لمسرح كونه نظاما سميوتيقيا - علامات العرض المسرحي
25-12-2011, 10:42 PM
لمسرح كونه نظاما سميوتيقيا - علامات العرض المسرحي
بواسطة: بوبكر سكيني / ناقد و باحث مسرحي
بتاريخ : الجمعة 23-12-2011 07:58 مساء

"كانت الدراما في معظم المعاهد الأكاديمية، إلى وقت قريب نسبيا تدرس كفرع من فروع الأدب، باعتبارها أدبا دراميا، و من ثم فهو معزول ن العملية المسرحية"(1)، إن مثل هذه المناهج يخل ويخرج عن التعريف المعجمي للمسرحية الذي يوضعها "بكونها في جوهرها عمل يقوم على عرض متخيل.
"كانت الدراما في معظم المعاهد الأكاديمية، إلى وقت قريب نسبيا تدرس كفرع من فروع الأدب، باعتبارها أدبا دراميا، و من ثم فهو معزول عن العملية المسرحية"(1)، إن مثل هذه المناهج يخل ويخرج عن التعريف المعجمي للمسرحية الذي يوضعها "بكونها في جوهرها عمل يقوم على عرض متخيل. و بأنه عمل إبداعي يفترض الصنعة ويوحي بأنه حقيقة ]...[ و تقوم في أبسط أحوالها عل وجود الممثل الذي يؤدي و المتفرج الذي يتلقى ضمن حيزين هما حيز اللعب وحيز الفرجة"(2).
و قد اعتبر أرسطو في كتابه فن الشعر أن الفعل هو العنصر الأساسي الذي يميز الشعر الدرامي عن الشعر الملحمي و عن بقية الفنون الأخرى، و الفعل المسرحي يتطلب تعاون المؤدين و المخرج و الطاقم الفني، فكلهم يساهمون في الحدث المسرحي عند نقطة الفعل، إسهامات نفسية و بدنية من الممثل، و إسهامات نفسية و بدنية من الجمهور "فالمتفرج عندما يشاهد ما يقدم له فوق الخشبة لا يكون وحيدا إذ أن نظره يحيط بالممثلين الذين هم بدورهم يلقون بنظرهم إليه. إن المسرح في الحقيقة يمسك بخيطين متناقضين و متشابكين: خيط السيكودراما، إطار عام، والخيط الآخر الذي يتمثل في الكشف عن العلائق الاجتماعية كغاية متوخاة"(3).
إن الخلط الذي يستقر في صلب العرض المسرحي و ظروف جريانه، هو كما عرفه الباحث رولان بارت في مقاله الشهير - محاولات نقدية- و يقول فيه : " إننا إذن على صلة بتعدد صوتي معلوماتي حقيقي، وهذا هو التمسرح: كثافة من المعلومات"(4) تتوضع عن طريق التعقيد و التخطي، فالنص المكتوب - من حيث سماته الأدبية ووظيفته كمسودة الإخراج- يولد لنا دلائل أقل فاعلية و متلاشية مما يولده لنا العرض المسرحي من علامات تسجلها العيون و الأذان " إن النص المسرحي له وجود داخل العرض، في شكله الصوتي، كوحدة فونيمية، وله حضور مزدوج يلي العرض أولا ثم يصاحبه ثانيا"(5).
لقد رأت المدرسة التشيكية في تعدد دلائل العلامة المسرحية في العرض مدعاة للتعقد و التحابك "إن كل شيء داخل الإطار المسرحي علامة. إن العرض الدرامي هو مجموعة من العلامات ]...[ إن الأشياء العادية على خشبة المسرح تكتسب دلالة أعظم مما هي عليه في الحياة العادية، على خشبة المسرح يمكن للأشياء -التي تلعب دور العلامات المسرحية- مع تطور المسرحية أن تكتسب طبيعة وسمات وخصائص ليست لها في الحياة الواقعية"(6). فالعرض المسرحي يبتدي لنا كمنظومة سيموتيقية معقدة تشتمل عدة طبقات أو مستويات دلالية و تفسيرية حسب النموذج المحدد في مقاربتنا النظرية في الفصل الأول .
و التمعن في نظام الإشارات للعرض كنظام كامل مبني بنسق علاماتي ينتمي إلى عملية الإخراج المسرحي، هذه العلامات سنفسرها انطلاقا من السميوتيقا البيرسية : كالأيقونة و المؤشر و الرمز : فهذه العلامات ستمكننا من توضيع ما يسميه Patrice Pavis -تقسيم مسرحي-Partition théâtrale أي تركيب ووصف نظام العرض .
فالفرضية التي ستعكف على إجلائها بهدف التنبيه إلى أنساق العرض المسرحي :
- كل ما هو داخل العرض المسرحي و فوق الخشبة علامة . "الحوار مثل الإيماءات، و الشخصيات مثل الديكور و موضوع المسرحية سيحل شفرته من طرف المتفرج عن طريق الممثلReprésentant الذي تمثله المسرحية"(7)، فالعلامة في العرض من طبيعة متفردة عما هي في الحياة العادية. " إن العلامة علامة الشيء (في العرض) و ليست علامة الشيء في حد ذاته (في الحياة)"(8)، فالملابس أو الديكور أو الملحقات (كما ندرج الدوال العلاماتية الأخرى مثل التفخيم في الإلقاء والحركات) في المسرح فوق الخشبة لا نستعملهم كعلامات إنما نستعملهم كذلك كأشياء حقيقية يتعامل معها الممثل حتى تساعده في التماهي أكثر مع الدور الذي حدده له المخرج من ناحية ، ومن ناحية أخرى فإن المتفرج لا ينظر إلى هذه الأشياء الحقيقية كأشياء حقيقية و لكن علامات لدلائل أو علامات لأشياء ترتبط فيما بينها لتشكل نظاما دلاليا أكثر تعقيدا.
-I علامات العرض المسرحي :
" فن العرض وسط بين كل الفنون، و يمكن كذلك أن يكون وسطا في كل مجالات النشاطات الإنسانية حيث العلامة (في العرض) تتجلى بثراء، بتنوع و بكثافة"(9). إن كوفزان يحيلنا بالتنبيه إلى اكتشاف في العرض المسرحي عدة مستويات تعبير تتكشف عند خمسة أصناف دلالية تعد بالنسبة إلينا في بحثنا أكثر من نظام عملي على المستوى السميوتيقي :
أ- الكلمة المنطوقة من طرف الممثل : في البدء لها دلالتها اللسانية، فهي علامة، علامة تنوب عن ذلك الذي ينطقها (الممثل) "نبرة صوت الممثل، طريقة نطق الكلمة يمكنها أن تغير معناها (الكلمة)"(10)،
ب- التعبير الجسدي : ويتمثل في إيماءات الوجه، الحركة والإنتقال فوق الخشبة،
جـ- المظهر الخارجي للمثل: أي المكياج، تصفيف الشعر و الزي المسرحي (الملابس)،
د- منظر المكان المشهدي: و تتعلق ببصريات العرض من نظم الملحقات، ديكور و إضاءة.
هـ- المؤثرات الصوتية غير المنطوقة (لفظية) : و في هذا المسـتوى من نـظم العـرض المسرحي يشير إلى الموسيقى و المؤثرات الصوتية (bruitage).
إلا أن هذه المستويات من الوسائط العلاماتية تنشطر حسب كوفزان إلى ثلاثة عشر نظاما من العلامات العملية في العرض المسرحي و هي :
1- الكلمة: و هي شكل من أشكال نظم العلامات في العرض المسموعة "تشبه المحادثة في الحياة العادية لكنها تختلف عنها جوهريا، فهي اقتصادية و دلالية دائما و لا مجال للإعتباطية فيها"(11)، أما وظيفة الكلمة فهي الإبلاغ و توصيل المعلومات عبر الشخصيات و الإيحاء بأن ما يجري فوق الخشبة يجري هنا/الآن وفق ما حدده أرسطو في كتابة فن الشعر (محاكاة الفعل بالفعل). و قد تأخذ الكلمة أشكالا متعددة في النص المسرحي فيمكن أن تأتي على شكل تبادل (بين شخصيات العرض) مقاطع كلامية قصيرة Réplique أو مقاطع لفظية طويلةTirade ، كما يمكن أن يأخذ شكل متناظر في الطول بين الشخصيتين المتكلمتين(stichomythie) ، وهناك أيضا الكلمة المصطنعة "لأن دور المحاور/الشخصية فيه لا يتجاوز الرد و الموافقة و السؤال لتحريض الكلام (الكلمة لا تهدف إلى التواصل الفعلي بين شخصيتين) و إنما مجرد حجة لإبلاغ المتفرج بمكونات الشخصية"(12).
إلا أن معنى الكلمة الموجودة ضمن نسق العرض لا يكتمل إلا من خلال الإلقاء الصوتي فحسب، إذ يجب أن نضيف جميع المؤشرات الأخرى من نظم العلامات الأخرى، كتعبير وجه مرح أو عبوس، مجموعة كبيرة من الإيماءات "(13).
-2 النغمة le ton: "تشتمل على عناصر أخرى مثل نبرة الصوت، الإيقاع، سرعة الإلقاء، اللهجة، و لكن يجب التركيز أساسا على الإلقاء (إذ يعد فن لفظ النص المسرحي)، مقوماته (الإلقاء) مهارة نطق مخارج الحروف prononciation و حين استخدام نبرة الصوت ونغمته intonation و شدته timbre و سرعة الكلام débit و إيقاعه rythme، إنها العلامة الأكثر تنوعا "(14) ففي العرض المسرحي يتم إبراز قيمة الصوت كعنصر سمعي و بين إبراز المعنى في الأداء.
3- إيماءات الوجه: التي تعد من نظم العلامات الحركية kénisiques الأكثر اقترابا لتعبير الكلمة، فهي علامة يمكن أن تكون طبيعية أو اصطناعية إنها تضل تستند إلى الوجه "كما تلعب العلامات المؤشرية في نظام تعبير الوجه و الإيماء، بشكل واضح، دورا هاما، فغالبا ما تتضمن نظرة أو أصبع يشير إلى اتجاه ما -معلومات أساسية تكمل النص-"(15)، بمعنى أن إيماءات الوجه لا تكتمل دلالتها إلا في سياق علاماتي محرض لإتمام عملية التواصل في العرض على أحسن أداء "إن حل شفرة تعبير الوجه و الإيماءة و تفسيرهما من جانب الجمهور، طبقا لطبيعة نظم العلامات هذه هو فعل غريزي أكبر بكثير حتى من تفسير العناصر الفظية و عناصر التصميم"(16).
4- الحركة le geste: و التي "تشكل، يقول كوفزان، بعد الكلمة الوسيلة الأكثر ثراء و الأكثر ليونة للتعبير عن الأفكار، بمعنى نظام العلامات الأكثر تطورا"(17).
"تعد الحركة أحد المكونات البصرية التي ترسم جماليات العرض المسرحي من خلال التشكيلات الحركية التي تخلقها ]...[ و لها دورها الدلالي في التعبير عن الأفعال و العواطف والإنفعالات"(18). وترتبط الحركة ارتباطا كليا بجسد الممثل و تعبيرات وجهه و بالأداء. و الحركة في المسرح محاكاة و تقليد للحركة في الحياة "و تخضع لنفس القوانين المتحكم بها"(19)، و يمكن القول أن علامة الحركة هي علامة تمثل علامة اجتماعية "حتى و إن كانت عضوية محدودة في قدراتها يكتب قريماس، في -شروط سميوتيقا العالم الطبيعي-، الحركة تعلم و ترسل، مثل كافة النظم السميوتيقية، وهي ظاهرة اجتماعية"(20) لكنها تختلف عنها في كونها غالبا مقصودة و غير اعتباطية، و تنبع من عملية اختيارية في بناء نظم علامات العرض المسرحي.
5- انتقال الممثل فوق الخشبة: و تشتمل تنقلات الممثل وعدة إمكانيات التحرك في الفضاء المسرحي مرة بالنسبة للمثلين الاخرين، ومرة أخرى بالنسبة لعناصر الديكور و كذلك بالنسبة للجمهور "فالمسافة بين الشخصيات و حركتهم تجاه أو بعيدا عن بعضهم البعض، وأوضاعهم النسبية على مستوى الرأس - أعلى و أسفل بعضهم البعض- و وقفتهم و جلوسهم وقيامهم ]...[ لها دلالة تعبيرية عالية، وكذلك الزوايا التي يواجهون بها بعضهم البعض و يواجهون بها الجمهور "(21). إن لانتقال الممثل فوق الخشبة دلالته الإيقونية الواضحة، وقد يكون أيضا دالا مؤشريا مثل: شخصية تسقط مغشي عليها فوق الخشبة نتيجة سماع خبر حزين و "لكن كثيرا ما تكتسب الحركة في الفراغ الدرامي (للمثل) أيضا معنى رمزيا "فعندما يصعد براند الحبل في مسرحية إبسن العظيمة ، يكتسب عوده لأعلى دلالة روحية"(22).
6- الماكياج: وهو أحد العناصر الدلالية التي تساعد الممثل على الإنتقال من عالم الواقع إلى عالم الخيال (العرض المسرحي)، وهو جزء من المنظومة الدلالية و الإرجاعية في العرض المسرحي بمعنى: "إلى جانب وظيفته العملية في توضيح معالم وجه الممثل و تحديد قسماته بوضوح ليراه المتفرجون من بعيد"(23)، فهو كوسيلة لإعطاء ملامح وجه الشخصية ضمن الرغبة في تحقيق الإيهام (الإرجاع إلى أشكال مسرحية مثل المسرح اليوناني و المسرح الياباني). والماكياج يبرز ويحدد التعابير التي ترسم البعد الداخلي للشخصيات.
7- تصفيف الشعرla coiffure: إن الحدود بين تصفيف الشعر والماكياج صعبة نظرا للتشابه الوظيفي بينهما. فالتصفيف يعتبر جزءا من منظومات العلامات الدلالية و الإرجاعية إلى معالم جغرافية و/أو ثقافية، وإلى مرحلة تاريخية ما، كما أنه يرجعنا في بعض الأحيان إلى جيل ضد (ناقم) عادات آبائهم.
8- الزي المسرحي le costume: هو اللباس الذي يرتديه الممثل في العرض أثناء آدائه الدور. و الزي المسرحي له دلالته الإيقونية في تحول الممثل من ذاته كإنسان إلى الشخصية التي يؤديها ليكتسب دلالته مؤشرية لها مرجعها العلاماتي في السياق الدرامي.
ويمكن دراسة الزي المسرحي من خلال علاقته بالأعراف الإجتماعية و الثقافية، في المسرح كما هو في الحياة اليومية، فهو يعرفنا بزمان و مكان الحدث و بهوية الشخصيات ووضعها الإجتماعي والنفسي أو الجنس و معتقداتهم الدينية والوطنية (الإيديولوجية)، إنه إذا مؤشر "إن القدرة (السميوتيقية) للزي المسرحي، يكتب كوفزان، لا ينتهي عند التعريف بمن يلبسه، فاللباس كذلك علامة للمناخ أو لمرحلة تاريخية ]...[ للمكان أو وقت اليوم. بالطبع اللباس يحيلنا عادة إلى عدة مواضع في مرة واحدة، ويرتبط بغيره من علامات المنظومة الأخرى"(24) للعرض المسرحي، إذ أنه يعتبر من ضمن العلامات التي "تحدد جمالية العرض من خلال ألوانه و خطوطه و حجمه، إضافة إلى دوره في تحديد حركة جسد الممثل في الفضاء المسرحي"(25)، و بطبيعة الحال فقد "يؤثر زي الممثل تأثيرا واضحا على إيماءاته و حركته (فالأكمام الثقيلة قد تضخم إيماءاته، و الجينjeans الضيقة قد تؤثر في مشية الممثل)"(26). من الناحية السميوتيقية لا يتوقف دراسة الزي المسرحي عند أبعاده الدلالية التي تبتدئ من خلال الطراز و اللون و المادة، بل يتناول كعلامة لها علاقة ببقية المنظومات الدلالية في العرض المسرحي. "أبرزت (السميوتيقا) علاقته بالشخصية والفضاء وحركة جسد الممثل، و أهم الدراسات في هذا المجال مقال الناقد الفرنسي رولان بارت -أمراض الزي المسرحي-"(27).
9- الأغراض l'accessoire: في المسرح يقصد بنظام الأغراض كل العلامات المكونة للديكور من أغراض و قطع أثاث "سواء كانت مسومة بطريقة خداع بصر ]...[ أو موجودة فعليا على الخشبة. كما تطلق على مكونات الزي المسرحي"(28) ، التي تستخدمها الشخصيات التي يمكن تحريكها في الفضاء الدرامي. الأغراض هي علامات لعلامة لها معنى رمزي "فالتاج يمكن أن يدل على فكرة الملكية ]...[ و يمكن أن يرمز خطاب إلى سقوط البطل أو دماره"(29). ففي مجال السميوتيقا يعنى عناية خاصة بدليل الغرض في سياق الحدث الدرامي كمؤشر .
10- الديكور le décor: الديكور بعناصره المشيدة أو كل ما يساهم في تكوين الصورة المشهدية للبيئة التي يتكشف فيها العرض فيحدد لنا زمان و مكان الحدث، ويمثل الديكور حقلا سميوتيقيا يبرز علاقة المسرح بالفنون الأخرى: كالرسم و النحت و العمارة، فهو يمكن أن يكون مؤشرا أو أيقونة و رمز في نفس الوقت، ففي المسرح "يمكن للأشخاص الحقيقيين الأحياء - الممثلين- أن يتفاعلوت تفاعلا مقنعا مع صورة بيئية منظمة أو تجريدية إلى حد بعيد. إذ يمكنهم أن يفتحوا أبوابا صورية أو حتى غير موجودة، وأن يتحركوا بحرية بين الكثير من هذه الأشياء الصورية المفترضة ضمن فضاء مسرحي شديد الضيق"(30). تختلف وظيفة علامة الديكور باختلاف طبيعة هدفه فيتناوب الديكور بين:
أ- الديكور الإيهامي: "و هو الديكور بالمفهوم التقليدي، و يهدف إلى خلق صورة مطابقة للواقع من خلال استخدام أغراض مأخوذة من الحياة و الإكثار من التفاصيل دون أن تكون كل العناصر موظفة في الحدث بالضرورة"(31) فالعلامة البصرية في هذا الشّأن تتخذ منظرا ثلاثي الأبعاد لا يخرج عن دلالته الايقوضية.
ب- الديكور الإيحائي أو الشرطي: الهدف من هذا الديكور إبراز المسرحة(*). ففي هذا الديكور يغيب كليّا التصوير الكامل و التفصيلي للمكان، "و مع ذلك فالمناظر شبه التجريديّة هي أيقونات، رغم أنّها قد توحي فقط بملامح منتقاة من الواقع الذّي تشير إليه، مثل الإطار بالنسبة للباب، و الخطوط الخارجية بالنسبة للبيت"(32).
11- الإضاءة l'éclairage: و هي أحد العناصر التّقنية في تنفيذ العرض المسرحي لتعطي للمكان و للممثل قيمة تشكيلية كبيرة، فهي تلعب دورا سميوتيقيا مستقلا و تأخذ بذلك سمات المؤشر و الأيقونة و الرمز إذا يلجأ إليها كوسيلة حيادية في توجيه الجمهور إلى وضعية ما أو إلى ممثل ما بين الممثلين المؤديين.
و استخدم الإضاءة بمنحى دلاليّ يؤدي للنظم البصرية في العرض "وظيفة إيقونية واضحة، مثل تصوير اللّيل و النّهار (في العرض) [...]، كما يعرض جوانب رمزية واضحة بنفس القدر، [...] لكن الوظيفة الأهم التي يلعبها الضوء في العرض الدرامي هي وظيفة مؤشريّة : فالإضاءة هي التي توجه انتباهنا إلى النقاط البؤرية للحدث"(33).
12- الموسيقى la musique: تلعب الموسيقى في العرض المسرحي وظيفة سميوتيقية وثيقة الصّلة بموضوع المسرحية. دورها كعلامة "تضخم، تفسر، وفي بعض الأحيان تناقص علامات أخرى من المنظومة الدلالية للعرض أو تعوضهم "(34).
إن الموسيقى في العرض تعد مؤشرّا "فهي تارة عنصرا عضويا يعطي للعرض إيقاعه، وتارة عنصرا مرافقا له وظيفة جمالية، و تارة عنصرا دراميا يلعب دورا في تشكيل المعنى"(35)، وفي كل الأحوال يمكن أن تأخذ الموسيقى في العرض المسرحي الوظائف الدّلالية الآتية :
أ- وظيفة تهليلية: أي تمهد و تؤطّر عندما تستخدم في افتتاح العرض أو في ختامه.
ب- وظيفة درامية تقنية: و هنا تأخذ العلامة الموسيقية دور تحديد إيقاع العرض و إبراز مفاصله الأساسية أو التأكيد على موقف دراميّ محدد أو الإعلان عنه، "أراد بريشت أيضا أن يستخدم الموسيقى كوسيلة للتذكير، يمكن أن تجعل الدروس الأخلاقية و السياسية اكثر سهولة في تذكرها"(36).
و بعض الأحيان تكون نوعا من الفواصل، "لقد أراد بريشت أن تقوم الأغاني بتفتيت الحدث، وأن ترغم الممثل على الخروج من دوره و هو يغني. كما سعى أيضا أن تكون الألحان بمثابة تعليق ساخر على الكلمات"(37).
جـ- وظيفة تعبيرية: فالعلامة المسرحية التي تأخذها الموسيقى في هذه الحالة، "وهو أن تكون مؤلفة خصّيصا للعمل المسرحيّ بناء على طلب المخرج، بحيث تتلاءم مع قراءته الخاصة للعرض"(38)، و هي كعلامة تعبيريّة تتوغل في صميم مضمون النّص حتّى تبرز الحالات و لحظات المشاعر العميقة التي تعيشها الشخصيّات، و في بعض الأحيان تؤكّد على الجو الذي يهيمن على العرض المسرحي، "و كما يمكن أن يكون للموسيقى في هذه الحالة دورا إرجاعيّا، لأنها يمكن أن توحي بمكان محدد)موسيقى التندي توحي إلى منطقة التوارق(، أو ترجع إلى زمن محدّد )موسيقى أندلسية( أو ترافق الحالات الانفعالية للشخصيات"(39).
13- المؤثرات السمعية le bruitage: تشكّل نظاما للعلامات لا تنتمي إلى نظم الكلمة أو نظم الموسيقى. فالمؤثرات السمعيّة تعد في البدء علامات طبيعية: أصوات وقع الأقدام. أما ضجيج الديكور و الأغراض تعد مؤثرات ثانوية في العرض و الاتصال ففي هذه الحالة المؤثرات مؤشريّة لأنها تربطها بعلاقة سببية مع مدلولها. و علامة المؤثرات السّمعية تتحقق في المسرح بالوسائل التالية :
- "إصدار الأصوات الحيّة المطلوبة في الكواليس )جرس يرن ، صوت الأشخاص يتحدّثون .(و في حال كان من الصعب تحقيق ذلك، يتم تقليد الضجّة المطلوبة من خلال إصدار ضجة تشبهها" (40) و في هذه الحالة تعد المؤثرات علامة إيقونية لأنها تمثيلية مباشرة.
- أو تسجيل الأصوات على شريط وبثه أثناء العرض )صوت قطار يمر(، أو الإيحاء بها من خلال تركيب )مونتاج( معيّن.
أما مجال المؤثرات الصّوتية فانّه يتعدى اكثر من وظيفة سميوتيقية فيمكن أن يترجم في:
أ- وظيفة تعبيرية :"يمكن للمؤثرات السمعيّة أن تدعم جو المسرحية المرئيّ أو تكون بديلا عنه"(41)، في هذه الحالة تصبح العلامة المسرحية في العرض بديلا "في تعميق الطّابع المأساوي أو المضحك أو الشاعري للحدث من خلال خلق جوّ ترقب و قلق أو جو غموض أو جو فرح"(42).
كما إن العلامة السمعيّة تتحقق في العرض بأسلوب واقعي، يدعم و يتمم واقعية الحدث على الركح، و يوحي إلى التماهي بواقع العرض (فصوت المطر يوحي إلى المناخ العاصف)، "كما يمكن خلق علاقة ما غير متوقعة بين صوت ما ومشاعر معيّنة )صوت محركات طائرة يوحي إلى تلوّنات مشاعر الشخصيات( و ضربات مطرقة للتأكيد على حالة الإرهاق أو صوت دقات الساعة للإحالة إلى الملل"(43).
و بناءا على السيّاق الطرحي لعلامات العرض تأكد لنا السيميوتيقا على أولوية البصر كقناة تلق في دائرة الاتصال في المسرح، لذا نكشف أن كوفزان استطاع أن يصنف 13 نسقا يعملون معا في العرض: الكلمة، النغمة، إيماءات الوجه الحركة، انتقال الممثل فوق الخشبة، الماكياج، تصفيف الشّعر، الزّي المسرحيّ، الأغراض، الديكور، الإضاءة، الموسيقى المؤثرات السّمعية. و يمكن إضافة نسقي الجمهور و العمارة و كذلك انساق، الذّوق و الشّم و اللّمس التي تعمل في بعض الحالات كعلامات في عروض المسرح الاحتفالي(**) و مسرح القسوة(***) على سبيل المثال لا الحصر.
و تعدد مستويات القراءة الجزئية و الكلية للإشارات نمثلها في الترتيب المستوحى من جدول كوفزان المنظم لعلامات العرض المسرحي :
ترتيب كوفزان لعلامات العرض(44)
I - العلائق السميائية المرتبطة بالممثل في العرض
أ- نص الكلام (و هي علامات سمعية متعلقة بالممثل)
1- الكلمة
-2 نغمة الصّوت
ب- تعبير الجسد (و هي علامات بصرية متعلقة بالممثل)
3- الميمياء Mime
4- الإيماء
-5 الحركة
ج- مظهر الممثل الخارجي (و هي علامات بصرية متعلقة بالممثل و بمكان و زمان العرض في آن واحد)
6- الماكياج
7- الزي المسرحي
8- تصفيف الشعر
II - العلائق السميائية المرتبطة بمظهر المسرح
ما عدى الممثل (و هي علامات بصرية متعلقة بمكان و زمان العرض عدى الممثل)
9- الأغراض
10- الديكور
-11 الإضاءة
II- نص العرض:
و بقراءة تحليلية بسيطة للجدول يظهر معنا النتائج كما يلي :
- العلامات البصرية تحتل 9 أنساق دلالية من أصل 13 علامة،
- أمّا العلامات السّمعية ) عدا الكلام( تحتل 3 أنساق دلالية،
- و فيما تشكل الكلمة )ما يتفق عليه في المسرح: حوار، مونولوغ و تعليق-توجه للجمهور-( فتحتل 1/13 كنسبة ضئيلة من بين نسق العلامات العرض المسرحي.
و من هنا فانه تظهر لنا أهمية الاتصال غير اللّغوي للعيان في التفاعل البشري عامة و في المسرح خاصة، و يدحض الاعتقاد الكلاسيكي العقلاني الذّي يعطي الأولوية للنص المكتوب، و لا يرى في العرض المسرحي سوى وسيلة للتعبير عن النص المسرحي في سياق دلالي يختلف عن الطّبيعة النصيّة، و تجعل من مهمة المخرج لا تخرج عن ترجمة النص بكل أمانة من لغة مكتوبة (الكلمة( إلى لغة أخرى مغايرة)مشهدية(.
فالعرض المسرحي في أبسط تعاريفه المعجمية يأخذ "بكونه فناّ مزدوج يقوم على العلاقة بين مكوّنين هما النص من جهة و العرض الذي يشكل غائية المسرح من جهة أخرى. و يقوم المسرح في ابسط أحواله على وجود الممثل الذي يؤدي والمتفرج الذي يتلقى "(45)، بواسطة توظيف نظام علامات عرض تشكل من نسق علامات بصرية وسمعيّة التي "يبتكرها المخرج و مصمم الديكور والموسيقيون و الممثلون تشكل مدلولا )أو تعددا دلاليا( يتجاوز مجموع النص [...] الأكثر من ذلك أنّه حتى و لو استطاع العرض بمعجزة ما، أن يعبر عن النص كله فانّ المتفرج سوف لن يستمع إلى النّص بأكمله"(46).
خــلاصـة:
و فيما سبق طرحه من نظم علامات العرض نصل إلى حد القول:
أنّ العرض المسرحي هو عبارة عن مجموعة أو نظام من العلامات ذات طبيعة متعددة، تابعة جزئيا و كليا إلى نظام تواصلي، بما انّه يتضمن سلسلة معقدة من العلامات المنطوقة و غير المنطوقة. فالعلامة المنطوقة الواردة داخل نظام العرض لمادتها السمعية )الصوت( تتضمّن نوعين من العلامات: العلامات اللّسانية التي تكوّن الرسالة اللّغوية، و العلامات السمعيّة بكل ما في الكلمة من معنى) صوت، إيقاع ، نغم(. لا تحقق دلالتها إلا بإضافة جميع العلامات غير المنطوقة إليها التي بدورها تنشط إلى علامات سمعية و بصرية.
هذا الشابك الهائل من العلامات يتضمن سلسلة معقدة من المرسلين)في ارتباط ضيق بعضهم مع بعض( و سلسلة من الرّسائل )حسب شفرات دقيقة جدّا( و متلق متعدد لكنه مستقر في نفس المكان تبت إليه خلاصة اجتماع علامات "و أن يكن الملتقي غير قادر على التجاوب بشكل عام مع العرض، فهذا لا يعني أنّه لا يوجد تواصل كما لاحظ جورج مونان"(47).
سيكون من الخطأ عند القول أنّ دور المتفرج في هذه الحالة في العملية التواصلية دور سلبي، بحيث يكتفي اعتبار المتفرج بمثابة مرآة ترجع العلامات التي ترسل لإثارة الانفعال. "أو انّه على اكثر تقدير مرسل مضاد يعيد علامات ذات طبيعة مختلفة عن علامات العرض"(48).
(بوبكر سكيني / ناقد و باحث مسرحي)
Mr. Sekini Boubakeur
Email : [email protected]
الهوامش:
(1) - إصدارات المسرح دوت كوم، المسرح بوصفه نظاما للعلامات، 2003، صفحة إلكترونية www.al-masrah.com
(2) - ماري إلياس، حنان قصاب حسن، المرجع السابق، ص.253
(3) - أبرسفيلد آن، النص- العرض، ترجمة أحمد الدفراوي، 2003، صفخة إلكترونية www.albayan.co.ae
(4) - المرجع نفسه
(5) - أبرسفيلد آن، المرجع السابق
(6) - إصدارات المسرح دوت كوم، المرجع السابق
(7) - Pavis.P. Problèmes de sémiotique théâtrale, Montréal, Edition université Québec, 1976, P.170
(8) - Begatyrev.P. Les signes au théâtre, Poétique, Paris, Seuil, 1971, P.58
(9) - Tadeusz.K. Littérature et spectacle, La Haye, Edition mouton, Paris, 1975, P.63
(10) - Ibid. P.64
(11) - ماري إلياس، خنان قصاب، المرجع السابق، ص.175
(12) - ماري إلياس، خنان قصاب، المرجع السابق، ص.175
(13) - مارتن أسلن، مجال الدراما، ت. سباعي السيد، وزارة الثقافة، إصدارات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، القاهرة، 1991، ص.86
(14) - Kowzan.T. Opcit. P.71
(15) - مارتن أسلن، المرجع السابق، ص.86
(16) - مارتن أسلن، المرجع السابق، ص.87
(17) - Tadeusz.K. Opcit, P.72
(18) - ماري إلياس، حنان قصاب، المرجع السابق، ص.169
(19) - المرجع نفسه، ص.169
(20) - Greimas.A.J. Condition d'une sémiotique du monde naturel, Langage, Paris, 1968, P.12
(21) - مارتن أسلن، المرجع السابق، ص.88
(22) - المرجع نفسه، ص.88
(23) - ماري إلياس، حنان قصاب، المرجع السابق، ص.405
(24) - Tadeusz. K. Opcit. P.76
(25) - ماري إلياس، حنان قصاب، المرجع السابق، ص.241
(26) - مارتن أسلن، المرجع السابق، ص.82
(27) - ماري إلياس، حنان قصاب، المرجع السابق، ص.244
(28) - المرجع نفسه، ص.57-58
(29) - مارتن أسلن، المرجع السابق، ص.99
(30) - المرجع نفسه، ص.98
(31) - ماري إلياس،حنان قصاب، المرجع السابق، ص.216-217
(*)- مفهوم المسرحة يوحي عن الحاجة في إعلان المسرح كفنّ مستقل له خصوصيّته المشهدية التّي تبرز في لغة دلائل العرض وتميّزه عن بقية الآداب و الفنون و أشكال العرض الأخرى. فالمسرح كنظام دلاليّ له أعرافه التّي تستخدم في العرض بشكل واع و مقصود و معلن ممّا يؤدي إلى إبراز المسرحة المتجليّة في عدم التصوير الإيهامي الواقع في العرض حتّى لا يغيب عن ذهن المتفرّج و لا عن ذهن الممثل انّهما في المسرح فالديكور في هذا الموقف يتبدى في اجتماع خطوط و ألوان تعطي الملامح العامة و لا تشكّل إرجاعا مباشرا لواقع محدد على العكس من التصوير الايقوني في الدّيكور.
(32) - مارتن أسلن، المرجع السابق، ص.97
(33) - المرجع نفسه، ص.100
(34) - Tadeusz. K. Opcit. P.78
(35) - ماري إلياس، حنان قصاب، المرجع السابق، ص.492
(36) - مارتن أسلن، المرجع السابق، ص.119
(37) - مارتن أسلن، المرجع السابق، ص.119
(38) - ماري إلياس، حنان قصاب، المرجع السابق، ص.492
(39) - نفس المرجع، ص.492
(40) - نفس المرجع، ص.489
(41) - ماري إلياس، حنان قصاب، المرجع السابق، ص.490
(42) - المرجع نفسه، ص.490
(43) - Tadeusz. K. Opcit. P.80
(**)- المسرح الاحتفالي : شكل مسرحي يحاول أن يعطي لنفسه وظيفة قريبة من الطقس أو الاحتفال. و قد صارت الرّغبة لهذه المحاولة مع بداية القرن العشرين واضحت بائنة المعالم عندما ارتبطت بالحنين إلى الأشكال القديمة التي رافقت ولادة المسرح و بمحاولة الاستفادة من طقوس و احتفالات لازالت تمارس بشكلها البدائي كاستحضار أو طرد الأرواح وحلقات التعزية بهدف إدهاش المتفرج إلى حالة استغراق المشارك قد تصل به إلى حد النشوة أو الوجد. و هذا الشكل يرفض شكل العلبة الإيطالية و يبقى في عروضه وسائل كالجزر و الشموع كعلامات وسيطة بين عالم ملموس و عالم غيبي.
(***)- مسرح القسوة : تعبير ابتدعه المسرحي الفرنسي انطونان أرتو(1948-1890). أما مفهومه فقد طرح في محاولة إعطاء المسرح بعدا فلسفيا و إعادة صفة القدسيّة إلى المسرح الغربي بهدف تحقيق نوع من السّحر و الذوبان بين الممثل و المتفرج،و ذلك بإزالة الحواجز بين المعاش و الخيالي، فتحوّل النّص إلى نوع من الصّراخ و تلاوة التعاويذ السحريّة، أما الكلمات فقد تحولت إلى ما يشبه التمتمة في الأحلام، و الممثل يؤثر كعلامة واعية على إحساس المتفرج ليخلق فيه حالة من الانعتاق المحرّر و في رقصاته تشبه طقوس التصخية عند الزنوج.
(44) - رئيف كرم، "السيمياء و التجريب المسرحي"، مجلة عالم الفكر، المرجع السابق، ص.239
(45) - ماري إلياس، حنان قصاب، المرجع السابق، ص.425
(46) - أبرسفيلد آن، المرجع السايق،صفحة إلكترونية
(47) - أبرسفيلد آن، المرجع السايق،صفحة إلكترونية
(48) - المرجع نفسه
بواسطة: بوبكر سكيني / ناقد و باحث مسرحيبتاريخ : الجمعة 23-12-2011 07:58 مساء
"كانت الدراما في معظم المعاهد الأكاديمية، إلى وقت قريب نسبيا تدرس كفرع من فروع الأدب، باعتبارها أدبا دراميا، و من ثم فهو معزول ن العملية المسرحية"(1)، إن مثل هذه المناهج يخل ويخرج عن التعريف المعجمي للمسرحية الذي يوضعها "بكونها في جوهرها عمل يقوم على عرض متخيل.
"كانت الدراما في معظم المعاهد الأكاديمية، إلى وقت قريب نسبيا تدرس كفرع من فروع الأدب، باعتبارها أدبا دراميا، و من ثم فهو معزول عن العملية المسرحية"(1)، إن مثل هذه المناهج يخل ويخرج عن التعريف المعجمي للمسرحية الذي يوضعها "بكونها في جوهرها عمل يقوم على عرض متخيل. و بأنه عمل إبداعي يفترض الصنعة ويوحي بأنه حقيقة ]...[ و تقوم في أبسط أحوالها عل وجود الممثل الذي يؤدي و المتفرج الذي يتلقى ضمن حيزين هما حيز اللعب وحيز الفرجة"(2).
و قد اعتبر أرسطو في كتابه فن الشعر أن الفعل هو العنصر الأساسي الذي يميز الشعر الدرامي عن الشعر الملحمي و عن بقية الفنون الأخرى، و الفعل المسرحي يتطلب تعاون المؤدين و المخرج و الطاقم الفني، فكلهم يساهمون في الحدث المسرحي عند نقطة الفعل، إسهامات نفسية و بدنية من الممثل، و إسهامات نفسية و بدنية من الجمهور "فالمتفرج عندما يشاهد ما يقدم له فوق الخشبة لا يكون وحيدا إذ أن نظره يحيط بالممثلين الذين هم بدورهم يلقون بنظرهم إليه. إن المسرح في الحقيقة يمسك بخيطين متناقضين و متشابكين: خيط السيكودراما، إطار عام، والخيط الآخر الذي يتمثل في الكشف عن العلائق الاجتماعية كغاية متوخاة"(3).
إن الخلط الذي يستقر في صلب العرض المسرحي و ظروف جريانه، هو كما عرفه الباحث رولان بارت في مقاله الشهير - محاولات نقدية- و يقول فيه : " إننا إذن على صلة بتعدد صوتي معلوماتي حقيقي، وهذا هو التمسرح: كثافة من المعلومات"(4) تتوضع عن طريق التعقيد و التخطي، فالنص المكتوب - من حيث سماته الأدبية ووظيفته كمسودة الإخراج- يولد لنا دلائل أقل فاعلية و متلاشية مما يولده لنا العرض المسرحي من علامات تسجلها العيون و الأذان " إن النص المسرحي له وجود داخل العرض، في شكله الصوتي، كوحدة فونيمية، وله حضور مزدوج يلي العرض أولا ثم يصاحبه ثانيا"(5).
لقد رأت المدرسة التشيكية في تعدد دلائل العلامة المسرحية في العرض مدعاة للتعقد و التحابك "إن كل شيء داخل الإطار المسرحي علامة. إن العرض الدرامي هو مجموعة من العلامات ]...[ إن الأشياء العادية على خشبة المسرح تكتسب دلالة أعظم مما هي عليه في الحياة العادية، على خشبة المسرح يمكن للأشياء -التي تلعب دور العلامات المسرحية- مع تطور المسرحية أن تكتسب طبيعة وسمات وخصائص ليست لها في الحياة الواقعية"(6). فالعرض المسرحي يبتدي لنا كمنظومة سيموتيقية معقدة تشتمل عدة طبقات أو مستويات دلالية و تفسيرية حسب النموذج المحدد في مقاربتنا النظرية في الفصل الأول .
و التمعن في نظام الإشارات للعرض كنظام كامل مبني بنسق علاماتي ينتمي إلى عملية الإخراج المسرحي، هذه العلامات سنفسرها انطلاقا من السميوتيقا البيرسية : كالأيقونة و المؤشر و الرمز : فهذه العلامات ستمكننا من توضيع ما يسميه Patrice Pavis -تقسيم مسرحي-Partition théâtrale أي تركيب ووصف نظام العرض .
فالفرضية التي ستعكف على إجلائها بهدف التنبيه إلى أنساق العرض المسرحي :
- كل ما هو داخل العرض المسرحي و فوق الخشبة علامة . "الحوار مثل الإيماءات، و الشخصيات مثل الديكور و موضوع المسرحية سيحل شفرته من طرف المتفرج عن طريق الممثلReprésentant الذي تمثله المسرحية"(7)، فالعلامة في العرض من طبيعة متفردة عما هي في الحياة العادية. " إن العلامة علامة الشيء (في العرض) و ليست علامة الشيء في حد ذاته (في الحياة)"(8)، فالملابس أو الديكور أو الملحقات (كما ندرج الدوال العلاماتية الأخرى مثل التفخيم في الإلقاء والحركات) في المسرح فوق الخشبة لا نستعملهم كعلامات إنما نستعملهم كذلك كأشياء حقيقية يتعامل معها الممثل حتى تساعده في التماهي أكثر مع الدور الذي حدده له المخرج من ناحية ، ومن ناحية أخرى فإن المتفرج لا ينظر إلى هذه الأشياء الحقيقية كأشياء حقيقية و لكن علامات لدلائل أو علامات لأشياء ترتبط فيما بينها لتشكل نظاما دلاليا أكثر تعقيدا.
-I علامات العرض المسرحي :
" فن العرض وسط بين كل الفنون، و يمكن كذلك أن يكون وسطا في كل مجالات النشاطات الإنسانية حيث العلامة (في العرض) تتجلى بثراء، بتنوع و بكثافة"(9). إن كوفزان يحيلنا بالتنبيه إلى اكتشاف في العرض المسرحي عدة مستويات تعبير تتكشف عند خمسة أصناف دلالية تعد بالنسبة إلينا في بحثنا أكثر من نظام عملي على المستوى السميوتيقي :
أ- الكلمة المنطوقة من طرف الممثل : في البدء لها دلالتها اللسانية، فهي علامة، علامة تنوب عن ذلك الذي ينطقها (الممثل) "نبرة صوت الممثل، طريقة نطق الكلمة يمكنها أن تغير معناها (الكلمة)"(10)،
ب- التعبير الجسدي : ويتمثل في إيماءات الوجه، الحركة والإنتقال فوق الخشبة،
جـ- المظهر الخارجي للمثل: أي المكياج، تصفيف الشعر و الزي المسرحي (الملابس)،
د- منظر المكان المشهدي: و تتعلق ببصريات العرض من نظم الملحقات، ديكور و إضاءة.
هـ- المؤثرات الصوتية غير المنطوقة (لفظية) : و في هذا المسـتوى من نـظم العـرض المسرحي يشير إلى الموسيقى و المؤثرات الصوتية (bruitage).
إلا أن هذه المستويات من الوسائط العلاماتية تنشطر حسب كوفزان إلى ثلاثة عشر نظاما من العلامات العملية في العرض المسرحي و هي :
1- الكلمة: و هي شكل من أشكال نظم العلامات في العرض المسموعة "تشبه المحادثة في الحياة العادية لكنها تختلف عنها جوهريا، فهي اقتصادية و دلالية دائما و لا مجال للإعتباطية فيها"(11)، أما وظيفة الكلمة فهي الإبلاغ و توصيل المعلومات عبر الشخصيات و الإيحاء بأن ما يجري فوق الخشبة يجري هنا/الآن وفق ما حدده أرسطو في كتابة فن الشعر (محاكاة الفعل بالفعل). و قد تأخذ الكلمة أشكالا متعددة في النص المسرحي فيمكن أن تأتي على شكل تبادل (بين شخصيات العرض) مقاطع كلامية قصيرة Réplique أو مقاطع لفظية طويلةTirade ، كما يمكن أن يأخذ شكل متناظر في الطول بين الشخصيتين المتكلمتين(stichomythie) ، وهناك أيضا الكلمة المصطنعة "لأن دور المحاور/الشخصية فيه لا يتجاوز الرد و الموافقة و السؤال لتحريض الكلام (الكلمة لا تهدف إلى التواصل الفعلي بين شخصيتين) و إنما مجرد حجة لإبلاغ المتفرج بمكونات الشخصية"(12).
إلا أن معنى الكلمة الموجودة ضمن نسق العرض لا يكتمل إلا من خلال الإلقاء الصوتي فحسب، إذ يجب أن نضيف جميع المؤشرات الأخرى من نظم العلامات الأخرى، كتعبير وجه مرح أو عبوس، مجموعة كبيرة من الإيماءات "(13).
-2 النغمة le ton: "تشتمل على عناصر أخرى مثل نبرة الصوت، الإيقاع، سرعة الإلقاء، اللهجة، و لكن يجب التركيز أساسا على الإلقاء (إذ يعد فن لفظ النص المسرحي)، مقوماته (الإلقاء) مهارة نطق مخارج الحروف prononciation و حين استخدام نبرة الصوت ونغمته intonation و شدته timbre و سرعة الكلام débit و إيقاعه rythme، إنها العلامة الأكثر تنوعا "(14) ففي العرض المسرحي يتم إبراز قيمة الصوت كعنصر سمعي و بين إبراز المعنى في الأداء.
3- إيماءات الوجه: التي تعد من نظم العلامات الحركية kénisiques الأكثر اقترابا لتعبير الكلمة، فهي علامة يمكن أن تكون طبيعية أو اصطناعية إنها تضل تستند إلى الوجه "كما تلعب العلامات المؤشرية في نظام تعبير الوجه و الإيماء، بشكل واضح، دورا هاما، فغالبا ما تتضمن نظرة أو أصبع يشير إلى اتجاه ما -معلومات أساسية تكمل النص-"(15)، بمعنى أن إيماءات الوجه لا تكتمل دلالتها إلا في سياق علاماتي محرض لإتمام عملية التواصل في العرض على أحسن أداء "إن حل شفرة تعبير الوجه و الإيماءة و تفسيرهما من جانب الجمهور، طبقا لطبيعة نظم العلامات هذه هو فعل غريزي أكبر بكثير حتى من تفسير العناصر الفظية و عناصر التصميم"(16).
4- الحركة le geste: و التي "تشكل، يقول كوفزان، بعد الكلمة الوسيلة الأكثر ثراء و الأكثر ليونة للتعبير عن الأفكار، بمعنى نظام العلامات الأكثر تطورا"(17).
"تعد الحركة أحد المكونات البصرية التي ترسم جماليات العرض المسرحي من خلال التشكيلات الحركية التي تخلقها ]...[ و لها دورها الدلالي في التعبير عن الأفعال و العواطف والإنفعالات"(18). وترتبط الحركة ارتباطا كليا بجسد الممثل و تعبيرات وجهه و بالأداء. و الحركة في المسرح محاكاة و تقليد للحركة في الحياة "و تخضع لنفس القوانين المتحكم بها"(19)، و يمكن القول أن علامة الحركة هي علامة تمثل علامة اجتماعية "حتى و إن كانت عضوية محدودة في قدراتها يكتب قريماس، في -شروط سميوتيقا العالم الطبيعي-، الحركة تعلم و ترسل، مثل كافة النظم السميوتيقية، وهي ظاهرة اجتماعية"(20) لكنها تختلف عنها في كونها غالبا مقصودة و غير اعتباطية، و تنبع من عملية اختيارية في بناء نظم علامات العرض المسرحي.
5- انتقال الممثل فوق الخشبة: و تشتمل تنقلات الممثل وعدة إمكانيات التحرك في الفضاء المسرحي مرة بالنسبة للمثلين الاخرين، ومرة أخرى بالنسبة لعناصر الديكور و كذلك بالنسبة للجمهور "فالمسافة بين الشخصيات و حركتهم تجاه أو بعيدا عن بعضهم البعض، وأوضاعهم النسبية على مستوى الرأس - أعلى و أسفل بعضهم البعض- و وقفتهم و جلوسهم وقيامهم ]...[ لها دلالة تعبيرية عالية، وكذلك الزوايا التي يواجهون بها بعضهم البعض و يواجهون بها الجمهور "(21). إن لانتقال الممثل فوق الخشبة دلالته الإيقونية الواضحة، وقد يكون أيضا دالا مؤشريا مثل: شخصية تسقط مغشي عليها فوق الخشبة نتيجة سماع خبر حزين و "لكن كثيرا ما تكتسب الحركة في الفراغ الدرامي (للمثل) أيضا معنى رمزيا "فعندما يصعد براند الحبل في مسرحية إبسن العظيمة ، يكتسب عوده لأعلى دلالة روحية"(22).
6- الماكياج: وهو أحد العناصر الدلالية التي تساعد الممثل على الإنتقال من عالم الواقع إلى عالم الخيال (العرض المسرحي)، وهو جزء من المنظومة الدلالية و الإرجاعية في العرض المسرحي بمعنى: "إلى جانب وظيفته العملية في توضيح معالم وجه الممثل و تحديد قسماته بوضوح ليراه المتفرجون من بعيد"(23)، فهو كوسيلة لإعطاء ملامح وجه الشخصية ضمن الرغبة في تحقيق الإيهام (الإرجاع إلى أشكال مسرحية مثل المسرح اليوناني و المسرح الياباني). والماكياج يبرز ويحدد التعابير التي ترسم البعد الداخلي للشخصيات.
7- تصفيف الشعرla coiffure: إن الحدود بين تصفيف الشعر والماكياج صعبة نظرا للتشابه الوظيفي بينهما. فالتصفيف يعتبر جزءا من منظومات العلامات الدلالية و الإرجاعية إلى معالم جغرافية و/أو ثقافية، وإلى مرحلة تاريخية ما، كما أنه يرجعنا في بعض الأحيان إلى جيل ضد (ناقم) عادات آبائهم.
8- الزي المسرحي le costume: هو اللباس الذي يرتديه الممثل في العرض أثناء آدائه الدور. و الزي المسرحي له دلالته الإيقونية في تحول الممثل من ذاته كإنسان إلى الشخصية التي يؤديها ليكتسب دلالته مؤشرية لها مرجعها العلاماتي في السياق الدرامي.
ويمكن دراسة الزي المسرحي من خلال علاقته بالأعراف الإجتماعية و الثقافية، في المسرح كما هو في الحياة اليومية، فهو يعرفنا بزمان و مكان الحدث و بهوية الشخصيات ووضعها الإجتماعي والنفسي أو الجنس و معتقداتهم الدينية والوطنية (الإيديولوجية)، إنه إذا مؤشر "إن القدرة (السميوتيقية) للزي المسرحي، يكتب كوفزان، لا ينتهي عند التعريف بمن يلبسه، فاللباس كذلك علامة للمناخ أو لمرحلة تاريخية ]...[ للمكان أو وقت اليوم. بالطبع اللباس يحيلنا عادة إلى عدة مواضع في مرة واحدة، ويرتبط بغيره من علامات المنظومة الأخرى"(24) للعرض المسرحي، إذ أنه يعتبر من ضمن العلامات التي "تحدد جمالية العرض من خلال ألوانه و خطوطه و حجمه، إضافة إلى دوره في تحديد حركة جسد الممثل في الفضاء المسرحي"(25)، و بطبيعة الحال فقد "يؤثر زي الممثل تأثيرا واضحا على إيماءاته و حركته (فالأكمام الثقيلة قد تضخم إيماءاته، و الجينjeans الضيقة قد تؤثر في مشية الممثل)"(26). من الناحية السميوتيقية لا يتوقف دراسة الزي المسرحي عند أبعاده الدلالية التي تبتدئ من خلال الطراز و اللون و المادة، بل يتناول كعلامة لها علاقة ببقية المنظومات الدلالية في العرض المسرحي. "أبرزت (السميوتيقا) علاقته بالشخصية والفضاء وحركة جسد الممثل، و أهم الدراسات في هذا المجال مقال الناقد الفرنسي رولان بارت -أمراض الزي المسرحي-"(27).
9- الأغراض l'accessoire: في المسرح يقصد بنظام الأغراض كل العلامات المكونة للديكور من أغراض و قطع أثاث "سواء كانت مسومة بطريقة خداع بصر ]...[ أو موجودة فعليا على الخشبة. كما تطلق على مكونات الزي المسرحي"(28) ، التي تستخدمها الشخصيات التي يمكن تحريكها في الفضاء الدرامي. الأغراض هي علامات لعلامة لها معنى رمزي "فالتاج يمكن أن يدل على فكرة الملكية ]...[ و يمكن أن يرمز خطاب إلى سقوط البطل أو دماره"(29). ففي مجال السميوتيقا يعنى عناية خاصة بدليل الغرض في سياق الحدث الدرامي كمؤشر .
10- الديكور le décor: الديكور بعناصره المشيدة أو كل ما يساهم في تكوين الصورة المشهدية للبيئة التي يتكشف فيها العرض فيحدد لنا زمان و مكان الحدث، ويمثل الديكور حقلا سميوتيقيا يبرز علاقة المسرح بالفنون الأخرى: كالرسم و النحت و العمارة، فهو يمكن أن يكون مؤشرا أو أيقونة و رمز في نفس الوقت، ففي المسرح "يمكن للأشخاص الحقيقيين الأحياء - الممثلين- أن يتفاعلوت تفاعلا مقنعا مع صورة بيئية منظمة أو تجريدية إلى حد بعيد. إذ يمكنهم أن يفتحوا أبوابا صورية أو حتى غير موجودة، وأن يتحركوا بحرية بين الكثير من هذه الأشياء الصورية المفترضة ضمن فضاء مسرحي شديد الضيق"(30). تختلف وظيفة علامة الديكور باختلاف طبيعة هدفه فيتناوب الديكور بين:
أ- الديكور الإيهامي: "و هو الديكور بالمفهوم التقليدي، و يهدف إلى خلق صورة مطابقة للواقع من خلال استخدام أغراض مأخوذة من الحياة و الإكثار من التفاصيل دون أن تكون كل العناصر موظفة في الحدث بالضرورة"(31) فالعلامة البصرية في هذا الشّأن تتخذ منظرا ثلاثي الأبعاد لا يخرج عن دلالته الايقوضية.
ب- الديكور الإيحائي أو الشرطي: الهدف من هذا الديكور إبراز المسرحة(*). ففي هذا الديكور يغيب كليّا التصوير الكامل و التفصيلي للمكان، "و مع ذلك فالمناظر شبه التجريديّة هي أيقونات، رغم أنّها قد توحي فقط بملامح منتقاة من الواقع الذّي تشير إليه، مثل الإطار بالنسبة للباب، و الخطوط الخارجية بالنسبة للبيت"(32).
11- الإضاءة l'éclairage: و هي أحد العناصر التّقنية في تنفيذ العرض المسرحي لتعطي للمكان و للممثل قيمة تشكيلية كبيرة، فهي تلعب دورا سميوتيقيا مستقلا و تأخذ بذلك سمات المؤشر و الأيقونة و الرمز إذا يلجأ إليها كوسيلة حيادية في توجيه الجمهور إلى وضعية ما أو إلى ممثل ما بين الممثلين المؤديين.
و استخدم الإضاءة بمنحى دلاليّ يؤدي للنظم البصرية في العرض "وظيفة إيقونية واضحة، مثل تصوير اللّيل و النّهار (في العرض) [...]، كما يعرض جوانب رمزية واضحة بنفس القدر، [...] لكن الوظيفة الأهم التي يلعبها الضوء في العرض الدرامي هي وظيفة مؤشريّة : فالإضاءة هي التي توجه انتباهنا إلى النقاط البؤرية للحدث"(33).
12- الموسيقى la musique: تلعب الموسيقى في العرض المسرحي وظيفة سميوتيقية وثيقة الصّلة بموضوع المسرحية. دورها كعلامة "تضخم، تفسر، وفي بعض الأحيان تناقص علامات أخرى من المنظومة الدلالية للعرض أو تعوضهم "(34).
إن الموسيقى في العرض تعد مؤشرّا "فهي تارة عنصرا عضويا يعطي للعرض إيقاعه، وتارة عنصرا مرافقا له وظيفة جمالية، و تارة عنصرا دراميا يلعب دورا في تشكيل المعنى"(35)، وفي كل الأحوال يمكن أن تأخذ الموسيقى في العرض المسرحي الوظائف الدّلالية الآتية :
أ- وظيفة تهليلية: أي تمهد و تؤطّر عندما تستخدم في افتتاح العرض أو في ختامه.
ب- وظيفة درامية تقنية: و هنا تأخذ العلامة الموسيقية دور تحديد إيقاع العرض و إبراز مفاصله الأساسية أو التأكيد على موقف دراميّ محدد أو الإعلان عنه، "أراد بريشت أيضا أن يستخدم الموسيقى كوسيلة للتذكير، يمكن أن تجعل الدروس الأخلاقية و السياسية اكثر سهولة في تذكرها"(36).
و بعض الأحيان تكون نوعا من الفواصل، "لقد أراد بريشت أن تقوم الأغاني بتفتيت الحدث، وأن ترغم الممثل على الخروج من دوره و هو يغني. كما سعى أيضا أن تكون الألحان بمثابة تعليق ساخر على الكلمات"(37).
جـ- وظيفة تعبيرية: فالعلامة المسرحية التي تأخذها الموسيقى في هذه الحالة، "وهو أن تكون مؤلفة خصّيصا للعمل المسرحيّ بناء على طلب المخرج، بحيث تتلاءم مع قراءته الخاصة للعرض"(38)، و هي كعلامة تعبيريّة تتوغل في صميم مضمون النّص حتّى تبرز الحالات و لحظات المشاعر العميقة التي تعيشها الشخصيّات، و في بعض الأحيان تؤكّد على الجو الذي يهيمن على العرض المسرحي، "و كما يمكن أن يكون للموسيقى في هذه الحالة دورا إرجاعيّا، لأنها يمكن أن توحي بمكان محدد)موسيقى التندي توحي إلى منطقة التوارق(، أو ترجع إلى زمن محدّد )موسيقى أندلسية( أو ترافق الحالات الانفعالية للشخصيات"(39).
13- المؤثرات السمعية le bruitage: تشكّل نظاما للعلامات لا تنتمي إلى نظم الكلمة أو نظم الموسيقى. فالمؤثرات السمعيّة تعد في البدء علامات طبيعية: أصوات وقع الأقدام. أما ضجيج الديكور و الأغراض تعد مؤثرات ثانوية في العرض و الاتصال ففي هذه الحالة المؤثرات مؤشريّة لأنها تربطها بعلاقة سببية مع مدلولها. و علامة المؤثرات السّمعية تتحقق في المسرح بالوسائل التالية :
- "إصدار الأصوات الحيّة المطلوبة في الكواليس )جرس يرن ، صوت الأشخاص يتحدّثون .(و في حال كان من الصعب تحقيق ذلك، يتم تقليد الضجّة المطلوبة من خلال إصدار ضجة تشبهها" (40) و في هذه الحالة تعد المؤثرات علامة إيقونية لأنها تمثيلية مباشرة.
- أو تسجيل الأصوات على شريط وبثه أثناء العرض )صوت قطار يمر(، أو الإيحاء بها من خلال تركيب )مونتاج( معيّن.
أما مجال المؤثرات الصّوتية فانّه يتعدى اكثر من وظيفة سميوتيقية فيمكن أن يترجم في:
أ- وظيفة تعبيرية :"يمكن للمؤثرات السمعيّة أن تدعم جو المسرحية المرئيّ أو تكون بديلا عنه"(41)، في هذه الحالة تصبح العلامة المسرحية في العرض بديلا "في تعميق الطّابع المأساوي أو المضحك أو الشاعري للحدث من خلال خلق جوّ ترقب و قلق أو جو غموض أو جو فرح"(42).
كما إن العلامة السمعيّة تتحقق في العرض بأسلوب واقعي، يدعم و يتمم واقعية الحدث على الركح، و يوحي إلى التماهي بواقع العرض (فصوت المطر يوحي إلى المناخ العاصف)، "كما يمكن خلق علاقة ما غير متوقعة بين صوت ما ومشاعر معيّنة )صوت محركات طائرة يوحي إلى تلوّنات مشاعر الشخصيات( و ضربات مطرقة للتأكيد على حالة الإرهاق أو صوت دقات الساعة للإحالة إلى الملل"(43).
و بناءا على السيّاق الطرحي لعلامات العرض تأكد لنا السيميوتيقا على أولوية البصر كقناة تلق في دائرة الاتصال في المسرح، لذا نكشف أن كوفزان استطاع أن يصنف 13 نسقا يعملون معا في العرض: الكلمة، النغمة، إيماءات الوجه الحركة، انتقال الممثل فوق الخشبة، الماكياج، تصفيف الشّعر، الزّي المسرحيّ، الأغراض، الديكور، الإضاءة، الموسيقى المؤثرات السّمعية. و يمكن إضافة نسقي الجمهور و العمارة و كذلك انساق، الذّوق و الشّم و اللّمس التي تعمل في بعض الحالات كعلامات في عروض المسرح الاحتفالي(**) و مسرح القسوة(***) على سبيل المثال لا الحصر.
و تعدد مستويات القراءة الجزئية و الكلية للإشارات نمثلها في الترتيب المستوحى من جدول كوفزان المنظم لعلامات العرض المسرحي :
ترتيب كوفزان لعلامات العرض(44)
I - العلائق السميائية المرتبطة بالممثل في العرض
أ- نص الكلام (و هي علامات سمعية متعلقة بالممثل)
1- الكلمة
-2 نغمة الصّوت
ب- تعبير الجسد (و هي علامات بصرية متعلقة بالممثل)
3- الميمياء Mime
4- الإيماء
-5 الحركة
ج- مظهر الممثل الخارجي (و هي علامات بصرية متعلقة بالممثل و بمكان و زمان العرض في آن واحد)
6- الماكياج
7- الزي المسرحي
8- تصفيف الشعر
II - العلائق السميائية المرتبطة بمظهر المسرح
ما عدى الممثل (و هي علامات بصرية متعلقة بمكان و زمان العرض عدى الممثل)
9- الأغراض
10- الديكور
-11 الإضاءة
II- نص العرض:
و بقراءة تحليلية بسيطة للجدول يظهر معنا النتائج كما يلي :
- العلامات البصرية تحتل 9 أنساق دلالية من أصل 13 علامة،
- أمّا العلامات السّمعية ) عدا الكلام( تحتل 3 أنساق دلالية،
- و فيما تشكل الكلمة )ما يتفق عليه في المسرح: حوار، مونولوغ و تعليق-توجه للجمهور-( فتحتل 1/13 كنسبة ضئيلة من بين نسق العلامات العرض المسرحي.
و من هنا فانه تظهر لنا أهمية الاتصال غير اللّغوي للعيان في التفاعل البشري عامة و في المسرح خاصة، و يدحض الاعتقاد الكلاسيكي العقلاني الذّي يعطي الأولوية للنص المكتوب، و لا يرى في العرض المسرحي سوى وسيلة للتعبير عن النص المسرحي في سياق دلالي يختلف عن الطّبيعة النصيّة، و تجعل من مهمة المخرج لا تخرج عن ترجمة النص بكل أمانة من لغة مكتوبة (الكلمة( إلى لغة أخرى مغايرة)مشهدية(.
فالعرض المسرحي في أبسط تعاريفه المعجمية يأخذ "بكونه فناّ مزدوج يقوم على العلاقة بين مكوّنين هما النص من جهة و العرض الذي يشكل غائية المسرح من جهة أخرى. و يقوم المسرح في ابسط أحواله على وجود الممثل الذي يؤدي والمتفرج الذي يتلقى "(45)، بواسطة توظيف نظام علامات عرض تشكل من نسق علامات بصرية وسمعيّة التي "يبتكرها المخرج و مصمم الديكور والموسيقيون و الممثلون تشكل مدلولا )أو تعددا دلاليا( يتجاوز مجموع النص [...] الأكثر من ذلك أنّه حتى و لو استطاع العرض بمعجزة ما، أن يعبر عن النص كله فانّ المتفرج سوف لن يستمع إلى النّص بأكمله"(46).
خــلاصـة:
و فيما سبق طرحه من نظم علامات العرض نصل إلى حد القول:
أنّ العرض المسرحي هو عبارة عن مجموعة أو نظام من العلامات ذات طبيعة متعددة، تابعة جزئيا و كليا إلى نظام تواصلي، بما انّه يتضمن سلسلة معقدة من العلامات المنطوقة و غير المنطوقة. فالعلامة المنطوقة الواردة داخل نظام العرض لمادتها السمعية )الصوت( تتضمّن نوعين من العلامات: العلامات اللّسانية التي تكوّن الرسالة اللّغوية، و العلامات السمعيّة بكل ما في الكلمة من معنى) صوت، إيقاع ، نغم(. لا تحقق دلالتها إلا بإضافة جميع العلامات غير المنطوقة إليها التي بدورها تنشط إلى علامات سمعية و بصرية.
هذا الشابك الهائل من العلامات يتضمن سلسلة معقدة من المرسلين)في ارتباط ضيق بعضهم مع بعض( و سلسلة من الرّسائل )حسب شفرات دقيقة جدّا( و متلق متعدد لكنه مستقر في نفس المكان تبت إليه خلاصة اجتماع علامات "و أن يكن الملتقي غير قادر على التجاوب بشكل عام مع العرض، فهذا لا يعني أنّه لا يوجد تواصل كما لاحظ جورج مونان"(47).
سيكون من الخطأ عند القول أنّ دور المتفرج في هذه الحالة في العملية التواصلية دور سلبي، بحيث يكتفي اعتبار المتفرج بمثابة مرآة ترجع العلامات التي ترسل لإثارة الانفعال. "أو انّه على اكثر تقدير مرسل مضاد يعيد علامات ذات طبيعة مختلفة عن علامات العرض"(48).
(بوبكر سكيني / ناقد و باحث مسرحي)
Mr. Sekini Boubakeur
Email : [email protected]
الهوامش:
(1) - إصدارات المسرح دوت كوم، المسرح بوصفه نظاما للعلامات، 2003، صفحة إلكترونية www.al-masrah.com
(2) - ماري إلياس، حنان قصاب حسن، المرجع السابق، ص.253
(3) - أبرسفيلد آن، النص- العرض، ترجمة أحمد الدفراوي، 2003، صفخة إلكترونية www.albayan.co.ae
(4) - المرجع نفسه
(5) - أبرسفيلد آن، المرجع السابق
(6) - إصدارات المسرح دوت كوم، المرجع السابق
(7) - Pavis.P. Problèmes de sémiotique théâtrale, Montréal, Edition université Québec, 1976, P.170
(8) - Begatyrev.P. Les signes au théâtre, Poétique, Paris, Seuil, 1971, P.58
(9) - Tadeusz.K. Littérature et spectacle, La Haye, Edition mouton, Paris, 1975, P.63
(10) - Ibid. P.64
(11) - ماري إلياس، خنان قصاب، المرجع السابق، ص.175
(12) - ماري إلياس، خنان قصاب، المرجع السابق، ص.175
(13) - مارتن أسلن، مجال الدراما، ت. سباعي السيد، وزارة الثقافة، إصدارات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، القاهرة، 1991، ص.86
(14) - Kowzan.T. Opcit. P.71
(15) - مارتن أسلن، المرجع السابق، ص.86
(16) - مارتن أسلن، المرجع السابق، ص.87
(17) - Tadeusz.K. Opcit, P.72
(18) - ماري إلياس، حنان قصاب، المرجع السابق، ص.169
(19) - المرجع نفسه، ص.169
(20) - Greimas.A.J. Condition d'une sémiotique du monde naturel, Langage, Paris, 1968, P.12
(21) - مارتن أسلن، المرجع السابق، ص.88
(22) - المرجع نفسه، ص.88
(23) - ماري إلياس، حنان قصاب، المرجع السابق، ص.405
(24) - Tadeusz. K. Opcit. P.76
(25) - ماري إلياس، حنان قصاب، المرجع السابق، ص.241
(26) - مارتن أسلن، المرجع السابق، ص.82
(27) - ماري إلياس، حنان قصاب، المرجع السابق، ص.244
(28) - المرجع نفسه، ص.57-58
(29) - مارتن أسلن، المرجع السابق، ص.99
(30) - المرجع نفسه، ص.98
(31) - ماري إلياس،حنان قصاب، المرجع السابق، ص.216-217
(*)- مفهوم المسرحة يوحي عن الحاجة في إعلان المسرح كفنّ مستقل له خصوصيّته المشهدية التّي تبرز في لغة دلائل العرض وتميّزه عن بقية الآداب و الفنون و أشكال العرض الأخرى. فالمسرح كنظام دلاليّ له أعرافه التّي تستخدم في العرض بشكل واع و مقصود و معلن ممّا يؤدي إلى إبراز المسرحة المتجليّة في عدم التصوير الإيهامي الواقع في العرض حتّى لا يغيب عن ذهن المتفرّج و لا عن ذهن الممثل انّهما في المسرح فالديكور في هذا الموقف يتبدى في اجتماع خطوط و ألوان تعطي الملامح العامة و لا تشكّل إرجاعا مباشرا لواقع محدد على العكس من التصوير الايقوني في الدّيكور.
(32) - مارتن أسلن، المرجع السابق، ص.97
(33) - المرجع نفسه، ص.100
(34) - Tadeusz. K. Opcit. P.78
(35) - ماري إلياس، حنان قصاب، المرجع السابق، ص.492
(36) - مارتن أسلن، المرجع السابق، ص.119
(37) - مارتن أسلن، المرجع السابق، ص.119
(38) - ماري إلياس، حنان قصاب، المرجع السابق، ص.492
(39) - نفس المرجع، ص.492
(40) - نفس المرجع، ص.489
(41) - ماري إلياس، حنان قصاب، المرجع السابق، ص.490
(42) - المرجع نفسه، ص.490
(43) - Tadeusz. K. Opcit. P.80
(**)- المسرح الاحتفالي : شكل مسرحي يحاول أن يعطي لنفسه وظيفة قريبة من الطقس أو الاحتفال. و قد صارت الرّغبة لهذه المحاولة مع بداية القرن العشرين واضحت بائنة المعالم عندما ارتبطت بالحنين إلى الأشكال القديمة التي رافقت ولادة المسرح و بمحاولة الاستفادة من طقوس و احتفالات لازالت تمارس بشكلها البدائي كاستحضار أو طرد الأرواح وحلقات التعزية بهدف إدهاش المتفرج إلى حالة استغراق المشارك قد تصل به إلى حد النشوة أو الوجد. و هذا الشكل يرفض شكل العلبة الإيطالية و يبقى في عروضه وسائل كالجزر و الشموع كعلامات وسيطة بين عالم ملموس و عالم غيبي.
(***)- مسرح القسوة : تعبير ابتدعه المسرحي الفرنسي انطونان أرتو(1948-1890). أما مفهومه فقد طرح في محاولة إعطاء المسرح بعدا فلسفيا و إعادة صفة القدسيّة إلى المسرح الغربي بهدف تحقيق نوع من السّحر و الذوبان بين الممثل و المتفرج،و ذلك بإزالة الحواجز بين المعاش و الخيالي، فتحوّل النّص إلى نوع من الصّراخ و تلاوة التعاويذ السحريّة، أما الكلمات فقد تحولت إلى ما يشبه التمتمة في الأحلام، و الممثل يؤثر كعلامة واعية على إحساس المتفرج ليخلق فيه حالة من الانعتاق المحرّر و في رقصاته تشبه طقوس التصخية عند الزنوج.
(44) - رئيف كرم، "السيمياء و التجريب المسرحي"، مجلة عالم الفكر، المرجع السابق، ص.239
(45) - ماري إلياس، حنان قصاب، المرجع السابق، ص.425
(46) - أبرسفيلد آن، المرجع السايق،صفحة إلكترونية
(47) - أبرسفيلد آن، المرجع السايق،صفحة إلكترونية
(48) - المرجع نفسه
الديمقراطيه الأمريكيه أشبه بحصان طرواده الحريه من الخارج ومليشيات الموت في الداخل... ولا يثق بأمريكا إلا مغفل ولا تمدح أمريكا إلا خادم لها !







