تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية أمجد77
أمجد77
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 02-04-2009
  • الدولة : أرض الله
  • المشاركات : 140
  • معدل تقييم المستوى :

    18

  • أمجد77 is on a distinguished road
الصورة الرمزية أمجد77
أمجد77
عضو فعال
أحكام صدقة الفطــــــر
21-08-2010, 02:11 AM
أحكام صدقة الفطــــــر



مقـــــــــــدمة:

إنَّ الحمدَ لله نحمده ، ونستعينه و نستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا و من
سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا الله إلا الله وحده لا شريك له، و أشهد أن محمد عبده و رسوله.
{يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله حقّ تّقاته و لا تموتنّ إلاّ و أنتم مّسلمون }
{يا أيّها الناس اتّقوا ربّكم الّذي خلقكم مّن نّفس واحدة و خلق منها زوجها و بّث منهما رجالا كثيرا و نساء واتّقوا الله الّذي تساءلّون به و الأرحام إنّ الله كان عليكم رقيبا}
{يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله و قولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم و يغفر لكم ذنوبكم و من يطع الله و رسوله فقد فاز فوزا عظيما}

أما بعد فإنَّ أصدق الحديثِ كتاب الله تعالى، وأحسنَ الهدي هدي محمد صلي الله عليه و سلّم, وشرّ الأمورِ محدثاتها و كل محدثةٍ بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النّار.

إنَّ من العبادات التي يكثُر تلبُّس النّاس بها، ويتكررُ سؤالهُم عن أحكامها في كلّ عامٍ: صــدقة الفطــــر
ولذا فإنّي استخرتُ المولى-عزّ وجلّ- في وضع رسالةٍ بين يدّيْ إخواني ، جمعتُ فيها ما تيسَّر جمعُه من أحكام هذه العبادة، وسُننها ،وآدابها ، وقد سلكتُ في ذلك سبيل التقريب والإيجاز، مُعرضاً عن التطويل وكثرة الإيعاز, ولَإِنْ كان هذا الجزءُ قد قَصُر عن بلوغِ درجة الاستقصاء والاستيعاب، فلا أقلّ مِنْ أنْ يكون كالتذكرة لي ولأمثالي في هذا الباب
ولما كانت عادة الأسلاف قد جرت بتسمية كل مصنف، فقد أسميتُ هذا العمل بــــ:
( قضــــــاء الوطـــر ببيان أحكــــام صدقة الفطــــر )

الوطر: الحاجة، أو حاجة لك فيها همٌ وعِنايةٌ، فإذا بلغتها فقد قضيتَ وطرك أنظر القاموس المحيط مادة[وطر]






وقد ضمّنتُها خمسةً من الفصول تحت كلّ فصلٍ جملة من المباحث، كما هو مُوّضّح في المخطط الآتــــــــي:

الفصـــــــل الأول: وفيه ستة مباحث وهــــــــي:

المبــــــــــــــحث الأول: تعريف صدقة الفطر لُغةً وشرعاً
المبحث الثاني: تاريخ مشروعيَّتها، ودليل ذلك
المبحث الثالث: الحكمة من مشروعيَّتها
المبحث الرابع: فضل الصدقة والبذل
المبحث الخامس: آداب الصدقة
المبحث السادس: الفرق بين الفطرة والزكاة

الفصــــــــــل الثاني : وفيه تسعة مباحث

المبحث الأول : دليل مشروعيّتها
المبحث الثاني : شروط وجوبها
المبحث الثالث: ضبط اليسار
المبحث الرابع : هل تجب على المدين؟
المبحث الخامس : هل يستدين لإخراجها؟
المبحث السادس : وقت وجوبها
المبحث السابع : آخر وقتها
المبحث الثامن : هل يجوز تعجيلها؟
المبحث التاسع : هل في الفِطرة قضاء؟

الفصـــــــل الثالث : وفيه تسعة مباحث أيضا

المبحث الأول : هل يُلزم الولد بفطرة أبويه ؟
المبحث الثاني : هل يُلزم الوالد بفطرة أبنائه ؟
المبحث الثالث : هل يُلزم الزوج بفطرة زوجه؟
المبحث الرابع : هل يُلزم بفطرة أقاربه؟
المبحث الخامس : هل يُلزم بفطرة زوجة أبيه الفقير؟
المبحث السادس : هل يُلزم بفطرة خدمه؟
المبحث السابع : هل يجب إخراجُها عن الجنين؟
المبحث الثامن : هل تجب فطرة اليتيم والمجنون؟
المبحث التاسع : بمن يبدأ في إخراج الفطرة؟

الفصــل الرابـــع : وفيه ثمانية مباحث

المبحث الأول : في مصرف الفطرة
المبحث الثاني : هل يجوز إعطاؤها للأقارب؟
المبحث الثالث : هل يجوز لمُخرج الفطرة أخذُها؟
المبحث الرابع : هل يجوز نقل الفطرة من مكان إلى آخر؟
المبحث الخامس : هل يبعث المُغْتَرب بفطرته؟
المبحث السادس : هل يجوز التوكيل في إخراج الفطرة؟
المبحث السابع : هل قَبُول صوم رمضان مُتَوَّقفٌ على إخراج الفطرة؟

الفصــــــل الخامس : وفيه سبعة مباحث :

المبحث الأوّل : مِم تُخرَج الفطرة؟
المبحث الثاني : أفضل ما يُخرَج في الفطرة
المبحث الثالث : مقدار الفطرة
المبحث الرابع : في مقدار الصاع
المبحث الخامس : من قدر على بعض الصاع
المبحث السادس : هل يجوز إخراج صاع من جِنسين مختلفين؟
المبحث السابع : هل يجوز إخراج القيمة في صدقة الفطر؟

هـــذا، وإلى الله تعالى أضرعُ أنْ يجعلها خالصةً لوجهه الكريم، مُخلّصةً من شوائبِ الريّاء ودواعي التّعظيم، وأن لا يجعل فيها لمخلوقٍ نصيب، وأنْ ينفعني بها والمسلمين، إنّه سميعٌ مجيب.







الفصــــــــــــــــــــــــــــــل الأوّل :


المبحــــــــــــث الأول : تعريف صدقة الفطر لغةً، وشرعًا

1- لـــــــــــغةً :
-الفِطر-بخفض الفاء-: هو الأكل، فتكون إضافة كلمة ( صدقة) إلى ( الفطر) من باب إضافة الشيء إلى سببه، وسُميّت بالصدقة؛ لأنّها تدل على صِدق مُخرجها
واختُلف في سبب إضافتها للفطر
فقيل: أُضيفت للفطر؛ لكونها تجب بالفطر من رمضان، وهذا الذي استظهره الحافظ ابن حجر في الفتح(3/446)
وقيل : المُراد بصدقة الفطر: صدقة النّفوس، مأخوذة من الفِطرة التي هي الخِلقة، أي أنّ الإنسان يعود إلى أصله التي فطره الله عليها، قاله ابن قُتيبة.
قلتُ: وقد تُضاف إلى الشّهر، فيُقال: صدقة رمضان، كما قال أبو هريرة-رضي الله عنه- (وكّلني رسولُ الله-صلى الله عليه وسلّم- بحفظ زكاة رمضان...) الحديث
كما تُسمى (فِطرة)-بكسر الفاء- وهي لفظة مولّدة لا عربيّة،ولا معربة،بل هي اصطلاحية للفقهاء، وكأنّها من الفِطرة التي هي الخِلقة قاله النووي في المجموع(7/184)
2- شـــــــــرعاً : هــــــــي: ( إخراج مالٍ مخصوصٍ في وقتٍ مخصوص لرجلٍ مخصوص )
أو هي ( المقدار المخرّج من نوع مخصوص بالفطر من رمضان )(1)

المبحــــــث الثانـــــــي : تاريخ مشروعيّــــــــــتها، ودليل ذلك

شُرعتْ صدقة الفطر في السنة التي فُرِض فيها صوم رمضان، وهي السنة الثانيّة من هجرة المصطفى-صلى الله عليه وسلّم- فقد خرّج ابن سعد في الطبقات بإسناده عن أبي سعيد لخدري-رضي الله عنه- قال : ( فُرِض صوم رمضان بعد ما حُوِّلتْ القِبلة إلى الكعبة بشهر، في شعبان على رأس ثمانية عشر من الهجرة، وأمر عليه السلام في هذه السنة بزكاة الفطر)(2)
قال ابن خزيمة في صحيحه(4/81) : ( باب ذكر الدليل على أنّ الأمر بصدقة الفطر كان قبل فرض زكاة الأموال) ثم روى بإسناده عن قيس بن سعد بن عبادة- رضي الله عنه- قال: ( أمرنا- صلى الله عليه وسلّم- بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة ..)الحديث، وقد خرّجه النسائي(5/49)، وابن ماجة(1828)، وأحمد في المسند(3/421)، وأبو يعلى(1434) ورجالُه رجال الصحيح إلا أبا عمّار الراوي له عن قيْس بن سعد، وهو كوفيّ اسمه عَريب ابن حميد، وثّقه ابن معين وأحمد، وقد صحّح الحافظ إسنادَه كما في الفتح(3/323) ، وكذا الألباني في صحيح ابن ماجة(1828) قال النووي في تهذيب الأسماء واللّغات(1/20) :
( وفي السّنة الثانية حُوِّلت القبلةُ إلى الكعبة، وفيها فُرض صوم رمضان, وفيها فُرضت صدقة الفطر)
وقال ابن مفلح كما في المبدع (2/384) :
(والظاهر أنّ فرضَها مع رمضان من السّنة الثانيّة من الهجرة )
وذهب بعضُ الشّافعيّة(3) إلى أنّها وجبتْ بما وجبتْ به زكاة الأموال، والصّواب ما تقدم.

المبحــــــث الثالـــــــث : الحكمة من مشروعيّتها

شرع الله-سبحانه- صدقة الفطر لحِكم عظيمة، و فوائد جليلة : 1- منها أنّها شكرٌ لله تعالى على أنْ منَّ على الصائم بتكميل صيّام شهر رمضان، وشكراً له أيضاً على أن متّعه بدوران الحول عليه، ونعم اللّه تتوالى، وأعظمها نعمة الإسلام وكفى بها نعمة .
2- أنها مواساةٌ للفقراء، ومساواةٌ لهم بالأغنياء يوم العيد، فتغنيهم هذه الصدقة عن الاشتغال بطلب القُوت، وتُخلّصُهم من مغبّةِ السُؤال في يومٍ يُحبُّ كلُّ النّاس فيه التظاهر بالغنى.
3- أنّها طهرةٌ للصائم؛ تجبر له ما وقع منه في رمضان من اللّغو والرّفث، ونحوُ ذلك، فهي لرمضان كسجدتيْ السَّهو للصلاة، كما قال وكيع بن الجراح-رحمه الله- : ( زكاة الفطرلشهررمضان، كسجدتيْ السّهو للصّلاة، تجبر نُقصان الصّوم كما يجبر السجودُ نقصانَ الصَّلاة)(4)
4- وفيها: إشاعة المحبّة وإذاعةالمودّة بين فِئات المجتمع المسلم .
5- ومنها : أنَّها تُعَوِّدُ النَّفس على البَذلِ والعَطاء في سبيل الله، وتُجنِّبها شرَّ البُخل، ومغبَّة الإمساك، والله لطيفٌ بعباده وهو الحكيم الخبير .

