تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
منتديات الشروق أونلاين > المنتدى الحضاري > منتدى القرآن الكريم

> حرية الرأي بين القوانين الوضعية والشريعة الإسلامية * د. حمداتي

 
أدوات الموضوع
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية tchouaka
tchouaka
عضو نشيط
  • تاريخ التسجيل : 11-08-2009
  • العمر : 38
  • المشاركات : 41
  • معدل تقييم المستوى :

    0

  • tchouaka is on a distinguished road
الصورة الرمزية tchouaka
tchouaka
عضو نشيط
حرية الرأي بين القوانين الوضعية والشريعة الإسلامية * د. حمداتي
31-08-2010, 02:40 PM
حرية الرأي بين القوانين الوضعية والشريعة الإسلامية *

د. حمداتيicon30

إن حرية التعبير عن الرأي تكاد تكون هي أول إجراء يختبر به الخالق جل جلاله المخلوق العاقل في تنفيذ التزاماته المرتكزة أساسا على أكبر نعمة ميزته عن بقية المخلوقات، يكرس لنا هذا الاستنتاج
كون الإسلام أعطى لحرية التعبير واقعا تاريخيا جسد أهميتها منذ بدء الخليقة، ويظهر ذلك الحوار الذي تم بين الخالق جل جلاله، مع عبيده المكرمين الملائكة من جهة، وبينه تقدست صفاته وبين الْأَمٍ

وأشقى مخلوق من عباده ألا وهو الشيطان من جهة أخرى..

فإذا كان هذا الحوار بعيدا عن إمكانية الندية، أو المماثلة، فإنه يبين أن الإسلام يحفظ في مصدره الأول أن الله تفضل على المخلوق العاقل بميزة العقل ومنحه حرية التعبير ليعمل ذلك العقل في تبرير أي موقف أو عمل يقدم عليه، ليتمخض عن ذلك الجزاء العادل على الوفاء أو نكث مقتضيات الالتزامات المترتبة، عليه اختبارا لتقدير نعمة هذا العقل، لنستمع إلى القرآن الكريم يستعرض ذلك عند قول الله عز وجل: "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستـكبـر وكان من الكافرين"، ثم قال جـل وعلا: "وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته و نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين ...[1 ] .

فإعلام الخالق جل وعلا لهم وأمره لهم بالسجود على سبيل الاختيار، وتمكينهم من قدرة الجواب مع تفويضهم إرادة الاختيار لسلوك السبيل الذي يرتضون، كلها مكونات تأسس لحرية التعبير عن الرأي، ثم أردف هذا التصدير بعدم جواز الإكراه في الدين بقول الله عز وجل :? لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي[2] ، قال مجاهد [3] إن هذه الآية من أعظم الحجج التي تبين عظمة الإسلام، فهي نص صريح على أن مبدأه حرية الاعتقاد، وفي هذا المبدأ يتجلى تكريم الله للإنسان، واحترام إرادته ومشاعره، فلقد ترك أمره لنفسه فيما يختص بحرية الاختيار، فبين للمسلمين أنهم ممنوعون من إكراه غيرهم على اعتناق الإسلام، وفي سبب نزولها دليل عظيم على مدى احترام الشريعة الإسلامية لحرية الرأي، قال الطبري عن ابن عباس أن رجلا من الأنصار يقال له الحصين، كان له إبنان نصرانيان، وكان هو مسلما فقال للنبي عليه الصلاة والسلام: "ألا أكرههما على الإسلام فأنزل الله عز وجل الآية الكريمة :? لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ...[4 ].

ومع حرية الرأي أسس الإسلام مبدأ الشورى، فلقد ركز صلى الله عليه وسلم هذين المبدأين في صحابته مبكرا، فرغم أن الله أخبره بأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فلقد دأب عليه الصلاة والسلام على إشراك الصحابة في القرار بمشورتهم والنزول عند رأيهم، إذا تبين أنه الصواب، وأحيانا يتخلى عن رأيه، ثم يتبع رأيهم، ولقد بدأ هذا المبدأ العظيم مبكرا في الإسلام، والسيرة النبوية فيها من الوقائع الكثير.

وهكذا فبعد أن جعل القرآن اختيار الإسلام يتم عن طريق الحوار الفكري بناء على الآية المتقدمة (لا إكراه في الدين)، أخذ يركز حرية التعبير عن الرأي من خلال محاولة إقناع الناس بجدوى الإسلام عن طريق الحسن من القول والطيب من الكلام يقول الله عز وجل: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن".

ثم ركزت مرحلة تأسيس حرية الرأي على استعمال الطيب من الكلام والحسن من القول: "وقولوا للناس حسنا[5]، ثم صدر مرحلة الدعوة بأمره للنبي عليه الصلاة والسلام بإتباع منهج الدعوة بالتي هي أحسن حتى يجذبهم بأخلاقه وبقوله الحلو الذي يفعم المشاعر يفيض من الإحساس يسوق إلى سرعة الانقياد له، فقال جل من قائل:?ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن[6]، ثم حدد السبيل العام للدعوة الإسلامية بقوله :? كنتم خير أمة أخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله، ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون[7 ].

يبدو من خلال هذا أن تاريخ نشأة نظرية حرية التعبير من منظور الشريعة الإسلامية صاحب الإنسان منذ تكوينه، علما أنه أتى متكاملا، مما يظهر أن حرية التعبير عن الرأي تزداد عظمتها في تقدير الدارسين إذ استحضروا ما كان سائدا في العالم إبان البعثة المحمدية صلى الله وسلم على صاحبها، فقد كان منطق القوة مسيطرا واستبعاد الإنسان لأخيه الإنسان مبدأ لا يناقش، فلم يكن للحق والعدالة وجود..

آثار وفروق

لم يبارح التطلع إلى حرية التعبير عن الرأي الساحة الكونية منذ بداية خلق الإنسان في الأرض فهو مبدأ مقدس لدى الصحيح من الديانات السماوية، غير أن هذه الحرية إذا لم تحمها أرضية المساواة اختلت الموازين التي تنطلق منها، لغياب الخلفية التي تحمي صاحب الرأي حتى يدلي برأيه، ولذلك قال الله في كتابه العزيز:? يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم...[8] ، والحديث الذي رواه مجاهد "الناس سواسية كأسنان المشط"، فـمبدأ حرية الرأي مقيد بمبادئ نظمتها آيات قرآنية وأحاديث مطهرة أسست قواعد يحرم علينا نحن المسلمين أن نخالفها، أو نتجاوزها، ووضح لنا التشريع الإسلامي محظورات تتعلق بهذه الحرية في مواضيع معينة منها تحريم الغيبة والتجسس والنميمة والكذب والزور، قال الله عز وجل: "ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل أحد لحم أخيه ميتا..[9]" ، قال صلى الله عليه وسلم: " فاتقوا الله في الغيبة"، ثم عرف الغيبة بأن تذكر أخاك من ورائه بما فيه من عيوب يسترها ويسوءه ذكرها".[10 ].

ثم قال الله عز وجل : "ولا تنابزوا بالألقاب" الآية [11 ]، ولما حذر من استعمال حرية الرأي التي تنهش أعراض الناس فتمس من قيمهم فتـشيع البغضاء والشك بينهم، حذر من التفاخر والتعالي والتدافع بالمال أو الجاه. وأيضا فمنع المسلمين من استخدام حرية التعبير حتى في سب الأصنام، إذا كان ذلك سيثير حفيظة عبادها فينالوا من الذات العلية.

فقال جل من قائل: "ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم [12]،" كما حذر جل جلاله من استخدام حرية التعبير في إتباع هوى النفس بالاسترسال في الكلام فيما لا يعني الإنسان ولا يجر له نفعا ولا يدفع عنه شرا ولا يحفظ عرض مسلم ولا يدفع عنه أذى، قال صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ المتقدم: "وهل يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم" [13 ]..

هذه مبادئ التحذير من استعمال حرية الرأي بطريقة تضر الآخرين، إلى درجة تهدد وحدة المجتمع وأمنه وسلامة مقدساته، وما ينجم عن ذلك من الفتن والحروب، فبعد إفساح المجال لحرية التعبير عن الرأي وتوضيح المجالات التي يحذر فيها، أخذ يوضح كيف تستخدم تلك الحرية، لتكون عاملا على انتشار الوعي لاختيار الموقف الصالح، واستقطاب المشاعر لتتم الوحدة المنشودة، ويسهم الرأي الصالح في إدراك المجتمع الكوني المتضامن، الذي يدعو إليه الإسلام..

هذه النصوص إذن هي التي تشكل مفارقة واضحة بين الشريعة والقانون، فالشريعة الإسلامية ترى حرية التعبير عن الرأي واجبة أحيانا مدعوا إليها أحيانا أخرى ومحرمة تارة أخرى، علما بأن مصدرها إلهي لا تتجاوزه الحوادث ولم تمليه ثورات سياسية أو اجتماعية، ولم يأت نتيجة إرهاصات فلسفية، بل أتت دعوة في كتاب منزل من عند الله كرست كل الاكتشافات والتطورات والوقائع صدق ما تضمنته من توجيهات، وما استشرفته من وقائع، وفي التزامات المسلمين تجاه الكونية التي تدعو إليها الشريعة الإسلامية، قال الله عز وجل: "وقولوا للناس حسنا[14] ، وقـال: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن[15] ، وقال: "ولو كنت فضا غليظ القلب لانفضوا من حولك[16 ].

وتتأكد المفارقات الشاسعة بين التشريعين من حيث المصدر فنصوص حرية التعبير عند المسلمين مصدرها القرآن والسنة، وبذلك فهي ليست منحة من الحاكمين والاستجابة لمطالب شعوب ملت من الكبت ومصادرة كل الحقوق، بما فيها حرية التعبير عن الرأي، وأيضا ليست نابعة عن افتراضات ترتبط بوقائع محددة، إذا تجاوزتها التطورات الكونية أصبحت متجاوزة ويستلزم ذلك ضرورة تعديلها، أو التخلي عنها، وهي إضافة إلى ذلك ليست لطائفة دون أخرى ولا لجهة دون جهة، ولم تخاطب أحدا من أبناء الإنسانية دون أحد، وبذلك فهي تكاملت منذ أكثر من أربعة عشر قرنا يقول الله جل جلاله: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا [17 ] .

إن هذه المجموعة من المبادئ والقيم والقواعد التي نظمت حرية التعبير في الإسلام، تجد في مقابلها في العالم المسيحي واليهودي تلفيقات نتجت عن تحريفات رجال الدين أو منحا انتزعتها الشعوب بكفاحها من الحاكمين بعد أن ملت استبدادهم، أو تنافسا من الأطراف على كسب أصوات الناخبين في عالم المؤسسات الديمقراطية، على وجه بلغ من شغف الرغبة في كسب الأغلبية ما نتج عنه التخلي عن القيم، لتترك الساحة لفوضى ما أصبح يطلق عليه حرية التعبير، وقوانين حرية الصحافة بصفة في غالب أحوالها تترك تلك الحرية على إطلاقها، مما جعل الأعراض والأموال هدفا لتناول أقلام سفهاء حرية الرأي، فداسوا بذلك قيم الإنسان الدينية والاجتماعية والسياسية، ورغم مضرة ذلك فإن حصر تنامي الإحساس بضرورة ابتكار الصالح من حرية الرأي ليس جديدا، فكل طغيان للحكم كان يصاحبه استنكار بالرأي أولا، ولما ينجم عن ذلك من قمع المجاهرين بقول الحق تعالت صيحات الشعوب بـضرورة إصدار التشريعات التي تتضمن حرية التعبير عن الرأي .

واستجابة لتطلعات الشعوب، وإسكاتا لتعالي صيحاتهم تتابعت المحاولات لسن قوانين، تمنح الإنسان ما أمكن من حرية التعبير عن الرأي حسب آراء فلاسفة وحاكمي ومشرعي البلاد الديمقراطية، وحسب اختيار حاكمي البلاد الديكتاتورية، وذلك من عهد البابليين إلى عهد الإغريق فالرومان ومرورا بالعصور الوسطى وما ابتكره الفلاسفة من خلال ذلك من توهم اعتبار العقد الاجتماعي، لنصل إلى وثيقة العهد البريطانية..

كل هذه الفترات تمخضت عنها محاولات لاستصدار قوانين تجعل حدا لمصادرة حرية التعبير عن الرأي، ليبلغ ذلك أوجه ضمن ميثاق قانون استقلال الولايات المتحدة الذي نادى بالمساواة، ومنح الأفراد حق التعبير، ثم يأتي قانون حقوق الإنسان في التشريع الفرنسي، الذي ركز على أن الناس سواسية في الحقوق والواجبات محطما بذلك الفوارق السلالية والدينية، هذا التدرج التشريعي لا يجادل أي مكابر في المحسوس في أنه حقق للإنسان مكاسب هامة على مسار تنامي المطالبات بضرورة تمكين الإنسان من فرصة حرية التعبير عما يجيش في صدره، وبما أننا نرصد أوجه التلاقي والاختلاف بين التشريعين الوضعي والإسلامي، وتبعا لما سبقت الإشارة إليه في شأن الأصول التي تستقى منها النظريات الإسلامية، يجدر بنا أن نصاحب أحد الباحثين القانونيين وهو يلخص ينابيع روافد التشريع الوضعي..

لقد لخص الدكتور محمد الضريف أحد رجال القانون في المغرب تلك الروافد فقال ما مضمونه، "عرفت الفلسفة الغربية لحقوق الإنسان تدرجا متنوع النشأة من حيث المصدر والمكان، يدرك كنه ذلك من تدرج الدولة بين الدولة الحارسة (الدولة الليبرالية) والدولة التدخلية (الدولة الاشتراكية)، فالدولة الحارسة، تبنت حقوق الإنسان منذ سنة 1789، بتشريع رجال الثورة الفرنسية، وبذلك اقتصر دور الدولة على ثلاث وظائف هي:

1. وظيفة الدفاع

2. وظيفة الأمن

3. وظيفة القضاء

"وباعتبار الدولة الليبرالية حارسة، فهي سلبية لا تتدخل في شؤون مواطنيها" وإن عدم هذا التدخل في شؤون الأفراد، هو الذي جعل حرية التعبير يجمح زمامها من يد الحاكمين، فأصبحت حرية تتناول مجالات فضولية تخيف الكثيرين، وتجعل الغوغاء تستعمل الوشاية والقذف بصفتهما أساسا لحرية التعبير ومبادئ مستخدمة في الساحة الليبرالية، دون إمكانية تـمييز الصالح من هذه الحرية من غيره، مما أوشك أن يجرد حرية الرأي من أهميتها بسبب تحطيمها للمقدسات، وانتهاك الأعراض وإشعال فتيل الفتن، لأن هذا الحق ورد في جميع مختلف المواثيق عاما لم يقيد بقيد ولم يفصل كما يتضح من استحضار نص المادة 19 من ميثاق حقوق الإنسان.

قال الدكتور محمد الضريف أن أحد الباحثين الفرنسيين حدد خمسة مصادر لإعلان حقوق الإنسان استنبطت من آراء بعض الفلاسفة وبعض النصوص التشريعية من ذلك.

أولا: مونتسكيوا الذي اقتبست من كتابه روح الشرائع فكرة فصل السلطات.

ثانيا: روسو الذي أخذت عنه فكرة السيادة الوطنية .

ثالثا: التجربة الانجليزية التي تعتبر الحريات السياسية ضمانة للحريات العامة.

رابعا: التجربة الأمريكية، المولعة بإعلان المبادئ العامة والمجردة [18 ].

خامسا: فلاسفة القرن الثامن عشر وعلى رأسهم لوك الذين أكدوا احتفاظ الإنسان بحقوقه الطبيعية رغم إبرامه العقد الاجتماعي" [19 ].

إن هذه المصادر تؤكد شيئين أساسيين أولهما محدودية أصول هذه القوانين وضيق أفق روافدها، لأنها ترتبط بمصالح وإحساس الفئات التي أصدرتها، وبالتالي فإن مجرد تحول المصالح المتجددة عن مقتضيات النصوص القديمة تصبح تلك القوانين متجاوزة وتفرض مصالح المجتمع تعديلها أو سن قوانين غيرها، لا نجادل في أهمية هذه القوانين والدور الذي لعبته في إنقاذ عدد كبير من أبناء البشرية من قسوة الظلم والاستبداد، وتنمية وعي الإنسانية فمكنت من درك كثير من المكتسبات لا يمكن للدولة اعتصارها أو التلاعب بها، لكن لا يمكن أن نجزم بأن نصوصها ومساطر تطبيقها ستبقى هي نفسها لدى الأجيال الإنسانية الصاعدة.

وأيضا يلاحظ تنوعها وعدم اتحاد ألفاظها ومحتوياتها، بحسب ذوق ومصلحة أي شعب وحكم كل بلد، لتبقى حقوق الإنسان ومن بينها حرية التعبير متنوعة ومتفاوتة من بلد إلى بلد ومن إنسان إلى إنسان، فيبقى بذلك التساوي الذي دعت إليه حبرا على ورق، وتبقى قاصرة عن كونية القواعد المنظمة لمختلف العلاقات البشرية.

هذا عند الملاحظة الأولى، أما الملاحظة الثانية فهي تسامي المنهج الإسلامي عن هذه الرواسب، لأن دعوته كونية يريد لجميع البشر أن يؤمنوا بخالقهم فتتحد كلمتهم، وتتوحد مصالحهم وتتفق القواعد التي تضبط سلوكهم وتحكم علاقاتهم المختلفة. وتصبح الدولة مسؤولة عن كل فرد منهم عن سلامة عرضه من إذاية غيره وعن التربية التي تهذب منطقة وتقوم سلوكه، وتجعله يعيش في كون كل فرد فيه يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه.

لذا فإن حرية التعبير عن الرأي في الشريعة الإسلامية ليست هوية كلامية يسترزق بها السفهاء من حملة القلم العاطلين عن العمل دون أن يطلعوا في كثير من أحوالهم على نظم بلادهم ما يجوز فيها وما يحظر وما هي التزاماتها تجاه الدول المعاهدة والصديقة، بينما في الشريعة الإسلامية تخالف غيرها من الديانات السماوية لكونها لم تكن في فترة من فتراتها تخول لا رجال الدين و لا الحكام سلطة تكبت أصحاب الرأي عن إبداء رأيهم، حتى في مواجهة الحاكمين لإرجاعهم عن غيهم، وزجر من رام استغلال الدين لمصالحه الذاتية منهم تطبيقا لقول الله عز وجل:? إن الله يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون[20 ] .

حرية التعبير والفقه الإسلامي

هذا المحور يتناول أهم جانب من جوانب حرية الرأي في التشريع الإسلامي، لأن هذا المحور يتعلق بالجانب التشريعي من تلك الحرية ليستنتج من خلال ذلك، أن الإسلام أسس حرية التعبير عن الرأي بقرون كثيرة قبل التشريع الوضعي، إضافة إلى أنه تجاوز في تقنينها كل المحاولات التي نسبت في شأنها إلى الديانات السماوية، لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبالأخص سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام في حواره مع الطاغية فرعون، وفي مناظراته مع السحرة، إضافة إلى مناجاته مع ربه، تأكدنا نحن المسلمين أنه أرسل ليخلص قومه من جحيم الوثنية، ومن إرهاب السحرة، ومن تفشي الخطيئة، ولكن لم يبق أمامنا من آثار تنسب إليه بصفة قطعية إلا ما نسب إليه القرآن، إذن نصدق برسالته وبجهوده الإصلاحية، ونتوقف عن اعتماد ما لـفـق من أكاذيب ليست في تورات.

ونفس الإيمان نعتقده عن رسالة سيدنا المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، فنصدق بأناجيله التي نزلت عليه من الله، ونعلم أنه أراد التسامح والمحبة وقول الحسنى للناس، ولكن نشك في صدق ما قذفت به أقلام رجال الدين من تحريفات حاولت من خلاله توجيه الإنسان المسيحي لخدمتهم قبل عبادة الخالق، ليتسنى لنا بالجزم بأن تأصيل تمكين الإنسان من حرية التعبير عن رأيه بصفة كونية تبناها التشريع الإسلامي قبل أي دين أو أي تشريع آخر، وندرك أن الرأي لعب دورا أساسيا في التشريع الإسلامي في ابتكار الأحكام، وتأسيس مصادر التشريع كالاجتهاد والاستنباط والقياس، وضبط النوازل، واستخدام الترجيح مطالبا من القاضي الاسترشاد برأي غيره، إذا أعوزه الدليل لنازلة ما أن يستـنبط من رأي غيره، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر الناس مشورة لأصحابه، إذ روي عنه أنه صلى الله عليه وسلم كان يستشيرهم في جل الأمور.

ونرى فقهاء المذاهب يؤكدون على ذلك، ففي الفقه الحنفي قال السرخسي: "الرأي فيما لا تعلم حقيقته كاليقين قال: صلى الله عليه وسلم: "المؤمن ينظر بنور الله تعالى، ثم استعرض آراء الصحابة رضوان الله عليهم في كثير من الوقائع التي لم يرد فيها نص صريح، و أورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينمي الحوار بالرأي بين أصحابه ومن ذلك أن رجلا جاء متأخرا للمسجد فصلى مسرعا في صلاته، فقال الصحابة رضي الله عنهم أخَّرها ولم يحسن أداءها فقال النبي عليه الصلاة والسلام (ألا أحد منكم يشتري منه صلاته) فقام أبو هريرة فساومه حتى قال له الرجل لو أعطيتني مال الدنيا لم أعطها فرجع أبو هريرة رضي الله عنه فأخبر النبي بذلك فقال لهم: "ألم أنهكم عن المصلين"، يستنتج من هذا كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام يشجع أصحابه على الحوار البناء.

فيتضح من هذا أنهم استخدموا حرية الرأي في الإفادات والمعاملات والعبادات، وكل ما يوضح غامضا أو ينبه غافلا أو يرشد حائرا أو يساعد من هو في ضائقة أو يعلم جاهلا، فإنهم استخدموا فيه الرأي الصالح ويقتبسون ذلك من سنة النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، فلقد كان يستشير أصحابه رضي الله عنهم وأضاف السرخسي قائلا، حدثنا حميد قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق فشاورهم في الأمر" أي: لتريهم أنك تسمع منهم وتستعين وإن كنت عنهم غنيا، تؤلفهم بذلك على دينهم.

وقال آخرون، بل أمره بذلك ليبين له الرأي وأصوب الأمور في التدبير، لما علم في المشورة تعالى ذكره من الفضل [21 ].

لكن حرية الرأي السياسي المتعلق بالأخبار إيضاحا وتبليغا أو تبادل المشورة والمعارف لا يمكن أن يكون على حساب مقدسات طرف من أطراف الحوار، قال السيد قطب في هذا الشأن: "وأولى مراتب النفاق أن يجلس المؤمن مجلسا يـسمع فيه آيات الله يكفر بها ويستهزئ بها، فيسكت ويتغاضى، يسمى ذلك تسامحا، أو يسميه دهاء، أو يسميه سعة صدر وافق، إيمانا بحرية الرأي وهي الهزيمة الداخلية تدب في أوصاله، وهو يموه على نفسه في أول الطريق، إلى أن قال: إن الحمية لله، ولدين الله، ولايات الله."

إذن فالفقه الإسلامي اقتباسا من الكتاب والسنة، يتعامل مع حرية الرأي بصفتها وسيلة لتخليص العباد من رق العبودية لغير الله، ولقد وضح هذا المبدأ داود عبد الأحد عندما أشفق على النصارى من التمادي في عبادة ترهات: "تكرار الكلام عن الدماء واللحوم وذبح الذبائح وإحراق المحارق، والكاهن والأسرار، والصليب والشفعاء، وعن الإنجيل، والدعاة، وعن الناقوس، والكنيسة، وفيما إذا كان الرب ثلاثة أو واحدا"، بعد أن استعرض أسماء كثير من المصطلحات والتحريفات المنسوبة إلى الدين الحق الذي دعى إليه المسيح عليه الصلاة والسلام، والذي حاشاه من أن يتضمن تلك الخرافات قال: (نريد دينا صافيا وبسيطا ليتمكن الناس من أن يأتوا فيقدموا تعظيم خالقهم، وتضرعهم بكل حرية إلى حضرة الله تعالى ملك الناس من غـير واسطة ما، وأن إله ملكوتنا الأزلي الأبدي ليس كمثله شيء ما، ولا يشغله شيء عن شيء".

"إن أديان الوثنية هي التي تشبه الرب المعبود بالملوك الظالمين" ففوضى حرية التعبير هي التي خالطت تصرف معتنقي الديانات غير دين الإسلام، فجرتهم إلى هذه التحريفات التي جردت الكتب المقدسة من قداستها وجعلتها تتنوع كل فترة لخدمة رجال الدين من بيع وكنائس، ولو تم الحوار بحرية الرأي المجردة وتمت المقارنة بينها، وبين نصوص الشريعة الإسلامية، لتبين لهم أن النصوص المقدسة عندنا نحن المسلمين ثابتة قطعية من عهد النبي الكريم عليه الصلاة والسلام لا مجال فيها لتحريف عالم ولا رجل دين بل هي نفسها التي تعبد بها الصحابة ومن تبعهم من السلف الصالح، ونحن ولله الحمد على أثرهم سائرون.

ثم مد السيد داود عبد الأحد اليد لحوار منصف يكرس حرية الرأي، فقال: "أيها النصارى أليس من الممكن أن نجعل كل محبتنا وطاعتنا في التعبد لله وحده، فلا نقيم الصلوات ولا نوحد الدعوات إلى المخلوقات، ولا ننزل لهم فنهبط إلى درك عبادتهم"[22 ] .

ولابد من الإشارة إلى أن حرية الرأي عندنا نحن المسلمين لم تترك فوضى في فترة من فترات تاريخ الإسلام بأن تتحرر من قيود الموضوعية، واحترام مقدسات الآخرين، ويكرس هذا المبدأ في أصدق صوره ما لخصه الأستاذ عبد الرحمان بن حماد آل عمر حين يقول: "وأعطى الله الحرية في الرأي في الإسلام على شرط ألا يتنافى ذلك الرأي مع تعاليم الإسلام، فأمر المسلم أن يقول كلمة الحق أمام كل أحد لا تأخذه في الله لومة لائم، وجعل ذلك من أفضل الجهاد وأمره بأن يناصح ولاة الأمر" [23 ]، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمظالم، وألا يركن ولا يقبل الرأي المخالف لأوامر الله لأن ذلك هدم للشريعة الإسلامية.

ويرى جل المتخصصين في الأصول أن محمد بن إدريس الشافعي ألهم العلماء الطريق السوي التي تمكنهم من حرية الرأي العلمي، برسمه للناس الطريق السوي للاجتهاد ولجعل حرية التعبير في الشريعة الإسلامية في خدمة العقيدة وتوازن سير مؤسسات الأمة..

ولتحقيق ذلك قرر علماء الأزهر في فتاويهم، (الرقابة على المساجد) وذلك بقولهم: "إن الحرية مكفولة فيما يسوغ فيه الاجتهاد، مع الحفاظ على وحدة الصف، وعدم تفريق الجماعة ..."[24 ]، وفي تصديهم لذكر الكتب والمجلات والصحف ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة ركز علماء الأزهر على الالتزام بالقيم وضرورة نقل الخبر الصادق، فما دامت كذلك فإن القوانين تضمن لها نجاحها لأداء رسالتها، ثم رسموا لها منهجا لخصه المؤلف في النقاط التالية:

1. التزام الصدق في نقل الأخبار.

2. نشر المعلومات المفيدة، التي تحكمها القيم الدينية والقوانين الصحيحة.

3. الحيدة في التعليق وعدم التحيز عند تقديم الآراء.

4. البعد عن نقد الثوابت من قواعد الدين.

5. إذا كانت القوانين تحمي حرية الرأي والصحافة فليس معنى ذلك أنها حرية مطلقة.

هذه أكبر هيأة في الإفتاء في الفقه الإسلامي تضع ضوابط مستخلصة من مقاصد الشرع، ومنسجمة مع توجه كل علماء الإسلام، الذين نـهاهم الله حتى عن سب الكفار بقوله عز وجل: "ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسب الله عدوا بغير علم[25 ].

وهناك تحليل مهم في كتاب الأستاذ عبد القادر عودة يقول فيه: "وإذا كان لكل إنسان الحق في أن يقول ما يعتقد أنه الحق ويدافع بلسانه وقلمه عن عقيدته فإن حرية القول ليست مطلقة بل هي مقيدة بأن لا يكون ما يكتب أو يقال خارجا عن حدود الآداب العامة والأخلاق الفاضلة، أو مخالفا لنصوص الشريعة، وقد قررت الشريعة حرية القول من يوم نزولها، وقيدت في الوقت نفسه هذه الحرية بالقيود التي تمنع من العدوان وإساءة الاستعمال، فكان أول من رسم له منهج الدعوة والحرية المسلمون لأنهم مطالبون بتقديم النموذج بسلوكهم وأقوالهم ثم أضاف في كتاب التشريع الجنائي مقارنا بالتشريع الوضعي:

يمكن "أن نرى صلاحية نظرية الشريعة إذا علمنا أن المشرعين الوضعيين بعد تجاربهم الطويلة ينقسمون اليوم قسمين: قسم يرى حرية القول دون قيد إلا فيما يمس النظام العام، وهؤلاء لا يعيرون الأخلاق أي اهتمام، وتطبيق رأيهم يؤدى دائما إلى التباغض والتنابذ ثم القلاقل والثورات وعدم الاستقرار، وقسم يرى تقييد حرية الرأي في كل ما لم يخالف رأي الحاكمين ونظرتهم للحياة، وتطبيق رأي هؤلاء يؤدي إلى كبت الآراء الحرة وإبعاد العناصر الصالحة عن الحكم يؤدي في النهاية إلى الاستبداد ثم القلاقل والثورات.

ونظرة الشريعة تجمع بين هاتين النظريتين اللتين تأخذ بهما دول العالم، ذلك أن نظرية الشريعة تجمع بين الحرية والتقيد، فهي لا تسلم بالحرية على إطلاقها ولا بالتقيد على إطلاقه، فالقاعدة الأساسية في الشريعة هي حرية القول، والقيود على هذه الحرية ليست إلا فيما يمس الآداب أو النظام العام"[26 ] .

ويرى علماء الأزهر أن حرية الرأي مكفولة فيما يسوغ فيه الاجتهاد، المحافظة على وحدة الصف وعدم تفريق الجماعة، وإمام المسجد هو المسؤول عن ذلك، هذا الرأي وجه أساسا لأئمة المساجد، ليتقيدوا بضوابط حرية التعبير أثناء خطبة الجمعة التي تعتبر منابر حرة أسبوعيا على امتداد الرقعة الإسلامية.

وفي فتاوى الأزهر أيضا، لا حدّ لحرية الرأي والفكر في الإسلام إلا الحفاظ على أصول الدين وأركان الإسلام وقيمه وحدوده ورعاية المصالح العامة" [28]. وفيه أيضا فحرية الرأي المنضبطة بضوابط الشرع، تبني المجتمع الإسلامي وتصحح أخطاءه وتبصره بطريقة الدراية والفلاح في أموره العامة"[29 ] .

يتجلى من هذه النصوص والفتاوى والآراء أن الذي حرر الرأي من قيود الكبت والمصادرة، وسن له ضوابط تجعله أداة توحيد ووسيلة إصلاح وتوجيه هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جاء معلنا للحرية ومبشرا بها وداعيا إليها، كما أمر بحرب الباطل ومحاججة الكذابين والمبطلين، ومحاورة الكافرين ليبين للجميع الرشد من الغي، بـوحي من الله جل شأنه الذي لم يترك لرسوله حرية القول على إطلاقها، فرسم له طريقة الدعوة وبين له منهاج القول ..." فقال له وجادلهم بالتي هي أحسن"[30 ].

ضمانات الحرية بين التشريعين الإسلامي والوضعي

تختلف تلك الضمانات من حيث مستوى النصوص الضامنة، ففي الفقه الإسلامي تلك الحرية مكفولة بأصول ثابتة يجب على المسلمين إتباعها واحترام المبادئ الناجمة عنها، بينما حرية التعبير في القوانين الوضعية هي قرارات برلمانية، أو مواثيق دولية تتعرض دائما للتغير، ويقع الخلاف على فحواها، وحتى على تطبيقها، فنحن مثلا لا نستطيع أن نسمح لـوسيلة من وسائل الإعلام المرئية أو المكتوبة أن تنال من عرض أحد بكذب، لأنه قبل مسؤولية القذف والعقاب عليها قانونا، فإن هناك جريمة الكذب التي هي من الكبائر في الإسلام وبالتالي فأي مؤمن يمتلك وسيلة للإعلام حرة أو تابعة للدولة، يمنع عليه الكذب والقذف والغيبة ويدرك مباشرة أنه تترتب عليه مسؤولية أمام الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

على هذا الأساس يبيح الإسلام المعارضة المشروعة التي لم تعرفها الإنسانية أول مرة إلا من خلال نصوص الشريعة الإسلامية، إلا أن حرية التعبير فيها لا يمكن أن تستبيح أعراض المشاكسين لصاحب الرأي أثناء نقده الواقعة التي يعارض إذ تحتم عليه نصوص الشريعة عدم الكذب في وصف ما يعارض، وعدم التنغيص من صاحب الرأي الذي لا يوافق، وعدم التعصب إذا ظهر الحق مع الرأي الذي يخالف.

ثم يستمر الوجوب ليحول بين المسلم وبين الإذايـة بالقول "لا يحب الله الجهر بالسوء من القول"2. وفي الحديث الذي رواه البخاري عن أبي بكر قال؛ قال: "النبي صلى الله عليه وسلم فروى الحديث الطويل إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام: "فإن دماءكم، قال محمد احسبه قال وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكن هذا، في بلدكم هذا"[31 ].

وفي تفسير الخازن لنفس الآية عن أبي بكر قال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض ...ثم استعرض الحديث الطويل إلى أن قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا" الحديث الذي رواه الصحاح كلهم والمسانيد بروايات مختلفة.

وفي حديث أبي هريرة مرفوعا: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار" وفي كتاب الإيمان: "فيجب على المسلم أن يحتاط لدينه، فلا يتلفظ بشيء فيه ما يخرج به من الدين ويجب على من وقع به شيء من ذلك، النطق بالشهادتين فورا، والاستغفار والندم، إذن المسلم عليه رقابة صرامة تحصر حرية التعبير عنده في الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، [32] أو إصلاح أمر المسلمين، أو دفع ظلم، أو إرجاع أخ مسلم عن الظلم، أو نهي عن محرم، أو إشهاد بحق طلب منه، أو تعلم علم أو تعليمه، وغير ذلك يعتبر من لغو الكلام المنهي عنه قال الله عز وجل: ? ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد[33 ] .

ولقد سنت مناهج مختلفة لمعالجة حرية التعبير عن الرأي فمثلا (الأنظمة الاشتراكية تحصر تلك الحرية في عدم النيل من المبادئ الاشتراكية، أما العالم الليبرالي الغربي، فـلا يمكن المساس بمقدسات الدولة: النظام الجمهوري، أو الملكي حسب نص الدستور، وكذلك عدم النيل من رئيس الدولة، إضافة إلى الدين والأسرة والقوميات، وحتى عدم المساس بحرية الدول الصديقة في إطار ما يفسد حسن العلاقات معها!

وبذلك فـهذه الأمم والدول أفسحت المجال لحرية الرأي بشرط ألا تمس بالرموز التي أضفت عليها هالة من القدسية بسبب قوانين من صنع أيديها، وكل يوم تطيح برمز من تلك الرموز التي كانت مقدسة)،[34 ] فتتحول عنها اختياراتها وفي مقابل ذلك نراها تتغاضى عن وسائل إعلامها عندما تسيء إلى غيرها من أبناء البشرية الأخرى متناسية أنها وافقت على ما سمي بحقوق الإنسان، التي يتجاهلونها عندما يتعلق الأمر بغيرهم، وأيضا يضعون ضوابط لحرية الرأي، ثم يتغاضون عن سفهائهم يسلقون مقدسات غيرهم بألسنة حداد، ويضعون سقفا يسمى النظام العام، يهدر كل تصرف أو تشريع أو قول يمس به ولا يتحرجون إن مست تلك القواعد عند الآخرين، كما يحرصون على احترام مشاعر مجتمعاتهم، وكأن مشاعر غيرهم لا تثير خدشا في تلك الحقوق، ولا يشكل النيل منها خروجا بحرية التعبير عن ضوابطها المعدة لها.

والحقيقة أن الغرب لو كان محقا في ضوابط حرية التعبير متشبثا بحقوق الإنسان مخلصا لما قرر في دساتيره من واجب احترام الأديان، لما ترك سفهاءه تحت ذريعة حرية التعبير ينتهكون النظام العام للمسلمين، يمزقون مشاعرهم ويضربون بعرض الحائط أقدس مقدساتهم بالإساءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وتتمادى وسائل إعلامهم المرئية والمسموعة من حين لآخر في هذا الهدم للقيم وإثارة الفتن بين شعوب العالم المنضوية تحت لواء الأمم المتحدة، وكأن الإنسانية حقوقها لا تهم إلا أمريكا وأوربا ، وهذه من المفارقات الأساسية بين الحرية التي مرجعها الشريعة الإسلامية، مع نفس الحرية لدى أصحاب القوانين، فمثلا لا يستطيع الحكام ولا العلماء أن يغيروا من الالتزامات المتبادلة التي ترتبها نصوص الشريعة على الأمة تجاه ولاة الأمور، ولا هم تجاه أفراد تلك الأمة، ولا ما يمس من المبادئ العامة للمعاهدات لتأمين سلامة المعاهدين والذميين، فهذا كله ليس موكولا لاختيار ولاة الأمور، وإنما هو محدد في مبادئه العامة بحكم الآيات والأحاديث.

وهكذا نرى القرآن الكريم يحدد الضوابط التي تحكم تعايش المسلمين مع غيرهم من أبناء البشرية من غير المسلمين قال الله في كتابه العزيز: :? لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يجب المقسطين[35 ] ، إن اختصاص الحاكم هنا ينحصر في البحث عن أحسن السبل لتطبيق هذا التوجيه الرباني، أما أنه يستطيع تغيره، أو تعطيل أحكامه، فذلك أمر ليس له داخل حيز دائرة التشريع الإسلامي، بعكس نظم تستطيع كل حكومة تغييرها أو تعديلها إن رأت في ذلك مصلحتها.

وهذا يعكس ما درجت عليه الدول المنضوية تحت أحكام القوانين الوضعية التي رأينا نماذج من نصوصها، ليتضح الفرق بين التشريعين، علما أن بعض التشريعات الغربية تلتقي مع مبادئ الشريعة الإسلامية، في بعض المجالات، مما يسهل سن ضوابط يحترم من خلالها بعضنا البعض، فمثلا الولايات المتحدة تمنع التحريض على الإطاحة بالحكومة بالقوة بحسب قانون صدر سنة 1940، ولو كان هدفه قطع الطريق على تطلعات الشيوعيين آنذاك، هذا القانون يسير في مبادئ الحديث الشريف الذي رواه البخاري فقال: حدثنا مسدد حدثنا يحي بن سعيد القطان حدثنا الأعمش حدثنا زيد بن وهب قال سمعت عبد الله قال؛ قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها قالوا فما تأمرونا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم[36 ].

وفي مسند ابن رَاهَوَيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا نبي بعدي" قالوا فما يكون يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يكون خلفاء بعضهم إثر بعض فمن استقام منهم ففوا لهم بيعتهم، ومن لم يستقم فأدوا إليهم حقهم وسلوا الله الذي لكم"37 ].

هذا يدل على أن إصلاح الأمور بالحوار وبتجنب العنف هي من ابتكارات الشريعة الإسلامية، فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يقل لهم انتزعوا حقوقكم بسيوفكم، ولكن أمرهم بالطاعة والاعتماد على الله الذي يكفي المظلوم شر الظالم، وفي كتاب المستشار البهنساوي أن النظم الديمقراطية الرأسمالية، الحرية فيها ليست حقا مطلقا بغير قيود ولا شروط، ولكنها قيود وضوابط لصالح هذه النظم، من تلك القيود:

1) حماية أمن الدولة.

2) حماية عقيدة الشعب.

3) حماية الأفراد وعدم الإضرار بالآخرين، فضلا عن ذلك، فإنه في حالات الطوارئ وإعلان الحرب تضع الدولة الرقابة التامة على الصحف، كما قال أن الكونغريس الأمريكي سبق أن شكل لجانا لرقابة مدى ولاء المواطنين للنظام الرأسمالي"[38 ] .

وتبقى أمريكا دائما تربط حرية الرأي بمصالحها. ففي المرجع السابق في ترجمة صدرت سنة 2002 لكتاب ( روسيا وأمريكا جيران الباسفيكي) والثقافة مؤلفه "المسترجون فوستردلاس" الذي أصبح أشهر وزير خارجية للولايات المتحدة، لما ألف كتابه منعته المخابرات الأمريكية من الصدور، لأنه في نظر تلك المخابرات يؤدى إلى التقارب بين العملاقين ، وذلك في غير صالح الولايات المتحدة آنذاك.

أما الإسلام فإن الحرية وضوابطها وقيودها ليست متروكة لحرية الأفراد حاكمين أو محكومين، قال الله في كتابه العزيز :? يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلنكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم[39 ] .

وفي حديث معاذ المتقدم، وفي شطره القائل " وهل يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم" خير دليل على أن حرية التعبير في الإسلام مقيدة بشروط لا يمكن تجاوزها وستظل تلك الحرية مكرسة لتركيز المساواة، وتأصيل المحبة والاخوة وإزالة الفوراق بين بني البشرية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم: يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى ، [40 ] لازالت أرقى الدساترة اليوم لم تصل إلى هذا التنصيص الذي تخلت فيه الآية الكريمة والحديث النبوي الشريف عن المجمل من القول، فسنا أحكاما تفصيلية، لم يترك فيها مجال للتفسير بالقرائن وغيرها، فكل تجاوز يتطاول على حق إحدى الفئات أو الأفراد أو السلات التي وردت في هذه الآية وهذا الحديث فهو مردود لدى النظم الإسلامية.

ولذا فإن المسلمين يجدون أنفسهم على اتفاق تام مع أي أمة أو دولة أو منظمة أو هيأة أو مؤسسة، أو حزب أو صحيفة، اهتمت بالدفاع عن حقوق التعبير النافعة للإنسان، التي ترسخ في وجدان الأجيال القادمة ضرورة احترام حرية التعبير عن الرأي وحفظ الحقوق التي تصون كرامة الأفراد والجماعات، وتعمل على فتح الفرص أمامهم ليتم تكوينهم، ولكن نتساءل عن النفع الذي يرجع على أي إنسان من الإساءة إلى شعور المؤمنين بالله بالنيل من الرسل عليهم الصلاة والسلام، وما ينجم عن فتح بؤر للفتن والحروب التي تهدد أمن ومصالح جميع أبناء البشرية.

الخلاصة

وفي الأخير، نرى أن حوارا منصفا وجادا بين الأديان من جهة، وبينها وبين القوانين الوضعية، من جهة أخرى سيعمل على إخراج بني البشر من عواقب الاستخفاف بالقيم الذي أخذ يستشري في جسم البشرية اليوم، وما يخشى أن يجره على الإنسانية من حروب وفتن لن تؤدي إلا إلى تحطيم صروح الحضارة التي بناها الإنسان على مر الدهور، وفي ختام هذا البحث نرى من المفيد أن نركز على ما ورد في كتاب بحوث ندوة القرآن الكريم تحت إشراف وزارة الأوقاف والدعوة والإرشاد، بالمملكة العربية السعودية الذي أتى فيه بالحرف "إن الشرع أعطى الدولة حق تغيير هذه الحرية إذا أصبحت سبيلا للإفساد وتعريض المجتمع للتفكك والاعتداء على مقدساته وأخلاقه، فالإسلام هنا وسط بين النظم الدكتاتورية المكممة للأفواه، والنظم التي تفتح المجال للحريات حتى تتحول إلى فوضى يمارس من خلالها التضليل ونشر المجون والإلحاد، ولكن ذلك لا يعني أن يتجاوز الحاكم حدود المصالح، التي تقتضيها الشريعة لسد منافذ حرية الرأي، استبدادا باسم المصلحة، فهذا جـور على الدين لا إتباع له ..." [41 ].

هذا وإذا كانت حرية التعبير عن الرأي في الإسلام تحكمها ضوابط سير المجتمع وحماية أعراض الناس وفق نصوص الكتاب والسنة واجتهاد السلف الصالح، فإن إكراهات الحيرة العالمية، التي بقدر استخفافها بالقواعد الدينية والقيم الأخلاقية، فإن ذلك تسبب في تطور حرية التعبير عن الرأي إلى الأسوأ، فأصبح القذف حرية رأي، والكذب سياسة، والخلاعة حقا مقدسا، والاعتداء على الآخرين أمنا قوميا، والنهي عن الخلاعة ظلامية، وأصبحت نساء مسلمات، معطلات لأحكام الشريعة، وهن اللواتي ورد فيهن الحديث الشريف الذي رواه النسائي في سننه فقال: حدثني زهير بن حرب قال حدثنا جرير عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال؛ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات رؤسهن كأسنة البخت، المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا" [42 ]. لقد تقدم الاستدلال بهذا الحديث.

هذه ضوابط تعاليم ديننا التي إن مارسناها نتمتع بحرية التعبير عن الرأي وحسن السلوك، ونقدم المسلم رائدا للمجتمع الكوني الذي حينئذ سنقوده إلى تحقيق عالم يختفي منه الظلم والاستبداد والسب والتعالي، لكن إذا كانت تلك تعاليم ديننا، فإن مرد استخفاف الآخرين سببه استخفافنا نحن بتلك المبادئ والتعاليم، التي يريدنا الإسلام من خلالها رائدين متبوعين لا تابعين، سالبين لا مستلبين.

عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي

منقول...
MDarik%2FMDALayout#ixzz0yBsd4RwT
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 


الساعة الآن 02:08 PM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى