موجز:بدايات الطباعة العربية/أ. فارس بوحجيلة
10-10-2009, 10:44 AM
موجز:

بدايات الطباعة العربية


أ. فارس بوحجيلة


باحث


يسوق البعض اتهامات عن معارضة الأزهر والمؤسسات الدينية "الإسلامية" في بداية القرن التاسع عشر وقبلها للطباعة، نتيجة الوقوف في وجه التقدم باسم فهم محدد للدين، حيث يستندون أيضا إلى قرار السلطان العثماني "بايزيد"، ثم يتساءلون: "فما الذي كان يمكن طبعه ونشره في ذلك العصر سوى الخزعبلات والتخاريف التي لم يكن من شأنها سوى زيادة توسيع الجهل ونشر الخرافات؟" (*).
أما الحديث عن انعدام ما يصلح للطباعة هو أمر مبالغ فيه لا محالة، فتأخر دخول الطباعة لا يعني عدم الاهتمام أو قلّته بالكتاب والمكتوب، فحتى تتاح "الرقاع" للمهتمين في تلك العصور راجت صنعة الوراقة والنّساخة أيما شيوع، فقد اهتم الوزراء والأمراء والملوك بتعدد النسخ للكتاب الواحد، فبحسب ما يذكره المقريزي أنه كان في خزانة "العزيز بالله"، ثلاثون نسخة من "كتاب العين" للخليل، ومائة نسخة من "الجمهرة" لابن دريد، وكان في مكتبات الفاطميين ألف ومائتي نسخة من "تاريخ الطبري"، ويكفي عدد المصاحف المخطوطة التي لا تزال محفوظة في مكتبات العالم أو النسخ المخطوطة لصحيحي البخاري ومسلم، كما لا أفوت الإشارة إلى كتاب قيّم للعلامة المغربي محمد بن عبد الهادي المنوني المعنون بـ: "تاريخ الوراقة المغربية" يتناول صناعة المخطوط المغربي من العصر الوسيط إلى الفترة المعاصرة (1956) فيعدّد أكثر من ستمائة ناسخ محترف في المغرب الأقصى وحده لا تزال مخطوطاتهم محفوظة إلى يومنا الحاضر، دلالة على القدر العالي من الاهتمام بالمخطوط، فعلى الرغم من الضعف أو الانحسار العلمي والفكري إلا أن هيبة الكتاب والمكتوب ظلت محفوظة.
مع ظهور الطباعة سنة 1436 أو 1437 على يد يوهان جوتنبرج، ظهرت حروف الطباعة العربية أول الأمر على يد كاهن دومينيكي: "مارتان روث"، سنة 1486 أي بعد حوالي نصف قرن من ميلاد الطباعة، حيث طبع كتاب "برنارد دي برايد نباخ" في وصف رحلته إلى الأماكن المقدسة. وبعد سقوط الأندلس أراد الملكان الكاثوليكيان فردينان وزوجته إيزابيلا فرض المسيحية على المسلمين، فكلف المطران "فرناندودي تلا فيرا" رجلا اسمه "خوان فاليرا" سنة 1505بطبع كتابين للمبشرين الذين يجهلون العربية، وكان عنوان الأوّل: "وسائل تعلم اللغة العربية ومعرفتها"، والثاني: "معجم عربي بحروف قشتالية". أما أوّل مطبوع مصور فكان "الإنجيل" سنة 1591 بمطبعة "آل مديتشي"، يجب الإشارة هنا إلى أن إدخال الحروف العربية للطباعة كان لأهداف تبشيرية. كما تعد إيطاليا هي مهد الطباعة العربية حيث انتشرت بها المطابع العربية في القرن السادس عشر، فكان أول ما طبع فيها من التراث العربي "الكافية" في النحو لابن الحاجب سنة 1592، ومؤلفات ابن سينا بداية بكتاب "القانون" سنة 1593، وتلته "المنطق"، "الطبيعة" و"النجاة".