المبحــــــث الرابــــــع : في فضل التصدُّق والبذل

جاءت نصوصُ الوحيين طافحةً ببيان فضل التصدّق وأثرِه على المؤمن في الدنيا والآخرة، و تتبُّع المرويّ منها في ذلك لا يُحيطُ به كتاب، فكيف يُجمع في باب، ولكنّي أنثرُ من ذلك أحرفًا :
- فمن فوائدها : أنّها دافعةٌ للبلاءِ- بإذن الله تعالى-
روى الترمذي(2863) بإسناده عن الحارث الأشعري-رضي الله عنه- عن النبيّ- صلى الله عليه وسلّم - أنّه قال :
( إنّ الله سبحانه وتعالى أمر يحي بن زكرياء-عليه السلام - بخمس كلماتٍ: أنْ يعمل بها، ويأمرَ بني إسرائيل أن يعملوا بها، وإنه كاد أن يبطئ بها، فقال له عيسى- عليه السَّلام - : إنّ الله أمرَك بخمس كلماتٍ لتعملَ بها، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإمَّا أنْ تأمرَهم، وإما أن أمرَهم، فقال يحي: أخشى إنْ سبقتني بها أن يُخسف بي أو أن أُعذَب ، فجمعَ يحي النَّاسَ في بيتِ المقدس، فامتلأَ المسجدُ، وقعدوا على الشُرَف ، فقال: إنّ اللهَ- تبارك وتعالى- أمرني بخمس كلمات أن أعملهنّ ، وأمركم أن تعملوا بهنّ ..، فذكر منها ( وأمركم بالصدقة، فإنّ مثل ذلك كمثل رجلٍ أسره العدّو، فأوثقوا يديه إلى عنقه، وقدّموه ليضربوا عنُقَه، فقال: أنا أفتدي منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم..) الحديــث(5)، وإسناده صحيح كما في صحيح الجامع (1724)
قال ابن القيّم شارحاً الحديث: ( إنّ للصدقة تأثيراً عجيباً في دفع أنواع البلاء ، ولو كانت من فاجرٍ أو ظالم ، بل من كافرٍ، فإنَّ اللهَ يدفعُ بها عنه أنواعاً من البلاء ، وهذا أمر معلوم عند النَّاس خاصّتهم وعامّتهم،وأهلُ الأرض كلّهم مقرون بهم لأنّهم جربوه ) ثم قال-رحمه الله- :( ... وفي تمثيل النبي-صلى الله عليه وسلم- ذلك بمن قدم ليضرب عنقه فافتدى نفسه منهم بما له كفاية، فإنَّ الصدقة تفدي العبدَ من عذاب الله تعالى، فإنَّ ذنوبَه وخطاياه تقتضي هلاكَه فتجيء الصَّدقة تفديه من العذاب وتفكُّه منه، ولهذا قال –صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصَّحيح لما خطبَ النِّساءَ يومَ العيد: ( يا معشر النساء تصدقن ولو من حُلّيكنَّ، فإني رأيتُكن أكثر أهل النار)(6)
- ومنها : أنّها تكفِّر الخطيئة
فقد روى البخاري(1345) بإسناده عن حذيفة- رضي الله عنه - قوله- : ( فتنةُ الرجلِ في أهله وولده وجاره، تكفِّرُها الصَّلاة والصَّدقة والمعروف)
-ومنها: أنّها تطفئُ غضبَ الله كما جاء في حديث الترمذي (664) ( أنّ الصدقة تطفئُ غضب الرب) وصحّحه الألباني في الصّحيحة( 1908)
-ومنها : أنّها تكون ظِلاً لصاحبها يوم القيامة، فعن عقبة بن عامر قال سمعتُ النبي-صلى الله عليه وسلّم- يقول : ( كلُّ امرئ في ظلِّ صدقته حتى يُقْضَى بين النَّاس ) خرّجه أحمد(4/147)، وابن خزيمة في صحيحه(4/94 )،والحاكم (1/576)، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم
- ومنها: أنها تُطفئ عن أهلها حرَّ القُبور؛ لما روى الطَّبراني في الكبير(788) ،والبييهقي في الشُّعب(3347) :( إنَّ الصَّدقة لتطفئ عن أهلها حرَّ القُبور ) .

المبحــــــث الخامـــــس : آداب الصَّــــــــــــــدقة

للصدقة آدابٌ ذُكِرت في الآيات القرآنية والأحاديث النَّبوية، أذكُــر منها :
1- عدم إتباعها بالمَنِّ والأذى، قال تعالى ( الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذىً لهم أجرهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم) [ البقرة:262]
2-ومن آدابها أنْ يتيمَّم ( يقصد) الطيِّب فيُخرِجَه فيها ، قال تعالى { يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيِّبات ما كسبتم وممّا أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمّموا الخبيثَ منه تنفقون ولستم بآخذيه إلاَّ أنْ تُغمضوا فيه واعلموا أنَّ اللهَ غنٌّي حميد} [ البقرة: 267]
3-ومنها: النَّفقة مع عدم الإحصاء، فعن أسماء بنت أبي بكر- رضي الله عنهما- أنَّها جاءت إلى النبِّي – صلى الله عليه وسلَّم - فقال لها لا تحصي فيحصي الله عليك) خرّجه البخاري(1434) ومسلم(1029)
والإحصاء : معرفة قدْر الشيء وزناً أو عدداً ، والمعنى: النهَّي عن منع الصَّدقة خشيةَ النفاذِ، فإنَّ ذلك أعظم الأسباب لقطع البركة ؛ لأنَّ الله يُثيب على العطاء بغير حساب، ومن لا يحاسب عند الجزاء لا يحسب عليه عند العطاء، ومن علم – حقيقةً- أنَّ اللهَ يرزقه من حيث لا يحتسب فحقُه أن يُعطي ولا يحسب .
4-ومن آدابها أنْ تُصرَف للأدنى فالأدنى لقوله تعالى { يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السَّبيل وما تفعلوا من خيرٍ فإنَّ الله به عليم }[ البقرة : 295]
5- ومنها : بذل الصدقة شحِّيحة بها نفسُك، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال جاء رجلٌ إلى النبي- صلى الله عليه وسلَّم - فقال يا رسول الله أي الصَّدقة أفضل ؟ قال:( أن تصدَّق وأنت صحيح شحِّيح ٌتخشى الفقرَ وتأملُ الغِنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقومَ قلتَ: لِفلانٍ كذا ولِفلان ٍكذا) خرّجه البخاري(1419) ومسلم(1032)

المبحـــــــــث السادس : فيما افترقت فيه الزكاة وصدقة الفطر

تتّفق صدقةُ الفطر مع الزَّكاة في أنّ كل منهما عبادة ماليّة حثَّ عليها الشَّارع، ورتَّب عليهما أجراً، وتفترقان فيما يلــــــي:
1- النصاب في زكاة المال أكبر منه في زكاة الفطر
2- زكاة الفطر لها وقت محدد خلافًا لزكاة الأموال لا وقت لها
3- يُشترط في زكاة الأموال بلوغ النصاب ، وكذا نموّه، خلافاً للفطرة
4- مصارف زكاة الأموال ثمانية مذكورة في سورة التوبة، ولا مصرف للفطرة سوى المساكين على الصّحيح
5- باب النيابة في زكاة الفطر أوسع منه في زكاة الأموال .

الفصــــــــــــــــــــل الثانــــــــــــــــي :
المبحـــــــــــــث الأول : دليــــــــــل مشروعيّتها

صدقةُ الفطرِ فرضٌ لازمٌ على كلِّ مكلَّف قادرٍ على إخراجها، وقد دلَّ على فرضيَّتها الكتابُ والسُّنة ُوإجماعُ الأمَّة:
أولاً: من الكتاب: قوله تعالى { قد أفلح من تزكى} [ الأعلى:14].
روى عبد الرزاق في مصنّفه(5795) بإسناده عن سعيد ابن المسيِّب ،و عمر بن عبد العزيز أنَّها في صدقة الفطر، ويستدل لفرضيَّتها أيضًا بعُمومِ قوله تعالى :{وآتوا الزكاة }، فبيّن صلى الله عليه وسلم تفاصيل ذلك ومن جملتها زكاة الفطروبيانالواجبِ واجبٌ
ثانياً: من السُّنة: ما رواه البخاري(1503) ومسلم(984) عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: ( فرض رسول الله زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحرِّ والذَّكر والأنثى والصَّغير والكبير من المسلمين، وأمر أن تُؤدى قبل خروج النَّاس إلى الصلاة )
فقوله (فرض) نصٌ في الوجوب، وقوله( أمر بها) تأكيداً للحكم السابق.
ثالثاً: الإجماع، نقله غير واحدٍ من علماء المسلمين:
- قال إسحاق ابن راهويه كما في شرح مسلم للنووي(3/12) : ( إيجاب زكاة الفطر كالإجماع من أهل العلم)
- قال ابن المنذر في رسالته ( الإجماع) ( ص: 56):( وأجمعوا على أن صدقة الفطر فرض )
- وقال البيهقي في الكبرى(4/159) : ( أجمع العلماء على وجوب صدقة الفطر )
- و قد عدَّ الإمامُ ابن عبد البَّر- رحمه الله- القولَ بعدم وجوبها ضربًا من الشذوذ، فقال كما في فتح المالك(5/81): ( القولُ بأنَّها غيرُ واجبةٍ شذوذٌ أو ضربٌ من الشذوذ ).

المبحـــث الثانــــــــي : شروط وجــــــــوبها

ذكر العلماء ثلاثة شروط لصدقة الفطر وهي كالآتـــــــي:
1-الإســـــــلام : فلا فطرة على من لا إسلام له ؛لأنَّ الفطرة قُربة من القُرُبات وطُهرة للصائم، والكافر ليس من أهل ذلك(7)؛ ولأنَّ الحديثَ قيَّدها بالمسلمين كما في الصّحيحين عن بن عمر- رضي الله عنهما- قال: ( فرض رسول الله زكاة الفطر من رمضان على النّاس صاعًا من تمر، أو صاعاً من شعير، على كل حرّ وعبد، وذكر وأنثى من المسلمين )(8)
2- الحُـــــــــرِّية: فليس على الرقيق فطرة نفسه، ولا فطرة غيره، وإنما يتحمَّلها عنه سيّدُه.
3- اليســـــــــار : فالمُعْسِر لا فطرة عليه بلا خلاف، والإعتبار باليسار والإعسار حالَ الوجوب، فمن فضل عن قوته وقوت من تلزمه نفقته لليلة العيد صاع، فهو موسر، وإن لم يفضل فهو معسر كما سيأتي بيانه – إن شاء الله تعالى- .
قال ابن المنذر- رحمه الله- كما في المجموع للنووي(7/191): ( أجمعوا على أنّ من لا شيء عنده فلا فطرة فطرة عليه)

المبحــــــث الثالــــــــث : ضبـــــــــــــط اليســــــــــار
يُشترط أن يملك المُخرِج فاضلاً عن قوته وقوت من يلزمه نفقته ليلة العيد ويومه، وهو مروي عن عطاء، والشعبي، وابن سيرين ومالك، والشافعي، وأحمد.(9)
وقال أبو حنيفة: لا يجب إلا على من يملكُ نصاباً من الذَّهب والفضَّة، أو ما قيمتُه نصاباً فاضلاً عن مسكنه وأثاثه الذي لا بُدَّ منه، وقول الجمهور هو الصَّحيح لما يلـــــــــــــي:
1- قال – صلى الله عليه وسلَّم - : ( من سألَ وعنده ما يغنيه، فإنما يستكثر من النَّار، فقالوا يا رسول الله: وما يغنيه؟ قال: ( قدر ما يغذيه ويعشيه) خرّجه أبو داود في سننه، وإسناده صحيح كما في صحيح أبي داود للألبـانــــــي(1629)
2- روى أبو عبيد القاسم في كتابه ( الأموال) بإسناده عن سهل بن الحنظليّة- رضي الله عنه- قال- صلى الله عليه وسلم-( من سأل الناس عن ظهر غنى فإنه يستكثر من جهنّم قلتُ (سهل) : يا رسول الله وما ظهر الغنى ؟ قال: أن تعلم أنّ عند أهلك ما يُغديهم أو يُعشِّيهم )
3- عموم قوله ( أما غنيّكم فيزكيه الله تعالى ، وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطاه) خرّجه أبو داودً
4- ولأنها لو تعلقت بالغنى لكثرت بكثرته كسائر الزكوات، ولما يكن كذلك كانت كالكفارة
-قال المازَري المالكي- رحمه الله-: ( في قوله ( على الناس) حجة للكافة في وجوبها على الحضري والبدوي، والغني والفقير؛ لأنه زكاة بدن، لا مال)(10)
- وقال الشوكاني – رحمه الله- في نيل الأوطار (4/180): ( ويعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكاً لقوت يوم وليلة، ولا فرق بين الغني والفقير في ذلك؛ لأنّ النُّصوصَ أطلقت، ولم تخص غنياً ولا فقيراً ، ولا مجال للاجتهاد في تعيين المقدار الذي يعتبر أن يكون مُخرِج الفطرة ولا سيما ولأنَّ العلة التي شرعت لها الفطرة موجودة في الغنيّ والفقير وهي التطهر من اللغو والرفث واعتبار كونه واجداً لقوت يوم وليلة أمرٌ لا بدّ منه..)

المبــــــــحث الرابـــــــع : هل تجب الفطرة على من عليه ديْن ؟

للعلماء في هذه المسألة ثلاثُة أقوال، طرفان ووسط:
القـــــول الأول : تجب عليه مطلقاً، سواء طُلب بالديْن أم لا
القــــــول الثاني: لا تجب مطلقاً سواءً طولب بالديْن أم لا
القــــــول الثالث : التفصيــــــــل في ذلك، و إليه إشارة الزركشي في شرحه للخِرقي(2/547)، وهو التحقيق(11)
أ- حالة عدم المطالبة: إن لم يُطالب صاحب الَّديْن بديْنه لزمته الفطرة لثُبوتها في ذمته؛ ولأنها و الحال هذه أكد وجوباً بدليل وجوبها على كل قادر من المسلمين، فجرت مجرى النفقة
ب- حال المطالبة : إذا طالب صاحب الدَّيْن بديْنه، وجب على الَمدِين قضاءه، وتسقطُ عنه الفطرة، لأن تسديد الديْن عند المطالبة آكدٌ من إخراج الفطرة، وذلك لكونه حق آدميّ مُتعيّن لا يسقط بالإعسار؛ ولأنه إذا تزاحم حقُّ اللَه مع حق الآدمييّن -في الأموال- ، قُدِّم الأخير لغنى الله سبحانه، ولفقر المخلوقين
بالإضافة إلى كون الِّدين أسبقُ سبباً، وأقدم وجوباً، يأثم بتأخيره لقوله-صلى الله عليه وسلّم - ( مطلُ الغنيّ ظلم ) ؛ ولأنّ تأخيرَه يفضي إلى التباغض والمشاحنة المنهيّ عنهما(12)

تنبـيــــــــــــــــــه : ذَكَر ابن نجيم الحنفي في الأشباه والنظائر(ص:366) ما يمنع الديْن وجوبَه، وما لا يمنع، فذكر صدقة الفطر، ثم نقل الاتفاق على ذلك
قلـــتُ: يُحمل الاتفاق الذي نقله ابن نُجيم- رحمه الله- على حال المطالبة، وإلا فالخلاف ثابت كما سبق والله تعالى أعلم .


المبحــــــــــث الخامس: هل يستديــــــن لإخراجـــــــــها ؟

من لم يكن عنده فضل قوته وقوت عياله فلا تلزمه الفِطرة، ولا يجب عليه أن يقترِض لإخراجها، لكن إنْ اقترض وغلب على ظنِّه الوفاء، فهذا إحسان منه ، والأ صل في ذلك كّله قوله تعالى { واتقوا الله ما استطعتم} ، وقوله-صلى الله عليه وسلم- :( إذا أمرتُكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم) ؛ ولأنه لا واجــــب مع العجــــــــز
- وذهب المالكية- في المعتَمَد- أنَّه يجبُ عليه أن يقترض، إذا وجد من يُقرضه وكان يرجو القضاء؛ لأنَّه قادر حكماً
قال الإمام مالك- رحمه الله- كما في الكافي لابن عبد البر (ص:111) :( يستسلف إذا وجد من يُسلف ويؤدي )
والصــــــواب: ما تقدم من عدم وجوب ذلك عليه؛ لأنَّ القُدرة على الاقتراض مع إعساره لا تُخرجه عن الإعسار، ولأنَّ الله- عز وجل- { لا يكلف نفساً إلا وسعها }

المبـــــــــحث السادس : في وقـــــــت وجــــــــــــوبها

اتفّق الفقهاء على إستحباب إخراج الفطرة صَبيحة يوم العيد قبلَ الخروج للصّلاة ؛ لحديث ا بن عمر، و اختلفوا في تحديد وقت وجوبها
فذهب الجمهور: مالك(13)، والشافعي في الجديد(14)، وأحمد(15) إلى أنّ وقت وجوبها يبدأ من غروب شمس اليوم الأخير من رمضان، وأستُدل لهم بــــــ:
1- ما رواه مسلم في صحيحه (984) عن عبد الله بن عمر-رضي الله عنها-:( أنّ رسولَ الله فرض زكاةَ الفطر من رمضان ...) الحديث، فقوله (من رمضان) فيه أنَّ وقتَ وجوبها إنّما هو بعد غروب شمس رمضان
2- زكاة رمضان تسمى ( زكاة الفطر) فهي متعلّقة بالفطر لفظًا وحكماً، والفِطر في رمضان يتحقَّق بغروب الشَّمس ليلة عيد الفطر*
- وقال آخرون : تجب بعد طلوع فجر يوم العيد، وهو مذهب الحنفيّة، والرواية الثانية عن مالك، وهو اختيار ابن حزم(16)، وأستدل لهم بـــــ :
1- ما رواه البخاري (1503) من حديث بن عمر-رضي الله عنهما - ( وأمر أن تُؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة )
2- إنما يتبيّن الفطر الحقيقي بالأكل بعد طلوع الفجر من يوم العيد؛ لأنّ الليل ليس محلاً للصوم

سبـــــــــــب الخــــــلاف :
الذي يظهر- والله أعلم- أنّ حرف المسألة يكمن في اختلافهم في تحديد معنى ( الفِطر) في حديث عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما-، هل هو الفطر المُعتاد في سائر أيام الشهر، فيكون وقت الوجوب عند الغروب، أم أنّ المقصود به الفطر؟

التـــــــــــــرجيح:
الظاهر من حديث بن عمر-رضي الله عنهما- أنّ المقصود من لفظة ( الفِطر) هو الفطر المعتاد عند غروب الشمس، فتكون الألف واللام في ( الفطر) عهدية
- أما متعلق زكاة الفطر فهو خروج وانقضاء شهر رمضان؛ لأنَّها طهرة للصائم بعد نهاية صومه، ونهاية الصّوم إنما تكون عند غروب شمس رمضان، وبهذا يظهر قوة مذهب الجمهور من أنّ وقت وجوب إخراج الفطرة يبدأ من غروب شمس آخر ليلة من رمضان، وهذا هو اختيار الشيخ الفقيه بن عثيمين- رحمه الله- كما في الشرح الممتع(2/642).
فائــــــــــــدة:
وتظهر فائدة هذا الخلاف فيما إذا وُلِد له ولد، أو تزوّج امرأةً، أو ملك عبداً أو باعه، أو أسلم عبده الكافر، أو من مات بين هذه الأزمان، وارتداد الزوجة وطلاقها البائن كالموت

المبحـــــــــث السابـــــــع : آخـــــر وقت وجوبها
ينتهي وقتُ إخراج الفِطرة بإقامة صلاة العيد، وهو قول أكثر أهل العلم(17)، ودليل ذلك ما يلــــــــــي:
1- حديث ابن عباس- رضي الله عنهما-: ( من أدّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) وهذا نص في المسألة
2- عن ابن عمر رضي الله عنهما-: (..وأمر أن تُؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة ) رواه البخاري(1503)
3- ولأنّ إخراجها بعد الصلاة يُفوَّت المقصود من إغناء الفقراء، وسدّ خلّتهم في هذا اليوم
قال ابن القيم- رحمه الله- في بدائع الفوائد(4/70) :
(ومقتضى هذيْن الحديثيْن، أي: حديت ابن عباس وابن عمر السابقين- أنه لا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد، وأنّها تفوت بالفراغ من الصلاة وهو الصواب، فإنه لا معارض لهذين الحديثين، ولا ناسخ ولا إجماع يدفع القول يهما وكان شيخنا-يعني ابن تيمية- يقول ذلك وينصره).

المبحــــــث الثامـــــــن : هل يجوز تعجيل الفطرة ؟
اعلم أنَّ الأصل أنَّ كل عبادة مؤقتة بميقاتٍ لا يجوز تقديمها عليه،كالصلاة والصوم والحج، وذلك بيّن إلا أنّ العلماء اختلفوا في الزكاة لما كانت عبادة مالية وكانت مطلوبة لمعنى مفهوم، وهو سدّ الخلة. فذهب الجمهور إلى جواز التعجيل- مع اختلاف بينهم في مقدار التقديم، وأختار ابن حزم الظاهري منع التعجيل مطلقا(18)، واستُدِل للجمهور بما يلــــــــي :

1- ما رواه البخاري (1511) عن ابن عمر-رضي الله عنهما- أنه قال:( كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين)، وقول ابن عمر هذا مرفوع حكماً لما تقرر في علميْ الحديث والأصول أن قول الصحابي: ( كنا نفعل كذا وكذا..) حكمه الرفع، وإن لم يقيّد بعصر النبي
2- ما رواه البخاري أيضاً عن أبي هريرة-رضي الله عنهما- قال: ( وكلنِّي- صلى الله عليه وسلم - بحفظ زكاة رمضان.. ) الحديث، وفيه أنه أمسك الشيطان ثلاث ليال وهو يأخذ من التمر، فدل على أنهم كانوا يعجلون إخراجها
3- أن تقديم إخراجها بيوم أو يومين فيه تيسير للمعطي والمعطى له، فتبرا ذمة الأول، ويحصل الانتفاع للثاني، ولأن المدة مقاربة ليوم الفطر، والقاعـــــدة تقول: ( ما قارب الشيء أُعطي حكمه )(19)

ويمكـــــن أن يُحتج للمانعين بما يلـــــــــــــــي:
1- عن ابن عباس-رضي الله عنهما- قال : ( .. فمن أداها قبل الصلاة.. ) الحديث ، ففيه دلالة ضمنية على أن الفطرة لا يخرجها الصائم إلا بعد انقضاء أيام صومه ، وذلك لقوله ( طهرة للصائم)، فما دام أنَّ أيَّام الصوم باقية، فذمة المسلم متعلّقة بها ، ولا تبرأ الِّذمة، ولا تسقط المطالبة إلا بعد إنهاء الصائم صومَه، أما قبل ذلك فصيامه معرض للرفث واللغو المذكورين في الحديث ، وتعجيله إَّياها يجعل جزءً من صومه غير متناول بالتطهير، فظهر بذلك أنَّ التعجيل َيعود بالنقض على الحكمة الواردة في حديث ابن عباس
ومما يؤكد ذلك أن الفقير إذا دفعت إليه الفطرة قبل العيد بيوم أو يومين فسيبادر بإنفاقها، فما إن يأتي العيد إلا وقد رجعت إليه فاقته، بينما المراد من الفطرة إناؤه يوم العيد لا قبله
2- إن كلمة ( زكاة الفطر) تدل بحروفها على أنها متعلقة بالفطر- أي الإنهاء من الصوم-، فإضافتها إلى الفطر تقتضي الاختصاص والسببيّة
3- أما ما ذكره الجمهور عن ابن عمر-رضي الله عنه- فليس فيه دليل على جواز إعطاء الفقراء الفطرة قبل العيد ، إنما فيه أنهم كانوا يعطونها عمال الزكاة ليجمعونها، ويؤيده ما يلــــــــــــــي:
أ- ما رواه البخاري(1511) عن نافع مولى ابن عمر-رضي الله عنهما- قال: ( وكان ابن عمر يعطيها للذين يقيلونها(20))، قال البخاري: كانوا يعطونها للجمع لا للفقراء
قلـــتُ : وهذا الذي فهمه ابن خزيمة فقال في صحيحه : ( 4/91) ( باب الرخصة في تأخير الإمام قسمة صدقة الفطر) ثم ذكر حديث أبي هريرة ( وكلني رسول الله..) الحديث
وفي رواية ابن خزيمة من طريق الوارث عن أيوب قال : ( قلت متى كان ابن عمر يعطي؟ قال: إذا قعد العامل، قلتُ: متى يقعد العامل؟ قال: قبل الفطر بيوم أو يومين)
ب- ما رواه الإمام مالك في الموطأ عن نافع قال: ( كان ابن عمر يبعث زكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده بيوم أو يومين أو ثلاثة)
وما قيل في أثر ابن عمر يقال أيضا في حديث أبي هريرة
والحق أن الترجيح في هذه المسألة ليس بالأمر الهيّن ؛ نظراً لقوة ما استدل به الطرفين، ولتعسّر الأخذ بالاحتياط، والله أعلم بحقيقة الحال .

المبحـــث التاســــــــــع: هل في الفطرة قضاء ؟
الذي يُؤخّر إخراج فطرته لا يخلو من إحدى الحالتين :
الأُولــــــــــى: أن يكون معذورًا في تأخيرها، كأن يوَّكل غيَره في إخراجها ويتأخر الوكيل، فهذا يقضيها قياساً على الصلاة ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فلا كفارة له إلا ذاك)
الثانيــــــــــة : أن يكون متعمداً: فهذا آثم ولا قضاء عليه، وإن أداها بعد وقتها المحدد فهي صدقة من الصدقات؛ لأنَّ ( كل عبادةمؤقتة إذا تعمد المكلف إخراجها عن وقتها لم تُقبل)، كإخراج الصلاة عن وقتها متعمداً،وهذا اختيار شيخ الإسلام ، وتلميذه ابن القيم، ومن المعاصرين ابن عثيمين رحمهم الله جميعاً(21).

الفـــــــــــــــــــصل الثالـــث:
المبحــــــــــــــث الأول: هل يُلزم الولدُ بفطرة أبويْه(*) ؟

اعلم – علَّمني الله وإياك- أنَّ جهات التحمُّل عن الغير في صدقة الفطر ثلاث:
1- المـُـــــــــــــــلك 2- النـِّــــــــكاح 3- القــُــــــــــــربة
وكلها تقتضي وجوب الفطرة- في الجملة-، فمن لزمه نفقة بسبب من هذه الأسباب الثلاثة لزمه فطرة الُمنْفَق عليه
فمذهب الجمهور : أنَّ الولد مُلزم بفطرة والديه الفقيريْن تبعاً لنفقتهما خلافاً لأبي حنيفة وأصحابه(22)، وأُستُدل للجمهور بما رواه البيهقي في السنن (4/191) ، والدارقطني في سننه (2/141) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النبيَّ-صلى الله عليه وسلم- قال : ( أدوا صدقة الفطر عمن تمونون) ، وإسناده حســــن كما في الإرواء، ومن جُملة من يمون المرء أبويه ، هذا في حال عجز الأبوين ، أما إن كانا قادرين على الإخراج فلا يلزم الولد بذلك، وإنما تجب في مالهما لما رواه البخاري(1503) عن ابن عمر قال)فرض رسول الله صدقة الفطر صاعا من تمر، أو صاعاً من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين )؛ ولأنّ : (الأصــل في الفــرض التعيـيـــــن، لا التحمــــل)(23)

المبحـــــث الثانـــــــــي: هل يُلزم الولد بفطرة أبنائه ؟

هذه المسألة تحتاج إلى تقسيـــم :
أولًا: الصَّغير الفقيـــر: إن كان الابن فقيراً صغيراً ليس له مال، وجبت فطرتُه في مال أبيه إجماعاً
قال ابن المنذر في ( الإجماع) (ص:57) وأجمعوا على أنَّ صدقة الفطر تجب على المرء إذا أمكنه أداؤها عن نفسه وأولاده الأطفال الذين لا مال لهم ).
ثانياً: الصَّغير الغنّي: إن كان الابن الصَّغير له مال ( وُهِب له أو تُصُدِقَ به عليه) كانت فطرتُه في ماله، ولا يُلزم الأب في هذه الحال بإخراج فطرة ابنه؛ لأن نفقة الأب عن ابنه إن كان فقيراً، أما إن كان غنياً فنفقتُه في ماله، كذلك زكاتــــه(24)
ثالثاً: الكبير(*) الفقير العاجز عن الكسب، فالجمهور: تلزم الأب فطرته تبعاً لنفقته(25)
رابعاً: الكبير الفقير القادر على الكسب: لا يُلزم الأبُ بها مثل النفقة؛ لأن الابن في هذه الحال قادرٌ على الكسب، والقادر علىالاكتساب كالمالك
لكن لو تبرع الأب وأخرج عنه أجزأت بشرط وجود النية من المُرَج عنه الابن)
خامساً: الكبيــر الغني: إن كان الابن غنياً يملك مقدار الفطرة وجبت فطرته في ماله بلا خلافٍ
قال ابن حــزم في المحلى (6/439) ( ولم يختلفوا في أن الأب لا يُؤديها عن ولده الكبار، كان لهم مال أو لم يكُن )
فائــــــــدة:
إن كان الابن الفقير غائباً، أخرج عنه أبوه، ولا تُسقط غيبتُه الوجوب، وبهذا أفتى الشيخ السعدي – رحمه الله- أنظر فتاوى السعدي (ص:156)

المبحــــــث الثالــــــث: هل يُلزم الزوج بفطرة زوجته ؟

اختلف العلماء في إلزام الزوج بفطرة زوجته المسلمة غير الناشز، فالجمهور على أنها واجبة عليه، سواء أكانت غنية أم فقيرة، خلافاً للحنفية، الذين قالوا: تجب في مالها(26)
واستدل الجمهور بأدلة نذكر منها:
1- عموم قوله صلى الله عليه وسلّم : ( أدوا الزكاة عمن تمونون من المسلمين ) ، والزوجة ممن تلزمه مؤنتها، فوجب أن تلزمه زكاتها
واعتُرض: بأنّه مرسل، ومراسيل ابن أبي يحي من أوهى المراسيل كما قال أهل العلم بالحديث.
2- فعل السلف: ما رواه البخاري(1511) عن نافع قال: ( وكان ابن عمر يُعطي عن الصغير والكبير حتى إن كان يُعطي عن بنيّ، أي: أولاد نافع مولاه
وروى ابن المنذر من طريق ابن إسحاق قال: حدثني نافع أن ابن عمر كان يُخرج صدقة الفطر عن أهل بيته كلّهـــم
قلـــتُ: وابن عمر راوي الحديث، فهو أعرف بمراد الحديث من غيره.
3- ولأنَّ النِّكاح سببٌ تجب به النفقة، فوجبت به الفطرة؛ كالملك والقرابة.
واعترض بأنَّ قياس الفطرة على النفقة قياس مع الفارق
قال الحافظ في الفتح:( في إلحاق الفطرة بالنفقة نظر؛ لأنهم قالوا: ان أعسر وكانت الزوجة أمة وجبت فطرتها على السيد، بخلاف النفقة فافترقاـ واتفقوا على أن المسلم لا يُخرج عن زوجته الكافرة، مع أن نفقتها تلزمه).
واستــــدل الحنفية لمذهبهم بـــــ :
1- ( فرض رسول الله صدقة الفطر ... على الصغير والكبير من المسلمين) الحديث، وكان عموم هذا متناول للزوجات، كما كان متناول للأزواج .
2- أن شرط تمام السبب كمال الولاية، وولاية الزوج عليها ليست بكاملة، فلم يتم السبب.
3- ولما في إيجاب الفطرة في مالها من تعويدها على البذل وترويضها على الإنفاق .

سبب الخـــــلاف:
يرجع خلافهم في هذه المسألة إلى الخلاف في المسائل الآتية:
1- فعل الراوي- ابن عمر رضي الله عنهما- هل هو مخصِّص لعموم النص؟
2- فعل ابن عمر هل يُحمل على التبرُّع ؟
3- في مدى صحة إلحاق الفطرة بالنفقة.

الترجيـــــــــــــــــح:
الذي نصّ أهل التحقيق من الأصوليين أنَّ: فعلَ الصحابي إذا لم يوجد له مخالف فهو مخصِّص لعموم ما رواه، وفي هذه المسألة لا يُوجد من الصحابة من اعترض على فعل ابن عمر، فكان إجماعا سكوتياً منهم
ولا يمكن القول بأنّ فعل ابن عمر رضي الله عنهما محمول على التبرع والتطوع؛ لأنّ الأصل عدم التبرع، وأن المكلَّفَ مأمُور بمباشرة العبادة بنفسه، وبخاصة أنّ هذا المعنى متأصّل في سلف هذه الأمة
وإلحاق الفطرة بالنفقة متعذّر لما أورد الحافظ في كلامه السابق من اعتراضات عليه، والله تعالى أعلم.

فوائــــــــــــــــــــد:
الأولى : قال ابن عبد البّر في كتابه الكافي ( 1/112): ( وإن كانت الزوجة غير مدخول بها لم يلزم زوجها إخراج زكاة الفطر)
الثانية : الزوجة الناشز لا فطرة لها على زوجها لسقوط نفقتها، وفي معنى الناشز قال ابن كثير في تفسيره(1/642) ( النشوز هو الارتفاع، فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها التاركة لأمره المعارضة عنه المُبغضة له) ،و ومن أمثلة النشوز امتناعها منه لغير عذر شرعي، أو خروجها من البيت بغير إذنه، أو أن تُدخل بيتَه من يكره دخوله
الثالثة: ليس للزوجة مطالبة زوجها بإخراج الفطرة عنها؛ لأنَّها واجبة عليه دونها، ووجوبها يجري مجرى الضمان، والضمان لا مطالبة به، فالمضمون عنه لا يطالب الضامن بالأداء
الرابعة: قال الحافظ ابن حجر في الفتح (3/447) ( اتفقوا على أن المسلم لا يخرج الفطرة عن زوجته الكافرة )
الخامسة: إذا أعسر الزوج بفطرة زوجته لم تجب عليها شيء عند المالكية والشافعية، وأوجبها الحنابلة على الزوجة نفسها كالنفقة(27)
والمختار الأول؛ لأنها لم تجب على من وجد سبب الوجوب في حقه لعسرته، فلم تجب على غيره، كفطرة نفسه، وتُفارق النفقة، فإن وجوبها أكد، وتجب على المعسر والعاجز، ويرجع عليها بها عند يساره، والفطرة بخلافها، والله اعلم
السادسة : وفي معنى الزوجة : المطلّقة الرجعية، والبائن الحامل.

المبحث الرابــــــع: هل يُلزم الولد بفطرة زوجة أبيه الفقيرة ؟

مذهب الحنفيّة والشافعيّة: أنه غير مُلزم بفطرتها؛ لأنَّ نفقتها لازمة للأب ومع إعساره يتحملها الولد، بحلاف الفطرة؛ ولأن عدم الفطرة لا يمكن الزوجة من الفسخ بخلاف النفقة
ومذهب المالكية والحنابلة: أنه ملزم بفطرتها، تبعاً للنفقة(28)
والمختـــــــــــار: الثاني؛ لأنّ سببَ الوجوب وجوبُ النفقة، وهي واجبة هنا فتلزمه الفِطرة تبعاً للنَّفقة
وسبب الخلاف آيلٌ إلى مدى إلحاق الفطرة بالنفقة. والله تعالى أعلم.

المبــحث الخامـــــــــس: هل يَجب إخراج الفطرة عن الخدم ؟

يُمكــــن تقسيم حال الخدم إلى حالتيـــــــــــن:
الأُولـــــى : إن كان الخادم ممن تجب نفقتُه على المُؤدي أدى عنه، كإن يكون أجيراً عنده لمدة طويلة يجب عليه فيها النفقة عليه
الثانـيـــــة : وأما إن كان أجيرا ً مؤقتاً استُؤجر لعملٍ معيَّنٍ، ولا يلزمه النفقة عليه لم يلزمه أداء الفطرة عنه، قال الإمام مالك في الموطأ : ( باب من لا تجب عليه زكاة الفطر) ثم قال: ( ليس على الرجل في عبيده ولا في أجيره ، ولا في رقيق امرأته زكاة إلا من كان منهم يخدمه ولا بد منه فتجب عليه ) .

تنبيـــــــــــــــه:
مما تجدر التنبيه عليه، وتتأكد الإشارة إليه : ما يعتقده العامة في بلادنا أنّ من أفطر صائماً في شهر رمضان أو بعضه لزمته فطرته وهذا اعتقاد باطل ليس عليه دليل من الأثر ولا من النظر، فلا عِلاقة للإفطار بالفطرة لا طرداً ولا عكساً ،وإحسانه إليه في رمضان لا يُوجب عليه فطرته (وما على المحسنين من سبيل ) ، والله المستعان .

المبحـــــث الســــادس: هل يجب إخراجها عن الجنين ؟

الجنين : هو الحمل في بطن الأُم، وسُميَ بذلك ؛ لاجتنابه، أي : استتاره، وأصلُ مادة ( الجيم والنون) : الخفـــــــــــــــاء
وللجنيـــــــــــن مع زكاة الفطر حالتان:
الأُولـــــــــى: قبل أن تُنفخ فيه الروح ( أقل من أربعة أشهر): ففي مثل هذه الحال لا تُخرج عنه الفطرة؛ لأنه لا يُسمى إنساناً أصلاً؛ لأنّ الروح لا تُنفخ فيه إلا بعد أربعة أشهر كما في حديث لبن مسعود في الصحيحين
الثانيـــــــــة: بعد أن تُنفخ فيه الروح
فالجمهور على أنه يُستحب إخراج الفطرة عنه، وهو كذلك ؛ لما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (4/63)، والإمام أحمد كما في مسائل ابنه عبد الله (ح170) أنّ عثمان أخرج عن الجنين ،وسُنة الخلفاء سنة لنا ما لم يرد ما يدفعها من سنة المصطفىصلى الله عليه وسلم
قال ابن المنذر في رسالته الإجماع(ص:57) : ( وكان أحمد يُحبُه ولا يُوجبه ).

المبحـث السابــــــــــــع: هل تجب الفطرة عن الأقارب ؟

لا يُلزم المسلم بفطرة أقاربه سوى الأصول منهم والفروع، ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( جاء رجل إلى النبيّ- صلى الله عليه وسلّم-، فقال يا رسول الله عندي دينار، قال : أنفقه على نفسك ، قال : عندي آخر، قال أنفقه على ولدك، قال عندي آخر، قال : أنفقه على أهلك، قال: عندي آخر، قال: أنفقه على خادمك، قال عندي آخر، قال: أنت أعلم رواه أبو داود، والنسائي.
قال الماوردي في الحاوي(11/492) ( فكان هذا الحديث مُتوجهاً لبيان الأسباب التي تُستحق بها النفقة، ولم يذكر سبب ذوي الأرحام، ولا العصبات ، ولا الورثة)(29)
قلـــتُ : وأما الوالدان فقد وجبت نفقتُهما بأدلة أخرى، وبالإجماع، فلا ينبغي أن يُفهم سقوطهما من الحديث المذكور آنفاً

المبحــــــث الثامــــــن: هل تجب الفطرة عن اليتيم ؟

اليتيم الذي له مال تجب فطرتُه في ماله وهو قول الجمهور: مالك، والشافعي، وابن حزم، وأبو حنيفة(30)، وهو الصواب لما يلــــــي:
1- عموم الأمر كما في حديث ابن عمر ( على الصغير والكبير )
2- ولأنها عبادة مالية فلا يُشترط لها التكليف كالزكاة والحج

تنبيـــــــه : ومثل اليتيم المجنون، قال ابن حزم في المحلى(6/431) : ( تجب زكاة الفطر في مال المجنون إن كان له مال؛ لأنّه ذكر أو أنثى، حر أوعبد، صغير أو كبير )

المبحــــــث التاســـــــع: بمن يبدأ في إخراج الفطــرة ؟
يقدِّم نفسه في إخراج الفطرة، إذا لم يجد ما يُخرجه عن شخص واحد ؛ لقوله –صلى الله عليه وسلم-:( ابدأ بنفسك) رواه مسلم؛ ولأنّه لا إيــــثـــــار في القربــــــات
فإن فضل صاع آخر أخرجه عن امرأته؛ لأنّ نفقتها أكد
فإن فضل صاع آخر أخرجه عن ولده الصغير؛ لأن نفقته منصوص علبيها، ومجمع عليها
فإن فضل آخر أخرجه عن أُمه، وتقدّم فطرة الأُم على فطرة الأب؛ لأنها مُقَدَّمة في البر، بدليل قوله للأعرابي لما سأله: من أبر ؟ قال: أمّك( ثلاثاً)، ثم قال: أبوك، والحديث متفق عليه

الفصـــــــــل الرابــــــــع:
المبحـــــــــــث الأول: مصرف صدقة الفطر ( لمن تُعطى)

مصرف صدقة الفطر هو المساكين فقط(31)، وذلك لما أخرجه أبو داود بسند حســـن عن ابن عباس: ( فرض رسول الله زكاة الفطر طُهرةً للصائم من اللغو والرفث، وطُعمة للمساكين )
قال الشوكاني رحمه الله معلِّقاً على حديث ابن عباس ( وفيه دليل على أن الفطرة تُصرف في المساكين دون غيرهم من مصارف الزكاة )، والقول بتخصيص الفطرة في المساكين هو مذهب مالك، واختيار ابن تيمية ، وتلميذه ابن القيم. رحم الله الجميع.(32)
قال ابن القيم في الزاد(1/151): ( وكان من هديه تخصيص المساكين بهذه الصدقة، ولم يكن يُقسّمها على الأصناف الثمانية قبضةً قبضةً، ولا أمر بذلك، ولا فعله أحدٌ من أصحابه، ولا من بعدهم، بل أحد القولين عندنا: أنه لا يجوز إخراجها إلا على المساكين خاصة، وهذا القول أرجح من القول بوجوب قسمتها على الأصناف الثمانية ).

المبحــــــث الثانــــــــي: هل يجوز إعطاؤها للأقارب الفقراء؟
القريب إن كان فقيراً، ولم يكن ممن تجب النفقة عليه، فهو أحقّ بالفطرة من غيره، وذلك لما يلـــــــــي:
1- ما أخرجه ابن حبان بإسناده عن سلمان بن عامر عن النبي قال : ( الصدقة على المساكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنان: صدقة وصلة)
2- أخرج الطبراني في الكبير عن أبي أمامة أن رسول الله قال ( إن الصدقة على ذي القربى تضعف أجرها مرتين )
3- أخرج ابن زنجويه في ( الأموال) (2150)، وعبد الرزاق في المصنف(6917)، وابن أبي شيبة في المصنف (3/91 ) كلهم عن ابن عباس قال ( إذا كان ذو قرابة لا تعولهم فضع زكاتك فيهم )
قال الشافعيّ كما في مجموع النووي(7/232) ( وأحب دفعها إلى ذوي الأرحام، الذين لا تلزمه نفقتهم) قال ابن عبد البر في الكافي(1/193) ( والصدقة على الأقارب الفقراء أفضل منها على غيرهم) قال ابن تيمية في الفتاوى (25/69) ( القريب الذي يستحقها إذا كانت حاجته قبل حاجة الأجنبيّ، فهو أحق بها منه؛ لأنَّ الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة )
قلـــــتُ: أما إن كان الأجنبي أحوج فهو أولى بها من القريب؛ لأنَّ مراعاة سد حاجة الأجنبي أولى من التحبّب والتودّد إلى القريب، والله تعالى أعلى وأعلم.

فائـــــــــــدة:
وردت أحاديث كثيرة فيمن يُؤتى أجره مرتين ، جُمِعتْ في رسالة اسمُها ( مطلع البدرين فيمن يؤتى أجره مرتين ) ، وأخرى بعنوان ( أزهار الروضتين فيمن يؤتى أجره مرتين) للغماري، وقد أوصلها السيوطي في تنوير الحوالك (765) إلى نيفاً وثلاثين في نظم سلس، قال في بدايته :

وجــــــمعٌ أتي فيما رويناه أنّهم يــثني لهـم أجر حووه مُحــــققاً
فأزواج خير الخلق أوّلهم ومَنْ على زوجها أو للقريب تصـدقا


المبحــــــث الثالـــــــث: هل يجوز لمُخرِج الفطرة أخذَها ؟

يجوز لمُخرج الفطرة أخذها بعينها كما هو مذهب الشافعيّة، والمعتمد عند الحنابلة، خلافاً للمالكية
قال الشافعي كما في المجموع (7/234) : ( ولا بأس أن يأخذها بعد أدائها، إذا كان محتاجاً )
قال في الروض المربع(ص:195) ( إنْ عادت إلى إنسان صدقته جاز ما لم يكن حيلة )
وقال مالك: لا يجوز أن يأخذها بعينها؛ لأنه يمنع من عود الصدقة إلى مخرجها، كما يُمنع من ابتياعها
قلـــتُ: ولعلّ أرجح القولين ما ذهب إليه مالك؛ نظراً لما يترتب على القول به من حسم المادة، وسد الذريعة، ومن تأمّل مذهب مالك وجده أكثر المذاهب تطبيقاً لهذا المبدأ، قال ابن أبي الكفّ في نظمه لأصول المذهب:

وســــدُّ ذرائـــــع الفســــــاد فمالكٌ له على ذه اعتمـــــاد
فإعمال مبدأ الذرائع خصيصة تميّز بها مالك ، أوجبت له ثناء المنصفين من المذاهب الأخرى
قال الذهبيّ في السيّر(8/62): ( وبكل حال فإلى فقه مالك المُنتهى، فعامة آرائه مسدّدة، ولو لم يكن له إلا حسم مادة الحيلة ومراعاة المقاصد لكفاه )

المبحـــــــث الرابــــــع: هل يجوز نقل الفطرة من بلد إلى آخر ؟

الأصـــل في الزكوات أن لا تُنقل عن محل مُخرجها؛ لحديث أنس بن مالك في البخاري (63)، وفيه أنّ ضمام قال للنبيّ-صلى الله عليه وسلم-: (.. أُنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا، فتقسمها على فقرائنا؟
فقال : اللهــــم نعــــم )
-- أما إذا استغنى أهلُ بلده، أو أراد نقلها إلى أحد أقاربه جاز ذلك
سُئل الإمام أحمد عن رجل له قرابة محتاجون في غير بلده الذي فيه، ترى أن يُؤخذ إليهم من زكاة ماله ؟ قال: نعـــم يُجزئ )(33)

فائـــــــــــدة:
من أمضى رمضان في بلد، ثم سافر إلى بلد آخر، وجب عليه أن يُخرجها في البلد الذي يطلع عليه فيه فجر العيد


المبحث الخامــــــــــس: هل يبعث المغترب بفطرته إلى بلده الأصيل ؟

الأحوط أن يخرجها في البلد الذي صام فيه ودخل عليه فجر العيد فيه؛ لان الذي وجبت عليه هو السبب الرئيس لوجوبها، فتفرق في البلد الذي سببها فيه؛ ولأن ذلك أبرأ لذمته، فقد يتأخر وصولها إلى بلده الأصيل ، وبمثل هذا أفتى العلامة الألباني- قدس الله روحه- كما في سلسلة الهدى والنور.
- وأما إنْ جهل فقراء البلد الذي نزل به، وَكّل مَنْ يُخرج عنه في بلده الأصيل، وهو المبحث السادس.

المبحــــــث السادس: هل يجوز التوكيـــــل في إخراج الفطرة ؟

يجوز للمكلف أن يوكّل غيره بأن يُخرج عنه الفطرة من ماله، أي: مال الموّكِل، إلا أنه يُستحب أن يخرجها بنفسه حتى يتيقّن وصولها إلى مستحقيها
قال الإمام أحمد رحمه الله : ( أعجب إليّ أن يُحرجها بنفسه، وإن دفعها إلى السلطان فهو جائز)
تنبيــــــــــــــهان:
الأول : لو أخرج إنسان الفطرة عن أجنبي بغير إذنه لا يُجزؤه بلا خلاف(34)؛ لأنها عبادة فلا تسقط عن المكلَف بها بغير إذنه، أما إن أذن له أجزأ، ومن هنا يتبيّن خطأ بعض الآباء الذين يُخرجون فطرة أبنائهم المغتربين من غير إعلامهم بذلك، والله المستعان .
الثانــــي : لا يُجزئ إخراج الفطرة إلا بنية لقوله ( إنما الأعمال بالنيات ..) ، وأداؤها عمل؛ ولأنها عبادة تتنوّع إلى فرض ونفل ، فافتقرت إلى النية كالصلاة.
ومعنى النية المُشترَطة: أنْ يقصد المُخرِج بقلبه أن ما أخرجه هو زكاة فطره.

المبحــــــث السابــــــع: قَبول صوم رمضان غير مُتوَقف على إخراج الفطرة

يذكر عن جرير بن عبد الله البجلي يرفعه: ( شهر رمضان متعلق بين السماء والأرض، ولا يرفع إلى الله إلا بزكاة الفطر )
قال الألباني في الضعيفة (43) : ( لا أعلم أحداً من أهل العلم قال بهذا ، وأنا أعلم أن بعض المُفتين ينشر هذا الحديث على الناس كلما أتى شهر رمضان، وذلك من التساهل الذي كنا نطمع أن يحذروا الناس منه فضلاً أن يقعوا فيه هم أنفسهم )

المبحـــث الثامـــــــن: تفريق الفطرة على جماعة أو العكس
قال في الروض المربع (ص:115): ( ويجوز أن يعطى الجماعة من أهل الزكاة ما يلزم الواحد وعكسه بأن يُعطى لواحد ما على جماعة، والأفضل أنْ لا ينقص معطى عن مدٍ ).

الفصـــــــــــل الخامـــــــــــس:
المبحـــــــــث الأول: مــــــم تُخرج الفطرة ؟

يجوز إخراج الطّعام الذي يُعد قوتاً للنّاس، كالقمح، والأرز، والعدس، واللوبيا، وغيرها..، ولا يُقتصر على ما نص عليه الحديث، وهذا مذهب مالك، والشافعي، وهو اختيار ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، ومن المعاصرين الشيخ الألباني، وابن عثيمين(35)، رحم الله الجميع ، وهو الذي يتعين القول به، ولا يليق بالفقيه القول بسواه لما يلــــــي :
1- ما أخرجه ابن خزيمة بإسناد صحيح، وترجم له ( باب إخراج جميع الأطعمة في صدقة الفطر) عن ابن عباس قال: أمرنا رسول الله أن نُؤدي زكاة الفطر صاعا من طعام عن الصغير والكبير، والحر والمملوك، من أدى سِلتاً قُبِل منه، وأحسبه قال: /ن أدى دقيقاً، ومن أدى سويقاً قَبِل منه)، والسِلتُ: نوع من الشعير لا قشر له
2- الأجناس المذكورة في حديث أبي سعيد هي من باب التمثيل، وحكاية حال، لا من باب التنصيص والتحديد، ولمثل هذا في الشرع نظائر كثيرة، فتكون العبرة بقوت أهل البلد؛ لأن مظنة الانتفاع بالغالب ظاهرة
3- القول بجواز إخراج كل الطعام هو الأنسب لمقاصد الشريعة، والأقرب لروحها، والأنسب لقواعدها، فتجد أن ما يُناسب الفقير الذي يعيش في البلاد الباردة هو اللحم مثلاً، ولا يكاد يحصل الإغناء إلا به، فظهر بذلك مقصد الشارع من التخيير، والله بعباده لطيف خبيــــــر
- قال القرافـــي في الذخيرة(3/168):( تعديد هذه الأمور لا يمنع من قياس غيرها عليها، إما أن هذا من مفهوم اللقب الذي هو من أضعف المفهومات العشر، فيُقدّم القياس عليه، ويُؤكد القياس قوله ( أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم)، فأشار إلى أن المقصود إنماهو غناهم عن الطلب )

المبحــــــث الثانــــــــي: في أفضل ما يُخرج في الفطرة
اختلف العلماء في الأفضل
فقال مالك في رواية وأحمد: التمـــر أفضل، وهو مرويٌّ عن ابن عمر، وعليه عمل أهل المدينة.
وقال الشافعيّ : البـــر أفضل، وهو مرويّ عن علي بن أبي طالب
وقال أبو حنيفة : أفضل ذلك أكثره ثمناً
والتحقيق أن يَقال: إن الأفضل يختلف باختلاف البلاد، وهو مذهب مالك في الرواية الأخرى
قال ابن عبد البر كما في فتح المالك (5/91) :( وجملة قول مالك أنه يُؤدي ما كان جلّ عيش أهل بلده)
وهذا ما صوّبه ابن القيم في إعلام الموقعين(3/12)فقال: (.. وهو الصواب الذي لا يُقال بغيره؛ إذ المقصود سد الخلّة المساكين ليوم العيد، ومواساتهم من جنس ما يقتات أهل بلدهم؛ لقول( أغنوهم في هذا اليوم).

المبحــــــث الثالـــــــــث: مقـــــــدار الفطــــــــرة

اتفقت كلمة أهل العلم على أنّ الواجب إخراجه في الفطرة صاع من جميع الأصناف التي يجوز إخراج الفطرة منها، عدا القمح، فقد اختلفوا فيه:
فذهب المالكية، والشافعية والحنابلة إلى أنّ الواجب إخراجه مكن القمح صاع، واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري: ( كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله صاعا من طعام، أو صاعاً من تمرٍ، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من أقط ، فلا أزال أُخرجه كما كنتُ أُ خرجه ما حييتُ )
وذهبت الحنفية إلى أن الواجب إخراجه في القمح نصف صاع ، وكذا دقيق القمح وسو يقه، وهو مرويّ عن الخلفاء الراشدون، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وعمر بن عبد العزيز، وكبار التابعين، وأختاره أحمد في رواية، وابن المنذر، وغيرهم، بل نقل الطحاوي في ذلك الإجماع، وكذا الزيلعي في نصب الراية (2/406)
قال الطحاوي : وما علمنا أنّ أحدا من أصحاب رسول الله، ولا من التابعين روى عنه خلاف ذلك، فلا ينبغي لأحدٍ أن يُخالف ذلك؛ إذ كان قد صار إجماعًا ) شرح معاني الآثار(2/41)
- وأستدل الحنفيّة بأحاديث، وآثار كثيرة، نذكر منها:
1- حديث عبد الله بن ثعلبة- رضي الله عنه- : أنّ النبي خطب قبل الفطر بيوم أو يومين، فقال: أدوا صاعاً من بر بين اثنين، أو صاعاً من تمرٍ، أو شعير، عن كل حر وعبد، صغير وكبير)، رواه أبو داود في السنن.
2- أخرج عبد الرزاق في المصنف بسند صحيح عن جابر بن عبد الله قال: صدقة الفطر على كل مسلم صغير وكبير، عبد أو حر، مدان من قمحٍ، أو صاع من تمر، أوشعير)
3- أخرج ابن أبي شيبة بإسناده عن عائشة : إني أحب إذا وسّع الله على الناس أن يُتموا صاعاً من قمح عن كل إنسان )

الترجيــــــــــح:
المتأمل في أدلة الحنفية يحد أنها أقوى وأكثر من أدلة الجمهور
قال ابن عبد الهادي الحنبليّ في تنقيح التحقيق (2/1472): القول بإيجاب نصف صاع من بر قول قويّ، وأدلتُه كثيرة
- وأما قول أبي سعيد – رضي الله عنه- ) أما أنا فإني لا أزال أُخرجه ما حييت)، فيُمكن تأويله : ( إني إلا أؤدي الصدقة من القمح، فلا حاجة لي إلى العمل بقول معاوية- رضي الله عنه- ، بل لا أزال أؤدي بما أودي به في زمن النبي
أو يُقال: إنه أراد بالزيادة على قدر الواجب تطوّعاً
فإن قيل : هذا تأويل ، ونحن متعبدون بظواهر النصوص
قلنا: لا بد من هذا التأويل لئلا يُخالف قوله مذهبه
- ولأن سلّمنا بظاهره، فلا يعدو أن يكون رأياً رآه- رضي الله عنه-، فلا يُعارض قول الأكثر
قال الزيلعي مؤكداً هذا المعنى : ولا تضر مخالفة أبي سعيد لذلك بقوله: أما أنا فلا أزال أخرجه؛ لأنه لا يقدح في الإجماع، سيما إذا كان فيه الخلفاء الأربعة) نصب الراية(2/406)

المبحــــــــث الرابـــــــع: مقــــــدار الصــــــــاع

اعلـــــم- علمني الله وإياك- أنّ الصّاع المعتبر هو صاع أهل المدينة؛لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، وهو مخرج في السلسلة الصحيحة: انّ النبيّ قال : الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة
ومقدار الصاع: أربعة أمداد، ، والمد : ما يملأ كفي الرجل المعتدلتين
قال ابن الأثير:( ومن لم يكن عنده مكيال ولا ميزان، فليُخرج أربعة أمداد، ومن تطوّع خيراً فهو خير له)
ولما كان يصعب ضبط الكيل على عامة المسلمين، فقد عبّر العلماء بالوزن على سبيل التقريب
فمن أراد معرفة الصاع النبّوي فما عليه إلا أن يزن(2040) من البر الجيّد، ثم يبضعها في إناء بقدرها فيُعلمه ثم يكيل به، وهاهنا جدولاً توضيحياً للصاع من أصناف عدة، وما يُقابله بالكيلو أعدّه فضيلة الشيخ محمد علي فركوس- حفظه الله ونفع به- :





الصنــــــــــــــف الـــــــوزن بالغرامـــــــات

التمـــــــــــــــــر 1800غ
الدقيــــــــــــق 2000غ
القمـــــــــــــح 2040غ
ا لـأرز 2300غ
الفرينــــــــــة 1400غ
العـــــــــــدس 2100غ
اللوبـــــــــــــيا 2060غ
الجلبانـــــــــــة 2240غ
الطعام( الكسكسي) 1800غ
الزبــــــــــــيب 1640غ
الحمــــــــــــص 2000غ


المبحـــــث الخامــــس: من قدر على بعض الصاع هل يلزمه إخراجه ؟

ذهب الجمهور إلى وجوب إخراج الجزء المقدور عليه، وإن كان دون الصاع، وذهب أحمد في رواية إلى أنّه لا يلزمه إخراجه كالكفارة، التي لا يلزم إخراج بعضها
قلـــــتُ: الفرق بين مسألتنا وبين الكفارة من وجهين:
الأول: الكفارة يُرجع فيها إلى البدل، فلم يلزم إخراج بعضها، بخلاف الفطرة لا يرجع فيها إلى البدل، فلزمه إخراج بعضها
الثاني : الزكاة تقبل التبعيض، كما في العبد المشترك، بينما الكفارة لا يتبعض فافترقا
وقول الجمهـــــور أصح لما يلــــــــــي :
1- قوله تعالى: ( واتقوا الله ما استطعتم)، ومن ملك بعض الصاع دخل في الاستطاعة
2- قوله (( إذا أمرتُكم بأمر فاتوا متنه ما استطعتم )
3- ما نص عليه العلماء في قواعدهم من أنّالميســــــــور لا يسقــــط بالمعســــــــور
4- فيه تحقيق مصلحة الفقراء، وسد خلتهم، ولو ببعض الطعام؛ لأنّ مــا لا يُدر ك كلّه لا يُترك جلّه
5- ولأنها طُهرة، فوجب منها ما قدر عليه، كالطهارة للماء ، ومثل الدّين يقدر على بعضه ولا يقدر على سائره
- قال ابن حزم في المحلى( 6/140): ( فإن لم يقدر إلا على بعض الصاع أداه ولا بد ) .

المبحـــــــث السادس: هل يجوز الزيــــــادة على الصّـــــــاع ؟
ذهب بعض المالكية كما في الشرح الكبير للدردير إلى أنه يُندب للمزكي ألا يزيد على الصاع، بل تُكره الزيادة علية ؛ لأنه تحديد من الشارع، فالزيادة عليه بدعة مكروهة، كالزيادة في التسبيح على ثلاث وثلاثين
قلــــتُ : هذا غير مسلّم ؛ لأنّ الزكاة ليست تعبّدية محضة، كالذكر المذكور والله أعلم .

المبحـــــــث السابــــع: هل يجوز تكميل جنس من جنس آخـــــر ؟

من كان عنده صنفين من أصناف زكاة الفطر، غير أنّ الصنف الواحد منهما لا يبلغ المقدار الواجب إلا إذا ضم إليه الصنف الآخر الذي هو ليبس من جنسه، كمن كان عنده نصف صاع شعير، ونصف صاع قمح، أخرج النصفين، ولا جناح عليه في ذلك، وهو مذهب الجمهور
قال البهوتـــــي في كشاف القناع( 2/253) : (إذا جمع صاعاً منهما وأخرجه أجزأه، كما لو كان خالصاً من أحدهما )

المبحــــــــث الثامـــــــن: هل يجوز إخراج القيمة في صدقة الفطر ؟

وقبل البُداءة في بيان حكمها أُحببتُّ التنبيه على أمور :
الأول: أنّ هذه المسألة تقطّع العلماء فيها أيادي سبأ، وهي عضلة من العضل، للنّاس فيها مذاهب وطرائق،وكتب فيها الطرفين كتباً، والخلاف فيها قديم ، فبِكل قول قال أئمة أجلاء، وترجيح هذا أو ذاك محلّ اجتهاد(39)، والأصل في الاختلاف في مثل هذه المسألة أنه لا يفسد المودة بين المتنازعين ولا يوغر صدورهم
فلا يحق لمن قال بالجواز أن يرمي المانعين بأنهم أهل جمود لا يفقهون الواقع، وليخشى على نفسه من هذا التطاول؛ لأن الذي قال بالمنع صحابة أجلاء، ثم تابعين نبلاء،ومن بعدهم رجال علماء ،كما لا يحق بالذي منع أنْ يُضلّل المخالف أو يبدّعه أو يتهمه في قصده،إلا إذا عُرِف هذا المخالف بتتبع الرخص، وتصيّد الشذوذات، والمبالغة في التيسير.

الثانــي: الخلاف في إخراج القيمة في زكاة المال هو نفسه الخلاف في إخراجها في الفطرة، وعليه فإنّ ما استدل به الجمهور على منع القيمة في زكاة الأموال فهو دليلهم على منعها في زكاة الفطر سواء بسواء.
الثالث: اعلم أنّ العلماء كلهم اتفقوا على جواز إخراج الطعام المنصوص عليه ، وأنَّ المكلَّف إذا أخرج صاعاً من بر أو من شعير أو من زبيب، أو من أقط فقد أدى ما أوجبه الله تعالى عليه، وبرأت ذمته
الرابـــع: واتفقوا كذلك على جواز إخراج القيمة عند الضرورة المقتضية لذلك عملا بقاعدة رفع الحرج (40)
الخامس: ينبغي أنْ يُفرّق بين مذهب الحنفية وما أختاره ابن تيمية ذلك أنّ الحنفية يُجوّزون إخراج القيمة مطلقا ، وابن تيمية يقيّدها بالحاجة، والمصلحة،حيث قال رحمه الله : (والأظهر في هذا أنّ إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة ممنوع منه، وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل فلا بأس، مثل أن يبيع ثمر بستان أو حنطة فإنه قد يساوي الفقير)، ثم مثلّ للحاجة
السادس: أنّ الحنفيّة لقبوا هذه المسألة بالإبدال، فتجدهم يعبرون عن إخراج النقود في الزكاة بنظرية الأبدال
وسنحصر الكلام عن هذه المسألة في المطالب الآتية :

المطلــــب الأول: مذاهب العلماء في المسألة
القول الأول : لا يجوز إخراج الفطرة قيمةً (نقداً) ، وهو مذهب جمهور أهل العلم : مالك ، والشافعيّ، وأحمد، وابن حزم الظاهري، والشوكاني ،ومن المعاصرين: الألباني في آخر ما استقر عليه، وابن عثيمين ، وابن باز، وأبو بكر الجزائري وغيرهم كثير..
القول الثاني: يجوز ذلك، وهو مذهب أبي حنيفة، وأصحابه، وهو مرويّ عن عمر بن عبد العزيز، والثوري، والحسن البصري، وعطاء، وهو ظاهر تبويب البخاري في الصحيح حيث قال: ( باب العوض في الزكاة)
قال الحافظ في الفتح(3/378): قال ابن رشيد: (وافق البخاري في هذه المسألة الحنفيّة مع كثرة مخالفته لهم، لكن قاده إلى ذلك الدليل – يعني: قصة معاذ) ، وستأتي في المناقشة- إن شاء الله-
المطلــــب الثانــــي: أدلـــــــــــة المانعيــــــــن
استدل الجمهور لمذهبهم بالآتــــــــــي :
1- من الكتاب : قوله تعالى ( وآتوا الزكاة ) ، وهذا الآية من مجمل القرآن؛ لأنّ الإيتاء منصوص عليه والمؤتى غير مذكور، لكن جاءت السنّة مبينة لمجمل النص القرآني فنصّ – صلى الله عليه وسلم - على إخراج الطعام كما في حديث أبي سعيد، فصار كأنّ الله قال : وآتوا زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاع من شعير ...الخ، وعليه فلا يجوز الاشتغال بالتعليل لإبطال حق المسكين في العين
2 – من السنــــة :
1- أنّ إخراج القيمة خلاف ما أمر به رسول الله
وبيان ذلك أنه – صلى الله عليه وسلّم – قال لمعاذ حين ابتعثه إلى اليمن : ( خذ الحبّ من الحبّ، والشاة من الغنّم،والبعير من الإبل، والبقر من البقر) . رواه أبو داود( 1599) ، وابن ماجة( 1814) ، والحاكم (1/388)
2- قوله صلى الله عليه وسلّم ( طعمة للمساكين) فهذه الكلمة تدل بحروفها على الإطعام، ومن أخرجها قيمة لا يصدق عليه أنّه أطعم
3- الإجماع: وقد نقله غير واحد من أهل العلم
- جاء في المغني لابن قدامة ( 3 /66 ) ( وشرط المجزئ من زكاة الفطر أن يكون حباً فلا يجزي القيمة بلا خلافٍ )
- قال النووي في شرح مسلم(7/59): (ولم يجز عامة الفقهاء إخراج القيمة ).
4- عمــــل السلــــــف :
روى البخاري عن أبي سعيد رضي الله عنه أنه قال: ( كنا نعطيها في زمان رسول الله صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير..) ، وإضافة العمل إلى زمن النبوة فيه إشعار باطلاعه- صلى الله- على ذلك وإقراره له، ولا سيما أنها كانت تُجمع عنده ، وهو الأمر بقبضها وتفريقها ، فكان منهم إجماعًا ولم ينقل عن واحد من الصحابة أنه كان يُخرجها قيمةً ، مع عمق فهمهم، واتساع مداركهم، فليس من الصواب في شيءٍ أن نقدم على ما أحجموا عليه، وكما قال مالك ( الخير في إتباع من سلف)

5- من المعقـــــــول :
1- قياسا على الأضحية لما علّقها على الأنعام لم يجزْ نقلها إلى غيرها إجماعاً (42) ، كذلك الفطرة لما علّقها على ما نص عليه لم يجز نقلها إلى غير ذلك .
2- وبالقياس أيضا على السجود: فكما لا يجوز في الصلاة إقامة السجود على الخد مقام السجود على الجبهة والأنف، والتعليل فيه بمعنى الخضوع؛ لأنّ ذلك مخالفة للنص وخروج عن معنى التعبد، كذلك لا يجوز في الزكاة إخراج القيمة
3- ذكر- صلى الله عليه وسلّم- في حديث أبي سعيد أشياء قيمتها مختلفة، وأوجب في كل نوع منها صاعاً، فدل على أنّ المعتبر هو الصّاع، ولا نظرة إلى القيمة. قاله النووي في شرحه على مسلم( 7 / 60)
4- أنّ زكاة الفطر قربة ، وما كان كذلك فسبيله أنْ يُتبع فيه أمر الله تعالى، ولو قال إنسان لوكيله : اشتر ثوباً وعلم الوكيل أن غرضه التجارة ووجد سلعةً هي أنفع لموّكله لم يكن له مخالفته، وإن رآه أنفع فما يجب لله تعالى بأمره أولى بالإتباع ، فالأغنياء وكلاء الله في ماله، والوكيل لا يجوز له مخالفة أمر موّكله.
5- لو كان إخراج القيمة جائزاً لكان هو الأصل، ولكان هو الفرع، فعدول الشارع من فرض القيمة إلى فرض الطعام دال على غاية معيّنة ومقصد ما، والتعليل بدفع الحاجة يرفع وجوب الطعام
6- أنّ الزكاة وجبت لدفع حاجة الفقير، وشكراً لله على نعمة المال، والحاجات متنوعة، ينبغي أن يتنوع الواجب ليصل إلى الفقير من كل نوع ما تدفع به حاجتهن ويحصل شكر النعمة من جنس ما أنعم الله عليه به
7- وفي حديث انس رضي الله عنه :" ومن بلغت عنه صدقة الحقة، وليست عنده ابن لبون فإنها تقبل منه ويجعل معها الشاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهماً ".
قال الشوكاني في النيل ( قوله والجبرانات- بضم الجيم جمع جبران، وهو ما يجبر به الشيء، وهذا الحديث يدل على أنّ الزكاة واجبة في العين، ولو كانت القيمة هي الواجبة لكان ذكر ذلك عبثاً؛ لأنها تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فتقدير الجبران بمقدار معلوم لا يناسب تعلّق الوجوب بالقيمة ) .
8- عملية شراء الفطرة، وإعطائها لمستحقيها فيه إشعار ولإظهار لهذه العبادة، أما تقديمها نقداً فلا يميزها عن سائر الصدقات من حيث الإحساس بالواجب والشعور بالإطعام
فإخراج القيمة يخرج زكاة الفطر من كونها شعيرة ظاهرة إلى كونها صدقة خفيّة
9- اختيار القيمة يوقع الإنسان في إضطراب في تحديد القيمة فتحديدها بسبعين(70) دينارا جزائرياً مثلاً، ولا شك أنّ بلادنا مترامية الأطراف ، والمستوى المعيشي متفاوت من منطقة إلى أخرى، ولا مخرج من هذا المشكل إلا بالرجوع إلى النص النبوي والتقدير النبويّ .
10- ولأنَّه نصّ على قدر متفق في أجناس مختلفة، فسوى بين قدرها مع إختلاف أجناسها، وقيمتها فدل على أن الاعتبار بقدر المنصوص عليه دون قيمته (43)
11- ولأنَّه لو جاز اعتبار القيمة فيه ، لوجب إذا كان قيمة صاع من زبيب ضروع (كبير) آصعاً من حنطة فأخرج من الزبيب ثلث صاع قيمته من الحنطة صاع أن يجزيه، فلما أجمعوا على أنه لا يجزيه، وإن كان بقيمته المنصوص عليه، دلّ على أنه لا يجوز إخراج القيمة دون المنصوص عليه (44)
12- القول بإخراجها طعاماً أحوط، وأبرأ للذمة ، وهي مجزئة عند الجميع ، بخلاف ما إذا أخرجها نقداً فكثير من العلماء يبطلها، والواجب على المسلم أن يحتاط لأمر دينه ، وأن يعمل بقول النبي- صلى الله عليه وسلم- :( دع ما يريبك) و( ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) .
6 –القواعـــــــــــد:
1- نصّ العلماء على قاعدة وهي: أنه لا يُنتقل إلى البدل إلا عند فقد المبدل عنه.
2- وأن الفرع إذا كان يعود على الأصل بالبطلان فهو باطل
فلو كان أن كل الناس أخذوا بإخراج القيمة لأدى ذلك إلى تعطل العمل بالأجناس المنصوص عليها، فالفرع في هذه الحال- وهو المقيس( إخراج القيمة) يعود على الأصل ( وهو المقيس عليه) بالإبطال، فيبطل.
المطلــــب الثالــــث: المناقشـــــــــة
يمكن تلخيص إجابة المجوزين على ما استدل به الجمهور فبما يلي:
- أنّ العلّة في تعيين الأصناف المذكورة في الحديث هي الحاجة إلى الطعام والشراب وندرة النقود في ذلك العصر ،حيث كانت أغلب مبايعاتهم بالمقايضة، وإذا كان الأمر كذلك فإنّ الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً ، فيجوز إخراج النقود في زكاة الفطر للحاجة القائمة والملموسة للفقير اليوم
- نحن نسأل المانعين بأي حجة أدخلتم الأرْز ؟ِ
فهي نفسها حجتنا لإدخال النقود التيتجلب للفقير الأنواع الخمسة ذاتها والأرْز وغيره أيضًا، مما يكون في بعض البلاد هوالنوع الأساسي في غذائهم، ففي بعض بلاد أفريقية اليوم يعتبر المَوز هو خبزهموأرزهم، ويجفِّفونه ويتمنونه، كما يَتَمَوَّنُ غَيْرُهم القَمْحَ والشَّعير.


المطلـــــب الرابـــــع: أدلـــــــــــة المجوزيــــــــن
استدل المجيزون بجملة من الأدلة نلخصها فيما يلــــــــــــي:
1- قوله – صلى الله عليه وسلم- :( أغنوهم – يعني المساكين- في هذا اليوم) ، والإغناء يتحقق بالطعام.
- وأجيب عنه بأن سنده ضعيف، وقد ضعفّه جمعٌ من أهل العلم منهم: النووي، وابن حجر، وابن حزم،والصنعاني، وغيرهم
وعلى فرض ثبوته، فنقول : إنّ الإغناء الذي ورد في الحديث مطلق، قيّدته السّنة ببيان كيفيته ، فوجب الالتزام بالمقيّد.
2- أنه لم يثبت عن النبي- صلى الله عليه وسلم- ولا عن أحد من الصحابة نصٌ في تحريم دفع القيمة ،والأحاديث الواردة في النص على أصناف معينة من الطعام لا تفيد تحريم ما عداها
وأجيب : بأنها عبادة توقيفية لا يدخلها الاجتهاد
3- وربما كانت القيمة أفضل؛ إذ كثرة الطعام عند الفقير تحوجه إلى بيعه بدليل أن كثيراً من الفقراء يأخذ الطعام ويبيعه في يومه أو غده بأقل من ثمنه فلا هو الذي انتفع بالطعام ولا هو الذي أخذ قيمة هذا الصّاع بثمن المثل فتبين بذلك أنّ إخراج القيمة أيسر على المكلف، وقد جاء في إعلان وزارة الشؤون الاجتماعية بالمملكة العربية السعودية في جريدة عكاظ (45) تحذيراً بعنوان: (الشؤون الاجتماعية تحذّر من التلاعب في زكاة الفطر) قدمت تحته صورةواحدة من صور هذا التلاعب بهذه الفريضة في العبارة التالية:
(قال مصدر مسؤول فيالوزارة: إنّ بعض هؤلاء يقومون ببيع زكاة الفطر ويتركون أولادهم بجوارهم ويوهمونالمشتري بأنهم فقراء يحتاجون الزكاة فيقوم المشتري بمنحهم ما قام بشرائه، وبعد ذلكيقوم الباعة ببيعها إلى مشتر آخر.
وأضاف: إنّ الوزارة وكافة فروعها في المناطق تشدّدعلى مثل هذه الحالات والقبض على من يزاول هذه المهنة ونصح جميع المواطنين والمقيمينبوضع الزكاة في محلها الحقيقي والانتباه من هذه الأساليب الجديدة التي تحاولاستنزاف الجيوب والإبلاغ عن أية حالة يكون فيها اشتباه) .
- وأجيب: بأنّ التعليل بدفع الحاجة يرفع وجوب الطعام بعينه، مع أنّ الحديث صريح في وجوبها فيه؛ لأن حاجة الفقير تندفع، وهذا التعليل يعود على أصله بالإبطال، من شروط صحة العلة ألا يرجع الوصف المعلل به على الأصل بالإبطال(46)
4- أنّ القيمة تمكنه من شراء ما يلزمه من الأطعمة والملابس، وسائر الحاجات؛ لأنّ حاجة الفقير الآن لا تقتصر على الطعام فقط ، بل تتعداه إلى اللباس ونحوه .
- وأجُيب: بأنّ زكاة الفطر لم تشرع لذلك ، ومن تأمل الحكمة في إيجاب الفطرة، وجد أنّها لإشباع الفقراء ذاك اليوم، لا كسوتهم، كما أن الأضحية في الأضحى لتغذية الفقير، وإطعامه اللحم، ولذا قال الإمام مالك رحمه الله: ( إنما هي زكاة الأبدان)(47)، فهو إغناء مقيّد بيوم العيد ، وليس إغناء مطلق
5- أنّ إخراج القيمة هو الأيسر بالنظر لعصرنا وخاصة في المناطق الصناعية التي لا يتعامل الناس فيها إلا بالنقود
- وأجيب : بأن إتباع الأيسر ليس هو بالأصل، ولا بالأمر الواجب، إذا لم تؤيّده الأدلة، وتعضده النصوص، وقد اتفق العلماء على أنه لا اجتهاد مع نص، وأنه لا يجوز الخروج على الحكم الشرعي المقرر إلا لضرورة قوية ولا ضرورة هنا فالطعام ميسر في الأسواق وكما أنّ الواحد منا يشتري الطعام لنفسه يشتريه للفقير كذلك، ولم يكن كل الصحابة ممّن يدخر الطعام، ولا كانوا جميعاً أصحاب زرع، بل كانوا يشترون طعامهم من الأسواق ، فثبت أنهم كانوا يشترون الطعام لإخراج الزكاة منه كذلك، ولم ير النبي مشقة تجوز لهم إخراج القيمة، فينبغي أنْ يسعنا ما وسعهم.
6- ممّا يدل على جواز إخراج القيمة ما ذكره ابن المنذر أنّ الصحابة أجازوا إخراج الصاع من القمح؛ لأنّهم رأوه معادلاً في القيمة للصاع من التمر أو الشعير ولهذا قال معاوية رضي الله عنه: إنّي أرى مُدَّيْن مِن سمراء الشام تعدل صاعاً من التمر وهو ما حكاه التابــعي الجليــل أبو إسحاق السبيعيعمّن أدركهم من السلف فيقول: (أدركتهم وهم يعطون في صدقة رمضان الدراهم بقيمةالطعام)(48) ولقد أدرك أبو إسحاق عددامن الصحابة منهم علي بن أبي طالب، والبراء بن عازب، وجابر بن سمرة، وجرير بنعمر، وعدي بن حاتم، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم. ولم ينقل عن أحد من الصحابة القولبعدم جواز إخراج القيمة، بل ثبت عن معاذ بن جبل أنه كان يأخذ القيمة من أهل اليمنبدل الحنطة والشعير، وذلك في زكاة الحبوب، ويبعث بذلك إلى النبي في المدينة، لأنهكان يرى أن القيمة أيسر على أهل اليمن من أداء الحبوب وأنفع لفقراء المهاجرين، ولميرد عن النبي أنه أنكر على معاذ، وفي ذلك دلالة قاطعة على أنّ باب الزكاة باب معقولالمعنى، ويدخله النظر والقياس، وليس أمرا تعبديا محضا، ونص الحديث الوارد بإخراجزكاة الفطر.
والجواب : أنّ ما عمل به الصحابة من إخراج نصف صاع من القمح لم يكن اجتهادا منهم ، بل كان نص صريح صحيح، فقد روى أحمد ( أدوا صاعاً من بر أو قمح) وهو في الصحيحة للألباني رحمه الله .
7- القياس: إن زكاة الأموال ـ وهي أعظم عبادة مالية في تكاليف الإسلام، يجوز اخذ القيمة فيها فكذلك الفطرة؛ لأنّ مقصودَ الزكاة أن يتخلى المكلَّف عن قدر من ثروتِه
وأجيب : بأنّه قياس مصادم للنص، فلا عبرة به -
ـ8- الزكاة حق مالي مكتسب، فتجوز فيه القيمة ؛ لأنّ تشريع زكاة الفطر وزكاة الأموال معقول المعنى، ولا يصلح إلحاقها بالسجود الذي هو عبادة توقيفية محضة لا مجال للعقل فيها.
9- النقود كانت نادرة في زمن النبي- صلى الله عليه وسلم-
وأجيب :بأن الطعام ليس نادرا اليوم حتى نعدل عنه، فالواجب لزوم السنة، ؛ إذ لو كان جائزاً لبينه ، ولأنّ تأخير البيان عنوقت الحاجة لا يجوز،فإذا كان المنصوص عليه باللسان مأذوناً فيه كان السكوت عنه ممنوعاً، وإن كان العكس فالعكس، وهو معنى قولهم : السكوت في معرض البيان يفيد الحصر، وهي قاعدة وقائية عظيمة والسكوت في مقام البيان يفيد الحصر، وما كان ربك نسياً، وهو – صلى الله عليه وسلم- أرحم بالفقراء من كل إنسان .

المطلــــب السادس: سبب الخلاف
إنّ اختلاف العلماء في هذه المسألة متولّد عن أصل مختلف فيه وهو: هل تعتبر زكاة الفطر عبادة، وقربة لله، أم هي حقٌ واجب للمساكين ؟، فغلب الجمهور معنى التعبد،فحتموا على المالك إخراج الطعام المنصوص عليه، وغلّب الحنفيّة جانب المعنى(48)

المطلــــب الســـــــابع: الترجيـــــــح
إنّ المتأمِّل في الأدلة التي أوردها الطرفين يجد أنّ الذين منعوا من إخراج القيمة نظروا إلى اللّفظ، و أنّ نظرة المجوزين كانت إلى المعنى، ولعل الوسط أن يُجمع بين الأمرين كما فعل شيخ الإسلام – رحمه الله- فيقال بالتفصيل حسب ما تقتضيه حالة المُعطى له ، فيُقيّد الجواز بالحاجة- مع الحذر من التوسع فيها- ومثال الحاجة : أن يكون المُعطى له ليس له مأوى يأوي إليه ، ولا مكان يطبخ فيه ، فإعطاؤه النقود أولى، أما إن كان المُعطى له يقدر على طبخ ما يعطى له من الطعام كأهل البادية فلا نعطيه إلا الطعام إعمالاً للنص، ولعلّه من المناسب أن نختم الكلام حول هذه المسألة بكلام قيّم لابن القيم رحمه الله- حيث قال :(الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد،وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلىالجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليستمن الشريعة، وإن دخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بينخلقه، وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتمدلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون وهداه الذي به اهتدى المهتدون،وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل وطريقه المستقيم الذي به من استقام فقد استقامعلى سواء السبيل).

الخاتمــــــــــــــــة: - نسأل الله حسنها-
منقول
أحب الصالحين ولست منهم ... ولكني بهم أرجو الشفاعة
وابغض من بضاعته المعاصي ... وإن كنا سواء في البضاعة

http://www.echoroukonline.com/montad...d.php?t=161864
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية أم سمية
أم سمية
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 15-09-2009
  • الدولة : الجزائر المحروسة
  • المشاركات : 5,722
  • معدل تقييم المستوى :

    22

  • أم سمية is on a distinguished road
الصورة الرمزية أم سمية
أم سمية
شروقي
رد: أحكام صدقة الفطــــــر
21-08-2010, 09:41 AM
بارك الله فيك أخي النقل المفيد والمبين....
[SIGPIC]
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية دائمة الذكر
دائمة الذكر
مشرفة سابقة
  • تاريخ التسجيل : 29-03-2009
  • الدولة : الجزائر
  • المشاركات : 43,269

  • زسام التحرير 

  • معدل تقييم المستوى :

    63

  • دائمة الذكر is a jewel in the roughدائمة الذكر is a jewel in the roughدائمة الذكر is a jewel in the rough
الصورة الرمزية دائمة الذكر
دائمة الذكر
مشرفة سابقة
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 


الساعة الآن 05:41 PM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى