرات البلد ونفطها، أما أهل البلد والبلد كله فإلى حيث يريد. قد يقول قائل إن هناك تناقضا في كل هذا الكلام، إذ ليس معقولا أن نتهم النظام أو السلطة أو الحكومة (كلها أوصاف لكيان واحد) بعدم المبالاة وتجاهل ظاهرة الهجرة غير الشرعية واختفاء الشباب بالمئات أو الآلاف كل عام في رحلات الموت البحرية، بينما الواقع يؤكد أن عين هذه السلطات ساهرة من أجل إفشال محاولات هذه الهجرة من خلال تكثيف دوريات حرس السواحل وتعزيز إمكانيات عملهم بوسائل تقنية حديثة وأيضا من خلال الترهيب الديني وتحديث المنظومة القانونية. سيكون هذا صحيحا لو كان الغرض منه هو الخوف على شباب الجزائر والحرص على مستقبله وليس تقديم خدمة مجانية للدول الأوروبية ومساعداتها على الحد من ظاهرة التسلل غير الشرعي إليها، والاتفاقيات الكثيرة المبرمة بين دول الشمال والجنوب تؤكد هذا.

والآن نرى أن الأمر لم يعد لعبة قط وفأر بين الشباب الهارب من جحيم بلده وبين قوات الأمن وحرس الحدود المائية على وجه الخصوص، وما جرى الأسبوع الماضي في عرض مياه عنابة (شرق الجزائر) يدعو إلى قلق كبير. مطاردة لمجموعة من الشباب انتهت باعتقال أغلبهم وموت واحد أو اثنين. الخبر هكذا عادي لأنها ليست المرة الأولى التي تخرج فيها دورية لحرس السواحل في مطاردة قوارب لمهاجرين غير شرعيين، وليست المرة الأولى التي تحبط فيها محاولة هجرة غير شرعية، كما أنها ليس المرة الأولى التي يقارب فيها عدد الشباب الهارب في سفرية واحدة مائة شخص، وهي ليست المرة الأولى أيضا التي تسفر فيها العملية عن حالات وفاة. الأخطر في هذه الرحلة الفاشلة من أحد شواطئ عنابة الجزائرية إلى جزيرة سردينيا الإيطالية هو ما أوردته تقارير بعض الصحف المحلية. وأكتفي هنا بما نقلته صحيفة 'الشروق'. فقد ذكر التقرير الأول نقلا عن جهات رسمية أن وحدتين بحريتين من حرس الحدود رصدتا ثلاثة قوارب خشبية في حالة خروج غير شرعي من المياه الإقليمية الجزائرية فسارعتا إلى مطاردتها وكان على متن هذه القوارب الثلاثة 81 شخصا، وعندما أحاطت القوات الجزائرية بالقوارب رفض اثنان منهما الاستسلام فقرر من فيهما أن ينفذا عملية انتحارية ضد العائمتين البحريتين التابعتين لخفر السواحل، فكانت النتيجة تحطم القاربين وغرق من فيهما ولم يكن أمام حرس السواحل إلا الإسراع في انتشال الغرقى وقد توفيّ واحد منهم. ثم تبين في ما بعد (وفقا للرواية الأولى دائما) أن القاربين قرّرا مهاجمة العائمتين من أجل السماح للقارب الثالث بالفرار وإكمال الرحلة، لكنه سرعان ما حوصر هو الآخر وأعيد جميع من فيهم سالمين إلى عنابة في انتظار تقديمهم أمام المحكمة وتكرار بعض منهم محاولة أخرى للهرب. وقد صرح مسؤول في الوحدة البحرية التي أحبطت المحاولة أن ملاك القوارب الذين يشتغلون في التهريب هم الذين قرروا إغراق القاربين محاولة للنجاة من محاكمتهم وهم في العادة (والكلام للمسؤول) لا يعبؤون بحياة عملائهم بقدر ما تهمهم النجاة ومواصلة نشاطهم.

أما الرواية الثانية التي نقلها مراسل الصحيفة في عنابة فجاءت على لسان أحد الناجين في تلك المحاولة (اسمه هبير عبد المجيد وعمره 23 سنة)، وفيها يؤكد أن الشباب تعرض لاعتداء حرس السواحل والقاربان تحطما على أيدي هؤلاء وأن هناك شابين قُتلا خلال تدخل حرس السواحل جثة أحدهما لا تزال في البحر. يقول عبد المجيد في شهادته إن (عناصر البحرية وجّهوا لنا سيلا من السب والشتائم، ثم رمونا بالماء الساخن، لإرغامنا على التوقف، وطالبونا برفع أيدينا، ثم قذفونا بقطع حديدية وقضبان من مختلف المعادن، قبل أن يطفئوا الأضواء، لتتجه العائمة صوبنا مباشرة مما أدى إلى تحطيم القارب كلية، وسقوطنا في عرض البحر)، ويضيف، وفق ما ورد في الصحيفة، أنه وقبل ارتطام العائمة بالقارب، رشقوه وشابا من الجزائر العاصمة يدعى (إسلام) كان يحاول تصوير وقائع الحادثة بالهاتف النقال، على مستوى الرأس، مما أدى إلى إصابة (عبد المجيد) بجروح خطيرة على مستوى جبهته، في حين أصيب (إسلام) على مستوى الأذن اليمنى، مما تسبّب في وفاته بعين المكان، قائلا أنا من أغمضت له عينيه وقرأت عليه الشهادة، مضيفا بأسى وحسرة شديدين لما أخذونا على متن العائمة البحرية، كان (إسلام) والضحية (إكرام حمزة) قد سقطا في الماء، وتمّ انتشال (حمزة) في حين لم تنتشل جثة إسلام، فأشعرت عناصر البحرية بالقضية، هناك قتيل آخر في عرض البحر، وتدخل ابن خالته 'حضارات إنه وليد خالتي، لا تتركوه، لقد كان معي على متن القارب' إلا أن المؤسف، يقول عبد المجيد 'ان قيادة العائمة لم تول اهتماما لصرختنا، مضيفا أن (عناصر البحرية استعملوا معنا العنف، وختم حديثه قائلا 'انقلوا شهادتي كما هي وأنا سأتحمّل مسؤوليتي، لن أسكت عن الذي وقع، سنرفع دعوى قضائية، ضد المتسببين والقيام بحركة احتجاجية وتنديدية، لأن من لم يمت منا أصيب بعاهات مستديمة، هناك من قصم ظهره، ومن بترت رجلاه، وغيرها من الصور التي يندى لها الجبين'.

كلام يندى له الجبين فعلا. وسواء كانت الرواية الرسمية صحيحة أي أن القاربين هما اللذان اصطدما بإرادتهما بعائمتين حرس السواحل البحريتين أم رواية شاهد العيان، فإن الأمر يبقى في غاية الخطورة. أن يصل الوضع إلى تفضيل الانتحار على العودة إلى البلد أو إلى قتل شباب لم يحاول الثورة والانقلاب على حكومته ولم يلحق أذى بأحد إلا بنفسه، فذلك هو أسوأ شيء يمكن أن نتوقعه في مسلسل القطيعة الشاملة بين شعب يائس ونظام ختم على قلبه وسمعه وعلى بصره غشاوة.
ولن نستغرب يوما إذا سمعنا أن الحكومة الجزائرية الموقرة قررت أن تقيم على طول حدودها البرية والبحرية حائطا يشبه حائط برلين المنهار أو حاجزا من الأسلاك الكهربائية مثل خطي شال وموريس اللذين زرعهما الاستعمار الفرنسي على الحدود الشرقية والغربية للجزائرية منعا لتنقل مجاهدين ثورة التحرير ولتهريب السلاح إلى الجزائر من بلدان الجوار. الحكومة فكرت في كل الحلول الردعية والترغيبية ولا غرابة أن تفكر في مثل هذا الحل الاستئصالي، ما دامت عاجزة عن التفكير في حل لأسباب الظاهرة وجذورها.

كاتب وصحافي جزائري