أما طباعة "القرآن الكريم"، فمع ظهور مطبعة البندقية تمت طباعته أول مرة سنة 1516 أو 1530، لكن أغلب نسخه صودرت وأتلفت بدوافع تعصبية، تلاها طبع "توما إيربنيوس" لسورة يوسف مع ثلاث ترجمات لاتينية وشروح في "ليدن" سنة 1617، لتتعدد طبعات سور متفرقة من القرآن الكريم، وجاءت أول طبعة لنص القرآن كاملا سنة 1694 على يد "أبراهام لنكلمان" (1652-1695) في همبورغ بألمانيا بحيث جاءت في 560 صفحة. بعدها تعددت الطبعات و"محاولات" الترجمة والشرح لنص القرآن الكريم. فيما يخص طبعات القرآن الكريم بالبلاد الإسلامية فكانت أولاها في كلكتا سنة 1831، بومباي سنتي 1853 و 1865،... والقاهرة سنة 1869.
بالعودة إلى تاريخ الطباعة في الشرق، فالأستانة تعدّ السباقة إلى ذلك، حيث طبعت ترجمة التوراة باللغة العربية سنة 1551 لكن بحروف عبرية (؟)، فقد "تردّد" الناس وليس "منعوا" من طباعة كتب الآداب والعلوم إلى غاية صدور فتوى "شيخ الإسلام" عبد الله أفندي سنة 1716، كما تأخر طبع الكتب الدينية خوفا واحترازا من التحريفات إلى وقت لاحق.
دخلت الطباعة لبنان سنة 1610 حيث طبعت "المزامير" بالسريانية والكرشونية (وليس بالعربية)، أما الحروف العربية فقد أدخلها عبد الله بن زخريا –الزاخر- (1680-1748) حيث أنشأ مطبعته بدير ماريو حنا الصايغ سنة 1734 وأول ما طبع فيها كان كتاب "ميزان الزمان"، بعدها أنشأ مطبعة أخرى "الشوير" التي اختصت بالكتب المسيحية. أما دور كتب الأدب والتاريخ فلم يحن إلا مع سنة 1753 ببيروت في مطبعة القديس جاورجوريوس للروم الأورثودوكس.
الملاحظ أنه وإلى غاية منتصف القرن الثامن عشر أتسمت جميع مبادرات إدخال الطباعة بالحروف العربية في العالم الإسلامي بصبغة دينية مسيحية، كما أنها كانت محتشمة وقليلة الإنتاج. لم تتخلص هذه المطابع من صبغتها هذه إلا مع إنشاء المطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين سنة 1854 التي استطاعت التخلص من ذلك تدريجيا باتجاهها إلى نشر الكثير من أصول اللغة والأدب، ثم أنشأ بطرس ابن بولس البستاني مطبعة "المعارف" فنشرت دائرة المعارف للبستاني، محيط المحيط، وديوان الأخطل.
أما باقي الأقطار العربية، فقد دخلت الطباعة الحجرية إلى العراق سنة1830 ولم تتطور إلا بتأسيس الرهبان الدومينيكان مطبعتهم الكاملة في الموصل سنة 1865، كذلك دخلت الطباعة فلسطين سنة 1830، واليمن سنة 1877، والحجاز سنة 1882، وعمّان سنة 1822.
يجب الإشارة للدور الرائد الذي قام به أحمد فارس الشّدياق (1804-1887)، وهو لبناني مسيحي أسلم بتونس كما يعد من كبار علماء اللغة والأدب في زمنه، فبعد زيارته لأوربا أدار لبعض الوقت المطبعة الأمريكية للمبعوثين الأمريكان التي أنشئت سنة في 1822 بقبرص ثم نقلت إلى لبنان سنة 1834. وبعد دعوته للأستانة أنشأ مطبعة "الجوائب" سنة 1860 فأصدر بها صحيفته التي صمدت لما يزيد عن ثلاث وعشرين سنة، كما طبع بها كتبه والكثير من كتب العربية.
في مصر دخلت المطبعة مع حملة نابليون سنة 1798، حيث تم طبع المنشورات والأوامر العسكرية على سفينة في عرض البحر. كانت هذه المطبعة مجهزة بالحروف الفرنسية والعربية واليونانية، وبعد اقتحام الحملة للإسكندرية نقلت إلى القاهرة وسميت "المطبعة الأهلية" لتستمر في العمل إلى غاية سنة 1801 بجلاء الحملة الفرنسية، فكما هو بين كان الغرض من هذه المطبعة عسكريا بحتا بحيث لم يطبع فيها بالإضافة إلى الأوامر والمنشورات سوى "أمثال لقمان الحكيم" وبعض الرسائل في النصائح الطبية.
أما الطباعة بوجهها العربي لم تظهر في مصر إلا بعد إنشاء محمد علي باشا بين سنتي 1819 و1821 مطبعته الأهلية المقامة على أنقاض مطبعة الحملة الفرنسية، ثم نقلت إلى "بولاق" وسميت بذلك في البداية لتحمل اسم "المطبعة الأميرية" فيما بعد. هذه المطبعة عنيت منذ أيامها الأولى بإحياء التراث العربي، من خلال نشر مئات الكتب والموسوعات في العلوم الدينية والأدب واللغة والتاريخ ومختلف أصناف العلوم، يعجز في أيامنا هذه أغلب الناشرين الكبار عن التصدي لتكاليفها تحقيقا وطباعة وتوزيعا. فيما يخص إنتاج هذه المطبعة فقد تجاوز مجموعه الستمائة ألف نسخة خلال سبعة عقود من إنشائها وهو عدد ليس باليسير بمعايير ذلك الزمن. كما تميز بطابعه العربي الإسلامي حيث رافقتها توجيهات مشايخ وعلماء الأزهر الشريف في ذلك، مع عدم التفريط في التفتح على العلوم والفنون التي ازدهرت في أوربا واكتسبت الطابع الغربي، وقد تحقق ذلك من خلال نشر الكتب المترجمة في مختلف فروع العلوم والفنون بفضل أعضاء بعثات محمد علي إلى أوربا، أثناء ذلك ظهرت في مصر العديد من المطابع الأهلية.
بعد هذا الاستقصاء الموجز لتاريخ الطباعة العربية، أليس من التّجني تسبيب هذا التخلف عن ركب الطباعة بالمنع الديني؟
الطباعة يجب النظر إليها كتقنية تنتج وسائط اتصال متمثلة في الكتب ومختلف المطبوعات تقابلها في أيامنا هذه الوسائط الرقمية مثلا، فهل نستطيع تبرير التخلف في هذا المجال بالمنع الديني؟ وهل من الممكن دائما تبرير تخلفنا عن التكنولوجيات الحديثة بمنع ديني؟


(*): ب. علاوة، "الرّقاع المحرّمة"، الخبر الأسبوعي، عدد549 من 2 إلى8 سبتمبر 2009.
المراجع:
(1) محمد بن عبد الهادي المنوني، تاريخ الوراقة المغربية، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية-جامعة محمد الخامس، الرباط 1991.
(2) د. محمود محمد الطناحي، مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي مع محاضرة عن التصحيف والتحريف، مكتبة الخانجي ط1، القاهرة 1984.
(3) عبد السلام هارون، التراث العربي، دار المعارف، مصر، 1978.
(4) عبد السلام هارون، تحقيق النصوص ونشرها، مطبعة المدني ط2، القاهرة 1965.
(5): عبد الرحمن بدوي، موسوعة المستشرقين: مادة "قرآن"، دار العلم للملايين ط3، بيروت 1993.
(6) محمد شفيق غربال، الموسوعة العربية الميسرة، مؤسسة فرانكلين للطبع والنشر، القاهرة 1959.