تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
 
أدوات الموضوع
  • ملف العضو
  • معلومات
محمد تلمساني
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 16-07-2009
  • المشاركات : 2,226
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • محمد تلمساني will become famous soon enough
محمد تلمساني
شروقي
من سب الصحابة ومعاوية فأمه هاوية
20-11-2011, 08:34 PM



من سب الصحابة ومعاوية فأمه هاوية



تأليف/ الشيخ محمد بن عبد الرحمن المغراوي

مقدمة:

إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ))[آل عمران:102].

(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ))[النساء:1].

(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ))[الأحزاب:70-71]

وبعد:

فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى، وخير الهدي هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

سبب التأليف:

لما رأيت قوافل الرفض المشئومة، وجراد العذاب تحلّق في أجواء الدُّخان الناتج عن احتراق مزابل من الجيَف، ضاربة أقنابها في القدم وهي مستنقع روافده، جمعت كل أجناس النجاسات والقاذورات، ويطيب لكثير من الهوام العفنة ألا تتنفس إلا في هذه الأوحال، وتبح في هذه البحار المحظورة التي حذَّر منها كل معافى، فخفت على الشباب في بلاد المغرب الذي عافاه الله من هذه الكوارث التي حلَّت بغيره من بلاد المشرق، وإن كان بعض مخلَّفات الرفض طار شررها إلى هذا البلد؛ وذلك بحكم التناسب الصوفي، وعادت المذاهب الهدامة تغير على البلاد التي في عافية من أمرها، وسيَّما في غياب السُّنة وموت أهلها.

جمعت هذا الجزء المبارك لعلَّه يكون وقاية وحماية لشباب المغرب خاصة، وباقي الشباب في بقية البلاد. والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه، وأن يكون شفاعة عند لقائه؛ إنه سميع مجيب. تعظيم قدر الصحابة

أولاً: من القرآن الكريم:

قال الله تعالى: (( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ))[الفتح:29].

قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: (وهذا الوصف لجميع الصحابة عند الجمهور).

قال القرطبي رحمه الله: (قوله تعالى: (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ))[الفتح:29] أي: وعد الله هؤلاء الذين مع محمد وهم المؤمنون الذين أعمالهم صالحة (( مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ))[الفتح:29] أي: ثواباً لا ينقطع وهو الجنَّة، وليست (من) في قوله (مِنْهُمْ) مبعّضة لقوم من الصحابة دون قوم، ولكنها عامَّة مجنسة، مثل قوله تعالى: (( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ ))[الحج:30]. لا يقصد للتبعيض؛ لكنه يذهب إلى الجنس، أي: فاجتنبوا الرجس من جنس الأوثان، إذا كان الرجس يقع من أجناس شتى منها: الزنا والربا وشرب الخمر والكذب، فأدخل (من) يفيد بها الجنس وكذا (منهم) أي: من هذا الجنس، يعني: جنس الصحابة.

وقال ابن إدريس رحمه الله: (لا آمن أن يكونوا قد ضارعوا الكفار –يعني: الرافضة-؛ لأن الله تعالى يقول: (( لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ))[الفتح:29]([1])).

قال أبو عروة الزبيري رحمه الله: (كنا عند مالك فذكروا رجلاً ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ مالك هذه الآية: (( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ))[الفتح:29].

قال مالك: (من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام فقد أصابته الآية)([2]).

ونقل القرطبي هذا الأثر وعزاه للخطيب ثم قال: (لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله، فمن نقص واحداً منهم أو طعن عليه في روايته فقد ردَّ على الله رب العالمين، وأبطل شرائع المسلمين)([3]).

قال الله تعالى: (( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ))[الحشر:8]، (( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ))[الحشر:10].

قال شيخ الإسلام رحمه الله في (منهاج 2/18): (وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار، وعلى الذي جاءوا من بعدهم يستغفرون لهم، ويسألون الله ألا يجعل في قلوبهم غلاً لهم، وتتضمن أن هؤلاء الأصناف هم المستحقون للفيء.

ولا ريب أن هؤلاء الرافضة خارجون من الأصناف الثلاثة، فإنهم لم يستغفروا للسابقين الأولين، وفي قلوبهم غلّ عليهم، ففي الآيات الثناء على الصحابة وعلى أهل السنة الذين يتولونهم، وإخراج الرافضة من ذلك، وهذا نقيض مذهب الرافضة.

وقد روى ابن بطَّة وغيره من حديث أبي بدر عن سعد بن أبي وقاص قال: [[ الناس على ثلاث منازل، فمضت منزلتان وبقيت واحدة، فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، ثم قرأ: (( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ))[الحشر:8] هؤلاء المهاجرون وهذه منزلة قد مضت. ثم قرأ: (( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ))[الحشر:9]. ثم قال: هؤلاء الأنصار وهذه منزلة قد مضت.ثم قرأ: (( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ))[الحشر:10]. فقد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة، فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت أن تستغفروا الله لهم ]].

قال ابن أبي العز رحمه الله: (فمن أضل ممن يكون في قلبه غلٌّ على خيار المؤمنين وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيين؟ بل قد فضلهم اليهود والنصارى بخصلة، قيل لليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وقيل للنصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب عيسى، وقيل للرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد!! لم يستشنوا منهم الا القليل، وفيمن سبُّوهم من هو خير ممن استثنوهم بأضعاف مضاعفة)([4]).

قال الشوكاني رحمه الله: (أمرهم الله سبحانه بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يطلبوا من الله سبحانه أن ينزع من قلوبهم الغل للذين آمنوا على الإطلاق، فيدخل في ذلك الصحابة دخولاً أولياً، لكونهم أشرف المؤمنين، ولكون السياق فيهم، فمن لم يستغفر للصحابة على العموم ويطلب رضوان الله لهم فقد خالف ما أمره الله به في هذه الآية، فإن وجد في قلبه غلاً لهم فقد أصابه نزغ من الشيطان، وحل به نصيب وافر من عصيان الله بعداوة أوليائه وخير أمة نبيه صلى الله عليه وسلم، وانفتح له باب من الخذلان يفد به على نار جهنم، إن لم يتدارك نفسه باللجوء إلى الله سبحانه والاستغاثة به؛ بأن ينزع عن قلبه ما طرقه من الغل لخير القرون وأشرف هذه الأمة، فإن جاوز ما يجده من الغل إلى شتم أحد منهم، فقد انقاد للشيطان بزمام، ووقع في غضب الله وسخطه، وهذا الداء العضال إنما يصاب به من ابتلي بمعلم من الرافضة، أو صاحب من أعداء خير الأمة الذين تلاعب بهم الشيطان، وزين لهم الأكاذيب المختلفة والأقاصيص المفتراة والخرافات الموضوعة،وصرفهم عن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المنقولة إلينا بروايات الأئمة الأكابر في كل عصر من العصور، فاشتروا الضلالة بالهدى، واستبدلوا الربح الوافر بالخسران العظيم، وما زال الشيطان الرجيم ينقلهم من منزلة إلى منزلة، ومن رتبة إلى رتبة حتى صاروا أعداء كتاب الله وسنة رسوله وخير أمته وصالحي عباده وسائر المؤمنين، وأهملوا فرائض الله وهجروا شعائر الدين، وسعوا في كيد الإسلام وأهله كل السعي ورموا الدين وأهله بكل حجر ومدر، والله من ورائهم محيط)([5]).

وقال الزبير بن بكار: ثنا عبد الله بن ابراهيم بن قدامة اللخمي عن أبيه عن جده عن محمد بن علي عن أبيه قال: [[ جلس قوم من أهل العراق فذكروا أبا بكر وعمر فنالوا منهما، ثم ابتدءوا في عثمان، فقال لهم: أخبروني أأنتم من المهاجرين الأولين (( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ))[الحشر:8]؟ قالوا: لا، قال: فأنتم من الذين قال الله فيهم: (( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ))[الحشر:9]؟ قالوا: لا، فقال لهم: أما أنتم فقد أقررتم وشهدتم على أنفسكم أنكم لستم من هؤلاء ولا من هؤلاء، وأنا أشهد أنكم لستم من الفرقة الثالثة الذين قال الله عز وجل فيهم: (( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ ))[الحشر:10] الآية، فقوموا عني لا بارك الله فيكم ولا قرب دوركم، أنتم مستهزئون بالإسلام ولستم من أهله ]]([6]).

واستحق الروافض الأخباث والأنجاس هذه العقوبة؛ لأنهم وقعوا في أعراض أفضل الأمم بعد الأنبياء وحملة الشريعة الغراء إلى أقاصي البلاد، الذين بذلوا في سبيل ذلك الغالي والنفيس؛ فالطاعن فيهم طاعن في الدين وبعيد عن سبيل المؤمنين، سالك لسبيل المعتدين المجرمين، واقع في حبائل الغوي المبين، متوعد بالعذاب المهين.

ورحم الله شيخ الإسلام إذ يصف سوء حالهم فيقول عنهم: (أمة ليس لها عقل صريح ولا نقل صحيح، ولا دين مقبول، ولا دنيا منصورة، بل هم من أعظم الطوائف كذباً وجهلاً، ودينهم يدخل على المسلمين كل زنديق ومرتد، كما دخل في النصيرية والإسماعيلية وغيرهما، فإنهم يعمدون إلى خيار الأمة يعادونهم، وإلى أعداء الله من اليهود والنصارى والمشركين يوالونهم، ويعمدون إلى الصدق الظاهر المتواتر يدفعونه، وإلى الكذب المختلق الذي يُعلَم فسادَه يقيمونه؛ فهم كما قال فيهم الشعبي -وكان من أعلم الناس بهم-: لو كانوا من البهائم لكانوا حُمراً، ولو كانوا من الطير لكانوا رخماً، ولهذا كانوا أبهت الناس وأشَّدهم فرية، مثل ما يذكرون عن معاوية، فإن معاوية ثبت بالتواتر أنه أمرّه النبي صلى الله عليه وسلم كما أمر غيره وجاهد معه، وكان أميناً عنده يكتب الوحي؛ وما اتهمه النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة الوحي، وولاه عمر بن الخطاب الذي كان من أخبر الناس بالرجال، وقد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه ولم يتهمه في ولايته)([7]).

وقال تلميذه شيخ الإسلام الثاني ابن القيم رحمه الله تعالى بعد ما ذكر الجهمية والفرعونية والباطنية: (والرافضة الذين هم بحبائل الشيطان متمسكون، ومن حبل الله منقطعون، وعلى مسبة أصحاب رسول الله عاكفون، وللسنة وأهلها محاربون، ولكل عدو لله ورسوله ودينه مسالمون، وكل هؤلاء عن ربهم محجوبون وعن بابه مطرودون، أولئك أصحاب الضلال وشيعة اللَّعين، وأعداء الرسول وحزبه)([8]).

وقال سبحانه وتعالى: (( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ))[الحديد:10].

والحسنى هي الجنة كما ورد مرفوعاً وموقوفاً من طرق كثيرة مستفيضة. واستدل ابن حزم رحمه الله تعالى بقوله تعالى: (( وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ))[الحديد:10] أن جميع الصحابة بدون استثناء من أهل الجنة مقطوع بذلك.

ورضي الله عنهم من فوق سبع سماوات في قوله (( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ))[الفتح:18]. وفي قوله: (( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ))[التوبة:100].

قال البغوي رحمه الله تعالى: (قال أبو صخر حميدة بن زيادة: أتيت محمد بن كعب القرظي فقلت له: ما قولك في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة محسنهم ومسيئهم، فقلت: من أين تقول هذا؟ قال: اقرأ قوله تعالى: (( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ))[التوبة:100].

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فيا ويل من أبغضهم أو سبهم أو أبغض أو سب بعضهم ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم، أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة رضي الله تعالى عنه، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم، عياذاً بالله من ذلك؛ وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة، وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من رضي الله تعالى عنهم، وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضي الله عنه ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله، وهم متبعون لا مبتدعون ويقتدون ولا يبتدون، ولهذا هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون)([9]).

قال ابن تيمية رحمه الله: (والرضا من الله صفة قديمة، فلا يرضى إلا عن عبد علم أنه يوافيه على موجبات الرضا، ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه أبداً، إلى أن قال: فكل من أخبر الله عنه أنه رضي الله عنه فإنه من أهل الجنة، وإن كان رضاه عنه بعد إيمانه وعمله الصالح؛ فإنه يذكر ذلك في معرض الثناء عليه والمدح له، فلو علم أنه يتعقب ذلك بما يسخط الرب لم يكن من أهل ذلك)([10]).

وقال ابن حزم رحمه الله تعالى: (أخبرنا الله عز وجل أنه علم ما في قلوبهم ورضي عنهم وأنزل السكينة عليهم، فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم ولا شك فيهم ألبتة).

والآيات القرآنية في مدحهم وتعظيم قدرهم كثيرة منها:

قوله تعالى: (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ))[آل عمران:110].

وقوله تعالى: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ))[البقرة:143].

فمن المخاطب وقت نزول الآيتين غير الصحابة؟ فهم المخاطبون بذلك خطاباً أولياً، فثبت خيريتهم رضي الله تعالى عنهم على كافة الناس غير الأنبياء، وجعلهم الله شهداء على الناس يوم القيامة لفضلهم وشرفهم وعلو منزلتهم.

ومنها قوله تعالى: (( يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ))[التحريم:8].

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (وفي الجملة كل ما في القرآن من خطاب المؤمنين والمتقين والمحسنين ومدحهم والثناء عليهم، فهم –أي: الصحابة- أول من دخل في ذلك من هذه الأمة، وأفضل من دخل في ذلك من هذه الأمة)([11]).

ثانياً: من السنة النبوية الصحيحة:

قال صلى الله عليه وسلم: { لا تسبّوا أحداً من أصحابي فان أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه }([12]).

قال شيخ الإسلام: (وذلك أن الإيمان الذي كان في قلوبهم حين الإنفاق في أول الإسلام وقلة أهله، وكثرة الصوارف عنه، وضعف الدواعي إليه لا يمكن لأحد أن يحصل له مثله من بعدهم. وهذا يعرف بعضه من ذاق الأمر، وعرف المحن والابتلاء الذي يحصل للناس، وما يحصل للقلوب من الأحوال المختلفة. وهذا مما يعرف به أن لأبا بكر رضي الله تعالى عنه لن يكون أحد مثله، فان اليقين والإيمان الذي كان في قلبه لا يساويه فيه أحد، قال أبو بكر بن عياش: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في قلبه. وهكذا سائر الصحابة حصل لهم بصحبتهم للرسول -مؤمنين به مجاهدين معه- إيمان ويقين لم يشركهم فيها من بعدهم)([13]).

وقال العلامة الشوكاني: (فانظر إلى هذه المزية العظيمة، والخصيصة الكبيرة التي لم تبلغ من غيرهم إنفاق مثل الجبل الكبير من الذهب نصف المد الذي ينفقه الواحد منهم، فرضي الله عنهم وأرضاهم.

فهم أفضل أولياء الله سبحانه وأكرمهم عليه، وأعلاهم منزلة عنده، وهم الذين عملوا بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم)([14]).

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: { خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم }الحديث([15]).

وهو خبر متواتر([16]) وقد رواه جمع من الصحابة الكرام منهم: أبو هريرة وعبد الله بن مسعود وعمران بن حصين والنعمان بن بشير وعائشة وبريدة وأبو برزة وعمر بن الخطاب وسمرة وسعد بن تميم وجعد بنت هبيرة وجميلة بنت أبي لهب([17]).

وقال صلى الله عليه وسلم: { من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين }([18]).

قال الإمام الآجري: (ومن سبهم فقد سب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن سب رسول الله استحق اللعنة من الله عز وجل ومن الملائكة ومن الناس أجمعين)([19]).

وقال أيضاً: (لقد خاب وخسر من سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه خالف الله ورسوله ولحقته اللعنة من الله عز وجل ومن رسوله ومن الملائكة ومن جميع المؤمنين، ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، لا فريضة ولا تطوعاً، وهو ذليل في الدنيا، وضيع القدر، كثّر الله بهم القبور، وأخلى منهم الدور)([20]).

قال المناوي: { من سب أصحابي } أي: شتمهم { فعليه لعنة الله والملائكة والناس } أي: الطرد والبعد عن مواطن الأبرار ومنازل الأخيار، والسب والدعاء من الخلق (أجمعين) تأكيد لمن سب، أو الناس فقط، أي: كلهم. وهذا شامل لمن لابس القتل منهم؛ لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون، فسبهم كبيرة، ونسبتهم إلى الضلال أو الكفر كفر)([21]).

وقال صلى الله عليه وسلم: { النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون }([22]).

قال ابن القيم رحمه الله: (… جعل نسبة أصحابه لمن بعدهم كنسبته إلى أصحابه، وكنسبة النجوم إلى السماء، ومن المعلوم أن هذا التشبيه يعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيهم صلى الله عليه وسلم، ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم، وأيضاً فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أمنة لهم، وحرزاً من الشر وأسبابه)([23]).

وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: { يأتي على الناس زمان يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: نعم، فيفتح لهم }([24]).

وقال صلى الله عليه وسلم: { استوصوا بأصحابي خيراً، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم }.

وفي رواية: { أحسنوا إلى أصحابي }، وفي رواية: { احفظوني في أصحابي }، وفي رواية: { أكرموا أصحابي }، وفي أخرى: { أوصيكم بأصحابي }([25]).

وقال صلى الله عليه وسلم: { لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني وصاحبني، والله لا تزالون بخير مادام فيكم من رأى من رآني وصاحب من صاحبني، والله لا تزالون بخير مادام فيكم من رأى من رأى من رآني وصاحب من صاحب من صاحبني }([26]).

وقال صلى الله عليه وسلم: { إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا }([27]).

ومعنى: { إذا ذكر أصحابي فأمسكوا } قال أبو الحسن الأشعري في (رسالته إلى أهل الثغر) (ص:172): (قال أهل العلم: ومعنى ذلك لا تذكروهم إلا بخير الذكر).

وقال صلى الله عليه وسلم: { إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته }([28]).

ولا شك عند كل ذي عقل سليم وخلق كريم ودين قويم أن الصحابة هم أول من يتصف بالولاية اتصافا أولياً.

قال الشوكاني رحمه الله: (اعلم أن الصحابة لاسيما أكابرهم الجامعين بين الجهاد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعلم بما جاء به، وأسعدهم الله سبحانه وتعالى بمشاهدة النبوة وصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السراء والضراء، وبذلهم أنفسهم وأموالهم في الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى، حتى صاروا خير القرون بالأحاديث الصحيحة. فهم خيرة الخيرة؛ لأن هذه الأمة هي كما أكرمهم الله به بقوله: (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ))[آل عمران:110] وكانوا الشهداء على العباد كما في القرآن العظيم فهم خير العباد جميعاً، وخير الأمم سابقهم ولاحقهم، وأولهم وآخرهم، وهؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم هم خير قرونهم، وأفضل طوائفهم إلى يوم القيامة.

فتقرر بهذا أن الصحابة رضي الله عنهم خير العالم بأسره من أوله على آخره، لا يفضلهم أحد إلا الأنبياء والملائكة، ولهذا لم يعدل مثل أحد ذهباً مد أحدهم ولا نصيفه.

فإذا لم يكونوا رأس الأولياء، وصفوة الأتقياء، فليس لله أولياء ولا أتقياء ولا بررة ولا أصفياء.

وقد نطق القرآن الكريم بأن الله قد رضي عن أهل بيعة الشجرة، وهم جمهور الصحابة إذ ذاك.

وثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم ثبوتاً متواتراً أن الله سبحانه اطلع على أهل بدر، فقال: { اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم }([29]). وشهد النبي صلى الله عليه وسلم لجماعة منهم بأنهم من أهل الجنة.

فقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: { من عادى لي ولياً } يصدق عليهم صدقاً أولياء، ويتناولهم بفحوى الخطاب.

فانظر أرشدك الله إلى ما صارت الرافضة أقمأهم([30]) الله تصنعه بهؤلاء الذين هم رءوس الأولياء ورؤساء الأتقياء، وقدوة المؤمنين وأسوة المسلمين، وخير عباد الله أجمعين من الطعن واللعن والثلب والسب والشتم والثلم، وانظر إلى أي مبلغ بلغ الشيطان الرجيم بهؤلاء المغرورين المجترئين على هذه الأعراض المصونة المحترمة المكرمة.

فيا لله العجب من هذه العقول الرقيقة، والأفهام الشنيعة، والأذهان المختلة والإدراكات المعتلة!! فإن هذا التلاعب الذي تلاعب بهم الشيطان يفهمه أقصر الناس عقلاً، وأبعدهم فطانة، وأجمدهم فهماً، وأقصرهم في العلم باعاً، وأقلهم اطلاعاً، فإن الشيطان لعنه الله سول لهم بأن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم الذين لهم المزايا التي لايحيط بها حصر، ولا يحصيها حد ولا عد، أحقاء بما يهتكون من أعراضهم الشريفة، ويجحدون من مناقبهم المنيفة، حتى كأنهم لم يكونوا هم الذين أقاموا أعمدة الإسلام بسيوفهم، وشادوا قصور الدين برماحهم، واستباحوا الممالك الكسروية، وأطفئوا الملة النصرانية والمجوسية، وقطعوا حبائل الشرك من الطوائف المشركة من العرب وغيرهم، وأوصلوا دين الإسلام إلى أطراف المعمورة من شرق الأرض وغربها ويمينها وشمالها، فاتسعت رقعة الإسلام، وطبقت الأرض شرائع الإيمان، وانقطعت علائق الكفر وانقصمت حباله، وانفصمت أوصاله، ودان بدين الله سبحانه الأسود والأحمر، والوثني والملي.

فهل رأيت أو سمعت بأضعف من هؤلاء تميزاً، وأكثر منهم جهلاً، وأزيف منهم رأياً؟! يا لله العجب يعادون خير عباد الله وأنفعهم للدين، الذي بعث به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم!! وهم لم يعاصروهم، ولا عاصروا من أدركهم، ولا أذنبوا إليهم بذنب، ولا ظلموهم في مال ولا دم ولا عرض، بل صاروا تحت أطباق الثرى وفي رحمة واسع الرحمة منذ مئات السنين، وما أحسن ما قاله بعض أمراء عصرنا، وقد رام كثير من أهل الرفض أن يفتنوه ويوقعوه في الرفض: (مالي ولقوم بيني وبينهم زيادة على اثنتي عشرة مائة من السنين). وهذا القائل لم يكن من أهل العلم بل هو عبد صيره مالكه أميراً، وهداه عقله إلى هذه الحجة العقلية التي يعرفها بالفطرة كل من له نصيب من عقل؛ فإن عداوة من لم يظلم المعادي في مال ولا دم ولا عرض، ولا كان معاصراً له حتى ينافسه فيما هو فيه، يعلم كل عاقل أنه لا يعود على الفاعل بفائدة، هذا على فرض أنه لا يعود عليه بضرر في الدين، فكيف وهو من أعظم الذنوب التي لا ينجي فاعلها إلا بعفو الغريم المجني بظلمه في عرضه؟!!

انظر عافاك الله! ما ورد في غيبة المسلم من الوعيد الشديد من أنها ذكر الغائب بما فيه كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيانه لما سأله السائل عن ذلك، ثم سأله عن ذكره بما ليس فيه فجعل ذلك من البهتان، كما هو ثابت في الصحيح، ولم يرخص فيها بوجه من الوجوه.

وقد أوضحنا ذلك في الرسالة التي دفعنا بها([31]) ما قاله النووي وغيره من جواز الغيبة في ست صور، وزيفنا ما قالوه تزييفاً لا يبقى بعده شك ولا ريب، ومن بقي في صدره حرج وقف عليها، فإنها دواء لهذا الداء الذي هلك به كثير من عباد الله سبحانه.

فإذا كان هذا حراماً بيننا، وذنباً عظيماً في غيبة فرد من أفراد المسلمين الأحياء الموجودين، فكيف بغيبة الأموات التي صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النهي عنها بقوله: { لا تسبّوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدّموا }([32]). فكيف إذا كان هؤلاء المسبوبون الممزقة أعراضهم المهتوكة حرماتهم هم خير الخليقة، وخير العالم كما قدمنا تحقيقه، فسبحان الصبور الحليم!!

فيا هذا المتجرئ على هذه الكبيرة المقتحم على هذه العظيمة، إن كان الحامل لك عليها والموقع لك في وبالها هو تأميلك الظفر بأمر دنيوي، وعرض عاجل، فاعلم أنك لا تنال منه طائل، ولا تفوز منه بنقير ولا قطمير.

فقد جربنا وجرب غيرنا من أهل العصور الماضية، أن من طلب الدنيا بهذا السبب الذي فتح بابه الشيطان الرجيم، وشيوخ الملاحدة من الباطنية والقرامطة والإسماعيلية تنكدت عليه أحواله وضاقت عليه معايشه، وعاندته مطالبه، وظهر عليه كآبة المنظر، وقماءة الهيئة ورثاثة الحال، حتى يعرفه غالب من رآه أنه رافضي، وما علمنا بأن رافضياً أفلح في ديارنا هذه قط، وإن كان الحامل لك على ذلك الدين فقد كذبت على نفسك، وكذبك شيطانك وهو كذوب.

فإن دين الله هو كتابه وسنة رسوله، فانظر هل ترى فيهما إلا الإخبار لنا بالرضا عن الصحابة، وأنهم أشداء على الكفار، وأن الله يغيظ بهم الكفار، وأنه لا يلحق بهم غيرهم، ولا يماثلهم سواهم.

وهم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وأنفقوا بعده كما حكاه القرآن الكريم، وهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيله. وهم الذين قاموا بفرائض الدين، ونشرها في المسلمين، وهم الذين وردت لهم في السنة المطهرة المناقب العظيمة، والفضائل الجسيمة عموماً وخصوصاً، ومن شك في هذا نظر في دواوين الإسلام؛ وفيما يلتحق بها من المسانيد والمستدركات والمعاجيم ونحوها، فإنه سيجد هنالك ما يشفي علله ويروي غلله، ويرده عن غوايته، ويفتح له أبواب هدايته.

هذا إذا كان لا يدري بهذا ويزعم أن له سلفاً في هذه المعصية العظيمة والخصلة الذميمة، فقد غره الشيطان بمخذول مثله، ومفتون مثل فتنته، وقد نزه الله عز وجل علماء الإسلام سابقهم ولاحقهم ومجتهدهم ومقلدهم عن الوقوع في هذه البلية الحالقة للدين، المخرجة لمرتكبها من سبيل المؤمنين إلى طريق الملحدين.

موقف أهل البيت من الصحابة:

فإن زعم أنه قد قال بشيء من هذا الضلال المبين قائل من أهل البيت المطهرين، فقد افترى عليهم الكذب البين والباطل الصراح؛ فإنهم مجموعون سابقهم ولاحقهم على تعظيم جانب الصحابة الأكرمين، ومن لم يعلم بذلك فلينظر في الرسالة التي ألفتها في الأيام القديمة التي سميتها (إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي) فإني نقلت فيها نحو أربعة عشر إجماعا عنهم، من طرق مروية عن أكابرهم وعن التابعين لهم المتمسكين بمذهبهم.

فيا أيها المغرور بمن اقتديت، وعلى من اهتديت، وبأي حبل تمسكت، وفي أي طريق سلكت، يا لك الويل والثبور، كيف أذهبت دينك في أمر يخالف كتاب الله سبحانه، وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويخالف جميع المسلمين منذ قام الدين إلى هذه الغاية؟! وكيف رضيت لنفسك أن تكون خصماً لله سبحانه ولكتابه ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولسنته ولصحابته ولجميع المسلمين؟!!! أين يتاه بك، وإلى أي هوة يرمى بك؟! أنى تخرج نفسك من هذه الظلمات المتراكمة إلى أنوار هذا الدين الذي جاءنا به الصادق المصدوق عن رب العالمين، وأجمع عليه المسلمون أجمعون، ولم يخالف فيه مخالف يعتد به في إجماع المسلمين، اللهم إلا أن يكون رافضياً خبيثاً، أو باطنياً ملحداً، أو قرمطياً جاحداً، أو زنديقاً معانداً([33]).

ثالثاً: أقوال السلف الصالح والعلماء والتابعين لهم بإحسان:

قال ابن عمر رضي الله عنهما: [[ لا تسبوا أصحاب محمد فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم أربعين سنة ]] وفي رواية: [[ خير من عبادة أحدكم عمره ]] ([34]).

عن ميمون بن مهران قال: قال لي ابن عباس: [[ احفظ عني ثلاثاً: إياك والنظر في النجوم، فإنه يدعو إلى الكهانة، وإياك والقدر، فإنه يدعو إلى الزندقة، وإياك وشتم أحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فيكبك الله في النار على وجهك ]]([35]).

وقالت عائشة رضي الله عنها: [[ أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه و سلم فسبوهم ]]([36]).

وروى مسلم في صحيحه { أن عائذ بن عمرو وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخل على عبيد الله بن زياد فقال: أي بني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن شر الرعاء الحطمة، فإياك أن تكون منهم، فقال له: اجلس فإنما أنت من نخالة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قال: وهل كانت لهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم، وفي غيرهم }.

قال النووي رحمه الله في شرح مسلم: ({ إن شر الرعاء الحطمة } قالوا: هو العنيف في رعيته لا يرفق بها في سوقها ومرعاها بل يحطمها في ذلك وفي سقيها وغيره ويزحم بعضها ببعض بحيث يؤذيها ويحطمها).

قوله: { إنما أنت من نخالتهم } يعني: لست من فضلائهم وعلمائهم وأهل المراتب منهم، بل من سقطهم، والنخالة هنا الاستعارة من نخالة الدقيق وهي قشوره، والنخالة والحقالة والحثالة بمعنى واحد.

قوله: { وهل كانت لهم نخالة إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم } هذا من جزل الكلام وفصيحه وصدقه الذي ينقاد له كل مسلم، فإن الصحابة رضي الله عنهم كلهم هم صفوة الناس وسادات الأمة وأفضل ممن بعدهم، وكلهم عدول قدوة لا نخالة لهم، وإنما جاء التخليط ممن بعدهم، وفيمن بعدهم كانت النخالة.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: [[ إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه ]]([37]).

وقال أيضاً: [[ من كان متأسياً فليتأس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قوماً اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، فاعرفوا لهم الفضل واتبعوهم في آثرهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ]]([38]).

قال الإمام مالك رضي الله عنه: (هذا النبي مؤدب الخلق الذي هدانا الله به، وجعله رحمه للعالمين، يخرج في جوف الليل إلى البقيع فيدعو لهم ويستغفر كالمودع لهم؛ وبذلك أمره الله، وأمر النبي بحبهم وموالتهم، ومعاداة من عاداهم)([39]).

وقال أيضاً: (إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي صلى الله عليه وسلم فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه؛ حتى يقال: رجل سوء، ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين)([40]).

كان ذلك كذلك؛ لأن الصحابة حمى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. ولله در من قال([41]):

وكن على حب النبي عاكفا إياك أن ترى له مخالفاً

ثم قال:

والله فاتقيه في أصحابه فالخوض فيهم هو في جنابه

وقد أحسن من قال([42]):

وصحابه فهم العدول وجرحهم جرح لدين الواحد الديان
ضل الروافض ويحهم أو مادروا أن الصحابة عدلوا بقرآن

وقال الشافعي: (أثنى الله تبارك وتعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله وهنأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين، فهم أدوا لنا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم عاماً وخاصاً وعزماً وإرشاداً، وعرفوا من سننه ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر واستدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا والله أعلم)([43]).

قال الإمام أحمد: (إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام)([44]).

وقال أيضاً: (من تنقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينطوي إلا على بلية، وله خبيئة سوء؛ إذ قصد إلى خير الناس وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبك)([45]).

وقال أيضاً: (من شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نأمن أن يكون قد مرق عن الدين)([46]).

وقال في رواية: (ما أراه على الإسلام).

وقال أيضاً: (ومن السنة ذكر محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم أجمعين، والكف عن الذي شجر بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو واحداً فهو مبتدع رافضي، وحبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآرائهم فضيلة)([47]).

قال أبو نعيم: (فمن سبهم وأبغضهم وحمل ما كان من تأويلهم وحروبهم على غير الجميل الحسن فهو العادل عن أمر الله تعالى وتأديبه ووصيته فيهم، ولا يبسط لسانه فيهم إلا من سوء طويته في النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته والمسلمين)([48]).

قال النووي رحمه الله: (واعلم أن سب الصحابة رضي الله عنهم حرام من فواحش المحرمات، سواء من لابس الفتنة منهم وغيره؛ لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون)([49]).

قال ابن حجر الهيتمي: (عد ما ذكر –أي: بغض الأنصار وشتم واحد من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين- كبيرتين، وهو ما صرح به غير واحد وهو ظاهر، وقد صرح الشيخان وغيرهما أن سب الصحابة كبيرة، قال جلال البلقيني: (وهو –أي: سب الصحابة- داخل تحت مفارقة الجماعة، وهو الابتداع المدلول عليه بترك السنة، فمن سب الصحابة رضي الله عنهم أتى كبيرة بلا نزاع)([50]). ثم قال أيضاً: (فقد نص الله تعالى على أنه رضي عن الصحابة في غير آية، قال تعالى: (( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ))[التوبة:100] فمن سبهم أو واحداً منهم فقد بارز الله بالمحاربة ومن بارزه أهلكه وخذله، ومن ثم قال العلماء: إذا ذكر الصحابة بسوء كإضافة عيب لهم وجب الإمساك عن الخوض في ذلك، بل ويجب إنكاره باليد ثم باللسان ثم بالقلب على حسب الاستطاعة كسائر المنكرات، بل هذا من أشرها وأقبحها، ومن ثم أكد النبي صلى الله عليه وسلم التحذير من ذلك بقوله: { الله الله } أي: احذروا عذابه وعقابه، على حد قوله: (( وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ))[آل عمران:28]، وكما تقول لمن تراه مشرفاً على الوقوع في نار عظيمة: النار النار، أي: احذرها.

وتأمل أعظم فضائلهم ومناقبهم التي نوه بها صلى الله عليه وسلم حيث محبتهم محبة له وبغضهم بغض له، وناهيك بذلك جلالة لهم وشرفاً، فمحبتهم عنوان محبته وبغضهم عنوان بغضه).

ثم قال أيضاً (أي: ابن حجر الهيتمي): (وإنما يعرف فضل الصحابة من تدبر سيرهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآثرهم الحميدة في الإسلام في حياته وبعد مماته، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وأكمله وأفضله، فقد جاهدوا في الله حق جهاده، حتى نشروا الدين وأظهروا شرائع الإسلام، ولولا ذلك منهم ما وصل إلينا قرآن ولا سنة ولا أصل ولا فرع، فمن طعن فيهم فقد كاد أن يمرق من الملة؛ لأن الطعن فيهم يؤدي إلى انطماس نورها (( وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ))[التوبة:32]).

وقال محمد بن بشار: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: (أحضر جنازة من سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لو كان من عصبتي ما ورثته).

وقال أحمد بن عبد الله بن يونس: باع محمد بن عبد العزيز التيمي داره وقال: (لا أقيم بالكوفة، بلد يشتم فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم).

قال ابن السمعاني رحمه الله في الاصطلام* (التعرض إلى جناب الصحابة علامة على خذلان فاعله، بل هو بدعة وضلالة)([51]).

قال أيوب السختياني: (ومن أحسن الثناء على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد بريء من النفاق، ومن ينتقص أحداً منهم أو بغضه لشيء كان منه فهو مبتدع مخالف للسنة والسلف الصالح، والخوف عليه ألا يرفع له عمل إلى السماء، حتى يحبهم جميعاً ويكون قلبه لهم سليماً)([52]).

قال أبو زرعة الرازي: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق؛ وذلك أن الرسول عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا؛ ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة)([53]).

وروى الخطيب بسنده إلى عبد الله بن مصعب قال: (قال لي أمير المؤمنين المهدي -هو الخليفة العباسي أبو عبد الله محمد بن أبي جعفر عبد الله المنصور-: يا أبا بكر! ما تقول فيمن ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: قلت: زنادقة، قال: ما سمعت أحداً قال هذا قبلك، قال: قلت: هم قوم أرادوا رسول الله بنقص فلم يجدوا أحداً من الأمة يتابعهم على ذلك، فتنقّصوا هؤلاء عند أبناء هؤلاء، وهؤلاء عند أبناء هؤلاء، فكأنهم قالوا: رسول الله يصحبه صحابة السوء، فقال: ما أراه إلا كما قلت).

والبدعة الخبيثة ذيلاً هو أشر ذيل وويلاً هو أقبح ويل، وهو أنهم لما علموا أن الكتاب والسنة يناديان عليهم بالخسارة والبوار بأعلى صوت عادوا السنة المطهرة، وقدحوا فيها وفي أهلها بعد قدحهم في الصحابة رضي الله عنهم، وجعلوا المتمسك بها من أعداء أهل البيت ومن المخالفين للشيعة ولأهل البيت، فأبطلوا السنة المطهرة بأسرها، وتمسكوا في مقابلها، وتعوضوا عنها بأكاذيب مفتراة مشتملة على القدح المكذوب المفترى في الصحابة وفي جميع الحاملين للسنة المهتدين بهديها، العاملين بما فيها، الناشرين لها في الناس من التابعين وتابعيهم إلى هذه الغاية، ووسموهم بالنصب والبغض لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأولاده، فأبعد الله الرافضة وأقماهم، أيبغض علماء السنة المطهرة هذا الإمام الذي تعجز الألسن عن حصر مناقبه، مع علمهم بما في كتب السنة المطهرة من قوله صلى الله عليه وسلم: { لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق }([54])، وما ثبت في السنة من أنه يحبه الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم؟! يا لهم الويل الطويل، والخسار البالغ.

أيوجد مسلم من المسلمين، وفرد من أفراد المؤمنين بهذه المثابة؟! سبحانك هذا بهتان عظيم، ولكن الأمر كما قلت:

قبيح لا يماثله قبيح لعمر أبيك دين الرافضة
أذاعوا في علي كل نكر وأخفوا من فضائله اليقينا
وسبّوا لاراعو أصحاب طه وعادوا من عداهم أجمعينا
وقالوا دينهم دين قويم ألا لعن الإله الكاذبينا

وكما قلت:

تشيع الأقوام في عصرنا منحصر في أربع من البدع
عداوة السنة والثلب للأسلاف والجمع وترك الجمع

قال بشر بن الحارث المشهور بالحافي: (من شتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر، وإن صام وصلى وزعم أنه من المسلمين).

وقال ابن حزم رحمه الله: (صدق أبو يوسف القاضي إذ سئل عن شهادة من يسب السلف الصالح فقال: لو ثبت عندي على رجل أنه يسب جيرانه ما قبلت شهادته، فكيف من يسب أفاضل الأمة، إلا أن يكون من الجهل بحيث لم تقم عليه حجة النص بفضلهم والنهي عن سبهم، فهذا لا يقدح سبهم في دينه أصلاً، ولا ما هو أعظم من سبهم، لكن حكمه أن يعلم ويعرف، فإن تمادى فهو فاسق، وإن عاند في ذلك الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم فهو كافر مشرك).

قال الإمام الطحاوي في عقيدة أهل السنة والجماعة المشهورة: (ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرّأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان).

قال الإمام ابن بطة العكبري: (وتشهد لجميع المهاجرين والأنصار بالجنة والرضوان والتوبة والرحمة من الله، ويستقر علمك ويوقن قلبك أن رجلاً رأى النبي صلى الله عليه وسلم وشاهده وآمن به واتبعه ولو ساعة من نهار أفضل ممن لم يره ولم يشاهده، ولو أتى بأعمال أهل الجنة أجمعين، ثم الترحم على جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صغيرهم وكبيرهم، وأولهم وآخرهم، وذكر محاسنهم، ونشر فضائلهم والاقتداء بهديهم والاقتفاء لآثارهم، وأن الحق في كل ما قالوه، والصواب فيما فعلوه).

وقال الإمام البربهاري: (واعلم أنه من تناول أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنما أراد محمداً صلى الله عليه وسلم، وقد آذاه في قبره).

وقال أيضاً: (وإذا رأيت الرجل يطعن على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه صاحب قول سوء وهوى).

وقال الإمام أبو بكر الحميدي شيخ البخاري: (السنة عندنا أن يؤمن الرجل بالقدر خيره وشره … -فعد مسائل إلى أن قال: والترحم على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلهم، فإن الله عز وجل قال: (( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ))[الحشر:10] فلم يأمر إلا بالاستغفار لهم، فمن سبهم أو بعضهم أو أحداً منهم فليس له في الفيء حق، أخبرنا بذلك غير واحد عن مالك بن أنس).

وقال الإمام حرب صاحب الإمام أحمد في مسائله: (وذكر محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم والكف عن ذكر مساويهم التي شجرت بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو واحداً منهم، أو نقصه، أو طعن عليه، أو عرض بعيبهم، أو عاب أحداً منهم فهو مبتدع رافضي خبيث مخالف، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، بل حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة، وخير الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر، وعلي بعد عثمان، ووقف قوم على عثمان، وهم خلفاء راشدون مهديون، ثم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هؤلاء الأربعة خير الناس، لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساويهم، ولا أن يطعن على واحد منهم بعيب ولا نقص، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنهن بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة وخلده في الحبس حتى يموت أو يرجع)([55]).

وقال ابن شاهين: (وإن أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي عليهم السلام، وأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم أخيار أبرار، وإني أدين الله بمحبتهم وأبرأ ممن سبهم أو لعنهم أو ضللهم أو خونهم أو كفرهم)([56]).

وقال الإمام المزني صاحب الإمام الشافعي عن الصحابة: (ونخلص لكل رجل منهم من المحبة بقدر الذي أوجب لهم رسول الله، ويقال بفضلهم، ويذكرون بمحاسن أفعالهم، ونمسك عن الخوض فيما شجر بينهم، فهم خيار أهل الأرض بعد نبيهم، ارتضاهم الله عز وجل لنبيه، وخلقهم أنصاراً لدينه، فهم أئمة الدين وأعلام المسلمين فرحمة الله عليهم أجمعين)([57]).

ثم قال حاكياً الإجماع على هذه العقيدة: (هذه مقالات وأفعال اجتمع عليها الماضون الأولون من أئمة الهدى، وبتوفيق الله اعتصم بها التابعون قدوة ورضاً، وجانبوا التكلف فيما كفوا، فشددوا بعون الله ووفقوا، لم يرغبوا عن الاتباع فيقصروا، ولم يجاوزوه تزيداً فيعتدوا، فنحن بالله واثقون، وعليه متوكلون وإليه في اتباع آثارهم راغبون)([58]).

وقال الإمام أبو حنيفة: (ولا نذكر أحداً من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا بخير).

وقال أيضاً: (مقام أحدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة واحدة خير من عمل أحدنا جميع عمره وإن طال).

وقال أيضاً: (ويحبهم كل مؤمن تقي، ويبغضهم كل منافق شقي).

وقال ابن أبي زيد في مقدمة الرسالة: (ولا يذكر أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بأحسن الذكر، والإمساك عما شجر بينهم، وأنهم أحق الناس أن تلتمس لهم المخارج، ويظن بهم أحسن المذاهب، واتباع السلف الصالح، واقتفاء آثارهم والاستغفار لهم).

قال القاضي عبد الوهاب في شرحه للرسالة: (لأن فيه سلامة الدين، وتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم، وقبول وصيته).

وقال الآجري بعدما روى حديثاً في فضل الصحابة: (فمن سمع فنفعه الله الكريم بالعلم أحبهم أجمعين المهاجرين والأنصار وأصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، من تزوج إليهم ومن زوجهم، وجميع أهل بيته الطيبين وجميع أزواجه، واتقى الله الكريم فيهم ولم يسب واحداً منهم، ولم يذكر فيما شجر بينهم، وإذا سمعوا واحداً يسب أحداً منهم نهاه وزجره ونصحه، فإن أبى هجره ولم يجالسه، فمن كان على هذا مذهبه رجوت له من الله الكريم كل خير في الدنيا والآخرة).

قال ابن حزم رحمه الله: (أما الصحابة رضي الله عنهم فهو كل من جالس النبي صلى الله عليه وسلم ولو ساعة سمع منه ولو كلمة فما فوقها، أو شاهد منه عليه السلام أمراً يعيه، ولم يكن من المنافقين الذين اتصل نفاقهم واشتهر حتى ماتوا على ذلك، ولا مثل من نفاه عليه الصلاة والسلام باستحقاقه كهيت المخنث ومن جرى مجراه، فمن كان كما وصفنا أولاً فهو صاحب، وكلهم عدل إمام فاضل رضاً، فرض علينا توقيرهم وتعظيمهم، وأن نستغفر لهم ونحبهم، وتمرة يتصدق بها أحدهم أفضل من صدقة أحدنا بما يملك، وجلسة من الواحد منهم مع النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من عبادة أحدنا دهره كله، وسواء كان من ذكرنا على عهده عليه السلام صغيراً أو بالغاً، فقد كان النعمان بن بشير وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ابنا علي رضي الله عنهم أجمعين من أبناء العشر فأقل إذ مات النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الحسن فكان حينئذ ابن ست سنين إذ مات النبي صلى الله عليه وسلم، وكان محمود بن الربيع ابن خمس سنين إذ مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعقل مجة مجها النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه من ماء دارهم، وكلهم معدودون من خيار الصحابة، مقبولون فيما رووا عنه عليه الصلاة والسلام أتم القبول، وسواء من ذلك الرجال والنساء والعبيد والأحرار).

قال ابن القيم: (هم أفضل الناس في الرأي). والمقصود أن أحداً ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم، وكيف يساويهم؟ وقد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته! كما رأى عمر في أسارى بدر أن تضرب أعناقهم، فنزل القرآن بموافقته، ورأى أن تحجب نساء النبي صلى الله عليه وسلم فنزل القرآن بموافقته، وقال لنساء النبي صلى الله عليه وسلم لما اجتمعن في الغيرة عليه: (( عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ ))[التحريم:5] فنزل القرآن بموافقته، ولما توفي عبد الله بن أبي قام النبي عليه الصلاة والسلام ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوبه، فقال: { يا رسول الله! إنه منافق، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عليه: (( وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ))[التوبة:84] }.

وقال الإمام النووي في شرح مسلم: (وفضيلة الصحبة ولو لحظة لا يوازيها عمل ولا تنال درجتها بشيء).

وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: (الذي ذهب إليه الجمهور أن فضيلة الصحابة لا يعدلها عمل؛ لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم).

وقال الصنعاني الأمير في ثمرات النظر في علم الأثر: (وأما الصحابة رضي الله عنهم فلهم شأن جليل وشأو نبيل ومقام رفيع وحجاب منيع، فارقوا في دين الله أهلهم وأوطانهم وعشائرهم وإخوانهم وأنصارهم وأعوانهم، وهم الذين أثنى الله جل جلاله عليهم في كتابه، وأودع ثناءهم شريف كلامه وخطابه، وفيهم الممادح النبوية والأخبار الرسولية، بأنه لا يبلغ أحد مد أحدهم ولا نصيفه ولو أنفق مثل أحد ذهباً).

قلت: وإنما حصل واستحق الصحابة الكرام هذا الثناء الجميل في الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة؛ لما بذلوه في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه، حتى إن الرجل الواحد منهم كان يفدي النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه وماله وأهله وولده، ولا يقبل أن يصاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأدنى سوء، وهم الذين ضربوا للأجيال من بعدهم أمثلة رائعة في التضحية والصبر، حتى إنهم أكلوا أوراق الشجر، وربطوا الحجر على بطونهم من الجوع، وهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده حتى بلغوا بالإسلام أقاصي البلاد، وأبهروا أعداءهم ببسالتهم وشجاعتهم في القتال، فقد روى ابن كثير عن أبي إسحاق قال: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يثبت لهم العدو فواق ناقة عند اللقاء)([59]).

فقال هرقل وهو على أنطاكية لما قدمت منهزمة الروم: (ويلكم أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشراً مثلكم؟ فقالوا: بلى، قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافاً في كل موطن. قال: فما بالكم تنهزمون؟ فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر، ونزني، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونغصب ونظلم، ونأمر بالسخط، وننهى عما يرضي الله، ونفسد في الأرض، فقال: أنت صدقتني)([60]).بيان الحق فيما وقع بين الصحابة الكرام:

أما ما شجر بينهم فأعدل الأقوال قول أهل السنة والجماعة، قال الإمام أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر، ضمن ذكره لما أجمع عليه السلف الصالحون (ص:172): (الإجماع الثامن والأربعون: وأجمعوا على الكف عن ذكر الصحابة عليهم السلام إلا بخير ما يذكرون به، وعلى أنهم أحق أن تنشر محاسنهم، ويلتمس لأفعالهم أفضل المخارج، وأن نظن بهم أحسن الظن وأحسن المذاهب، ممتثلين بذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: { إذا ذكر أصحابي فأمسكوا } وقال أهل العلم: (معنى ذلك لا تذكروهم إلا بخير الذكر).

وقال أيضاً في الإبانة: (فأما ما جرى بين علي والزبير وعائشة رضي الله عنهم فإنما كان على تأويل واجتهاد، وعلي الإمام وكلهم من أهل الاجتهاد، وقد شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة والشهادة، فدل على أنهم كلهم كانوا على حق في اجتهادهم، وكذلك ما جرى بين علي ومعاوية رضي الله عنهما كان على تأويل واجتهاد، وكل الصحابة أئمة مؤمنون غير متهمين في الدين، وقد أثنى الله ورسوله على جميعهم وتعبدنا بتوقيرهم وتعظيمهم وموالاتهم، والتبرؤ من كل من ينقص أحداً منهم رضي الله عن جميعهم، وقد قلنا في الإقرار قولاً وخبراً والحمد لله أولاً وأخيراً).

قال الإمام الآجري: ولا يذكر ما شجر بينهم ولا ينقر عنه ولا يبحث، فإن عارضنا جاهل مفتون قد خطئ به عن طريق الرشاد فقال: لم قاتل فلان لفلان؟ ولم قاتل فلان لفلان وفلان؟ قيل له: ما بنا وبك إلى ذكر هذا حاجة تنفعنا ولا اضطررنا إلى عملها. فإن قال: ولم؟ قيل له: لأنها فتن شاهدها الصحابة رضي الله عنهم، فكانوا فيها على حسب ما أراهم العلم بها، وكانوا أعلم بتأويلها من غيرهم، وكانوا أهدى سبيلاً ممن جاء بعدهم؛ لأنهم أهل الجنة، عليهم نزل القرآن، وشاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم، وجاهدوا معه، وشهد لهم الله عز وجل بالرضوان والمغفرة والأجر العظيم، وشهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم خير قرن، فكانوا بالله عز وجل أعرف وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وبالقرآن والسنة، ومنهم يؤخذ العلم، وفي قولهم نعيش، وبأحكامهم نحكم، وبأدبهم نتأدب، ولهم نتبع، وبهذا أمرنا، فإن قال: وايش الذي يضرنا من معرفتنا لما جرى بينهم والبحث عنه؟ قيل له: ما لا شك فيه وذلك أن عقول القوم كانت أكبر من عقولنا، وعقولنا أنقص بكثير، ولا نؤمن أن نبحث عما شجر بينهم، فنزل عن طريق الحق، ونتخلف عما أمرنا فيهم، فإن قال: وبم أمرنا فيهم؟ قيل: أمرنا بالاستغفار لهم والترحم عليهم والمحبة لهم والاتباع لهم، دل على ذلك الكتاب والسنة وقول المسلمين، وما بنا حاجة إلى ذكر ما جرى بينهم، قد صحبوا الرسول صلى الله عليه وسلم وصاهرهم وصاهروه، فبالصحبة يغفر الله الكريم لهم، وقد ضمن الله عز وجل في كتابه ألا يخزي منهم واحداً، وقد ذكر الله تعالى في كتابه أن وصفهم في التوراة والإنجيل، فوصفهم بأجمل الوصف، ونعتهم بأحسن النعت، وأخبرنا مولانا الكريم أن قد تاب عليهم، وإذا عليهم لم يعذب واحد منهم أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه، أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون، فإن قال: إنما مرادي من ذلك لأن أكون عالماً بما جرى بينهم، فأكون لم يذهب علي ما كانوا فيه؛ لأني أحب ذلك ولا أجله، قيل له: أنت طالب فتنة؛ لأنك تبحث عما يضرك ولا ينفعك، ولو اشتغلت بإصلاح ما لله عز وجل عليك فيما تعبدك به من أداء فرائضه واجتناب محارمه كان أولى بك.

وقيل: ولا سيما في زماننا هذا مع قبح ما قد ظهر فيه من الأهواء الضالة، وقيل له: اشتغالك بمطعمك وملبسك من أين هو أولى بك، أو تكسبك لدرهمك من أين هو وفيما تنفقه أولى بك، وقيل: لا يأمن أن يكون بتنقيرك وبحثك عما شجر بين القوم إلى أن يميل قلبك فتهوى ما لا يصلح لك أن تهواه، ويلعب بك الشيطان فتسب وتبغض من أمرك الله بمحبته والاستغفار له وباتباعه، فتزل عن طريق الحق وتسلك طريق الباطل).

قال شيخ الإسلام: (ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قال: ويمسكون عما جرى بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساوئهم منها ما هو كذب ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغيِّر عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون، إلى أن قال: ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما منَّ الله عليهم به من الفضائل؛ علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم صفوة قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله).

قال الإمام ابن بطة العكبري: (نكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد شهدوا المشاهد معه وسبقوا الناس بالفضل، فقد غفر الله لهم وأمرك بالاستغفار لهم، والتقرب إليه بمحبتهم، وفرض ذلك على لسان نبيه، وهو يعلم ما سيكون منهم وأنهم سيقتتلون، وإنما فضلوا على سائر الخلق؛ لأن الخطأ والعمد قد وضع عنهم، وكل ما شجر بينهم مغفور لهم).

وقال عمر بن عبد العزيز وسئل عن أمر الحرب التي جرت بينهم، فقال: [[ تلك دماء كف الله يدي فيها، فلا أحب أن أغمس لساني فيها، وأرجو أن يكونوا ممن قال الله عز وجل فيهم: (( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ))[الحجر:47] ]].

وفي رواية عنه قال: [[ تلك دماء لم أغمس فيها يدي أأغمس فيها لساني؟ ]].

وفي أخرى: [[ تلك دماء غيّب الله عنها يدي أأحضرها بلساني؟ ]].

قال أبو قاسم الأصفهاني التيمي: (فالصحابة رضي الله عنهم كانوا أخير الناس، وهم أئمة لمن بعدهم، والإمام إذا لاح له الخير في شيء حتى فعله لا يجب أن يسمي ذلك الشيء إساءة، إذ المساوئ ما كان على اختيار في قصد الحق من غير إمام، فكيف تعد أفعالهم مساوئ وقد أمر الله عز وجل بالاقتداء بهم، طهر الله قلوبنا من القدح فيهم، وألحقنا بهم).

قال القرطبي رحمه الله ذابّاً عن الصحابي الجليل عقبة بن عامر رضي الله عنه: (فمن نسبه أو واحداً من الصحابة إلى الكذب فهو خارج عن الشريعة، مبطل للقرآن، طاعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتى ألحق واحد منهم تكذيباً فقد سب؛ لأنه لا عار ولا عيب بعد الكفر بالله أعظم من الكذب، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من سب أصحابه، فالمكذب لأصغرهم -ولا صغير فيهم- داخل في لعنة الله التي شهد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألزمها كل من سب واحداً من أصحابه أو طعن عليه)([61]).

قال ابن كثير: (ومعاوية معذور عند جمهور العلماء سلفاً وخلفاً).

وقال أيضاً: (وأما ما شجر بينهم بعده عليه الصلاة والسلام فمنه ما وقع عن غير قصد كيوم الجمل، ومنه ما كان عن اجتهاد كيوم صفين، والاجتهاد يخطئ ويصيب، ولكن صاحبه معذور وإن أخطأ ومأجور أيضاً، وأما المصيب فله أجران اثنان، وكان علي وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين)([62]).

وسئل الإمام أحمد عما جرى بينهم فقرأ: (( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ))[البقرة:141].

ويرى أهل السنة والجماعة أن معاوية رضي الله عنه كان في قتاله مع علي مجتهداً متأولاً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: { إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر }([63]).

وقد تقرر في شرعنا الحنيف أن ما وقع بين الصحابة الكرام وجب القول فيه بحق وعدل وإنصاف، وهدى الله ووفق أهل السنة والجماعة لذلك، فقالوا خيراً في جميع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعندهم أن المصيب مأجور، والمتأول معذور، ومن لم يقل فيهم خيراً مأزور، ومن رماهم بالثلب أبتلاه الله بموت القلب.

قال يزيد بن الأصم: [[ سئل علي عن قتلى يوم صفين فقال: قتلانا وقتلاهم في الجنة، ويصير الأمر إلي وإلى معاوية ]]([64]).

قال النووي: (وأما الحروب التي جرت فكانت لكل طائفة شبهة، اعتقدت تصويب أنفسها بسببها، وكلهم عدول رضي الله عنهم متأولون في حروبهم وغيرها، ولم يخرج شيء من ذلك أحداً منهم عن العدالة؛ لأنهم مجتهدون اختلفوا في مسائل من محل الاجتهاد، كما يختلف المجتهدون بعدهم في مسائل من الدماء وغيرها، ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم، واعلم أن سبب تلك الحروب أن القضايا كانت مشتبهة، فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام:

قسم ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف وأن مخالفه باغ، فوجب عليه نصرته وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه ففعلوا ذلك، ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده.

وقسم عكس هؤلاء ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في الطرف الآخر، فوجب عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه.

وقسم ثالث اشتبهت عليهم القضية وتحيروا فيها، ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين، فاعتزلوا الفريقين، وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم؛ لأنه لا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك، ولو ظهر لهؤلاء رجحان أحد الطرفين وأن الحق معه لما جاز لهم التأخر عن نصرته في قتال البغاة عليهم، فكلهم معذورون رضي الله عنهم، ولهذا أهل الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهاداتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم رضي الله عنهم أجمعين)([65]).

قال الجوزقاني عن معاوية: (تولى الإمارة عشرين سنة من قبل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأمير المؤمنين عثمان، وتوفى سنة ستين من الهجرة في رجب، فنحن: إن عثمان بن عفان رضي الله عنه لما قتل مظلوماً، فسمع معاوية رضي الله عنه وأطاع وطلب منه أن يقتل قتلة عثمان رضي الله عنه قصاصاً، فامتنع من قتلهم؛ لأن مذهبه رضي الله عنه ألا يقتل الجماعة بالواحد، فتأول معاوية حينئذ، وطلب قتلة ابن عمه عثمان؛ لأن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس؛ لقول الله تعالى: (( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ))[الإسراء:33]. فخرج يقاتل على التأويل، وبايع له جمهور الصحابة ومن لا يحصى من التابعين إلى أن استقر الأمر على التحكيم بعد الحروب العظيمة، فحكم له بالخلافة وبويع عليها يومئذ بإجماع، وهذه قصة مشهورة)([66]).

قلت: الصواب أنه لم يحصل الإجماع على خلافته إلا بعد تنازل الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما.

أما ما يحكى ويروى في كتب التواريخ مثل مهزلة التحكيم وتصوير عمرو بن العاص رضي الله عنه بصورة الرجل الكائد المخادع الناقض للعهد، وتصوير أبي موسى الأشعري بصورة الرجل المغفل المخدوع الذي لا يدري ما يدور حوله، ومثل حكايات لعن علي رضي الله تعالى عنه على منابر معاوية وغيرها من الأكاذيب والمختلقات، فلا نشك جازمين أن ذلك مما دسه أعداء الإسلام في تاريخه كالروافض وغيرهم؛ لتشويه سمعة الصحابة، ليتأتى لهم إسقاط عدالتهم ودينهم، ثم بعد ذلك ينقضون الإسلام عروة عروة، فعلينا أن نخضع التاريخ ورواياته لميزان المحدثين، ونخلصه مما دس فيه وشوه جمال الإسلام ونقاءه؛ فإن أغلب هذه الروايات التي فيها تنقيص الصحابة وخاصة معاوية هي من طريق الإخباري أبي مخنف لوط بن يحيى الرافضي المحترق وغيره ممن هم على شاكلته، فلا تغتر أخي القارئ بوجود مثل هذه الأخبار في كتب المؤرخين الكبار كالطبري وغيرهم، فهم قد ساقوا ذلك بأسانيدهم، ومعلوم أنه من أسند لك فقد أحالك وبرئت ذمته.

قال ابن العربي: (وقد تحكم الناس بالتحكيم فقالوا فيه ما لا يرضي الله، واذا لاحظتموه بعين المروءة – دون الديانة – رأيتم أنها سخافة حمل على سطرها في الكتب في الأكثر عدم الدين، وفي الأقل جهل المتين).

وبخصوص ما وقع في صفين أنقل لك أخي القارئ فصلاً من كتاب (عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام) لناصر بن عائض حسن الشيخ، فقد نقل ذلك من كتب التاريخ بروح متحررة، فأجاد وأفاد جزاه الله خيراً.

قال في الجزء: (2/717-726) (فقد دارت رحا الحرب فيها بين أهل العراق من أصحاب علي رضي الله تعالى عنه وبين أهل الشام من أصحاب معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما؛ وذلك أن علياً رضي الله عنه لما فرغ من وقعة الجمل ودخل البصرة وشيع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لما أرادت الرجوع إلى مكة، ثم سار من البصرة إلى الكوفة فدخلها وكان في نيته أن يمضي ليرغم أهل الشام على الدخول في طاعته، كما كان في نية معاوية ألا يبايع حتى يقام الحد على قتلة عثمان رضي الله عنه، أو يسلموا إليه ليقتلهم، ولما دخل علي رضي الله عنه الكوفة شرع في مراسلة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، فقد بعث إليه جرير بن عبد الله البجلي ومعه كتاب أعلمه فيه باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته، ودعاه فيه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس، فلما انتهى إليه جرير بن عبد الله البجلي أعطاه الكتاب، فطلب معاوية عمرو بن العاص ورءوس أهل الشام فاستشارهم، فأبوا أن يبايعوا حتى يقتل قتلة عثمان، أو أن يسلم إليهم قتلة عثمان، وإن لم يفعل لم يبايعوه حتى يقتل قتلة عثمان رضي الله عنه، فرجع جرير إلى علي فأخبره بما قالوا، وحينئذ خرج من الكوفة عازماً على دخول الشام فعسكر بالنخيلة، وبلغ معاوية أن علياً قد خرج بنفسه، فاستشار عمرو بن العاص فقال له: اخرج أنت أيضاً بنفسك، فتهيأ أهل الشام وتأهبوا، وخرجوا أيضاً إلى نحو الفرات من ناحية صفين حيث يكون مقدم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وسار علي رضي الله عنه بمن معه من الجنود من النخيلة قاصداً أرض الشام، فالتقى الجمعان في صفين أوائل ذي الحجة سنة ست وثلاثين، ومكث علي يومين لا يكاتب معاوية، ولا يكاتبه معاوية، ثم دعا علي بشير بن عمرو الأنصاري وسعيد بن قيس الهمداني، وشبث بن ربعي التميمي فقال لهم: ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الطاعة والجماعة واسمعوا ما يقول لكم، فلما دخلوا على معاوية جرى بينه وبينهم حوار لم يوصلهم إلى نتيجة، فما كان من معاوية إلا أن أخبرهم أنه مصمم على القيام بطلب دم عثمان الذي قتل مظلوماً، ولما رجع أولئك النفر إلى علي رضي الله عنه وأخبروه بجواب معاوية رضي الله عنه لهم، وأنه لن يبايع حتى يقتل القتلة أو يسلمهم، عند ذلك نشبت الحرب بين الفريقين واقتتلوا مدة شهر ذي الحجة كل يوم، وفي بعض الأيام ربما اقتتلوا مرتين، ولما دخل شهر المحرم تحاجز القوم، رجاء أن تكون بينهم مهادنة وموادعة يئول أمرها إلى الصلح بين الناس وحقن دمائهم، ثم في خلال هذا الشهر بدأت مساعي الصلح والمراسلة تتكرر بين الطرفين، ولكن انسلخ شهر محرم ولم يحصل لهم أي اتفاق، ولم يقع بينهم صلح، ثم نشبت الحرب بين الطائفتين أياماً ثمانية، وكان أشدها وأعنفها ليلة التاسع من صفر سنة سبع وثلاثين حيث سميت هذه الليلة (ليلة الهرير) تشبيهاً لها بليلة القادسية، اشتد القتال فيها حتى توجه النصر فيها لأهل العراق على أهل الشام، وتفرقت صفوفهم وكادوا ينهزمون، فعند ذلك رفع أهل الشام المصاحف فوق الرماح وقالوا: هذا بيننا وبينكم قد فني الناس فمن لثغور أهل الشام بعد أهل الشام، ومن لثغور أهل العراق بعد أهل العراق، فلما رأى الناس المصاحف قد رفعت قالوا: نجيب إلى كتاب الله عز وجل وننيب إليه، ولما رفعت المصاحف بالرماح توقفت الحرب، ولما رفع أهل الشام المصاحف اختلف أصحاب علي رضي الله عنه وانقسموا عليه، فمنهم من رأى الموافقة على التحكيم، ومنهم من كان يرى الاستمرار في القتال حتى يحسم الأمر، وهذا كان رأي علي رضي الله عنه في بادئ الأمر، ثم وافق أخيراً على التحكيم).

فتم الاتفاق بين الفريقين على التحكيم بعد انتهاء موقعة صفين، وهو أن يحكّم كل واحد منهما رجلاً من جهته، ثم يتفق الحكمان على ما فيه مصلحة المسلمين، فوكل معاوية عمرو بن العاص ووكل علي أبا موسى الأشعري رضي الله عنهم جميعاً، ثم أخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما، والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى المسلمين والمؤمنين من الطائفتين –كليهما- عهد الله وميثاقه أنهما على ما في ذلك الكتاب، وأجلا القضاء إلى رمضان، وإن أحبا أن يؤخرا ذلك فعلى تراض منهما، وكتب في يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين على أن يوافي علي ومعاوية موضع الحكمين بدومة الجندل في رمضان، ومع كل واحد من الحكمين أربعمائة من أصحابه، فإن لم يجتمعا لذلك فمن العام المقبل بأذرح، ولما كان من شهر رمضان جعل الاجتماع كما تشارطوا عليه وقت التحكيم بصفين، وذلك أن علياً رضي الله عنه لما كان مجيء رمضان بعث أربعمائة فارس من أهل الشام ومعهم عبد الله بن عمر، فتوافوا بدومة الجندل بأذرح وهي نصف المسافة بين الكوفة والشام بينه وبين كل من البلدين تسع مراحل، وشهد معهم جماعة من رؤوس الناس كعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري، وأبو جهم بن حذيفة، فلما اجتمع الحكمان وتراوضا على المصلحة للمسلمين ونظرا في تقدير أمور، ثم اتفقا على أن يكون الفصل في موضوع النزاع بين علي ومعاوية يكون لأعيان الصحابة الذين توفي الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، هذا ما اتفق عليه الحكمان فيما بينهما لاشيء سواه.

أما ما يذكره المؤرخون من أن الحكمين لما اجتمعا بأذرح من دومة الجندل وتفاوضا واتفقا على أن يخلعا الرجلين، فقال عمرو بن العاص لأبي موسى: اسبق بالقول، فتقدم فقال: [[ إني نظرت فخلعت علياً عن الأمر وينظر المسلمون لأنفسهم كما خلعت سيفي هذا من عنقي أو عاتقي، وأخرجه من عنقه فوضعه في الأرض ]]، وقام عمرو فوضع سيفه في الأرض وقال: [[ إني نظرت أن أثبت معاوية في الأمر كما أثبت سيفي هذا في عاتقي وتقلده، فأنكر أبو موسى فقال عمرو: كذلك اتفقنا ]] وتفرق الجمع على ذلك من الاختلاف، فهذه البدع وما يشبهها من اختلاق أهل الأهواء والبدع الذين لا يعرفون قدر أبي موسى وعمرو بن العاص ومنزلتهما الرفيعة في الإسلام.

قال أبو بكر بن العربي مبيناً كذب ذلك: (هذا كذب صراح ما جرى منه حرف قط، وإنما هو شيء أخبر عنه المبتدعة ووضعته التاريخية للملوك، فتوارثه أهل المجانة والجهارة بمعاصي الله والبدع)([67]).

ولم يكتف الواضعون من أهل التاريخ بهذا، بل وسمّوا الحكمين بصفات يتخذون منها وسيلة للتفكه والتندر، وليتخذ منها أعداء الإسلام صوراً هزيلة لأعلام الإسلام في مواقف حرجة، فقد وصفوا عمرو بن العاص رضي الله عنه بأنه كان صاحب غدر وخداع، ووصفوا أبا موسى بأنه كان أبله ضعيف الرأي مخدوعاً في القول، كما وصفوه بأنه كان على جانب كبير من الغفلة، ولذلك خدعه عمرو بن العاص في قضية التحكيم حيث اتفقا على خلع الرجلين فخلعهما أبو موسى، واكتفى عمرو بخلع علي دون معاوية.

كل هذه الصفات الذميمة يحاول المغرضون إلصاقها بهذين الرجلين العظيمين اللذين اختارهما المسلمون؛ ليفصلا في خلاف كبير أدى إلى قتل الآلاف من المسلمين، وكل ذي لب يعلم أن المسلمين لا يسندون الفصل في هذا الأمر إلى أبي وموسى وعمرو بن العاص رضي الله عنهما، إلا لعلمهم بما هما عليه من الفضل، وأنهما من خيار الأمة المحمدية، ومن أكثرهم ثقة وورعاً وأمانة، فكيف يصف الواصفون هذين الرجلين بما وصفوهما به من المكيدة والخداع وضعف الرأي والغفلة؟! ولكن تلك الأوصاف هي أليق بمن تفوه بها من أهل الأهواء، وقد تجاهل أولئك الواصفون لأبي موسى وعمرو بما تقدم ذكره أموراً، لو دققوا النظر فيها لاستحيوا من ذكر تلك الأوصاف،

وتلك الأمور هي:

الأمر الأول: أنهم تجاهلوا أن معاوية لم يكن خليفة ولم يكن قد ادعى الخلافة يومئذ حتى يحتاج عمرو إلى خلعها عن علي وتثبيتها لمعاوية.

الأمر الثاني: أن سبب النزاع هو أخذ الثأر لعثمان رضي الله عنه من قتلته، فلما طلب علي البيعة من معاوية علل أن عثمان قتل مظلوماً وتجب المبادرة إلى الاقتصاص من قتلته، وأنه أقوى الناس على الطلب بذلك، والتمس من علي أن يمكنه منهم ثم يبايع له بعد ذلك، ومعنى هذا أن معاوية كان مسلماً لعلي بالخلافة؛ لأن الطلب منه بوصفه الخليفة تسليم القتلة، أو إقامة الحد عليهم باعتباره أمير المؤمنين، وكان رأي علي أن يدخل معاوية ومن معه من أهل الشام فيما دخل فيه الناس من البيعة له، ثم يتقدم أولياء عثمان بالمحاكمة إليه؛ فإن ثبت على أحد بعينه لأنه ممن قتل عثمان اقتص منه، فاختلفوا بحسب ذلك.

قال أبو محمد ابن حزم مبيناً أن القتال الذي دار بين علي ومعاوية كان مغايراً لقتال علي الخوارج حيث قال: (وأما أمر معاوية رضي الله عنه فبخلاف ذلك، ولم يقاتله علي رضي الله عنه لامتناعه من بيعته؛ لأنه كان يسعه في ذلك ما وسع ابن عمر وغيره، ولكن قاتله لامتناعه من إنفاذ أوامره في جميع أرض الشام وهو الإمام الواجبة طاعته، فعليّ المصيب في هذا، ولم ينكر معاوية قط فضل علي واستحقاقه الخلافة، لكن اجتهاده أداه إلى أن رأى تقديم أخذ القود من قتلة عثمان رضي الله عنه على البيعة، ورأى نفسه أحق بطلب دم عثمان، والكلام فيه من ولد عثمان وولد الحكم بن العاص؛ لسنه ولقوته على الطلب بذلك، كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن سهل أخا عبد الله بن سهل المقتول بخيبر بالسكوت وهو أخو المقتول، وقال له: { كبر كبر فسكت عبد الرحمن وتكلم محيصة وحويصة ابنا مسعود } وهما ابنا عم المقتول؛ لأنهما كانا أسن من أخيه، فلم يطلب معاوية من ذلك إلا ما كان له من الحق أن يطلبه، وأصاب في ذلك الأثر الذي ذكرنا، وإنما أخطأ في تقديمه ذلك على البيعة فقط فله أجر الاجتهاد في ذلك، ولا إثم عليه فيما حرم من الإصابة كسائر المخطئين في اجتهادهم، الذين أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لهم أجراً واحداً وللمصيب أجران، إلى أن قال: وقد علمنا أن من لزمه حق واجب وامتنع دون أدائه وقاتل دونه فإنه يجب على الإمام أن يقاتله وإن كان منا، وليس ذلك بمؤثر في عدالته وفضله ولا بموجب له فسقاً، بل هو مأجور لاجتهاده ونيته في طلب الخير، فبهذا قطعنا على صواب علي رضي الله عنه وصحة إمامته، وأنه صاحب الحق وأن له أجرين: أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وقطعنا أن معاوية رضي الله عنه ومن معه مخطئون مجتهدون مأجورون أجراً واحداً).

فابن حزم رحمه الله يقرر في هذا النص أن النزاع الذي كان بين علي ومعاوية إنما هو في شأن قتلة عثمان، وليس اختلافاً على الخلافة؛ إذ إن معاوية رضي الله عنه لم ينكر فضل علي واستحقاقه للخلافة، وغنما امتنع عن البيعة حتى يسلمه القتلة أو يقتلهم، وكان علي رضي الله عنه يستمهله في الأمر حتى يتمكن ويفعل ذلك، فتحكيمهما إذاً هو في محل النزاع، وليس من أجل الخلافة.

الأمر الثالث: أن موقف أبي موسى الأشعري في التحكيم لم يكن أقل من موقف عمرو بن العاص في شيء، ولذلك عد المؤرخون المنصفون هذا الموقف من مفاخر أبي موسى بعد موته بأجيال، وصار مصدر فخر لأحفاده من بعده، حتى قال ذو الرمة الشاعر مخاطباً بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري بأبيات منها:

أبوك تلافى الدين والناس بعدما تشاءوا وبيت الدين منقطع الكسر

فشد آصار الدين أيام أذرح ورد حروباً قد لقحن إلى عقر

فلم يول رضي الله عنه في الفصل في قضية التحكيم، إلا لما علم فيه من الفطنة والعلم وقدرته على حل المعضلات، فقد ولاّه النبي صلى الله عليه وسلم هو ومعاذ بن جبل قبل حجة الوداع على بلاد اليمن، حيث بعث كل واحد منهما على مخلاف، وأوصاهما عليه الصلاة والسلام بأن ييسرا ولا يعسرا وأن يبشرا ولا ينفرا، وما توليته عليه الصلاة والسلام لأبي موسى إلا لعلمه بصلاحه للإمارة.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله عند شرحه لحديث بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا موسى ومعاذاً إلى اليمن: (واستدل به على أن أبا موسى كان عالماً فطناً حاذقاً، ولولا ذلك لم يوله النبي صلى الله علبه وسلم الإمارة، ولو كان فوّض الحكم لغيره لم يحتج إلى توصيته بما وصّاه به، ولذلك اعتمد عليه عمر، ثم عثمان، ثم علي، وأما الخوارج والروافض فطعنوا فيه ونسبوه إلى الغفلة وعدم الفطنة، لما صدر منه في التحكيم بصفين، فالتحكيم لم يقع فيه خداع ولا مكر ولم تتخلله بلاهة ولا غفلة، وأن عمراً لم يغالط أبا موسى ولم يخدعه، ولم يقرر في التحكيم غير الذي قرره أبو موسى، ولم يخرج عما اتفقا عليه من تفويض الحسم في موضع النّزاع إلى النفر الذين بقوا على قيد الحياة ممن توفي عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم).

قال ابن كثير: (والحكمان كانا من خيار الصحابة، وهما: عمرو بن العاص السهمي من جهة أهل الشام، والثاني أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري من جهة أهل العراق، وانما نصبا ليصلحا بين الناس ويتفقا على أمر فيه رفق بالمسلمين وحقن دمائهم، وكذلك وقع).

وإذا كان قرارهما الذي اتفقا عليه لم يتم، فما في ذلك تقصير منهما، فهما قد قاما بمهمتهما بحسب ما أدى إليه اجتهادهما وقناعهما، ولو لم تكلفهما الطائفتان معاً بأداء هذه المهمة لما تعرضا لها ولا أبديا رأياً فيها، وكل ما تقدم ذكره في هذا المبحث عن موقعتي الجمل وصفين وقضية التحكيم هو اللائق بمقام الصحابة، وهو خال مما دسه الشيعة الرافضة وغيرهم على الصحابة في تلك المواطن من الحكايات المختلقة والأحاديث الموضوعة؛ ومما يعجب له الإنسان أن أعداء الصحابة إذا دعوا إلى الحق أعرضوا عنه، وقالوا: لنا أخبارنا ولكم أخباركم، ونحن حينئذ نقول لهم: (سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين).

قلت: أما عن الحديث الذي رواه مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار: { تقتلك الفئة الباغية } فالبغي هنا لا يستلزم الفسق وخاصة إن كان صاحبه متأولاً.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض كلامه على هذا الحديث: (قد تأوله بعضهم على أن الباغية الطالبة بدم عثمان، كما قالوا نبغي ابن عفان بأطراف الأسل، وليس بشيء، بل يقال ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حق كما قاله، وليس في كون عمار تقتله الفئة الباغية ينافي ما ذكرناه، فإنه قد قال الله تعالى: (( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ))[الحجرات:9-10]. فقد جعلهم مؤمنين، وليس كل من كان باغياً، أو ظالماً، أو معتدياً، أو مرتكباً ما هو ذنب فهو "قسمان: متأول، وغير متأول، فالمتأول المجتهد كأهل العلم والدين، والذين اجتهدوا، واعتقد بعضهم حل الأمور، واعتقد الآخر تحريمها، كما استحل بعضهم بعض أنواع الأشربة، وبعضهم بعض المعاملات الربوية، وبعضهم بعض عقود التحليل والمتعة وأمثال ذلك، فقد جرى ذلك وأمثاله في خيار السلف، فهؤلاء متأولون مجتهدون غايتهم أنهم مخطئون، وقد قال الله تعالى: (( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ))[البقرة:286]. وقد ثبت في الصحيح أن الله استجاب هذا الدعاء.

وقد أخبر سبحانه عن داود وسليمان عليهما السلام أنهما حكما في الحرث، وخص أحدهما بالعلم والحكم، مع ثنائه على كل منهما بالعلم والحكم، والعلماء ورثة الأنبياء، فاذا فهم أحدهم من المسألة مالم يفهمه الآخر لم يكن بذلك ملوماً ولا مانعاً لما عرف من علمه ودينه، وإن كان ذلك مع العلم بالحكم يكون إثما وظلماً، والإصرار عليه فسق، بل متى علم تحريمه ضرورة كان تحليله كفراً، فالبغي هو من هذا الباب.

أما إذا كان الباغي مجتهداً ومتأولاً، ولم يتبين له أنه باغ، بل اعتقد أنه على الحق، وإن كان مخطئاً في اعتقاده لم تكن تسميته "باغياً" موجبة لإثمه، فضلاً عن أن توجب فسقه، والذين يقولون بقتال البغاة المتأولين، يقولون: مع الأمر بقتالهم قتالنا لهم لدفع ضرر بغيهم، لا عقوبة لهم، بل للمنع من العدوان، ويقولون: إنهم باقون على العدالة، لا يفسقون، ويقولون: هم كغير المكلف، كما يمنع الصبي والمجنون والناسي والمغمى عليه والنائم من العدوان ألا يصدر منهم، بل تمنع البهائم من العدوان، ويجب على من قتل مؤمناً خطأ الدية بنص القرآن، مع أنه لا إثم عليه من ذلك)([68]).

ثم قال: (ثم بتقدير أن يكون "البغي" بغير تأويل يكون ذنباً، والذنوب تزول عقوبتها بأسباب متعددة: بالحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، وغير ذلك، ثم قال: { إن عماراً تقتله الفئة الباغية } ليس نصاً في أن هذا اللفظ لمعاوية وأصحابه، بل يمكن أنه أريد به تلك العصابة التي حملت عليه حتى قتلته، وهي طائفة من العسكر، ومن رضي بقتل عثمان كان حكمه حكمها، ومن المعلوم أنه كان في المعسكر من لم يرض بقتل عمار كعبد الله بن عمرو بن العاص، وغيره، بل كل الناس كانوا منكرين لقتل عمار، حتى معاوية وعمرو)([69]).

ثم قال: (والمقصود أن هذا الحديث لا يبيح لعن أحد من الصحابة، ولا يوجب فسقه)([70]).

وقال الحافظ ابن كثير في معرض كلامه على الحديث الذي رواه مسلم وأحمد: { تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق }.

قال: (فهذا الحديث من دلائل النبوة، إذ قد وقع الأمر طبق ما أخبر به عليه الصلاة والسلام، وفيه الحكم بإسلام الطائفتين: أهل الشام وأهل العراق، لا كما يزعمه فرقة الرافضة والجهلة الطغام من تكفيرهم أهل الشام، وفيه أن أصحاب علي أدنى الطائفتين إلى الحق، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة أن علياً هو المصيب وأن معاوية كان مجتهداً، وهو مأجور إن شاء الله، ولكن علياً هو الإمام فله أجران، كما ثبت في صحيح البخاري من حديث عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر }([71]).

قال الحافظ: (واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة؛ بسبب ما وقع لهم من ذلك ولو عرف المحق منهم؛ لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد، بل ثبت أنه يؤجر أجراً واحداً، وأن المصيب يؤجر أجرين)([72]).

ورحم الله من قال:

وما جرى بين الصحاب نسكت عنه وأجر الاجتهاد نثبت

وقال أبو محمد ابن حزم عن قتال علي معاوية رضي الله عنهما: (ولم يقاتله علي رضي الله عنه لامتناعه من بيعته؛ لأنه كان يسعه في ذلك ما وسع ابن عمر وغيره، لكن قاتله لامتناعه من إنفاذ أوامره في جميع أرض الشام وهو الإمام الواجبة طاعته، فعلي المصيب في هذا، ولم ينكر معاوية قط فضل علي واستحقاقه الخلافة، لكن الاجتهاد أداه إلى أن رأى تقديم أخذ القود من قتلة عثمان رضي الله عنه على البيعة، ورأى نفسه أحق بطلب دم عثمان والكلام فيه عن ولد عثمان وولد الحكم بن أبي العاص؛ لسنه ولقوته على الطلب بذلك، كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن سهل أخا عبد الله بن سهل المقتول بخيبر بالسكوت وهو أخو المقتول وقال له: { كبر كبر }.

وروي: { الكبر الكبر فسكت عبد الرحمن وتكلم محيصة وحويصة أبناء مسعود } وهما ابنا عم المقتول؛ لأنهما كانا أسن من أخيه، فلم يطلب معاوية من ذلك إلا ما كان له من الحق أن يطلبه وأصاب في ذلك الأثر الذي ذكرنا، وإنما أخطأ في تقديمه ذلك على البيعة فقط، فله أجر الاجتهاد في ذلك ولا إثم عليه فيما حرم من الإصابة كسائر المخطئين في اجتهادهم الذين أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لهم أجراً واحداً وللمصيب أجرين، ولا عجب أعجب ممن يجيز الاجتهاد في الدماء وفي الفروج والأنساب والشرائع والأموال التي يدان الله بها من تحريم وتحليل وإيجاب، ويعذر المخطئين في ذلك ويرى ذلك مباحاً، كالليث والبتي وأبي حنيفة والثوري ومالك والشافعي وأحمد وداود وإسحاق وأبي ثور وغيرهم كزفر وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وابن زياد وابن القاسم وأشهب وابن الماجشون والمزني وغيرهم، فالواحد من هؤلاء يبيح دم هذا الإنسان والآخر منهم يحرمه كمن حارب ولم يقتل، أو عمل عمل قوم لوط، وغير هذا كثير، وواحد منهم يبيح هذا الفرج، وآخر منهم يحرمه كبكر أنكحها أبوها وهي بالغة عاقلة بغير إذنها ولا رضاها وغير هذا كثير، وكذلك في الشرائع والأوامر والأنساب، وهكذا فعلت المعتزلة بشيوخهم كواصل وعمرو وسائر شيوخهم وفقهائهم، وهكذا فعلت الخوارج بفقهائهم ومفتيهم، ثم يضيقون ذلك على من له الصحبة والفضل والعلم والتقدم والاجتهاد كمعاوية وعمرو ومن معهما من الصحابة رضي الله عنهم، وإنما اجتهدوا في مسائل الدماء كالتي اجتهد فيها المفتون، وفي المفتين من يرى قتل الساحر وفيهم من لا يراه، وفيهم من يرى قتل الحر بالعبد وفيهم من لا يراه، وفيهم من يرى قتل المؤمن بالكافر وفيهم من لا يراه، فأي فرق بين هذه الاجتهادات واجتهاد معاوية وعمرو وغيرهما، لولا الجهل والعمى والتخليط بغير علم، وقد علمنا أن من لزمه حق واجب وامتنع عن أدائه وقاتل دونه فإنه يجب على الإمام أن يقاتله وإن كان منا، وليس ذلك بمؤثر في عدالته وفضله، ولا بموجب له فسقاً، بل هو مأجور لاجتهاده ونيته في طلب الخير، فبهذا قطعنا على صواب علي رضي الله عنه وصحة إمامته، وأنه صاحب الحق، وأن له أجرين: أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة، وقطعنا أن معاوية رضي الله عنه ومن معه مخطئون مجتهدون مأجورون أجراً واحداً، وأيضاً في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخبر عن مارقة تمرق بين طائفتين من أمته يقتلها أولى الطائفتين بالحق، فمرقت تلك المارقة وهم الخوارج من أصحاب علي أصحاب معاوية فقتلهم علي وأصحابه، فصح أنهم أولى الطائفتين بالحق، وأيضاً الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: { تقتل عماراً الفئة الباغية })([73]).

وقال أيضاً: (فصح أن علياً هو صاحب الحق والإمام المفترضة طاعته، ومعاوية مخطىء مأجور مجتهد، وقد يخفى الصواب على الصاحب العالم فيما هو أبين وأوضح من هذا الأمر من أحكام الدين، فربما رجع إذا استبان له وربما لم يستبن له حتى يموت عليه، وما توفيقنا إلا بالله عز وجل وهو المسئول العصمة والهداية لا إله إلا هو)([74]).

وقال الحافظ الذهبي: (فنحمد الله على العافية التي أوجدنا في زمان قد انمحص فيه الحق واتضح من الطرفين، وعرفنا مآخذ كل واحد من الطائفتين، وتبصرنا فعذرنا واستغفرنا، وأحببنا باقتصاد وترحمنا على البغاة بتأويل سائغ في الجملة، أو بخطأ إن شاء الله مغفور، وقلنا كما علمنا الله (( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا ))[الحشر:10]. وترضينا أيضاً عمن اعتزل الفريقين كسعد بن أبي وقاص وابن عمر ومحمد بن مسلمة وسعيد بن زيد وخلق، وتبرأنا من الخوارج المارقين الذين حاربوا علياً وكفروا الفريقين، فالخوارج كلاب النار قد مرقوا من الدين، ومع هذا فلا نقطع لهم بخلود النار كما نقطع به لعبدة الأصنام والصلبان)([75]).

أما ما يحكى ويروى في كتب التاريخ من تشويه سمعة معاوية رضي الله عنه وإظهاره بمظهر الرجل الماكر المخادع الشرس المحب للدنيا، فلا نشك أن ذلك مما عملته أيدي الروافض الضلال.

قال محمد بن عمر بحرق الحضرمي، المتوفي سنة (930هـ): (يجب تعظيم كافة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والكف عن القدح في منصبهم الجليل، ويطلب المحامل الحسنة والتأويلات اللائقة بقدرهم فيما ينقل عنهم، بعد العلم بصحة ذلك عنهم، وعدم المسارعة إلى ما ينقله عنهم المؤرخون والإخباريون، وأهل البدع الضالة المبطلون، وإنما المعتمد على ما يورده العلماء الراسخون في علم الحديث والسير بالأسانيد المعتمدة، فإذا صح ذلك وجب حمله على أحسن المحامل؛ لأن تقريره يؤدي إلى مناقضة كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والخلف في قولهما محال، ثم يؤدي إلى هدم أركان الشرع من أصله والإزراء بشارعه وناقله وأهله؛ لأن الصحابة هم الذين نقلوا إلينا الشرع والتوحيد، والنبوة والرسالة، والإسلام والإيمان، والصلاة والزكاة، والصيام والحج، والحلال والحرام إلى غير ذلك، ومتى تطرقت الأوهام إلى القدح فيهم انخرمت عدالتهم، وردت روايتهم وشهادتهم، وصار هذا الدين الذي هو خير الأديان شر الأديان، لكون حمّاله فسقة، وكان القرآن مفترى، وإلا كان قوله فيهم: (( أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ))[الحشر:8]، (( التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ ))[التوبة:112]، (( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ))[الأحزاب:23] إلى غير ذلك زوراً وبهتاناً، وكان الرسول متقولاً على الله، وقوله: { خيركم قرني ثم الذين يلونهم، وقال عمران: فما أدري قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد قوله مرتين أو ثلاثاً، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن }([76]).

وقوله: { ويحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين }([77]).

إلى غير ذلك إفكا وباطلاً، وكان الخير كله والصدق والنزاهة مع أعداء الله القادحين فيهم الذين حدثوا بعدهم وأحدثوا بدعهم، لا مع الله ورسوله وأوليائه، وصار جميع الأنبياء والمرسلين المبشرين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم كذبة، والكتب المنزلة عليهم من عند الله مختلقة، وصار جميع العلماء الأحبار، والعارفين بالله الأخيار، من أول الدهر إلى آخر الأعصار، على باطل وضلال؛ لاتفاقهم على تصديق الصحابة فيما نقلوه، وعملهم بعلمهم الذي عنهم حملوه، إلى ما لا يحصر من الكفر والضلال، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وهذا في الحقيقة هم المقصود لهذه الفرقة الضالة، التي ظاهر مذهبها الرفض، وباطنها الكفر المحض، وإلا فكيف يخطر بقلب من يدعي الإيمان الازدراء بسادة المؤمنين، وأركان الدين، أو يتطرق إلى القدح فيهم آخذاً بقول من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، وعدولاً عن ثناء الله عليهم في مواضع عديدة، في كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد؟!!

فأين قول القادح فيهم المتنقص لهم المزري بهم من قول الله تعالى الذي لا يبدل القول لديه، ولا يتصور أن ينعكس مدحه ذماً، ولا رضاه سخطاً (( لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ))[التوبة:88-89].

وهذه الخيرات والفلاح والجنان المعدة لمن هي؟ (( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ))[الحشر:8].

(( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ))[التوبة:100]، وهذا الرضا الأبدي من المراد به؟

(( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ))[الأحزاب:23].

(( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ))[التوبة:111]، وهذه البيعة الرابحة من تولى عقدها؟ (( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ))[الفتح:29]، وهذه الأوصاف الجميلة من هو الموصوف بها؟ (( الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ))[التوبة:20] الآيات (( فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ))[الفتح:26].

يا عجباً كيف يكون العصاة الفسقة بزعم الدعاة المرقة أحق بكلمة التقوى وأهلها؟! هلا كانوا هم أحق بها وأهلها، لزعمهم أنهم على الحق، لا الصحابة وأتباعهم أغلط صدر من الباري جل وعلا، حتى أعطى القوس غير باريها، أم سهل حصل ممن لا يضل ولا ينسى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وبادي الأمور وخافيها حتى يقول فيهم ذلك، مع علمه بما سيكون منهم من التبديل والتحريف؟! كلا والله بل كان الله بكل شيء عليماً، وكانوا هم أحق بها وأهلها أزلاً وأبداً، وعلم الله لا يتبدل، والله أعلم حيث يجعل رسالاته، ثم كيف أطنب في مدحهم في كتابه وعلى لسان رسوله وهو يعلم ما يصدر منهم من التعاون على الظلم والعدوان، وقول الزور والبهتان، قبل أن يدفنوا نبيهم ويجهزوه؟! أغش منه لرسوله المحبوب مع ماله عنده من المكانة!! أو عجزت قدرته النافذة عن أن يختار لرسوله من يصحبه بالصدق، ويؤدي شرعه بالأمانة!! أم أنزل كتابه وأرسل رسوله للإضلال لا للإرشاد، حتى مدح فيه من هو مذموم عنده من العباد، فاعتبروا يا أولي القلوب والأبصار؟!

(( وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ * إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ))[هود:3-4].

ولنختم الكلام حول هذا الموضوع بوصية نفيسة من ابن العربي المعافري رحمه الله قال: (فأعرضوا عن الغاوين وزجروا العاوين وعرجوا عن سبيل الناكثين إلى سنن المهتدين، وأمسكوا الألسنة عن السابقين إلى الدين، وإياكم أن تكونوا يوم القيامة من الهالكين بخصومة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد هلك من كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم خصمه، دعوا ما مضى فقد قضى الله فيه ما قضى، وخذوا لأنفسكم الجد فيما يلزمكم اعتقاداً وعملاً، ولا تسترسلوا بألسنتكم فيما لا يعنيكم مع كل ماجن اتخذ الدين هملاً، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ورحم الله الربيع بن خثيم فإنه لما قيل له قتل الحسين، قال: أقتلوه؟ قالوا: نعم، فقال: (( قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ))[الزمر:46]، ولم يزد على هذا أبداً، فهذا العقل والدين والكف عن أحوال المسلمين والتسليم لرب العالمين)([78]).

بعض أقوال علماء الجرح والتعديل فيمن يسب الصحابة:

كان عبد الله بن المبارك يقول على رءوس الناس (دعوا حديث عمرو بن ثابت فإنه كان يسب السلف)([79]).

وقال هناد السري: (مات عمرو بن ثابت فلما مر بجنازته فرآها ابن المبارك دخل المسجد وأغلق عليه بابه حتى جاوزته).

وقال أبو عبيد الآجري: (سألت أبا داود عن عمرو بن ثابت فقال: رافضي خبيث).

وقال أيضاً: (رجل سوء). وقال كذلك: (من شرار الناس).

قال يحيى بن معين لما سئل عن يونس بن خباب، فقال: (ليس بثقة، كان يشتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فليس بثقة).

وقال أيضاً: (رجل سوء كان يشتم عثمان).

وقال الإمام أحمد: (كان خبيث الرأي).

وقال ابن حبان: (وكان رجل سوء غالياً في الرفض)، ثم قال: (لا تحل الرواية عنه لأنه كان داعية لمذهبه).

(وكان عمرو بن عبيد ممن اجتمعت فيه البلايا والرزايا، إذ جمع بين بدعة الاعتزال وبدعة القدر وجريمة شتم الصحابة، ولكن علماءنا وأئمتنا جزاهم الله خيراً تصدوا لبدعته وكشفوا عوراه وحذروا من نحلته، حتى بلغ ذلك بابن عون رحمه الله أن هجر وأعرض عن رجل رآه يمشي مع عمرو بن عبيد شهرين).

وهذا المغيرة بن سعيد البجلي كان رافضياً خبيثاً كذاباً ساحراً، أدعى النبوة وفضل علياً على الأنبياء، وكان مجسماً.

كما يقول عنه الذهبي: (قتله الأمير خالد القسري لزندقته)، قال الأعمش: (أول من سمعته يتنقص أبا بكر وعمر المغيرة المصلوب).

وقال ابن عدي: (لم يكن بالكوفة ألعن من المغيرة بن سعيد فيما يروى عنه من الزور عن علي، هو دائم الكذب على أهل البيت).

وقال الدارقطني: (دجال أحرق بالنار زمن النخعي، ادعى النبوة).

وهذا إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي قال عنه أبو همام السكوني: (سمعت إبراهيم بن أبي يحيى يشتم بعض السلف)، وقال يحيى القطان: (سألت مالكا عن إبراهيم بن أبي يحيى: أثقة في الحديث؟ قال: لا، ولا ثقة في دينه).

عدالة جميع الصحابة بدون استثناء عند المحدثين:

قال الحافظ ابن حجر: (اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة).

وقال الخطيب: (باب ما جاء في تعديل الله ورسوله للصحابة. وأنه لا يحتاج إلى سؤال عنه وإنما يجب فيما دونهم).

ثم قال: (عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم في نص القرآن).

ثم ساق نصوصاً في ذلك - إلى أن قال: (والأخبار في هذا المعنى تتسع وكلها مطابقة لما ورد في نص القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة والقطع على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم المطلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له، فهم على هذه الصفة إلا أن يثبت على أحد ارتكاب ما لا يحتمل إلا قصد المعصية، والخروج من باب التأويل، فيحكم بسقوط العدالة، وقد برّأهم الله من ذلك، ورفع أقدارهم عنده، على أن لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد، ومن النصرة وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطع على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل جميع هذا المذهب كافّة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء).

وقال القرطبي: (فالصحابة كلهم عدول، وأولياء الله تعالى وأصفياؤه، وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله، هذا مذهب أهل السنة والذي عليه الجماعة من أئمة هذه الأمة، وقد ذهبت شرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم)([80]).

وقال ابن عبد البر: (ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عز وجل عليهم وثناء رسوله عليه السلام، ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه ونصرته، ولا تزكية أفضل من ذلك ولا تعديل أكمل منه).

وقال في التمهيد: (… جميعهم ثقات مأمونون عدل الرضا، فوجب قبول ما نقل كل واحد منهم وشهد به على نبيه صلى الله عليه وسلم …) ثم قال: (وهم أولو العلم والدين والفضل، وخير أمة أخرجت للناس، وخير القرون، ومن قد رضي الله عنهم، وأخبر بأنهم رضوا عنه، وأثنى عليهم بأنهم الرحماء بينهم، الأشداء على الكفار، الركع السجود، وأنهم الذين أوتوا العلم).

قال مجاهد وغيره في قول الله عز وجل: (( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ ))[سبأ:6]. قال: (هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إلى كثير من ثناء الله عز وجل عليهم واختياره إياهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم).

قال ابن كثير: (والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة؛ لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوه فيه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل والجزاء الجميل). ثم قال: (وقول المعتزلة: الصحابة عدول إلا من قاتل علياً قول باطل مرذول ومردود).

وقال ابن الصلاح في مقدمته: (للصحابة بأسرهم خصيصة: وهي أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك مفروغ منه؛ لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة، قال الله تبارك وتعالى: (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ))[آل عمران:110] الآية. قيل: اتفق المفسرون على أنه وارد في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ))[البقرة:143]. وهذا خطاب مع الموجودين حينئذ).

ثم قال: (إن الأمة مجمعة على تعديل الصحابة، ومن لابس الفتن منهم فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع إحساناً للظن بهم ونظراً إلى ما تمهد لهم من المآثر وكأن الله سبحانه وتعالى أتاح الإجماع إحساناً للظن بهم ونظراً إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن الله سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة والله أعلم).

وقال ابن حزم رحمه الله: (وكلهم عدل إمام فاضل رضاً).

وقال النووي: (الصحابة كلهم عدول، من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتد به).

وقال السخاوي: (وهم رضي الله عنهم باتفاق أهل السنة عدول كلهم مطلقاً كبيرهم وصغيرهم، سواءً لابس الفتن أم لا، وجوباً لحسن الظن، ونظراً إلى ما تمهد لهم من المآثر من امتثال أوامره بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفتحهم الأقاليم وتبليغهم عنه الكتاب والسنة وهدايتهم الناس، ومواظبتهم على الصلاة والزكاة، وأنواع القربات من الشجاعة والبراعة والكرم والآثار والأخلاق الحميدة، التي لم تكن في أمة من الأمم المتقدمة).

وقال ابن الجوزي: (أجمع صالحو هذه الأمة وعلى رأسهم السلف الكرام على استهجان واستقباح النيل من أحد الصحابة، وهجروا فاعله ورموه بالرزيات، وأوقعوا به شتى العقوبات، وقد توعده القرآن والسنة بالخزي في الحياة وبعد الممات، قال تعالى: (( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ))[النساء:115]. ومن المؤمنون حين نزول هذه الآية غير الصحابة؟ فجهنم لمن اتبع غير سبيلهم. فكيف بمن سبهم وشتمهم وأبغضهم؟).

قال أبو الحسن الأشعري: (وأجمعوا -أي: أهل السنة والجماعة- على النصيحة للمسلمين والتولي لجماعتهم وعلى التوادد في الله والدعاء لأئمة المسلمين، والتبري ممن ذم أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وأزواجه، وترك الاختلاط بهم، والتبري منهم).

قلت: فانظر رحمك الله إلى أهل السنة كثّرهم الله كيف ينفرون ويتبرون من كل من ينتقص الصحابة، وتجد بعض الحركيين الحزبيين ينادون ليل نهار بتلك القولة الفاجرة، وهي الدعوة إلى التقارب مع الشيعة، الوالغين في دم وأعراض الصحابة رضي الله عنهم، فواجب على كل مسلم سلفي غيور على صحابة نبيه أن يتبرأ من كل من لم يتبرأ من أعداء الصحابة أو دعا إلى التقارب معهم.

وقد نص أئمتنا على أن الله تعالى يعاقب شاتمي صحابة نبيه بالمسخ في الدنيا، قال ابن القيم: (وتأمل حكمته تعالى في مسخ من مسخ من الأمم في صور مختلفة مناسبة لتلك الجرائم؛ فإنها لما مسخت قلوبهم وصارت على قلوب تلك الحيوانات وطباعها اقتضت الحكمة البالغة أن جعلت صورهم على صورها؛ لتتم المناسبة ويكمل الشبه، وهذا غاية الحكمة، واعتبر هذا بمن مسخوا قردة وخنازير، كيف غلبت عليهم صفات هذه الحيوانات وأخلاقها وأعمالها، ثم إن كنت من المتوسمين فاقرأ هذه النسخة من وجوه أشبابهم ونظرائهم، كيف تراها بادية عليها؟ وإن كانت مستورة بصورة الإنسانية فاقرأ نسخة القردة من صور أهل المكر والخديعة والفسق الذين لا عقول لهم، بل هم أخف الناس عقولاً وأعظمهم مكراً وخداعاً وفسقاً، فإن لم تقرأ نسخة القردة من وجوههم فلست من المتوسمين، واقرأ النسخة الخنازير من صور أشباههم ولا سيما أعداء خيار خلق الله بعد الرسل وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن هذه النسخة ظاهرة على وجوه الرافضة يقرؤها كل مؤمن كاتب وغير كاتب! وهي تظهر وتخفى بحسب خنزيرية القلب وخبثه؛ فإن الخنزير أخبث الحيوانات وأردؤها طباعاً، ومن خاصيته أنه يدع الطبيات فلا يأكلها ويقوم الإنسان عن رجيعه فيبادر إليه، فتأمل مطابقة هذا الوصف لأعداء الصحابة كيف تجده منطبقاً عليهم؟ فإنهم عمدوا إلى أطيب خلق الله وأطهرهم فعادوهم وتبرءوا منهم، ثم والوا كل عدو لهم من النصارى واليهود والمشركين، فاستعانوا في كل زمان على حرب المؤمنين الموالين لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمشركين والكفار، وصرحوا بأنهم خير منهم، فأي شبه ومناسبة أولى بهذا الضرب من الخنازير؟! فإن لم تقرأ هذه النسخة من وجوههم فلست من المتوسمين!

وأما الأخبار التي تكاد تبلغ حد التواتر بمسخ من مسخ منهم عند الموت خنزيراً فأكثر من أن تذكر هاهنا، وقد أفرد لها الحافظ محمد بن عبد الواحد المقدسي كتاباً)، وقد علق محقق الكتاب الأخ الفاضل علي الحلبي في الهامش قائلاً: (ولم أر لكتابه المشار إليه ذكراً فيه، فالله أعلم). نعم ذكر في كتابه (النهي عن سب الأصحاب وبيان ما فيه من العذاب) (89-114) فصلاً بعنوان: (ذكر بعض ما بلي به من كان يشتم الصحابة رضي الله عنهم) وفيه قصص في مسخ بعض أولئك إلى خنازير. ثم رأيت ما يؤكد ذلك من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -شيخ المصنف- في "منهاج السنة النبوية (1/485) ثم قال: (وذكر فيه حكايات معروفة في ذلك، وأعرف أنا حكايات أخرى لم يذكرها هو).

وقال ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة: (اعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل مسلم تزكية جميع الصحابة بإثبات العدالة لهم، والكف عن الطعن فيهم، والثناء عليهم).

حكم من سب الصحابة وما يترتب على ذلك من عقوبات:

اعلم أن سب المسلم ذنب عظيم وخلق ذميم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: { سباب المسلم فسوق وقتاله كفر }([81]).

وقال: { لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك }([82]).

وقال: { من لعن مؤمناً فهو كقتله، ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله }([83]).

وقال: { المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده }([84]).

فإذا كان هذا الوعيد الشديد يلحق من سب مسلماً من رعاع الناس، فكيف بمن سب خيرة الناس بعد الأنبياء؟! فالوعيد عليه أشد والخسران به ألحق، قال الله تعالى: (( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ))[الأحزاب:58]. وقال: (( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ))[الهمزة:1] وقال ابن عباس [[ همزة لمزة ]]: طعان معياب.

ويا من يقول قول سوء في الصحابة الكرام، ولم يتعظ بالمواعظ العظام، وسلك سبيل اللئام، ألا تخاف من بطش رب الأنام؟ (فكيف تقدم على شيء لم يكن عليه أمر الله ورسوله؟ وكل ما لم يكن عليه أمرهما فهو رد، أي: باطل، كيف وقد أمرك الله ورسوله بخلافه، ونهاك عن سب كل من اتصف بالإسلام؟ كيف وقد أمرك الله تعالى بطلب المغفرة منه لمن سبق؟ كيف وقد وصف الله تعالى نفسه بأنه قد رضي عنهم؟ أفيرضى عنهم وتسخط عنهم أنت يا عامي يا جاهل؟ فإن قلت: إنما أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالدعاء لهم قبل أن يقع ما وقع، قلت: هذا كفر؛ لأن الله تعالى عالم بما كان وما سيكون، فلو علم لقيد الأمر بمن لم يقع منه شيء، وقد أطلع رسوله صلى الله عليه وسلم على ذلك كما هو معروف، وكان سيتقلب علم الله تعالى جهلاً، أو أنه وقع شيء وهو لا يعلمه، أو أنهم فعلوا شيئاً لا قدرة له على دفعه، وكل واحد من هذه الثلاثة، لا يقول به إلا كافر نعوذ بالله من ذلك)([85]).

وقال العلامة علي القاري: (وأما من سب أحداً من الصحابة فهو فاسق ومبتدع بالإجماع، إلا إذا اعتقد أنه مباح، كما عليه بعض الشيعة وأصحابهم، أو يترتب عليه ثواب كما هو دأب كلامهم، أو اعتقد كفر الصحابة وأهل السنة في فصل خطابهم؛ فإنه كافر بالإجماع، ولا يلتفت إلى مخالفتهم في مقام النزاع).

وبعد هذا أتركك أخي القارئ مع إمام همام وهو شيخ الإسلام بحق ابن تيمية الحراني، يفصل لك القول في ذلك، وسأنقل كلامه وإن طال؛ لنفاسته وأهميته.

قال رحمه الله "في الصارم المسلول، (ص:570)": (فصل: حكم من سب أحداً من الصحابة): فأما من سب أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أهل بيته وغيرهم، فقد أطلق الإمام أحمد أنه يضرب ضرباً نكالاً، وتوقف عن قتله وكفره.

قال أبو طالب: سألت أحمد عمن شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: القتل أجبن عنه، ولكن أضربه ضرباً نكالاً.

وقال عبد الله: سألت أبي عمن يشتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أرى أن يضرب. قلت له: حد، فلم يقف على حد، إلا أنه قال: يضرب، وقال: ما أراه على الإسلام.

وقال: سألت أبي: من الرافضة؟ فقال: الذين يشتمون -أو يسبون- أبا بكر وعمر رضي الله عنهما.

وقال في الرسالة التي رواها أبو العباس أحمد بن يعقوب الإصطخري وغيره: وخير الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر، وعلي بعد عثمان، ووقف قوم، وهؤلاء هم خلفاء راشدون مهديون، ثم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هؤلاء الأربعة خير الناس، لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب أو نقص، فمن فعل ذلك فقد وجب تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن ثبت أعاد عليه العقوبة وخلده في الحبس حتى يموت أو يراجع.

وحكى الإمام أحمد هذا عمن أدركه من أهل العلم، وحكاه الكرماني عنه وعن إسحاق والحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم.

وقال الميموني: سمعت أحمد يقول: (ما لهم ولمعاوية؟ نسأل الله العافية، وقال لي: يا أبا الحسن إذا رأيت أحداً يذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء فاتهمه على الإسلام).

فقد نص رضي الله عنه على وجوب تعزيره واستتابته حتى يرجع بالجلد، وإن لم ينته حبس حتى يموت أو يراجع. وقال: (ما أراه على الإسلام). وقال: (فاتهمه على الإسلام). وقال: (أجبن عن قتله).

وقال إسحاق بن راهويه: (من شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعاقب ويحبس).

وهذا قول كثير من أصحابنا، منهم ابن أبي موسى، قال: (ومن سب السلف من الروافض فليس بكفء ولا يزوج، ومن رمى عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه فقد مرق من الدين، ولم ينعقد له نكاح على مسلمة، إلا أن يتوب ويظهر توبته)، وهذا في الجملة قول عمر بن عبد العزيز وعاصم الأحول وغيرهما من التابعين.

وروى الإمام أحمد عن عاصم الأحول قال: (أتيت برجل قد سب عثمان، قال: فضربته عشرة أسواط، قال: ثم عاد لما قال، فضربته عشرة أخرى، قال: فلم يزل يسبه حتى ضربته سبعين سوطاً).

وهو المشهور من مذهب مالك، قال مالك: (من شتم النبي صلى الله عليه وسلم قتل، ومن سب أصحابه أدب).

وقال عبد الملك بن حبيب: (من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أدب أدباً شديداً، ومن زاد إلى بغض أبي بكر وعمر فالعقوبة عليه أشد، ويكرر ضربه، ويطال سجنه حتى يموت، ولا يبلغ به القتل إلا في سب النبي صلى الله عليه وسلم).

وقال القاضي أبو يعلي: (الذي عليه الفقهاء في سب الصحابة: إن كان مستحلاً لذلك كفر، وإن لم يكن مستحلاً فسق ولم يكفر، سواء كفرهم أو طعن في دينهم مع إسلامهم).

وقد قطع طائفة من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم بقتل من سب الصحابة وكفر الرافضة.

قال محمد بن يوسف الفريابي، وسئل عمن شتم أبا بكر، قال: (كافر، قيل: فيصلى عليه؟ قال: لا، وسأله، كيف يصنع به وهو يقول: لا إله إلا الله؟ قال: لا تمسوه بأيديكم، ادفعوه بالخشب حتى تواروه في حفرته).

وقال أحمد بن يونس: (لو أن يهودياً ذبح شاة، وذبح رافضي لأكلت ذبيحة اليهودي، ولم آكل ذبيحة الرافضي؛ لأنه مرتد عن الإسلام).

وكذلك قال أبو بكر بن هاني: (لا تؤكل ذبيحة الروافض والقدرية كما لا تؤكل ذبيحة المرتد، مع أنه تؤكل ذبيحة الكتابي؛ لأن هؤلاء يقامون مقام المرتد، وأهل الذمة يقرون على دينهم، وتؤخذ منهم الجزية).

وقال فضيل بن مرزوق: سمعت الحسن بن الحسن يقول لرجل من الرافضة: [[ والله إن قتلك لقربة إلى الله، وما امتنع من ذلك إلا بالجواز، وفي رواية قال، رحمك الله، قذفت، إنما تقول هذا تمزح، قال: لا، والله ما هو بالمزاح ولكنه الجد، قال: وسمعته يقول: لئن أمكننا الله منكم لنقطعنّ أيديكم وأرجلكم ]].

وصرح جماعات من أصحابنا بكفر الخوارج المعتقدين البراءة من علي وعثمان، وبكفر الرافضة المعتقدين لسب جميع الصحابة الذين كفروا الصحابة وفسقوهم وسبوهم.

وقال أبو بكر عبد العزيز في المقنع: (فأما الرافضي فإن كان يسب فقد كفر فلا يزوّج).

ولفظ بعضهم وهو الذي نصره القاضي أبو يعلي أنه إن سبهم سباً يقدح في دينهم وعدالتهم كفر بذلك، وإن سبهم سباً لا يقدح –مثل: أن يسب أبا أحدهم أو يسبه سباً يقصد بها غيظه ونحو ذلك، لم يكفر.

قال أحمد في رواية أبي طالب في رجل يشتم عثمان: (هذا زندقة)، وقال في رواية المروزي: (من شتم أبا بكر وعمر وعائشة ما أراه على الإسلام).

قال القاضي أبو يعلي: فقد أطلق القول فيه أنه يكفر بسبه لأحد من الصحابة، وتوقف في رواية عبد الله وأبي طالب عن قتله وكمال الحد، وإيجاب التعزير يقتضي أنه لم يحكم بكفره. قال: فيحتمل أن يحمل قوله: (ما أراه على الإسلام) إذا استحل سبهم بأنه يكفر بلا خلاف، ويحمل إسقاط القتل على من لم يستحل ذلك، بل فعله مع اعتقاده لتحريمه، كمن يأتي المعاصي.

قال: ويحتمل قوله: (ما أراه على الإسلام) على سب يطعن في عدالتهم، نحو قوله: ظلموا وفسقوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذوا الأمر بغير حق، ويحمل قوله في إسقاط القتل على سب لا يطعن في دينهم، نحو قوله: كان فيهم قلة علم، وقلة معرفة بالسياسة والشجاعة، وكان فيهم شح وحب للدنيا، ونحو ذلك، قال: ويحتمل أن يحمل كلامه على ظاهره فتكون في سابهم روايتان:

إحداهما: يكفر.

والثانية: يفسق.

وعل هذا استقر قول القاضي وغيره، حكوا في تكفيرهم روايتين.

قال القاضي: (ومن قذف عائشة رضي الله عنها بما برّأها الله منه كفر بلا خلاف).

وقال أيضاً: وعن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال: [[ قلت لأبي -وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم-: لو كنت سمعت رجلاً يسب عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالكفر، أكنت تضرب عنقه؟ قال نعم ]]([86]).

وفي رواية قال: قلت لأبي: [[ لو أتيت برجل يسب أبا بكر ما كنت صانعاً؟ قال: أضرب عنقه، قلت: فعمر؟ قال: أضرب عنقه ]].

وروى الحكم بن حجل قال: [[ سمعت علياً يقول: لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما إلا جلدته حد المفتري ]].

وعن علقمة بن قيس قال: خطبنا علي رضي الله عنه: [[ أنه بلغني أن قوماً يفضلونني على أبي بكر وعمر، ولو كنت تقدمت في هذا لعاقبت فيه، ولكن أكره العقوبة قبل التقدم، ومن قال شيئاً من ذلك فهو مفتر عليه ما على المفتري، خير الناس كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ]].

وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي ليلى قال: [[ تداروا في أبي بكر وعمر، فقال رجل من عطارد: عمر أفضل من أبي بكر، فقال الجارود: بل أبو بكر أفضل منه، قال: فبلغ ذلك عمر، قال: فجعل يضربه ضرباً بالدرة حتى شغر برجله، ثم أقبل إلى الجارود فقال: إليك عني، ثم قال عمر: أبو بكر كان خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في كذا وكذا، ثم قال عمر: من قال غير هذا أقمنا عليه ما نقيم على المفتري ]].

فإذا كان الخليفتان الراشدان عمر وعلي رضي الله عنهما يجلدان حد المفتري من يفضّل علياً على أبي بكر وعمر، أو يفضّل عمر على أبي بكر، مع أن مجرد التفضيل ليس فيه سب ولا عيب، علم أن عقوبة السب عندهما فوق هذا بكثير.

فصل

في تفصيل القول في سب الصحابة

أما من اقترن بسبه دعوى أن علياً إله، أو أنه كان هو النبي وإنما غلط جبرائيل في الرسالة؛ فهذا لا شك في كفره، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره.

وكذلك من زعم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت، أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة، ونحو ذلك، وهؤلاء يسمون القرامطة والباطنية ومنهم التناسخية، وهؤلاء لا خلاف في تكفيرهم. وأما من سبهم سباً لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم، مثل: وصف بعضهم بالبخل أو الجبن أو قلة العلم أو عدم الزهد، ونحو ذلك، فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من أهل العلم.

وأما من لعن وقبح مطلقاً فهذا محل الخلاف فيهم؛ لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد.

وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفر قليل لا يبلغون بضعة عشر نفساً، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضاً في كفره؛ لأنه كذب لما نصه القرآن في غير موضع، من الرضا عنهم والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين، فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق، وأن هذه الآية التي هي: (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ))[آل عمران:110] وخيرها هو القرن الأول، كان عامته كفاراً أو فساقاُ، ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم، وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام.

ولهذا تجد عامة من ظهر عليه شيء من هذه الأقوال، فإنه يتبين أنه زنديق، وعامة الزنادقة إنما يستترون بمذهبهم، وقد ظهرت لله فيهم مثلات، وتواتر النقل بأن وجوههم تمسخ خنازير في المحيا والممات، وجمع العلماء ما بلغهم في ذلك، وممن صنف فيه الحافظ الصالح أبو عبد الله بن عبد الواحد المقدسي كتابه في النهي عن سب الأصحاب، وما جاء فيه من الإثم والعقاب.

وبالجملة فمن الأصناف السابة من لا ريب في كفره، ومنهم من لا يحكم بكفره، ومنهم من تردد فيه.

وعن علي أنه بلغه أن ابن السوداء تنقص أبا بكر وعمر فدعا به وبالسيف فهمّ بقتله، فكلّم فيه فقال: [[ لا يساكنني بلداً أنا فيه، فنفاه إلى الشام ]]([87]).

وعن المغيرة قال: [[ تحول جرير بن عبد الله وحنظلة وعدي بن حاتم من الكوفة إلى قرقيسيا وقالوا: لا نقيم ببلد يشتم فيه عثمان ]]([88]).

وعن أبي وائل: [[ أن رجلاً حرج على أم سلمة قوله، فأمر عمر أن يجلد مائتي جلدة ]]([89]).

وعن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب قال: [[ ما أرى رجلاً يسب أبا بكر رضوان الله عليه يتيسر له توبة ]]([90]).

وروى ابن أبي العوام: (أن رجلاً سأل أبا يوسف فقال: يا أبا يوسف! يذكرون عنك أنك تجيز شهادة من يشتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على التأويل، فقال: ويحك هذا أحبسه وأضربه حتى يتوب)([91]).

وكان عمر بن محمد بن رجاء العكبري (إدا مات رجل من الرافضة فبلغه أن بزازاً باع له كفناً، أو غاسلاً غسله، أو حاملاً حمله هجره على ذلك. وكان لا يكلم رافضياً إلى عشرة)([92]).

كان مهيار بن مرزويه مجوسياً فأسلم وانتحل التشيع وأخذ في سب الصحابة، فقال له ابن برهان رحمه الله: (انتقلت بإسلامك في النار من زاوية إلى زاوية، كنت مجوسياً، فصرت تسب الصحابة في شعرك)([93]).

ومن المواقف المشرفة أيضاً للإمام أبي الأحوص سلام بن سليم (ت179) قال أحمد العجلي: (كان ثقة صاحب سنة واتباع، وكان إذا ملئت داره من أصحاب الحديث قال لابنه أحوص: يا بني قم فمن رأيته في داري يشتم أحداً من الصحابة فأخرجه، وقل له: ما يجيء بكم إلينا؟).

وقال ابن حجر الهيتمي: (أجمع القائلون بعدم تكفير من سب الصحابة على إنهم فساق).

قال النووي: (قال القاضي: وسب أحدهم من المعاصي الكبائر، ومذهبنا مذهب الجمهور أنه يعزر ولا يقتل، قال المالكية يقتل)([94]).

قال الحافظ: (اختلف في سابّ الصحابي، فقال القاضي عياض: ذهب الجمهور إلى أنه يعزر، وعن بعض المالكية يقتل، وخص بعض الشافعية ذلك بالشيخين والحسنين، فحكى القاضي حسين في ذلك وجهين، وقواه السبكي في حق من كفّر الشيخين، وكذا من كفر من صرّح النبي صلى الله عليه وسلم بإيمانه أو تبشيره بالجنة إذا تواتر الخبر بذلك عنه؛ لما تضمن من تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم)([95]).

قال القاضي عياض: (وسب آل بيته وأزواجه وأصحابه صلى الله عليه وسلم وتنقصهم حرام ملعون فاعله)([96]).

ثم قال: (وقد اختلف العلماء في هذا، فمشهور مذهب مالك في ذلك الاجتهاد والأدب الموجع، قال مالك رحمه الله: (من شتم النبي صلى الله عليه وسلم قتل، ومن شتم أصحابه أدّب، وقال أيضاً: من شتم أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أبا بكر أو عمر أو عثمان أو علياً أو معاوية أو عمرو بن العاص، فإن قال: كانوا على ضلال وكفر قُتِلَ، وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نكّل نكالاً شديداً).

وقال ابن حبيب: (من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أدّب أدباً شديداً، ومن زاد إلى بغض أبي بكر وعمر فالعقوبة عليه أشد، ويكرر ضربه ويطال سجنه حتى يموت، ولا يبلغ به القتل إلا في سب النبي صلى الله عليه وسلم).

وقال سحنون: (من كفّر أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم علي أو عثمان أو غيرهما يوجع ضرباً).

وحكى أبو محمد بن أبي يزيد، عن سحنون: (من قال في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي: إنهم كانوا على ضلالة وكفر قتل، ومن شتم غيرهم من الصحابة بمثل ذلك نكّل النكال الشديد).

وروي عن مالك: (من سب أبا بكر جلد ومن سب عائشة قتل، قيل له: لم؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن. وقال ابن شعبان عنه: لأن الله يقول: (( يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ))[النور:17] فمن عاد لمثله فقد كفر)([97]).

واعلم أخي القارئ أنه ما استحق واستوجب سابّ الصحابة والطاعن فيهم هذه العقوبات الرادعة إلا لأنه بطعنه هذا يطعن في الشريعة الغرّاء؛ لأن الصحابة هم ناقلوها والذابون عن حياضها، والطعن في الناقل طعن في منقوله، ولهذا كانت الرافضة شر الطوائف وأخبث الفرق.

ورحم الله من قال: (فضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلتين: سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: حواري عيسى، وسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أمروا بالاستغفار لهم فسبّوهم، فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة، لا تقوم لهم راية، ولا يثبت لهم قدم، ولا تجتمع لهم كلمة، ولا تجاب لهم دعوة، دعوتهم مدحوضة، وكلمتهم مختلفة، وجمعهم متفرق. (( كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ))[المائدة:64].

وقال الملاّ علي القاري: وأما من سب أحداً من الصحابة فهو فاسق مبتدع بالإجماع، إلا إذا اعتقد أنه مباح، أو يترتب عليه ثواب كما عليه بعض الشيعة، أو اعتقد كفر الصحابة؛ فإنه كافر بالإجماع، فينظر فإن كان معه قرائن حية على ما تقدم من الكفريات وإلا فاسق، وإنما يقتل عند علمائنا سياسة لدفع فسادهم وشرهم)([98]).

وقال علي بن محمد بن علي الشوكاني في معرض بيان قبح وعظم جرم ساب الصحابة: (واعلم أن الأدلة من الكتاب والسنة قاضية بكفر فاعل ذلك، والعلة في ذلك أنه لما كان لهم منة على جميع الأمة، وأن محبتهم وموالاتهم من الاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم، وأنهم القائمون بالشريعة بالقتال والتحمل لها ونقلها إلى سائر الأمة، فمن أقدم على مثل هذا الجناب فقد اقترف كبيرة توجب عليه الكفر، وإن كان باقياً على سائر أركان الإسلام، فإن من الأعمال محبطاً لها ولا تكون لها معه عبرة، وهذا منها، لما دلت عليه الأدلة …)([99]).

وقال أيضاً في معرض بيان أقسام التشيع: (الثاني: وهو الذي بلغ إلى رتبة السب للصحابة، وهذا قد أخرج عن الإسلام، فوصفه بالتشيع من وضع هذا القلب في غير موضعه؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: (( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ))[الفتح:18] إلى آخر الآية الكريمة، وهذا الذي يبلغ به الشيطان إلى رد القرآن استخفافاً، ويقول بعكسه تعجرفاً، وقال عز من قائل: (( لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ))[الفتح:29] وهذا لا يسبهم إلا وقد أغاظوه، وقد حكم الله تعالى بأنه لا يغيظ بهم إلا الكفار) ([100]).

وهذه بعض الكتب التي صنفت في الرد على من سب الصحابة:

1- رسالة النهي عن سب الصحابة، لمحمد بن سحنون التنوخي (ترتيب المدارك) (4/207).

2- النهي عن سب الأصحاب وما جاء فيه من الإثم والعقاب، للضياء محمد بن عبد الواحد المقدسي.

3- تنبيه الولاة والحكام على أحكام شاتم خير الأنام، أو أحد أصحابه الكرام عليهم الصلاة والسلام، لابن عابدين.

4- الصواعق المحرقة لإخوان الشياطين أهل الابتداع والضلال والزندقة، لابن حجر الهيتمي.

5- حكم من سب أحداً من الصحابة، للشوكاني.

6- السيف المسلول على مبغضي أصحاب الرسول، لياسين مصطفى الفرضي.

7- الحسام المسلول على منقصي أصحاب الرسول، لبحرق اليمني.

8- السيف اليماني المسلول في عنق من طعن في أصحاب الرسول، لمحمد بن يوسف التونسي.

9- السيف المسلول على من سب أصحاب الرسول، للقاضي عياض (كشف الظنون: 2/ 1018، وهدية العارفين: 2/ 805).

10- السيف المسلول على من سب أصحاب الرسول، لتقي الدين السبكي (كشف الظنون).

11- الرسالة الوازعة للمعتدين عن سب صحابة سيد المرسلين، للمؤيد يحيى بن حمزة الطالبي ت (745 هـ)

12- كتب محمود شكري الألوسي المتوفي سنة (1342 هـ): (صب العذاب على من سب الأصحاب) ذكرها في الأعلام (7/ 173) وقد طبعت مؤخراً.

13- (الصارم القرضاب في نحر من سب أكارم الأصحاب) لعثمان بن سند.

14- (إلقام الحجر لمن زكى ساب أبي بكر وعمر) للسيوطي.

نماذج لبعض الضلال الذين يسبون ويلعنون معاوية رضي الله تعالى عنه:

قال أحمد الغماري: (ومن تعظيم جنابهم الأقدس وحماهم الأطهر تنزيههم عن إدخال المنافقين والفجرة فيهم وعدهم من زمرتهم مثل: معاوية وأبيه، وابنه والحكم بن العاص وأضرابهم قبحهم الله ولعنهم، فإن عد هؤلاء من جملة الصحابة بعد خبر الله ورسوله بكفرهم ونفاقهم حط من قدر الصحابة رضي الله تعالى عنهم … وعلم سيرة الفاجر اللعين معاوية ومعاندته لله ورسوله واستخفافه بأمرها واستهزائه بالشريعة المحمدية وسفكه الدماء البريئة …)([101]).

وقال: (… معاوية قبحه الله فإنه كان يأمر الرجل أن يقوم في الناس فيخطب، ويروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً في فضل الشام وأهله …)([102]).

وقال: (… في تلك الأحاديث التي افتراها معاوية اللعين وأنصاره)([103]).

وقال: (كل حديث تجد فيه ذكر رجل مبهم ذمه النبي صلى الله عليه وسلم أو وصفه بأنه من أهل النار أو رأس الفتن أو نحو ذلك فاعلم أنه معاوية، يبهمه الرواة النواصب المنافقون أعداء الله ورسوله وأحباب أعدائه …)([104]).

تأمل هذا فقد حكم على أئمة الحديث الكبار ممن رووا فضل معاوية بالنصب والنفاق أمثال الإمام البخاري وأحمد وأبي داود والترمذي والنسائي والدارقطني والطبراني وغيرهم كثير.

وقال: (… مؤثراً للعاجلة، كافراً بالآجلة خارجاً عن ربقة الإسلام، مستحلاً للدم الحرام)([105]).

وقد نهج أحمد الغماري نهج شيخه ابن عقيل الحضرمي الشيعي في الطعن في معاوية، ولشيخه هذا الكتاب: (النصائح الغالية لمن يتولى معاوية). وقد رد عليه جمال الدين القاسمي رحمه الله تعالى.

وقال أخوه عبد الحي بن الصديق الغماري متحدثاً عن ابن العربي المعافري: (فارجع إلى كتابه العواصم من القواصم لترى كيف لعب الهوى بعقله فجعله ينتصر للفجار الظالمين معاوية ويزيد، وبطانة السوء التي كانت تناصرهما، ويهضم حق المظلومين الأتقياء أهل بيت النبوة عليهم السلام)([106]).

وقال أخوه عبد الله: (معاوية أسهم في قتل الحسين عليه السلام؛ لأنه كان يريد أن ينفرد بالملك ويجعله وراثة في بني أمية، وهو من مسلمة الفتح الطلقاء، ومسلمة الفتح نوعان: نوع حسن إسلامه فكان صحابياً فاضلاً مثل: حكيم بن حزام، وعتاب بن أسيد، ونوع لم يحسن إسلامه مثل: معاوية وأبيه، وبشر بن أرطأة السفاك عامل معاوية على اليمن، وليس كل صحابي فاضلاً، بل فيهم منحرفون عن الجادة مثل: سمرة بن جندب، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاص، وجرير بن عبد الله البجلي، ورئيسهم الباقي بنص الحديث)([107]).

وقال أيضاً في "القول المسموع في الهجر المشروع" (ص:14 – 15): (وكان الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم يعطون الصحابة أعطياتهم المستحقة لهم في بيت المال، وكانوا يقسمونها بالعدل، مع مراعاة من له يد في الإسلام. فلما جاء معاوية آثر أعوانه بالعطاء، وفضلهم على الأنصار الذين أثنى الله عليهم في القرآن ...).

فذكر أبو أيوب معاوية بالحديث الذي سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم بخصوص الأثرة، ليتعظ معاوية ويرجع ويتوب! ولكنه لم يرجع بل استمر على غيه وقال: [[ أنا أول من صدق ]].

(يعني: أنه أول حاكم صدق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقاً عملياً، حيث آثر أعوانه بالعطاء، وهذه جرأة قبيحة تؤذن بأنه لا يقيم لكلام الرسول وزناً)([108]).

سبحان الله! ما هذا التوافق في الرفض والخبث والحقد لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الناس بعد الأنبياء.

والطعن في معاوية رضي الله عنه ديدن الضلال، من قديم اتهم الجاحظ معاوية رضي الله عنه بالكفر في رسالة له عن بني أمية، ملحقة بكتاب (النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم)([109]).

وقد استشرى هذا الداء إلى أقلام المعاصرين كما سبق عن الغماريين، ومثل ذلك ما ورد عن عباس محمود العقاد في كتابه: (معاوية بن أبي سفيان في الميزان) (ص:66) حيث يقول عنه: (ولو حاسبه التاريخ حسابه الصحيح، لما وصفه بغير مفرق الجماعات).

وأيضاً حسين مؤنس في مقالاته ضمن مجلة أكتوبر الأسبوعية تحت عنوان: "تاريخ موجز للفكر العربي" حيث وصف حكومة معاوية رضي الله عنه بالظلم والطغيان والاستبداد (ص:24 من العدد 372). وكذلك محمد بك الخضري في كتابه الدولة الأموية (2/ 356).

وكذلك ذلك المستغرب طه حسين في عديد من كتبه كـ"الفتنة الكبرى" عليه من الله ما يستحق.

وقال سيد قطب: (إن معاوية وعمراً لم يغلبا علياً؛ لأنهما أعرف منه بدخائل النفوس وأخبر منه بالتصرف النافع في الظرف المناسب، ولكن لأنهما طليقان في استخدام كل سلاح، وهو مقيد بأخلاقه في اختيار وسائل الصراع، وحين يركن معاوية وزميله إلى الكذب والغش والخديعة والنفاق والرشوة وشراء الذمم لا يملك علي أن يتدلى إلى هذا الدرك الأسفل، فلا عجب أن ينجحا ويفشل، وإنه لفشل أشرف من كل نجاح)([110]).

فانظر رحمك الله إلى هذا القلم النتن كيف يصف صاحبين جليلين بالركون إلى الكذب والغش والخديعة والنفاق، وصاحبه ملمع مقدم عند هؤلاء الحزبيين الذين يقودون ما يسمى الآن بالصحوة الإسلامية! وبهذا وغيره تعلم أنهم لا يقودنهم إلا ضمن تلك السبل المبعدة عن صراط الله المستقيم، والتي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على رأس كل سبيل منها شيطان يدعو إليها.

وبالله عليك أخي القارئ! كيف تفلح دعوة تقف مثل هذه المواقف المخزية تجاه حملة المحمدية أفضل الناس بعد الأنبياء، وزيادة على أنها غارقة في أوحال الحزبية والبدع المقيتة، وكم لهذا الرجل من الطامات والبلايا العقدية والمنهجية، راجع كتابنا "المفسرون"، وكتب أخينا وحبيبنا العلامة ناصر السنة وقامع البدعة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي.

وقال ابن المطهر الحلي الرافضي الخبيث عليه من الله ما يستحق في حق معاوية رضي الله عنه: (كان شراً من إبليس).

وإن تعجب فعجب تعلق المدعو عبد المعطي أمين القلعجي -الذي نصَّبَ نفسه محققاً مدققاً لكتب الحديث والرجال، وهو لعمر الله: كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد- بهذه الأكاذيب والافتراءات، طعناً في خال المؤمنين وكاتب وحي رب العالمين فشتم وشنع، وقال من الكلام ما هو مستفظع، وإليك نصه قال (وثمة بدعة أٌخرى كريهة ظهرت في عهد معاوية، وهي أن معاوية نفسه وسائر ولاته بأمره كانوا يكيلون السب والشتم لسيدنا علي بن أبي طالب في خطبهم على المنابر، لدرجة أنهم كانوا يلعنونه -لعنهم الله- …).

واسترسل في سرد تهم وطامات معاوية بريء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب، ويا ليته تثبت وتريث -والمحقق والمدقق هذه من أوليات صفاته- فقرأ ما كتبه المصنف ابن كثير رحمه الله تعالى بعد سطور قليلة، وأراح القراء من ذلك الهراء، ويكفي المرء عقوقاً شتم خاله إن كان مؤمناً والله المستعان([111]).

وقال خالد محمد خالد: (معاوية بالشام يحض الناس على الإمام وشتمه …) في كتابه خلفاء الرسول (ص:558) وذكر ألفاظاً نابية ننزه القلم عن كتابتها، ومما يؤسف له، انتشار هذا الكتاب بين القراء انتشاراً واسعاً، ولا سيما وجمهور القراء قد فقدوا ميزان التلقي والتمحيص، جرياً خلف الأسلوب المثير، مع ما يحمله هذا الكتاب بين دفتيه من مرويات مكذوبة وطعون مخذولة في بعض الصحابة، والحكم نفسه لكتابه (رجال حول الرسول) فلينتبه القراء الكرام، ويا ليت قومي يعلمون.

وكذلك فعل عبد الوهاب النجار في كتابه "الخلفاء الراشدون" حيث شوَّه الحقائق معتمداً على أخبار المؤرخين التي لا زمام لها ولا خطام، والله المستعان([112]).

وكذلك محمد بسيوني مهران في كتابه "الإمام علي بن أبي طالب" ضمن سلسلته في رحاب النبي وآل بيته الطاهرين.

وكذلك ذاك المبتدع الضال عبد الله الهرري الحبشي حيث اتهم معاوية فيما جرى له مع علي رضي الله عنهما بقوله (إنما قاتل للدنيا وللملك) في رسالته المشئومة التي سماها زوراً وبهتانا (المقالات السنية) (ص:200)، وفي حقيقة أمرها مقالات بدعية ردية، جمع فيها شتى أصناف الشركيات والبدع والضلالات والثلب للعلماء، وخاصة شيخ الإسلام بحق ابن تيمية الحراني، والله المستعان.

ومثله أيضاً أقوال نقلها عبد السلام ياسين عن الجاحظ مقراً إياه، مفادها الطعن في معاوية رضي الله عنه، وقال أيضاً: (كان شتم علي ولعنه على المنابر مما فعله وأمر به معاوية، ثار بالفئة الباغية وقاده حتى استولى على الحكم)([113]).

وقال عبد الباري الزمزمي: (… معاوية، من المعلوم ومن الثابت في الصحيح، في صحيح مسلم وفي التاريخ أيضاً أنه لما استقر له الأمر رسم –أي: ثبت- في خطبة الجمعة وأمر الخطباء أن يلعنوا علي بن أبي طالب في خطبة الجمعة)([114]).

وأكد ذلك بشريط آخر بعنوان "مناقب المهاجرين" وحظر الترضي عنه. وكل هذا كذب وافتراء، فأين ورد هذا في صحيح مسلم‎؟!! نعم يوجد ذلك في كتب الروافض وكتب التاريخ التي لا تعني بصحة الأخبار وتوثيقها.

ولو كان ذلك حقاً كيف سكت عنه الصحابة وهم متوافرون دون إنكار؟! وهم الشجعان الذين لا يخافون في الله لومة لائم، فهم لا يسكتون على سب رجل من عوام المسلمين دون حق بله عن سب علي رضي الله عنه، وهو الذي أجمع المسلمون على فضيلته ومنزلته الرفيعة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قال له: { أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي }([115]).

وقال أيضاً: { من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه } وقال يوم خيبر: { لأدفعن الراية غداً إلى رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله }([116]). وكان علي صاحبها وغير ذلك كثير، فمن نسب ذلك لمعاوية فقد أشرك معه جميع الصحابة الذين عاصروه أيام خلافته، واتهمهم بالتواطؤ معه على الظلم والفحش شعر أم لم يشعر.

ومعاوية رضي الله عنه منزه عن مثل ذلك، وهو مقر ومعترف بأفضلية علي بن أبي طالب عليه.

وقد ورد في غير وجه أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا: [[ أنت تنازع علياً أم أنت مثله؟ فقال: لا والله، إني أعلم أنه خير مني وأفضل، وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قُتل مظلوماً وأنا ابن عمه، وأنا أطلب بدمه وأمره إلي، فقولوا له فليسلم إلي قتلة عثمان وأنا أسلم له أمره ]]([117]).

وقال جرير بن عبد الحميد عن المغيرة قال: [[ لما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم ]]([118]).

قال ابن عبد البر: [[ وكان معاوية يكتب فيما ينزل به ليسأل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن ذلك، فلما بلغه قتله قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب، فقال له أخوه عتبة: لا يسمع هذا منك أهل الشام، فقال: دعني عنك ]]([119]).

وأما ما وقع بينهما فقد كان بتأويل واجتهاد من معاوية رضي الله عنه، وأهل السنة يعتقدون أنه مخطئ في ذلك كما تقدم، ولكن هذا لا يسوغ تلفيق وصياغة أكاذيب وافتراءات في سيرته تحط من قدره وتشوه مقامه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي ورد في صحيح مسلم ليس فيه ما افتراه عليه هؤلاء، وهاك نصه وأقوال العلماء فيه:

عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: { أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؟: قال سعد: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له وقد خلفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول الله! خلفتني مع النساء والصبيان فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبوة بعدي }.

وسمعته يقول يوم خيبر: { لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي علياً، فأتي به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه }.

ولما نزلت هذه الآية: (( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ))[آل عمران:61] دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: { اللهم هؤلاء أهلي }([120]). وليس في هذا الأثر الصحيح التصريح لا من قريب ولا من بعيد أن معاوية سب أو أمر بسب علي.

واستمع أخي القارئ لما قاله العلماء في شرح هذا الأثر لترى كيف يحسنون هذا الظن ويحملون ما ورد من الصحابة مما قد يفهم منه القدح فيهم محملاً حسناً، لا كما يفعله المصطادون في الماء العكر، والمتمسكون بما تشابه من النصوص؛ ليقعوا في أعراض الصحابة فبئس ما يفعلون.

قال النووي: (قال العلماء: الأحاديث الواردة التي في ظاهرها دخل على صحابي يجب تأويلها، قالوا: ولا يقع في روايات الثقات إلا ما يمكن تأويله، فقول معاوية هذا ليس فيه تصريح بأنه أمر سعداً بسبه وإنما سأله عن السبب المانع له من السب، كأنه يقول له: هل امتنعت تورعاً أو خوفاً أو غير ذلك، فإن كان تورعاً وإجلالاً له عن السب فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر، ولعل سعداً كان في طائفة يسبون، فلم يسب معهم وعجز عن الإنكار وأنكر عليهم فسأله هذا السؤال، قالوا: ويحتمل تأويل آخر أن معناه: ما منعك أن تخطئه في رأيه واجتهاده، وتظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا وأنه أخطأ)([121]).

وقال القرطبي: (وأما معاوية فحاشاه من ذلك لما كان عليه من الصحبة والدين والفضل وكرم الأخلاق، وما يذكر عنه من ذلك فكذب، وأصح ما في ذلك قوله لسعد هذا، وتأويله ما ذكره عياض: وقد كان معاوية معترفاً بفضل علي وعظيم قدره)([122]).

هذا ما فاهو به في حق معاوية رضي الله عنه متجاهلين معرضين عن كل ما ورد من فضائله، إذ هو خال المؤمنين وكاتب وحي رب العالمين.

وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: { اللهم اجعله هادياً مهدياً اهد به }([123]).

وبعد هذا هل يرد دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ولا يستجاب له؟ كلا وألف كلا، لذلك علمنا يقيناً أن معاوية كان هادياً مهدياً.

أما الحديث الذي ورد فيه: { لا أشبع الله بطنه } فليس فيه طعن في معاوية رضي الله تعالى عنه قال الألباني: (وقد يستغل بعض الفرق هذا الحديث ليتخذوا منه طعناً في معاوية رضي الله عنه، وليس فيه ما يساعدهم على ذلك؛ كيف وفيه أنه كان كاتب النبي صلى الله عليه وسلم؟!).

ولذلك قال الحافظ ابن عساكر: (إنه أصح ما ورد في فضل معاوية).

والظاهر أن هذا الدعاء منه صلى الله عليه وسلم غير مقصود، بل هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامهما بلا نية؛ كقوله صلى الله عليه وسلم في بعض نسائه: { عقرى حلقى } و { تربت يمينك }، وقوله في حديث أنس الآتي: { لا كبر سنك }.

ويمكن أن يكون ذلك منه صلى الله عليه وسلم بباعث البشرية التي أفصح عنها هو نفسه عليه السلام في أحاديث كثيرة متواترة؛ منها حديث أنس بن مالك قال: { كانت عند أم سليم يتيمة، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم اليتيمة فقال: آنت هي؟ لقد كبرت لا كبر سنك، فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي، فقالت أم سليم: مالك يا بنية؟ قالت الجارية: دعا علي نبي الله صلى الله عليه وسلم أن لا يكبر سني أبداً، فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها –أي: تلفه- حتى لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالك يا أم سليم؟ فقالت: يا نبي الله! أدعوت على يتيمتي؟ قال: وما ذاك يا أم سليم، قالت: زَعمَت أنك دعوت أن لا يكبر سنها ولا يكبر قرنها؟ قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا أم سليم! أما تعلمين أن شرطي على ربي أني اشترطت على ربي فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهوراً وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة }. ثم أتبع الإمام مسلم هذا الحديث بحديث معاوية وبه ختم الباب، إشارة منه رحمه الله إلى أنها من باب واحد، وفي معنى واحد، فكما لا يضر اليتيمة دعاؤه صلى الله عليه وسلم عليها، بل هو لها زكاة وقربة، فكذلك دعاؤه صلى الله عليه وسلم على معاوية.

وقد قال الإمام النووي في "شرحه على مسلم" (2/ 325 طبع الهند): وأما دعاؤه على معاوية ففيه جوابان:

أحدهما: أنه جرى على اللسان بلا قصد.

الثاني: أنه عقوبة له لتأخره، وقد فهم مسلم رحمه الله من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقاً للدعاء عليه؛ فلهذا أدخله في هذا الباب، وجعل غيره من مناقب معاوية؛ لأنه في الحقيقة يصير دعاء له. وقد أشار الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (9/ 171/2) إلى هذا المعنى الثاني، فقال: (قلت: لعل أن يقال: هذه منقبة لمعاوية؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: { اللَّهم من لعنته أو سببته؛ فاجعل ذلك زكاة ورحمة }. واعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم: { إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر } إنما هو تفسير لقوله تعالى (( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ))[الكهف:110].

وقد يبادر بعض ذوي الأهواء أو العواطف الهوجاء إلى إنكار مثل هذا الحديث؛ بزعم تعظيم النبي عليه الصلاة والسلام، وتنزيهه عن النطق به، ولا مجال إلى مثل هذا الإنكار؛ فإن الحديث صحيح، بل هو عندنا متواتر، فقد رواه مسلم من حديث عائشة وأم سلمة، ومن حديث أبي هريرة وجابر، وورد من حديث سلمان وأنس وسمرة وأبي الطفيل وأبي سعيد وغيرهم.

وتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم تعظيماً مشروعاً، إنما يكون بالإيمان بكل ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم صحيحاً ثابتاً، وبذلك يجتمع الإيمان به صلى الله عليه وسلم عبداً ورسولاً، دون إفراط ولا تفريط؛ فهو صلى الله عليه وسلم بشر بشهادة الكتاب والسنة، ولكنه سيد البشر وأفضلهم إطلاقاً بنص الأحاديث الصحيحة، وكما يدل عليه تاريخ حياته صلى الله عليه وسلم وسيرته، وما حباه الله تعالى به من الأخلاق الكريمة والخصال الحميدة، التي لم تكتمل في بشر اكتمالها فيه صلى الله عليه وسلم، وصدق الله العظيم إذ خاطبه بقوله الكريم: (( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ))[القلم:4].

وفي حديث أم حرام { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نام عندها ثم استيقظ وهو يضحك، قالت، قلت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج –أي: وسط- هذا البحر ملوكاً على الأسرة -أو مثل الملوك على الأسرة- قالت: فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت من الأولين … فركبت البحر في زمن معاوية بن أبي سفيان فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت }([124]).

قال الفرياني: (وكان أول من غزاه معاوية في زمن عثمان بن عفان رحمة الله عليهما).

قال ابن كثير: (يعني جيش معاوية حين غزا قبرص ففتحها في سنة سبع وعشرين أيام عثمان بن عفان، وكانت معهم أم حرام فماتت هناك بقبرص، ثم كان أمير الجيش الثاني ابنه يزيد بن معاوية، ولم تدرك أم حرام جيش يزيد هذا وهذا من أعظم دلائل النبوة)([125]).

وقال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: (وفيه فضل لمعاوية رحمه الله إذ جعل من غزا تحت رايته من الأولين ورؤيا الأنبياء صلوات الله عليهم وحي).

وعن أم حرام أيضاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا، قالت أم حرام: قلت: يا رسول الله! أنا فيهم: قال: أنت فيهم. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم، فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: لا }([126]).

قال المهلب: (في الحديث منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا البحر).

وقال الحافظ: (وقوله قد أجيبوا) أي: فعلوا فعلاً وجبت لهم الجنة.

قال الذهبي: (حسبك بمن يؤمره عمر ثم عثمان على إقليم -وهو ثغر- فيضبطه ويقوم به أتم قيام، ويرضي الناس بسخائه وحلمه).

قال ابن تيمية: (وعمر من أعلم الناس بأحوال الرجال، وأحذقهم في السياسة، وأبعد الناس عن الهوى … فلم يول معاوية إلا وهو عنده ممن يصلح للإمارة، ثم لما توفى زاد عثمان في ولايته).

وقال في الفتاوى: (لما مات يزيد بن سفيان في خلافة عمر استعمل أخاه معاوية، وكان عمر بن الخطاب من أعظم الناس فراسة، وأخبرهم بالرجال، وأقومهم بالحق، وأعلمهم به، حتى قال علي بن أبي طالب: [[ كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر ]].

وقال أيضاً: (لولا استحقاقه للإمارة ما أمره).

وقال رحمه الله: (وكانت سيرة معاوية مع رعيته من خيار سير الولاة، وكان رعيته يحبونه، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم }([127]).

قال شيخ الإسلام: (واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة؛ فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة؛ وهو أول الملوك، كان ملكه ملكاً ورحمة، كما جاء في الحديث { يكون الملك نبوة ورحمة، ثم تكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم ملك وجبرية، ثم ملك عضوض }([128])، وكان في ملكه من الرحمة والحلم ونفع المسلمين ما يعلم أنه كان خيراً من ملك غيره)([129]).

أما خلافته فكانت صحيحة شرعية، فقد بايعه عدد كبير من الصحابة الكرام.

قال الجوزقاني: (واعلم أحسن الله لنا ولك التوفيق أن الاعتماد في خلافته على ما فعله الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما؛ لأنه كان أكبر أولاد علي رضي الله عنه، وأجمع عليه أصحاب أبيه بعده، فلما نظر في عاقبة الأمر وما يئول إليه خلع نفسه وسلم الأمر إلى معاوية وبايع له، فصار ذلك إجماعاً صحيحاً من غير تأويل ولا مقال، وكان هذا الفعل من الحسن رضي الله عنه أحد ما استدل به المسلمون على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أخبر عما يكون فكان، وذلك قوله: { إن ابني هذا سيد وعسى الله عز وجل أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين }([130])، ثم قال: فدلنا هذا الحديث على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أخبر عن أمر يكون فكان كما أخبر، وعلى أن الفئتين كلاهما من المسلمين، ولم يميز إحداهما على الأخرى بفضل ولا نقص)([131]).

ذكر الحافظ عبد الغني المقدسي أن يزيد بن معاوية بايعه ستون صحابياً منهم ابن عمر.

قلت: إذا بايع يزيد ستون صحابياً فلا شك أن من بايع معاوية منهم أضعاف أضعاف هذا العدد.

قال الأوزاعي: (أدركت خلافة معاوية عدة من الصحابة منهم: أسامة وسعد وجابر وابن عمر وزيد بن ثابت ومسلمة بن مخلد وأبو سعيد ورافع بن خديج وأبو أمامة وأنس بن مالك ورجال أكثر وأطيب ممن سمينا بأضعاف مضاعفة، كانوا مصابيح الهدى وأوعية العلم، حضروا من الكتاب تنزيله، ومن الدين جديده، وعرفوا من الإسلام ما لم يعرفه غيرهم، وأخذوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تأول القرآن، ومن التابعين لهم بإحسان ما شاء الله، منهم المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وسعيد بن المسيب، وعبد الله بن محيريز، وفي أشباه لهم لم ينزعوا يداً من جماعة في أمة محمد صلى الله عليه وسلم).

ومن الصحابة أيضاً: الحسن بن علي، وابن عباس، وأبو هريرة، وجابر بن عبد الله، وأبو الدرداء وغيرهم كثير رضي الله عنهم أجمعين، فهؤلاء أئمة الهدى ومصابيح الدجى، فلم يبايعوا معاوية رضي الله عنه إلا وقد رأوا فيه شروط الإمامة متوفرة، ومنها العدالة، فمن يطعن بعدالة معاوية وإمامته فقد طعن في عدالة هؤلاء الصحابة جميعهم وخوَّنهم وتنقصهم، فمن رضيه هؤلاء لدينهم ودنياهم ألا نرضاه ونقبل به نحن؟؟ ضللنا إذاً وما اهتدينا إن لم نرض بمن رضوا به، ومن قال: لعلهم بايعوا خوفاً فقد سبهم واتهمهم بالجبن وعدم الصدع بالحق، وهم منزهون عن أدنى شيء يشين دينهم، وهم القوم المعلوم من سيرتهم الشجاعة والشهامة وعدم الخوف في الله لومة لائم، ولو نشروا بمناشير الحديد نصفين، فمن استن بسنتهم نجا وسلم، ومن خالفهم واتبع غير سبيلهم ضلَّ وأضل.

وفي مبايعة سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما معاوية رد بليغ، وإلقام حجر في فم الروافص أعداء الله، والحسن رضي الله عنه من الأئمة المعصومين عندهم الذي لا يجوز الخطأ في حقهم، فلم يا ترى خالفوه ووسموه بمسوّد وجوه المؤمنين؟! إنه الهوى والضلال والزندقة. وفي هذا أيضاً علم من أعلام النبوة إذ قال صلى الله عليه وآله وسلم: { ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين من المسلمين }، وفي قوله: (من المسلمين)، رد على الخوارج كلاب النار الذين كفَّروا علياً وأصحابه، ومعاوية وأصحابه، عافانا الله وإياكم من الأهواء المضلة.

وعن ابن أبي مليكة: (قيل لابن عباس: [[ هل لك في أمير المؤمنين معاوية؛ فإنه ما أوتر إلا بواحدة. قال: إنه فقيه ]]([132]) فشهادة ابن عباس له بالفقه والصحبة دالة على الفضل الكثير، وهذا منه رضي الله عنه يدل على نظر ثاقب وفقه دقيق([133]).

وقال أبو الدرداء: [[ ما رأيت أحداً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله من أميركم هذا ]] يعني: معاوية.

قال شيخ الإسلام في منهاج السنة (6/235) بعد ما أورد أثر ابن عباس السابق، وأثر أبي الدرداء هذا: (فهذه شهادة الصحابة بفقهه ودينه والشاهد بالفقه ابن عباس وبحسن الصلاة أبو الدرداء وهما هما والآثار الموافقة لهذا كثيرة).

وقال أيضاً: (من المعلوم من سيرة معاوية أنه كان من أحلم الناس وأصبرهم على من يؤذيه).

قال الإمام أحمد: (كان معاوية كريماً حليماً).

وقال أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي: (معاوية ستر لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه)([134]).

وعن قتادة قال: (قلت للحسن: إن قوماً يشهدون على معاوية رحمه الله أنه في النار، قال: لعنهم الله)([135]).

وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي وغيره: سُئلَ المعافى بن عمران: (أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فغضب وقال للسائل: أتجعل رجلاً من الصحابة مثل رجل من التابعين! معاوية صاحبه وصهره، وكاتبه، وأمينه على وحي الله)([136]).

وسئل عبد الله بن المبارك: (عمر بن عبد العزيز أفضل أم معاوية؟ قال: تراب دخل في أنف معاوية في بعض مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من عمر بن عبد العزيز)([137]).

قال ابن العماد: (سئل الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه: أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لغبار لحق بأنف جواد معاوية بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه وأماتنا على محبته)([138]).

وفي رواية قال بشر بن الحارث: سئل المعافى وأنا أسمع أو سألته: (معاوية أفضل أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: كان معاوية أفضل من ستمائة مثل عمر بن عبد العزيز)([139]).

قال ابن كثير في اختصار علوم الحديث: (وقال بعضهم في معاوية وعمر بن عبد العزيز: ليوم شهده معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من عمر بن عبد العزيز وأهل بيته)([140]).

وقال قتادة: (لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم هذا المهدي). وورد عن جماعة من السلف أنهم ذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال الأعمش: (فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: في حلمه؟ قال: بل في عدله).

وعن همام بن منبه قال: سمعت ابن عباس يقول: [[ ما رأيت رجلاً كان أخلق بالملك من معاوية ]]([141]).

قال ابن كثير: وقال قبيصة بن جابر: (ما رأيت أحداً أعظم حلماً ولا أكثر سؤدداً ولا أبعد إناءة ولا ألين مخرجاً ولا أرحب باعاً بالمعروف من معاوية)([142]).

وقال قبيصة كذلك: (ألا أخبركم من صحبت؟ صحبت عمر بن الخطاب فما رأيت رجلاً أفقه فقهاً ولا أحسن مدارسة منه، ثم صحبت طلحة بن عبيد الله فما رأيت رجلاً أعطى للجزيل من غير مسألة منه، ثم صحبت معاوية فما رأيت رجلاً أحب رفيقاً ولا أشبه سريرة بعلانية منه)([143]).

وقال هارون الحمال: (سمعت أحمد بن حنبل وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله، إن هاهنا رجلاً يفضل عمر بن عبد العزيز على معاوية بن أبي سفيان فقال أحمد: لا تجالسه ولا تؤاكله ولا تشاربه، وإذا مرض فلا تعده)([144]) فكم من المتنقصين نؤاكلهم ونشاربهم ونبش في وجوههم والله المستعان.

قال سعد بن أبي وقاص: [[ ما رأيت أحداً بعد عثمان أقضى بحق من صاحب هذا الباب. يعني: معاوية ]]([145]).

قال أبو عثمان: وحدثني العلاء بن أبي الحكيم أنه كان سيافاً لمعاوية رضي الله عنه، فدخل عليه رجل فأخبره بهذا الحديث عن أبي هريرة الذي يرويه عن رسول الله قال: قال صلى الله عليه وسلم: { إن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل أمة جاثية، فأول من يدعو به رجل جمع القرآن ورجل يقتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك على ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت ويقول الله: بل أردت أن يقال: إن فلاناً قارئ فقد قيل ذاك، ويؤتى بصاحب المال فيقول الله له: ألم أوسع عليك حتى ما أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدق، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله تعالى: بل أردت أن يقال: فلان جواد فقد قيل ذاك، ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقول له الله: فبماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله تعالى له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جريء فقد قيل ذاك، ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي فقال: يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة. فقال معاوية: قد فعل بهؤلاء هذا فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى معاوية بكاءً شديداً حتى ظننا أنه هالك، وقلنا: قد جاءنا هذا الرجل بشر، ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه وقال: صدق الله ورسوله: (( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ))[هود:15-16] }([146]).

ومن تواضعه رضي الله عنه عن أبي مجلز قال: { خرج معاوية على ابن الزبير وابن عامر، فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير، فقال معاوية لابن عامر: اجلس فإني سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: من أحب أن يمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار }([147]).

وروى أحمد بسنده إلى علي بن أبي حملة عن أبيه قال: [[ رأيت معاوية على المنبر بدمشق يخطب الناس وعليه قميص مرقوع ]]([148]).

وعن يونس بن ميسر الحميري قال: [[ رأيت معاوية في سوق دمشق، وهو مردف وراءه وصيفاً، وعليه قميص مرقوع الجيب، يسير في أسواق دمشق ]].

أحاديث معاوية عند المحدثين وذكر من بوَّب له في المناقب ومن صنَّف فيه مصنَّفاً:

أخرج أهل الحديث لمعاوية رضي الله عنه (163) حديثاً.

وخصص له الإمام أحمد في كتابه مسنداً خاصاً، وروى له أكثر من مائة حديث. وكذا أبو يعلى الموصلي في مسنده، والطبراني في المعجم الكبير وغيرهم.

وقال الذهبي: (مسنده في مسند بقي مائة وثلاثة وستون حديثاً، وقد عمل الأهوازي مسنده في مجلد، واتفق له البخاري ومسلم في أربعة، وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بخمسة) وأخرج له أصحاب الكتب الستة ستون حديثاً.

بعض الذين رووا عن معاوية رضي الله عنه: عبد الله بن عباس، وجرير بن عبد الله البجلي، وأبو سعيد الخدري، وأبو عبد الله الصنابحي، وأبو ذر الغفاري، وأبو الدرداء، وابن عمر، وعبد الله بن الزبير، والنعمان بن بشير، ومحمد بن مسلمة، وأبو الطفيل، والسائب بن يزيد، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ووائل بن حجر، ومعاوية بن خديج، وسبرة بن معبد، وعبد الرحمن بن الشبل، وأسيد بن ظهير، وأبو عامر الأشعري، ويزيد بن جاري رضي الله عنهم، والحسن البصري، وخالد بن معدان، وسعيد بن المسيب، وسعيد المقبري، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن جبير بن مطعم، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية، ومطرف بن عبد الله بن الشخير، وهمام بن منبه، وأبو إدريس الخولاني، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله بن عمر، ومجاهد، وأبو قلابة، ومكحول، وعطاء بن يسار، وبهز بن حكيم وغيرهم كثير([149]).

وألف الهيتمي رسالة في الدفاع عن معاوية رضي الله عنه سماها: (تطهير الجنان واللسان عن الخطر والتفوه بثلب سيدنا معاوية بن أبي سفيان). وقد طبعت ملحقة بالصواعق المحرقة. وكتب أبو عمر الزاهد جزءاً في فضائل معاوية، وكذلك أبو الفتح القواس.

وكتب في سيرته عوانة بن الحكم وكذلك الأهوازي.

وكتب أبو يعلى الفراء (تبرئة معاوية) نزهه عن الظلم في مطالبته بدم عثمان رضي الله عنهما.

وفي الشريعة عقد الإمام الآجري كتاباً سماه: (فضائل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه) ثم أورد تحته أبوباً في فضائله وهي:

• باب ذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لمعاوية رضي الله عنه.

• بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لمعاوية رحمه الله بالجنة.

• ذكر مصاهرة النبي صلى الله عليه وسلم لمعاوية بإخته أم حبيبة رحمه الله.

• ذكر استكتاب النبي صلى الله عليه وسلم لمعاوية رحمه الله.

• ذكر صحبة معاوية رحمه الله للنبي صلى الله عليه وسلم ومنزلته عنده.

• ذكر تواضع معاوية رحمه الله في خلافته.

• ذكر تعظيم معاوية لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وإكرامه إياهم.

• ذكر وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاوية رضي الله عنه إن وليت فاعدل.

وفي الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان لابن بلبان الفارسي (كتاب إخباره صلى الله عليه وسلم عن مناقب الصحابة رجالهم ونسائهم بذكر أسمائهم رضوان الله عليهم أجمعين) باب ذكر معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه([150]).

وفي البداية والنهاية لابن كثير فصل بعنوان: (فضل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه)([151]).

وعقد الجوزقاني في كتابه: (الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير) باباً باسم: "فضائل طلحة والزبير ومعاوية وعمرو" (ص:92).

بعض أصحاب كتب التراجم والرجال الذين ترجموا لمعاوية ولم يذكروه إلا بخير:

• البخاري في التاريخ الكبير (7/326).

• ابن سعد في الطبقات الكبرى (7/406).

• ابن جرير الطبري في التاريخ (3/ 260).

• الخطيب في تاريخ بغداد (1/207).

• ابن عساكر في تاريخ دمشق (المختصر 24/ 399).

• ابن قتيبة في المعارف (152).

• ابن الأثير في أُسد الغابة (5/ 201).

• ابن الأثير في الكامل (4/ 5).

• ابن الجوزي في المنتظم (5/ 332).

• ابن عبد البر في الاستيعاب (10/ 134).

• ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (8/ 377).

• ابن حجر في الإصابة (6/151).

• الذهبي في سير أعلام النبلاء (3/ 119).

• المزي في تهذيب الكمال (28/ 176).

• ابن حجر في تهذيب التهذيب (10/ 207).

• ابن حبان في الثقات (3/ 373).

• ابن كثير في البداية والنهاية (8/120) وفي جامع المسانيد (11/ 568).

• ابن العماد في شذرات الذهب (1/ 65).

• السيوطي في تاريخ الخلفاء (194).

• ابن دقمان في الجوهر الثمين (73). وغيرهم كثير.

أحاديث باطلة لا تصح في شأن معاوية ذماً ومدحاً:

قال ابن الجوزي: (قد تعصب قوم ممن يدعي السنة فوضعوا في فضله أحاديث ليغضبوا الرافضة، وتعصب قوم من الرافضة فوضعوا في ذمه أحاديث، وكلا الفريقين على الخطأ القبيح)([152]).

*بعض ما جاء من الأحاديث الواهية في ذمه:

{ اللهم اركسهما في الفتنة ركساً، ودعهما في النار دعاً } أي: معاوية وعمرو بن العاص.

{ يطلع عليكم رجل يموت على غير سنتي } فطلع معاوية.

{ قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً، فأخذ معاوية بيد ابنه يزيد وخرج ولم يسمع الخطبة فقال صلى الله عليه وسلم: لعن الله القائد والمقود }.

هذا من أسمج وأقبح الكذب، فمعاوية لم يتزوج إلا في زمن عمر، وولد له يزيد في زمن عثمان سنة سبع وعشرين من الهجرة.

{ إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه }.

*بعض ما جاء من الأحاديث الواهية في مدحه:

{ كاد معاوية أن يبعث نبياً من حلمه وائتمانه على كلام ربي }.

{ هنيئاً لك يا معاوية، لقد أصبحت أميناً على خبر السماء }.

{ يحشر معاوية وعليه حلة من نور }.

{ يبعث معاوية وعليه رداء من نور الإيمان }.

{ يخرج معاوية من قبره وعليه رداء من سندس مرصع بالدر والياقوت }.

{ الأمناء ثلاثة: أنا وجبريل، ومعاوية }.

وغير ذلك كثير، راجع كتب الموضوعات والأباطيل ترى العجب.

فانظر رحمك الله إلى هذا الغلو المقيت وذاك الجفاء القبيح، الروافض يجعلون معاوية من الكفار والزنادقة الملعونين، والنواصب يرفعونه إلى عليين ودرجة النبيين، وصدق من قال: يضيع هذا الدين بين الغالي فيه والجافي عنه. ورحم الله أهل السنة السلفيين الذين عرفوا للصحابة، قدرهم وأنزلوا كل واحد منزلته، فتكلموا بعدل وإنصاف، فكانوا حقاً أعلم الناس بالحق وأرحمهم بالخلق.

مقتطفات من أقوال العلماء في معاوية رضي الله عنه:

قال الآجري في الشريعة (3/ 496): (معاوية رحمه الله كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم على وحي الله عز وجل وهو القرآن بأمر الله عز وجل، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن دعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيه العذاب، ودعا له أن يعلمه الله الكتاب، ويمكن له في البلاد، وأن يجعله هادياً مهدياً). إلى أن قال: (وهو ممن قال الله عز وجل (( يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ))[التحريم:8] فقد ضمن الله الكريم له ألا يخزيه؛ لأنه ممن آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم).

وقال الإمام ابن بطة في الإبانة الصغرى (ص:299): (تترحم على أبي عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان أخي أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم خال المؤمنين أجمعين وكاتب الوحي، وتذكر فضائله).

وقال الجوزقاني في كتابه (الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير (ص:100 - 101): (اعلم أن معاوية خال المؤمنين، وكاتب الوحي المبين، المنزل من عند رب العالمين على رسوله محمد الأمين صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، هو أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي، يجمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم النسب من عبد مناف).

قال ابن عساكر: (خال المؤمنين وكاتب وحي رب العالمين).

قال أبو نعيم الحافظ: (كان من الكتبة الحسبة الفصحة). ثم قال (كان حليماً وقوراً).

قال ابن الأثير: (وشهد مع رسول الله حنيناً، وأعطاه من غنائم هوازن مائة بعير، وأربعين أوقية، وكان هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم، وحسن إسلامهما وكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم).

وقال ابن العماد: (ولي الشام لعمر وعثمان عشرين سنة، وتملكها بعد علي عشرين إلا شهراً، وسار بالرعية سيرة جميلة، وكان من دهاة العرب وحلمائها، ويضرب به المثل، وهو أحد كتبة الوحي، وهو الميزان في حب الصحابة ومفتاح الصحابة).

قال الذهبي في السير: (أمير المؤمنين، ملك الإسلام).

وقال أيضاً: (كان محبباً إلى رعيته، عمل نيابة الشام عشرين سنة، والخلافة عشرين سنة، ولم يهجه أحد في دولته، بل دانت له الأمم وحكم على العرب والعجم، وكان ملكه على الحرمين ومصر والشام والعراق وخرسان وفارس والجزيرة واليمن والمغرب وغير ذلك).

قال أبو القاسم حمزة بن محمد الكناني في (جزء البطاقة) بعد أن ساق بسنده إلى العرباض بن سارية رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: { اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب } قال: (وقد روى عن معاوية رضي الله عنه جماعة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم ساق أسماءهم وأحاديثهم إلى أن قال: وروى عنه وجوه التابعين أهل المدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام، وهذه منزلة عظيمة ودرجة رفيعة شريفة، ونسأل الله حسن التوفيق والسلامة في الدين وبه نستعين). وقال: (وكان أول ملك في الإسلام، واستمر في الملك إلى سنة ستين وتوفي فيها بدمشق عن ثمانين سنة رحمه الله، ورضي عنه، وقد كان حليماً وقوراً رئيساً سيداً له مكارم وفضائل ومآثر).

قال ابن خلدون: (وقد كان ينبغي أن تلحق دولة معاوية وأخباره بدول الخلفاء وأخبارهم، فهو تاليهم في الفضل والعدالة والصحبة).

أعماله رضي الله تعالى عنه:

اتسعت رقعة العالم الإسلامي في عهده رضي الله عنه من أفريقيا غرباً إلى بلاد الهند شرقاً وإلى حدود قسطنطينة شمالاً، وكسرت شوكة الروم في عهده وفتح كثيراً من البلدان كقبرص وقيسارية.

قال ابن كثير ملخصاً حالة العالم الإسلامي في عهده رضي الله تعالى عنه: (والجهاد في بلاد العدو قائم، وكلمة الله عالية، والغنائم ترد إليه من أطراف الأرض، والمسلمون معه في راحة وعدل وصفح وعفو).

وقال أيضاً: (وكان يغزو الروم في كل سنة مرتين، مرة في الصيف ومرة في الشتاء، ويأمر رجلاً من قومه فيحج بالناس، وحج هو سنة خمسين، وحج ابنه يزيد سنة إحدى وخمسين، وفيها أو في التي بعدها أغزاه بلاد الروم، فسار معه خلق كثير من كبراء الصحابة حتى حاصر القسطنطينية، وقد ثبت في الصحيح { أول جيش يغزو القسطنطينة مغفور لهم } ).

قال سعيد بن عبد العزيز: (لما قتل عثمان واختلف الناس لم يكن للناس غازية ولا صائقة – الغزو في الصيف – حتى اجتمعت الأمة على معاوية سنة أربعين، وسموها سنة الجماعة).

وقال أيضاً: (فأغزى معاوية الصوائف وشتاهم بأرض الروم ستة عشرة صائفة تصيف بها وتشتوا، ثم تقفل وتدخل معقبتها، ثم أغزاهم معاوية ابنه يزيد سنة خمس وخمسين في جماعة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في البر والبحر، حتى جاز بهم الخليج وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها، ثم قفل بهم راجعاً إلى الشام، وكان آخر ما أوصى به معاوية أن قال: شد خناق الروم) ([153]).

وهو مؤسس أول أسطول إسلامي بحري، وبلغ 1700 سفينة في عهده، وقد أسس داراً للصناعة البحرية في عكا، وداراً أخرى لصناعة السفن البحرية في جزيرة الروضة بمصر عام 54 هـ. وأسس مصلحة الشرطة، وأنشأ البريد، ووضع ديوان الخاتم. وغيرها كثير؛ انظرها في كتب التواريخ والتراجم.

كمل المقصود وربنا المحمود، فما كان فيه من الصواب فمن الله، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان، ورحم الله القائل:

وإن تجد عيباً فسد الخللا فجل من لا عيب فيه وعلا

ومن قال:

وما بها من خطأ ومن خلل أذنت في إصلاحه لمن فعل
لكن بشرط العلم والإنصاف فذا وذا من أجمل الأوصاف
والله يهدي سبل السلام سبحانه بحبله اعتصام

وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

([1]) تفسير ابن الجوزي.

([2]) رواه الخلال، وأبو نعيم، وذكره ابن الجوزي مختصراً في تفسيره.

([3]) تفسير القرطبي.

([4]) شرح الطحاوية (470).

([5]) تفسير الشوكاني (5/287-288).

([6]) البداية والنهاية (9/122).

([7]) الفتاوى (4/471-472).

([8]) حادي الأرواح (196).

([9]) تفسير ابن كثير (2/367).

([10]) الصارم المسلول (574-575).

([11]) منهاج السنة (2/49-50).

([12]) رواه البخاري (3673)، ومسلم (2541).

([13]) منهاج السنة (6/223).

([14]) قطر الولي (ص:255).

([15]) أخرجه البخاري (3651)، ومسلم (212/2533).

([16]) كما قال شيخ الإسلام في منهاج السنة (2/35)، والحافظ ابن حجر في مقدمة الإصابة (1/13).

([17]) انظر الأزهار للسيوطي ولقط اللآلي للزبيدي (ص:72)، ونظم المتناثر للكتاني (127).

([18]) أخرجه أبو نعيم، ورواه الطبراني عن ابن عباس موصولاً، وقال الألباني: (وبالجملة فالحديث بمجموع طرقه حسن عندي على أقل الدرجات والله أعلم).

([19]) الشريعة (3/543).

([20]) الشريعة (3/550).

([21]) الفيض (6/146- 147).

([22]) أحمد (4/399)، ومسلم (2531).

([23]) أعلام الموقعين (4/137).

([24]) البخاري (3649)، ومسلم (2532).

([25]) رواه أحمد والترمذي، وقال: حسن صحيح من هذا الوجه.ورواه الحاكم وصححه وأقره الذهبي وقد صحح الحديث أحمد شاكر رحمه الله وكذا الألباني في الصحيحة.

([26]) رواه ابن أبي عاصم في السنة، وابن أبي شيبة، وحسن إسناده الحافظ في الفتح، وقال الهيثمي: رواه الطبراني من طرق، ورجال أحدها رجال الصحيح.

([27]) رواه الطبراني وأبو نعيم وغيرهما من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وحسنه الحافظان العراقي وابن حجر، وصححه الألباني لشواهده، انظر: الصحيحة.

([28]) رواه البخاري.

([29]) رواه البخاري ومسلم.

([30]) دعاء عليهم بمعنى أذلهم وحقرهم وصغرهم، والقميء الذليل والحقير.

([31]) هي رفع الريبة عما يجوز وما لا يجوز من الغيبة - نشرت قديماً ضمن مجموعة الرسائل المنيرة، ثم طبعت بتحقيق محمد خير رمضان يوسف فيما بعد.

([32]) أحمد والبخاري والنسائي.

([33]) قطر الولي (ص:292-298).

([34]) رواه أحمد في فضائل الصحابة، وابن ماجه، وصححه البوصيري، وحسنه الألباني.

([35]) اللالكائي.

([36]) رواه مسلم، وأحمد في فضائل الصحابة، وابن أبي عاصم في السنة.

([37]) أخرجه أحمد، وقال الشيخ أحمد شاكر: (إسناده صحيح، وهو موقوف على ابن مسعود)، وصححه الحاكم وأقره الذهبي، وقال الألباني: (ثم أخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه من طريق عبد الرحمن بن يزيد: فذكره، وإسناده صحيح.

([38]) جامع بيان العلم وفضله، وورد عن ابن عمر نحوه، ورواه أبو نعيم في الحلية من طريق الحسن وهو مدلس، وفي ثبوت سماعه مقال.

([39]) الشفا للقاضي عياض.

([40]) الصارم المسلول.

([41]) القائل هو محمد بن سعيد الدمشقي في منظومته (دعوة الأصحاب إلى التحلي بحلى الآداب).

([42]) هو عبد العزيز الحربي.

([43]) مناقب الشافعي للبيهقي.

([44]) اللالكائي، والبداية والنهاية، والصارم المسلول.

([45]) السنة للخلال.

([46]) هو عبد العزيز الحربي.

([47]) السنة للإمام أحمد.

([48]) الإمامة والرد على الرافضة.

([49]) شرح مسلم.

([50]) الزواجر.

* ومعنى الاصطلام: الاستئصال والإبادة.

([51]) نقله الحافظ في الفتح.

([52]) أصول السنة لابن أبي زمنين، واللالكائي في شرح اعتقاد السنة.

([53]) الكفاية.

([54]) رواه أحمد ومسلم وغيرهما.

([55]) نقله ابن القيم في حادي الأرواح (ص:294).

([56]) الكتاب اللطيف لشرح مذاهب أهل السنة (ص:51).

([57]) رسالته شرح السنة التي يبين فيها جملة من اعتقاد أهل السنة.

([58]) المصدر السابق.

([59]) الفواق: ما بين الحلبتين من الوقت.

([60]) البداية والنهاية.

([61]) الجامع لأحكام القرآن (16/285).

([62]) اختصار علوم الحديث (الباعث الحثيث 182).

([63]) رواه البخاري ومسلم.

([64]) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (7/552)، وذكر نحوه الذهبي في السير (3/144).

([65]) شرح مسلم (15-149).

([66]) الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير (ص:101).

([67]) العواصم (179).

([68]) الفتاوى (35/74، 75، 76).

([69]) الفتاوى (ص:76-77).

([70]) الفتاوى (ص:79).

([71]) البداية (7/290).

([72]) الفتح (13/42).

([73]) الفصل (4/159-161).

([74]) الفصل (ص:163).

([75]) السير (3/128).

([76]) متفق عليه.

([77]) رواه ابن عبد البر، وابن عدي، والبيهقي، والحديث حسن كما قالا الحافظان العلائي والسخاوي.

([78]) العواصم من القواصم (ص:182).

([79]) مقدمة صحيح مسلم (1/16).

([80]) الجامع لأحكام القرآن: (16/ 285 – 286).

([81]) متفق عليه.

([82]) رواه البخاري.

([83]) رواه البخاري.

([84]) رواه البخاري، ومسلم من وجه آخر.

([85]) من كتاب (القول الشافي السديد في نصح المقلد وإرشاد المستفيد)، لعلي محمد بن علي الشوكاني - وهو ابن العلامة الشوكاني.

([86]) رواه أحمد وغيره.

([87]) اللالكائي (7/1336).

([88]) اللالكائي (7/1340).

([89]) المصدر السابق.

([90]) اللالكائي (7/1343).

([91]) أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة (554).

([92]) طبقات الحنابلة (2/56 – 57).

([93]) السير (17/472).

([94]) شرح مسلم (16/93).

([95]) الفتح (7/44).

([96]) الشفا (2/1106).

([97]) الشفا (2/1108).

([98]) منهاج السنة (1/27-34).

([99]) القول الشافي السديد في نصح المقلد وإرشاد المستفيد (ص:53).

([100]) المصدر نفسه (ص:34).

([101]) البحر العميق.

([102]) الجؤنة.

([103]) الجؤنة.

([104]) الجؤنة.

([105]) الجؤنة.

([106]) في كتابه التيمم (ص:14- 15).

([107]) الحاوي في الفتاوي (3/32) - وحقيق أن يسمى بالحاوي للبلاوي.



([108]) عن جنة المرتاب، لأبي اسحاق الحويني (ص:167).

([109]) للمقريزي (ص:94).

([110]) في كتابه الموسوم بـ (كتب وشخصيات) (ص:242).

([111]) من تعليقه على جامع المسانيد - لابن كثير (11/ 566).

([112]) الخلفاء الراشدون (ص:405 – 439).

([113]) في كتابه تنوير المؤمنات (2/20).

([114]) في شريط له تحت عنوان مناقب علي تـ (11/5/1996).

([115]) متفق عليه.

([116]) مسلم.

([117]) السير (3/140)، البداية (8/132).

([118]) البداية (8/133).

([119]) الاستيعاب (3/1108).

([120]) مسلم.

([121]) شرح مسلم (15/175-176).

([122]) شرح مسلم.

([123]) رواه أحمد وهو صحيح.

([124]) البخاري ومسلم.

([125]) البداية والنهاية (8/232).

([126]) رواه البخاري.

([127]) منهاج السنة (6/ 247)، والحديث رواه أحمد ومسلم.

([128]) رواه الطبراني، ورجاله ثقات وهو في الصحيحة.

([129]) الفتاوى (4/478).

([130]) رواه البخاري.

([131]) كتاب الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير (ص: 101 – 102).

([132]) البخاري.

([133]) ذكره الحافظ في الفتح (7/131).

([134]) تاريخ بغداد (1/209)، والبداية (8/142).

([135]) الشريعة (3/521).

([136]) تاريخ بغداد (1/209).

([137]) الحجة في بيان المحجة (2/377)، لأبي قاسم الأصبهاني.

([138]) شذرات الذهب (1/65).

([139]) السنة للخلال (435).

([140]) الباعث الحثيث (181).

([141]) السنة للخلال (440)، الطبري في التاريخ (3/ 269)، البداية (8/ 137).

([142]) الجليس الصالح الكافي للجريري (4/51).

([143]) تاريخ الطبري (3/269).

([144]) ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (3/133).

([145]) البداية (8/136).

([146]) رواه مسلم مختصراً، وهذه الرواية في الترمذي.

([147]) صحيح الأدب المفرد ورواه أحمد.

([148]) الزهد (172).

([149]) انظر: في تهذيب الكمال (28/177 – 178)، وأُسد الغابة (5/204).

([150]) الإحسان (16/191).

([151]) البداية والنهاية (8/21).

([152]) الموضوعات (2/15).

([153]) تاريخ أبي زرعة (1/188)، البداية (8/136).
  • ملف العضو
  • معلومات
محمد تلمساني
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 16-07-2009
  • المشاركات : 2,226
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • محمد تلمساني will become famous soon enough
محمد تلمساني
شروقي
رد: من سب الصحابة ومعاوية فأمه هاوية
09-01-2012, 10:59 AM
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين .

أما بعد، فهذا ما ورد - فيما وقفتُ عليه - من الأحاديث الصحيحة في فضل سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، أسأل الله الكريم أن ينفع بها إخواني المسلمين، وأن يجعلها غصَّة في حلوق أهل البدع والمنافقين :

1 - عن عبد الرحمن بن أبي عُمَيرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال لمعاوية :

" اللهم اجعله هادياً مهديًّا، واهدِ به "

رواه الترمذي ( 3842 )، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 1969 )

2 - عن العِرباض بن سارية السلمي رضي الله عنه قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول :

"اللهم علّم معاوية الكتاب والحساب ، وقِهِ العذاب "

رواه أحمد ( 17202 )، وصححه بشواهده الألباني في السلسلة الصحيحة ( 3227 )

3 - عن أم حرام الأنصارية رضي الله عنها، أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلّم يقول :

" أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا "

رواه البخاري ( 2924 )

قال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " ( 6 / 127 ) : قال المهلّب : في هذا الحديث منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا البحر . اهـ .

وقال أبو جعفر الطبري في " تاريخ الأمم والملوك " ( أحداث سنة ثمان وعشرين ) : عن خالد بن معدان قال : أول من غزا البحر معاوية؛ في زمن عثمان، وكان استأذن عمر فلم يأذن له، فلم يزل بعثمان حتى أذن له، وقال : لا تنتخب أحداً، بل من اختار الغزو فيه طائعاً فأعِنه، ففعل . اهـ .

4 - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال لي النبي صلى الله عليه وسلّم :

" اذهب ادعُ لي معاوية "، وكان كاتبه

رواه أحمد ( 2651 / شاكر )، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 1 / 164 )

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ( 4 / 288 ) : إن معاوية ثبت بالتواتر أنه أمّره النبي صلى الله عليه وسلّم كما أمّر غيره، وجاهد معه، وكان أميناً عنده يكتب له الوحي، وما اتّهمه النبي صلى الله عليه وسلّم في كتابة الوحي، وولاّه عمر بن الخطاب الذي كان أخبر الناس بالرجال، وقد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، ولم يتّهمه في ولايته . اهـ .

جزى الله خيرا من كتبه
  • ملف العضو
  • معلومات
the.edge
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 20-01-2007
  • المشاركات : 23,152
  • معدل تقييم المستوى :

    43

  • the.edge is on a distinguished road
the.edge
شروقي
رد: من سب الصحابة ومعاوية فأمه هاوية
13-08-2025, 04:53 PM
مذكرة تخرج
ميموار
دكتوراه
محاضرات
Remote Work
Freelance
بحث جاهز بالمنهجية العلمية
بحث pdf word
psychologie
psychologiques
countries remote business lifestyle year
real pros cons working freelancing
proven ways money through remote income
freelance skills sustainable long term expert insights
people choosing digital nomad traditional
balance life productivity while doing remote income
countries remote business lifestyle year
remote career certifications boost profile 2025
countries online lifestyle year
countries online lifestyle year
start successful home career without prior experience
platforms find location independence opportunities 2025
avoiding burnout while working location independence
avoiding burnout while working home
remote career tells when getting started
digital nomad right signs ready
start successful freelancing career without prior experience
step-by-step plan launch remote career career days
home sustainable long term expert insights
digital nomad sustainable long term expert insights
people choosing remote traditional
platforms find remote opportunities 2025
avoiding burnout while working digital nomad
wish knew before becoming remote business worker
people choosing home traditional
platforms find remote opportunities 2025
earned 5000 month freelance skills journey
balance life productivity while doing home
debunking myths remote income careers
freelancing sustainable long term expert insights
countries location independence lifestyle year
proven ways money through online
earned 5000 month digital nomad journey
find legitimate digital nomad opportunities 2025
find legitimate online opportunities 2025
avoiding burnout while working remote
platforms find digital nomad opportunities 2025
freelancing certifications boost profile 2025
start successful remote business career without prior
people choosing location independence traditional
earned 5000 month online journey
debunking myths remote careers
freelancing tells when getting started
ultimate beginner location independence
location independence sustainable long term expert insights
debunking myths digital nomad careers
avoiding burnout while working remote income
ultimate beginner freelancing
ultimate beginner online
find legitimate freelance skills opportunities 2025
remote sustainable long term expert insights
people choosing remote career traditional
zero pro first months doing digital nomad
step-by-step plan launch home career days
real pros cons working remote business
ultimate beginner remote business
countries location independence lifestyle year
platforms find remote income opportunities 2025
wish knew before becoming home worker
zero pro first months doing online
find legitimate remote career opportunities 2025
people choosing remote income traditional
remote career right signs ready
digital nomad tells when getting started
avoid mistakes when starting remote career
start successful online career without prior experience
real pros cons working remote career
countries remote lifestyle year
earned 5000 month location independence journey
step-by-step plan launch location independence career days
zero pro first months doing freelancing
real pros cons working online
platforms find freelancing opportunities 2025
ultimate beginner remote
start successful remote income career without prior
avoiding burnout while working freelance skills
zero pro first months doing freelancing
debunking myths home careers
countries remotely freelance translation visa options
freelance translation good choice digital nomads 2025
zero pro digital product selling days
market yourself clients ai-based remote
real income reports earn affiliate marketing
future remote project management trends need know
remote boards post verified ai-based remote gigs
data entry home profitable 2025 experts say
remote project management good choice digital nomads
ecommerce home good choice digital nomads 2025
tools apps need thrive voice-over online
digital marketing fastest growing work-from-home careers
market yourself clients ecommerce home
skills required digital product selling practical
countries remotely remote design visa options
real income reports earn remote sales
market yourself clients remote customer service
first 1000 remote software development experience needed
avoid common mistakes freelance translation cost time
freelancers share secrets succeeding freelance graphic design
truth working remote design expectations reality
ai-based remote profitable 2025 experts say
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 


الساعة الآن 04:54 PM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى