الجهود السلفية لعصمة دماء الجزائر الطاهرة الزكية 10
24-09-2007, 02:35 PM
فتوى نقلت عن الشيخ العثيمين رحمه الله في كتاب فتاوى العلماء الأكابر لعبد المالك الجزائري ، والكتاب صدر قبل وفاة الشيخ رحمه الله :
".....................
فتوى فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين
بقية السلف حفظه الله

عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية
وإمام وخطيب بالمسجد الكبير بعنيزة وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فرع القصيم
سألتُ فضيلة الشيخ ابن عثيمين عن مسألة الخروج على الحكام فقال:‎
أوَّلاً: لا يجوزُ الخروجُ على الأئِمَّة ومنابذتُهم إلا حين يكفرون كفراً صريحاً لقول النبي r: (( إلا أن تروا كفراً بواحاً ... )) الحديث متفق عليه([1]).
ثانياً: العلم بكفرهم، والعلماء هم الذين يقدّرونه، وأنا لا أَقْدر على أن أحكم على حكوماتكم؛ لأنَّنِي لا أعرفها، وفي الحديث السابق:
(( عندكم فيه من الله برهان )).

ثالثاً: تحقّق المصلحة في ذلك وانتفاء المفسدة([2])، وتقديرها لأهل العلم أيضاً.
رابعاً: القدرة لدى المسلمين على إزاحة الحاكم الكافر.
ثم قدّم نصيحة ذهبيّة ـ حفظه الله ـ فقال ما معناه: (( وعلى كل حال، فهذا الكلام نظريّ؛ لأنّ الغالب أنّ الشّوكة والقوّة لهذه الحكومات،
وأنا أنصح بالرويّة والدعوة بالحكمة وترك الدّخول في هذه المواجهات ... إلخ ))(
[3]).



* * *



قيد خامس مهمّ
الغالب على مُحْدِثي الثورات أن يَدخلوها من باب التصعيد السياسي، فما تكاد تقوم فتنةُ إراقة الدِّماء إلاَّ على أنقاض السياسة، ولَمَّا كان الغالبُ على الحُدثاء في أسنانهم وعلمِهم وُلوجَ هذا الباب من غير تهيُّب ولا تورُّع فإنَّ الشيخَ اشترط فيمن يُمارس السياسة أن يكون من أهل العلم الذين بلغوا درجة الاستنباط؛ بدليل قوله: (( السياسة لها قوم، والدين له قوم؛ وقد أشار الله إلى هذا في قوله تعالى: {وإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} ... [النساء 83].
وليس قولي هذا فصل السياسة عن الدين أبداً! الدينُ نفسُه سياسة ))([4]).



* * *



هل أَمَر ابنُ عثيمين بِمُواجهة النِّظام الجزائري؟
· وسُئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين في شوال (1414هـ) عمَّا يأتي([5]):
وهل كذلك أنكم قلتم باستمرار المواجهة ضد النظام بالجزائر؟
فأجاب: (( ما قلنا بشيء من ذلك! )).
قال السائل: في اشتداد هذه المضايقات هل تُشرَع الهجرة إلى بلاد الكفر؟
قال: (( الواجبُ الصبر؛ لأن البلاد بلاد إسلام، يُنادَى بها للصلوات وتقام فيها الجمعة والجماعات، فالواجب الصبر حتى يأتي الله بأمره ))([6]).



* * *
فتواه في المظاهرات
· سُئل أيضاً في محرّم (1416هـ) عمَّا يأتي:
ما مدى شرعية ما يسمّونه بالاعتصام في المسـاجــد وهم ـ كما يزعمون ـ يعتمدون على فتوى لكم في أحوال الجزائر سابقاً أنَّها تجوز إن لم يكن فيها شغب ولا معارضة بسلاح أو شِبهِه، فما الحكم في نظركم؟ وما توجيهكم لنا؟
فأجاب:
(( أمَّا أنا، فما أكثر ما يُكْذَب عليَّ! وأسأل الله أن يهدي من كذب عليَّ وألاّ يعود لمثلها.
والعجبُ من قوم يفعلون هذا ولم يتفطَّنوا لما حصل في البلاد الأخرى التي سار شبابها على مثل هذا المنوال! ماذا حصل؟ هل أنتجوا شيئاً؟
بالأمس تقول إذاعة لندن: إن الذين قُتلوا من الجزائريين في خلال ثلاث سنوات بلغوا أربعين ألفاً!([7]) أربعون ألفاً!! عدد كبير خسرهم المسلمون من أجل إحداث مثل هذه الفوضى!
والنار ـ كما تعلمون ـ أوّلها شرارة ثم تكون جحيماً؛ لأن الناس إذا كره بعضُهم بعضاً وكرهوا ولاة أمورهم حملوا السلاح ـ ما الذي يمنعهم؟ـ فيحصل الشرّ والفوضى ...
وقد أمر النبيّ عليه الصلاة والسلام من رأى من أميره شيئا يكرهه أن يصبر([8])، وقال: (( من مات على غير إمام مات ميتة جاهلية ))([9]).
الواجب علينا أن ننصح بقدر المستطاع، أما أن نُظْهر المبارزة والاحتجاجات عَلَناً فهذا خلاف هَدي السلف، وقد علمتم الآن أن هذه الأمور لا تَمُتّ إلى الشريعة بصلة ولا إلى الإصلاح بصلة، ما هي إلا مضرّة ...
الخليفة المأمون قَتل مِن العلماء الذين لم يقولوا بقوله في خَلْق القرآن([10])، قتل جمعاً من العلماء وأجبر الناسَ على أن يقولوا بهذا القول الباطل، ما سمعنا عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة أن أحداً منهم اعتصم في أي مسجد أبداً، ولا سمعنا أنهم كانوا ينشرون معايبه من أجل أن يَحمل الناسُ عليه الحقد والبغضاء والكراهية ...([11]).
ولا نؤيِّد المظاهرات أو الاعتصامات أو ما أشبه ذلك، لا نؤيِّدها إطلاقاً، ويمكن الإصلاح بدونها، لكن لا بدّ أن هناك أصابع خفيّة داخلية أو خارجية تحاول بثّ مثل هذه الأمور ))([12]).

([1]) تأمَّل هذا، وعُضَّ عليه بالنواجذ، فإنَّ النبيَّ r يُعلِّق الخروجَ على كفر الحاكم، وأكثر الثوار اليوم يُعلِّقونه على المصلحة والمفسدة، وفي هذا مخالفةٌ صريحةٌ للرسول r.
ثمَّ جرت عادةُ الله في هؤلاء أنَّ كلَّ من علَّق الخروجَ على المصلحة والمفسدة أَوْشَكَ على الخروج، فتدبَّر حكمةَ الشريعة!
ولا بدَّ من تذكير القارئ بأنَّني تعمَّدتُ نقلَ إجماع هؤلاء العلماء الثلاثة الأكابر ـ ابن باز والألباني وابن عثيمين ـ على تعليق الخروج على الكفر؛ حتى لا يقول قائلٌ غيرَه، وقد قيل مع الأسف!
قال الشوكاني ـ رحمه الله ـ في السيل الجرار (4/556): (( لا يجوز الخروجُ على الأئمَّة وإن بلغوا في الظلم أيَّ مَبلَغ، ما أقاموا الصلاة، ولَم يَظهر منهم الكفرُ البَواح، والأحاديث الواردة في هذا المعنى متواترة؛ ولكن على المأموم أن يُطيعَ الإمامَ في طاعة الله ويعصيه في معصية الله؛ فإنَّه لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق )).

([2]) أي بعد التحقُّق من الشرطين السابقين؛ فإنَّ النظر في المصلحة والمفسدة وكذا القدرة، كلُّ ذلك لا يحلُّ إلاَّ إذا تحقَّق الشرطان السابقان، فتذكَّر!

([3]) عرضتُ هذه الفتوى على الشيخ وأقرَّها. انظر: كتابي مدارك النظر في السياسة (ص:19) ط ـ الثانية.

([4]) من شريط مسجّل باسم((لقاء أبي الحسن المأربي مع الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين)).

([5]) من شريط سمعي بعنوان: (( فتاوى الأكابر في نازلة الجزائر )).

([6]) قال أبو بكر الإسماعيلي المتوفى سنة (371هـ) في كتابه (( اعتقاد أئمة أهل الحديث )) (ص:76): (( ويَروْن الدارَ دارَ الإسلام لا دار الكفر ـ كما رأته المعتزلة ـ ما دام النِّداء بالصلاة والإقامة ظاهرين، وأهلها ممكَّنين منها آمنين )).

([7]) هذا قبل أربع سنوات، أمَّا اليوم فقد ذكرت الإحصائيات الرسمية أنَّها زادت على هذا العدد ثلاث مرَّات، والله أعلم بِمَن لَم يُعرف عنه خبر، ولا وُجد له أثر!

([8]) يريد قول النبيِّ r: (( مَن رأى من أميره شيئاً يكرهه فلْيصبِر عليه؛ فإنَّه مَن فارق الجماعةَ شبراً فمات إلاَّ مات ميتة جاهلية ))، رواه البخاري (7054)، ومسلم (1849) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عقب حديثٍ بهذا المعنى: (( وهذا نهيٌ عن الخروج على السلطان وإن عَصى )). منهاج السنة (3/394).

([9]) رواه أحمد (4/96)، وابن أبي عاصم في السنة (1057)، وأبو يعلى (7357)، وابن حبان (4573)، والطبراني (19/769) من حديث معاوية رضي الله عنه، وهو صحيح.
ووردت أحاديثُ بمعناه في البخاري (7054)، ومسلم (1848 ـ 1851) وغيرهما.

([10]) القول بأنَّ (القرآن مخلوق) كفرٌ أكبر بإجماع السلف. انظر: كتاب الشريعة للآجري (1/489 ـ 550).

([11]) قد كان الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ يُعذَّب ويُسجن من أجل أن يقول كلمةَ الكفر السابقة، وكان مع ذلك يُحرِّم الخروجَ على مَن عذَّبه في ذلك، روى حنبل بن إسحاق في محنة الإمام أحمد (ص:70 ـ 72)، والخلاَّلُ في السنة (90) بسند صحيح، قال حنبل: (( في ولاية الواثق اجتمع فقهاءُ بغداد إلى أبي عبد الله (أي أحمد بن حنبل): أبو بكر بن عبيد وإبراهيم بن علي المطبخي وفضل بن عاصم، فجاؤوا إلى أبي عبد الله، فاستأذنتُ لهم، فقالوا: يا أبا عبد الله! هذا الأمر قد تفاقم وفَشَا ـ يَعنون إظهارَه لخلق القرآن وغير ذلك ـ فقال لهم أبو عبد الله: فما تُريدون؟ قالوا: أنْ نُشاوِرَك في أنَّا لسنا نرضى بإمْرَته ولا سلطانه، فناظرهم أبو عبد الله ساعة، وقال لهم: عليكم بالنُّكرة بقلوبكم ولا تخلعوا يداً من طاعة، ولا تَشُقُّوا عصا المسلمين ولا تسفِكوا دماءَكم ودماءَ المسلمين معكم، انظروا في عاقبة أمرِكم، واصبروا حتَّى يَستريح بَرٌّ أو يُستراح من فاجر، ودار في ذلك الكلام كثير لَم أحفظه، ومَضوا.
ودخلتُ أنا وأبي على أبي عبد الله بعد ما مضوا، فقال أبي لأبي عبد الله: نسأل اللهَ السلامةَ لنا ولأمَّة محمد، وما أحبُّ لأحدٍ أن يفعل هذا، وقال أبي: يا أبا عبد الله! هذا عندك صواب ـ يعني الخروج ـ؟ قال: لا! هذا خلافُ الآثار التي أُمرنا فيها بالصبر، ثمَّ ذكر أبو عبد الله قال: قال النبيُّ r: (( إن ضربَك فاصبِر وإن .. وإن ... فاصبر ))، [رواه أحمد (5/403)، ومسلم (1847)] فأمر بالصبر ... )). اهـ كلام أحمد.
تأمَّل هذا النَّفَس النوراني، وهذه المتابعة المحضَة لأحاديث رسول اللهr، ونسيان حظِّ النفس في الانتقام لها، مع أنَّه ـ رحمه الله ـ دُعي للكفر الأكبر، بل سُجن وضُرب بسبب إبائه!!
فأين هذا الإخلاص عند هؤلاء الأوباش من (الحركيِّين) الذين يتحرَّكون بغير نصوص الشرع، وينتصرون لأنفسهم ويتظاهرون بالغيرة على الدِّين؟!
إنَّما الغيرة على الدِّين بالتزام نصوصه والوقوف عند أحكامه.
والعجبُ العُجاب أنَّ الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ في الوقت الذي كان ينهى عن الخروج على الأئمة كان يُحرِّض على قتال الخارجين، فقد روى الخلاَّلُ في السنة (115 ـ 119) بأسانيد يُصحِّحُ بعضُها بعضاً، منها رواية حسين الصائغ حيث قال: (( لَمَّا كان أمرُ بابِك (أي الذي خرج على بني العباس) جعل أبو عبد الله يُحرِّض على الخروج إليه، وكتب معي كتاباً إلى أبي الوليد وإلى البصرة يُحرِّضهم على الخروج إلى بابك )).
وأعجب العُجاب أنَّ بابك الخُرَّمي هذا خرج على المأمون والمعتصم، وهما اللذان امتحنا الإمام أحمد امتحاناً شديداً وعذَّباه عذاباً نُكراً، فلم يمنعه انتصارُه لنفسه من الانقياد للحقِّ؛ لأنَّه لا مَهرب لِمُنشد الحقِّ من التحاكم إلى الكتاب والسنة.
فتدبَّر نهيَه عن الخروج عمَّن دعاه إلى الكفر وسخَّر سلطانَه للدفاع عنه وعذَّبه فيه، ولَمَّا ظهر مَن يَخرج عليهم لَم يستنكف أن يكون واحداً من الرعيَّة، بل مُحرِّضاً على قتال الخارج على الذين عذَّبوه من ذوي السلطان!!
فتدبَّر هذا لتُدرك عِزَّة الإخلاص، والأمر لله!
بل كان ـ رحمه الله ـ يرى أنَّ قتالَ الخارجين أَوْلَى من غزوِ الكفار؛ فقد روى الخلاَّلُ في السنة (120) بسند صحيح عن أبي بكر بن حماد قال: (( سألتُ أبا عبد الله أحمد بن حنبل: الرجلُ إذا أراد الغزوَ، وكان إذ ذاك الخُرَّميَّة (أي أتباع بابك الخُرَّمي الخارجي) قلت: فإلى أيِّ الوجهتين أحبُّ إليك؟ قال: وأين مسكن الرجل؟ قلت: في هذه المدينة، وأشار نحو الخُرَّميَّة ))، يعني أشار عليه بقتال هؤلاء الخارجين، فتدبَّر!
قال العلا‍َّمة محمد الأمين الشنقيطي ـ رحمه الله ـ في أضواء البيان (1/57 ـ 58):
(( والتحقيق الذي لا شكَّ فيه أنَّه لا يجوز القيام عليه إلاَّ إذا ارتكب كفراً بَواحاً عليه من الله برهان ... ))، ثم ساق الأحاديث في الباب، وقال (1/58 ـ 59): (( والأحاديث في هذا كثيرة، فهذه النصوص تدلُّ على منع القيام عليه، ولو كان مرتكباً لِما لا يجوز، إلاَّ إذا ارتكب الكفرَ الصريح الذي قام البرهان الشرعيُّ من كتاب الله وسنَّة رسوله r أنَّه كفر بواحٌ، أي ظاهر بادٍ لا لَبْس فيه.
وقد دعا المأمونُ والمعتصمُ والواثقُ إلى بدعة القول (بخلق القرآن)، وعاقبوا العلماءَ من أجلها بالقتل والضرب والحبس وأنواع الإهانة، ولَم يقُل أحدٌ بوجوب الخروج عليهم بسبب ذلك، ودام الأمرُ بضع عشرة سنة، حتى ولِي المتوَكِّل الخلافةَ، فأبطل المِحنةَ، وأمر بإظهار السُنَّة )).
واعلم أنَّ تَوَرُّعَ أهل العلم عن تكفير هؤلاء الخلفاء الذين امتَحنوا الناسَ ببدعة خلق القرآن ـ وهي كفرٌ كما تقدَّم ـ هو قيام الشبهة المانعة من تكفيرهم، ولا سيما عند خفاء آثار النبوة واستشراء الجهل وتزيين الباطل من قِبل مفتيهم وقضاتهم، الذين يُحسِّنون بهم الظنَّ؛ لأنَّهم بمثابة المقلِّد مع العالم، ومذهب المقلِّد مذهبُ مفتيه كما هو معلوم.
قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: (( فإنَّ الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقول به، والذي يُعاقب مُخالفَه أعظم من الذي يدعو فقط، والذي يُكفِّر مخالِفَه أعظم من الذي يُعاقبه، ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية: (إنَّ القرآن مخلوق)، و(إنَّ الله لا يُرى في الآخرة)، وغير ذلك، ويَدْعون الناسَ إلى ذلك، ويمتحنونهم، ويُعاقبونهم إذا لَم يجيبوهم، ويُكفِّرون مَن لَم يُجبهم، حتى إنَّهم كانوا إذا أمسكوا الأمير لَم يُطلقواه حتى يُقِرَّ بقول الجهمية: (إنَّ القرآن مخلوق)، وغير ذلك، ولا يولون متوَلِّياً ولا يُعطون رزقاً من بيت المال إلاَّ لِمن يقول ذلك، ومع هذا فالإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ ترحَّم عليهم، واستغفر لهم؛ لِعِلمِه بأنَّهم لَم يُبيَّن لهم أنَّهم مُكذِّبون للرسول، ولا جاحدون لِما جاء به، ولكن تأوَّلوا فأخطأوا، وقلَّدوا من قال لهم ذلك )). مجموع الفتاوى (23/348 ـ 349).
واعلم أنَّ إطلاقَ التكفير ليس كتعيينه، فليس من وقع في الكفر كمن وقع الكفرُ عليه؛ لأنَّ الحكم بالكفر على المعيَّن قد يتخلَّف لتأويل أو شبهة أو إكراه، ولذلك تجدُ السلفَ كفَّروا فِرَقاً من المسلمين بإطلاق، كالجهميَّة والرافضة، ولكنَّهم لَم يُعيِّنوا بالكفر إلاَّ أناساً معدودين جدًّا صرَّحوا بشناعات، وناظرهم علماءُ السنة، وأقاموا عليهم الحُجَّة، كبشرٍ المريسي، والجعد بن درهم، وحفص الفرد ـ على خلاف ـ والحلاَّج. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (23/349).
قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: (( مع أنَّ أحمد لَم يُكفِّر أعيان الجهمية، ولا كلَّ مَن قال إنَّه جهميٌّ كفَّره، ولا كلَّ مَن وافق الجهمية في بعض بدعهم، بل صلَّى خلف الجهميَّة الذين دَعَوْا إلى قولهم وامتحنوا الناسَ، وعاقبوا مَن لم يُوافقهم بالعقوبات الغليظة، لَم يُكفِّرهم أحمدُ وأمثالُه، بل كان يعتقد إيمانَهم وإمامَتهم ويدعو لهم، ويرى الائتمامَ بهم في الصلوات خلْفهم والحجَّ والغزوَ معهم، والمنعَ من الخروج عليهم، ما يراه لأمثالهم من الأئمة.
ويُنكر ما أَحْدَثوا من القول الباطل الذي هو كفرٌ عظيم، وإن لَم يَعلَموا هم أنَّه كفرٌ، وكان يُنكره ويُجاهدهم على ردِّه بحسب الإمكان، فيجمع بين طاعة الله ورسوله في إظهار السنَّة والدِّين وإنكار بدع الجهميَّة الملحدين، وبين رعاية حقوق المؤمنين من الأئمَّة ـ أي الأمراء ـ والأمَّة، وإن كانوا جُهَّالاً مبتدعين وظلمةً فاسقين )). مجموع الفتاوى (7/507 ـ 508).
فتأمَّل هذا؛ فإنَّه نفيسٌ، وبه تنجُ بإذن الله من ورْطة تكفير المعيَّن بغير حقٍّ، واسْتَتِر بستار أهل العلم في هذا، وقلِّدهم أمرَه، واقتصِد في البحث عن مسائل التكفير، وإذا كان لا بدَّ من شيء منه فأجمِل كما أجْمَل السلف، تنجُ بإذن الله، ولا سيما تكفير الولاة، فقد سبق أنَّ أثرَه الآن غير ذي بال، كما ذكر ذلك العلاَّمة الألباني، وبيَّنتُ وجهَه في المقدِّمة، والله العاصم.

([12]) جريدة (( المسلمون )) عدد (540) ص (10) ـ الجمعة (11 المحرم 1416هـ)........................................... .................................................. .."