"العثمانية الجديدة"
14-01-2012, 08:44 PM
تقدم تركيا إزاء الربيع العربي وتحولاته الديموقراطية، نموذجاً حيوياً ومركزياً في اختبار عملية المصالحة بين الديموقراطية والإسلام في الحياة السياسية، وتأثيرات هذه العملية في رسم حدود السياسات الخارجية للدول الكبرى في منطقة الشرق الأوسط. وهذا النموذج الذي بات "مرجعاً" لدى العرب، يشق طريقه وبدأب عبر مسيرة إصلاحية متعرجة نحو دولة القانون، تطبعها إرادة التحرك باستقلالية وسيادة كاملة وبناء سياسة خارجية خلاّقة.
كان التيار الإسلامي في تركيا يمثل حتى وقت قريب، مجرد عنصر في المعادلة السياسية التركية. إلا أنه تحول عقب النجاحات الانتخابية المتلاحقة لحزب العدالة والتنمية الى قوة أساسية مُحددة في الحياة السياسية التركية. وعلى رغم إصرار "العدالة والتنمية" على رفض وصفه بالحزب الإسلامي، يدور جدل بشأن الهوية الحقيقية للحزب وأجندته "الخفية" في ظل تأكيد زعيمه رجب طيب أردوغان أنه يقود حزباً مسلماً ديموقراطياً على شاكلة الأحزاب المسيحية الديموقراطية في أوروبا حيث يمثل الدين خلفية ثقافية، ولا دور مباشراً له في الأجندة السياسية أو العمل السياسي.
ولا نبالغ إذا قلنا إن "العدالة والتنمية" نجح في التعاطي مع الدين في إطار يجعله حاضراً حيث هو غائب في الشأن السياسي التركي، ولعل ذلك يعكس تميز التجربة التركية عن غيرها في التعامل مع الدين، وهو سلوك يرى فيه البعض آلية من آليات اشتغال "العلمانية التركية" في إطار علاقة خاصة بين الدين والدولة تضرب بجذورها في الميراث والتقاليد العثمانية التي "تُخضع" الدين أو "تضمنه" ضمن سلطة الدولة.
معالم بارزة في التجربة التركية
نعرف أن تركيا حاولت الانخراط الكامل في عملية التحديث على جميع المستويات، واعتماد كل الأدوات والمفاهيم التي عرضها ودافع عنها رواد النظريات الغربية في التحديث. حتى أنها ذهبت في هذه العملية أشواطاً بعيدة، مدافعة عنها بشدة، لكنها في الوقت نفسه لم تكن لتقطع مع التراث العثماني والإسلامي في العمق، وما كان بإمكان قادة تركيا الحديثة أن يتجاوزوا تراث إمبراطورية قامت الجمهورية على بنيات دولتها وفي صومعتها الجغرافية في الأناضول في الحقبة الأولى من القرن العشرين. بل يمكن القول إن رواد الإصلاح في الحقبة الأخيرة من عمر الإمبراطورية العثمانية، كانوا الآباء الروحيين للجمهورية المعلنة في العام 1923.
ولعل الاهتمام المتزايد بشأن التجربة التركية اليوم، بما في ذلك مفهوم "العثمانية الجديدة" الذي يثير جدلاً واسعاً، يأتي في سياقات هذا المسار المركّب للتجربة، تعبيراً عن "ثقل التاريخ" وحضور الجغرافيا في هذه التجربة.
لدى تحليل التجربة التاريخية التركية الحديثة من منظور السياق التاريخي الذي تطورت فيه، يمكن فهم أبعاد وخلفيات مشروع الثورة الكمالية القائم على مجموعة من المبادئ الصارمة والتي ترمز الى المقومات الأساسية للدولة.
ومن هذا المنظور يمكن التخفيف من غلواء الأحكام التي انطبعت في البنية الذهنية العربية ـ ولا سيما في الكتب المدرسية ـ حول شخصية مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، وكذلك حول مشروعه الذي أطلق عقب إعلان الجمهورية (1924)، بما في ذلك نظرته للعلاقة بين الدين والدولة. فقد كانت الاقتناعات راسخة لدى أتاتورك ومن جاء بعده، بأنه لا يمكن حماية تماسك "الجمهورية الفتية" وتعزيزه في ظل الانقسام القومي والديني والثقافي، ما استدعى إرساء مجموعة من المبادئ وفي مقدمها العلمانية والقومية والإصلاحية بوصفها ضمانات لحماية "الجمهورية" الناشئة.
ولدى متابعة تجربة التيار الإسلامي في تركيا، سواء كرؤية ثقافية في الخمسينات من القرن الماضي مع محاولة عدنان مندريس، أو ما تلاها من تجارب، عبّرت عن نفسها في مناخ "الصحوة العامة" في أحزاب سياسية حديثة وجماعات دينية أو قومية ـ دينية، فإنه يمكن بسهولة التقاط الدينامية التي طبعت هذا التيار، وقابليته واستعداده للتأقلم مع سياسات صيغ الحكم المتعاقبة، مرسخاً وجوده السياسي وبنيته التحتية المتمثلة في الجماعات الدينية. ولم تُفلح التدابير النظامية المتشددة والضغوط المستمرة في تقويض هذا التيار، رغم إمساكها بكل أدوات الدولة، وتحكمها بكل مؤسساتها ومصادر القانون والقضاء، واحتكارها القوة والضغط المسلح. وفي حين انزلقت كثير من الحركات الإسلامية في الوطن العربي الى مربع العنف، فإن تاريخ التيار الإسلامي في تركيا يكاد أن يخلو تماماً من أي تجربة للعنف، وظل قادراً على الدوام على نزع أي فتيل للتوتر من شأنه أن يدفعه للاحتراب مع الدولة، مبدياً براعة في إزالة أي مبرر قد تستخدمه الدولة لتسويغ العنف ضده.
على أنه خلافاً للفهم التبسيطي الذي يصور مسار التدافع بين "الكمالية العلمانية" والتيار الإسلامي على أنه مواجهة واضحة بين العلمانية والإسلام، تبدو العلاقة بين الطرفين أكثر تعقيداً من هذا التفسير الذي ينحو منحى ايديولوجياً ثقافياً ضيقاً.
لقد تميزت التجربة التركية بتقديم رؤية مختلفة لعلاقة الدين بالدولة، على امتداد مسار التجربة وتحولاتها. تموضع الدين في التجربة التركية في علاقته بالفضاءات الأخرى، يقدم صورة مختلفة عن السياقات العربية. إنه تموضع جعل الدين حاضراً بقوة في مسارات التجربة التركية تحييداً واستدعاء. وقد تكون التجربة التركية، في هذا المجال، تجربة حيوية جداً في فهم ما يمكن أن نسميه العلاقة الملتبسة تاريخياً بين الدين والدنيا، بين الديني والسياسي، بين الإسلام والدولة.
لقد كشفت تجربة الإسلام السياسي في تركيا أنه يمكن لأحزاب بجذور إسلامية، أن تكون أداة للتحول الديموقراطي. كما أنه يمكن في مجتمع مسلم أن تنشأ وتتطور تجربة سياسية تعددية يُحتكم فيها الى القانون، من دون أن يكون ذلك كله متناقضاً أو متعارضاً مع سيادة القيم الثقافية الأساسية لهذا المجتمع. غير أنه يجب الإقرار بأن ما ترسخ من قيم ومبادئ في المنظومة السياسية التركية على مدى عقود، بما في ذلك، الحدود المرسومة في علاقة الدين بالدولة، قد ساهم الى حد كبير في بناء ثقافة سياسية ضابطة لمجال العمل السياسي، وبالتالي فإن التجربة التركية أظهرت قابلية واستعداد الإسلاميين لأن يكونوا مساهمين في عملية التحول الديموقراطي وترسيخ قيم التعددية والتسامح، إذا ما أتيحت لهم فرصة الانخراط والمشاركة في العملية السياسية.
هنا تبدو أطروحة المستشرق البريطاني برنارد لويس الذي يشدد على "الاستثناء التركي" وأن العالم العربي غير مؤهل للديموقراطية بحجة أن المنظومة الثقافية والدينية السائدة في مجتمعاتنا لا تسمح ولا تساعد في قيام الديموقراطية، أطروحة مشوشة ولا أساس لها تقوم على قراءة التجربة التركية من منظور ايديولوجي. ذلك أنه خطأ فادح تقديم تاريخ تركيا الحديثة على أنه خط تصاعدي تقدمي قائم على التخلص من الماضي باتجاه المستقبل وإلغاء القديم لاعتناق الجديد، والتحول تدريجاً من نظام يرتكز على الدين والأحكام السلطانية الى نظام حديث تمثل العلمانية أبرز مقوماته. فضلاً عن أن هذه القراءة التي قدمها في كتابه المعروف حول ظهور تركيا الحديثة (1960) فيها الكثير من التعسف، وقد أثبتت التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عرفتها تركيا خلال العقود الماضية أنها قراءة ايديولوجية تخدم وجهة نظر معادية للعرب.
بعض الأسئلة الأساسية
هل تجربة تركيا التحديثية، ثم تجربة حركات الإحياء الإسلامي فيها، وما أفضت اليه المناظرة بين الإسلاميين والعلمانيين من تقارب وتعاون وتوليف، هي نسيج تركيا وحدها أم أن هناك ما يمكن أن يتعلمه العرب منها؟ هل تشهد تركيا حقاً تقاطعاً وتلاقحاً بين العلمانيين والإسلاميين؟
الوقائع تشير الى أن الاستقطاب لم يعد قائماً بين الطرفين، بعدما خفت حدته كثيراً في ضوء نتائج الاستفتاء الأخير(ايلول 2010)، وأن غلاة العلمانيين في الجيش ومؤسسات الدولة الأخرى ما عادوا يحذرون من "خطر" إسلامي محدق بعدما سقطت قلاعهم بسقوط محاولتهم للحد من ظهور الإسلام في الحقل السياسي.
ويقود هذا الى أسئلة من نوع: الى أي حد يمكن اعتبار المتمردين على النهج "الأصولي" للشيخ نجم الدين أربكان والمتحررين من قيود الإسلام السياسي التقليدي إسلاميين فعلاً؟
فالأحزاب "الإسلامية" التي نشأت في تركيا من التجارب الأولى لأربكان في هذا المجال، لم تحمل يوماً تسمية إسلامية، بل حرصت دائماً على تأكيد التزامها الكامل دستور البلاد العلماني وصيغتها الكمالية. فضلاً عن أنه في الصراعات التي دارت بين هذه الأحزاب والمؤسسة العلمانية، كانت هذه الأحزاب تدفع عن نفسها تهمة الابتعاد عن علمانية الدولة أو تهديدها. ولا شك أن وضع هذه الأحزاب يختلف جذرياً عن وضع مثيلاتها في العالم العربي، فهي لا تطالب قط بتطبيق الشريعة.
سؤال آخر: الى أي حد تعتبر الحالة التركية نتاجاً للتوجهات الديموقراطية للنخب العلمانية؟ الدراسات توحي بأن التجربة التركية في التحول الديموقراطي هي ثمرة نضج سياسي ساهمت فيه النخب العلمانية التي قادت مسيرة البلاد نحو الديموقراطية، وكذلك النخب الإسلامية التي ابتعدت عن العنف وتقيدت بقواعد النظام السياسية والقانونية. ولا شك في أن النخب العلمانية في تركيا قد أظهرت أيضاً قدراً من ضبط النفس والتعقل تجاه خصومها الإسلاميين. وهذا ما نتأمل أن تختبره بنجاح التجربتان التونسية والمصرية.
من جهة أخرى، يجدر الانتباه الى أن صعود حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان وعبدالله غول وبولنت ارينج، نتج من تطورات معقدة لم تكن في حسبان النخبة العلمانية ولا حتى قيادات الحزب التي اختبرت تحديات جديدة. الصفوة الكمالية رحبت بالحزب الجديد "ما بعد الإسلامي"، ولعلها سهّلت انشاءه إن لم تكن قد ساعدت في ذلك بغرض الاستفادة من خلافات الإسلاميين أو الحفاظ على مصالح الدولة العليا. لكن ما لم يحسب الكماليون حسابه هو عبقرية أردوغان السياسية وتداعيات التحولات البنيوية الكبرى التي عرفتها تركيا خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين. وهذا يطرح سؤالاً أخيراً: لماذا لم تؤدِ الإجراءات المماثلة التي اتبعت في العالم العربي الى نتائج قريبة لما حدث في تركيا؟
إن بعض الدول العربية، وفي مقدمها مصر السادات مطلع سبعينات القرن الماضي، والجزائر نهاية الثمانينات، جربت قدراً من الانفتاح السياسي أتاح للإسلاميين صعوداً سريعاً عبر العملية الانتخابية. غير أن كل الأنظمة المعنية تراجعت عن ذلك الانفتاح بسبب صعود الإسلاميين تحديداً. فهل حدث هذا لأن تلك الأنظمة افتقدت ضبط النفس لدى الكماليين، أم لأن الحركات الإسلامية افتقدت اعتدال الأردوغانيين؟ الوقائع توحي بأن هناك مزيجاً من العاملين، وإن كانت النزعة الديكتاتورية العربية تتحمّل المسؤولية الأكبر. وإن الثورات العربية الحالية التي أسقطت هذه الديكتاتورية تفسح في المجال للافادة من تجربة التوليف التركية وعقلانية الاسلام السياسي العربي واعتداله.
هناك بالطبع عوامل أخرى ساهمت في تشكل خصوصية الحالة التركية، وأبرزها الآمال المعقودة على الانضمام الى الاتحاد الأوروبي وما تتطلبه العضوية الأوروبية من امتثال للممارسة الديموقراطية. ولا ننسى بالتأكيد حقبة الرئيس تورغوت أوزال التي حققت إنجازين كبيرين، الأول تحرير الاقتصاد وما تبعه من إضعاف قبضة الدولة على المجتمع والحياة العامة، والثاني إعادة الاعتبار الى التدين ودور الدين في توازن المجتمع، فضلاً عن الشروع في بناء مقاربة مختلفة للمسألة الكردية.
على رغم خصوصيتها والظروف الموضوعية والذاتية المحيطة بها، تبدو التجربة التركية الآن الأكثر قرباً من السياقات التونسية والمصرية للربيع العربي، والأوفر حظاً في أن تلهم الشباب العربي التأمل في معالم تجربة فريدة في مجالات الديموقراطية التعددية والنهوض الاقتصادي والمكانة الإقليمية والدولية.
كان التيار الإسلامي في تركيا يمثل حتى وقت قريب، مجرد عنصر في المعادلة السياسية التركية. إلا أنه تحول عقب النجاحات الانتخابية المتلاحقة لحزب العدالة والتنمية الى قوة أساسية مُحددة في الحياة السياسية التركية. وعلى رغم إصرار "العدالة والتنمية" على رفض وصفه بالحزب الإسلامي، يدور جدل بشأن الهوية الحقيقية للحزب وأجندته "الخفية" في ظل تأكيد زعيمه رجب طيب أردوغان أنه يقود حزباً مسلماً ديموقراطياً على شاكلة الأحزاب المسيحية الديموقراطية في أوروبا حيث يمثل الدين خلفية ثقافية، ولا دور مباشراً له في الأجندة السياسية أو العمل السياسي.
ولا نبالغ إذا قلنا إن "العدالة والتنمية" نجح في التعاطي مع الدين في إطار يجعله حاضراً حيث هو غائب في الشأن السياسي التركي، ولعل ذلك يعكس تميز التجربة التركية عن غيرها في التعامل مع الدين، وهو سلوك يرى فيه البعض آلية من آليات اشتغال "العلمانية التركية" في إطار علاقة خاصة بين الدين والدولة تضرب بجذورها في الميراث والتقاليد العثمانية التي "تُخضع" الدين أو "تضمنه" ضمن سلطة الدولة.
معالم بارزة في التجربة التركية
نعرف أن تركيا حاولت الانخراط الكامل في عملية التحديث على جميع المستويات، واعتماد كل الأدوات والمفاهيم التي عرضها ودافع عنها رواد النظريات الغربية في التحديث. حتى أنها ذهبت في هذه العملية أشواطاً بعيدة، مدافعة عنها بشدة، لكنها في الوقت نفسه لم تكن لتقطع مع التراث العثماني والإسلامي في العمق، وما كان بإمكان قادة تركيا الحديثة أن يتجاوزوا تراث إمبراطورية قامت الجمهورية على بنيات دولتها وفي صومعتها الجغرافية في الأناضول في الحقبة الأولى من القرن العشرين. بل يمكن القول إن رواد الإصلاح في الحقبة الأخيرة من عمر الإمبراطورية العثمانية، كانوا الآباء الروحيين للجمهورية المعلنة في العام 1923.
ولعل الاهتمام المتزايد بشأن التجربة التركية اليوم، بما في ذلك مفهوم "العثمانية الجديدة" الذي يثير جدلاً واسعاً، يأتي في سياقات هذا المسار المركّب للتجربة، تعبيراً عن "ثقل التاريخ" وحضور الجغرافيا في هذه التجربة.
لدى تحليل التجربة التاريخية التركية الحديثة من منظور السياق التاريخي الذي تطورت فيه، يمكن فهم أبعاد وخلفيات مشروع الثورة الكمالية القائم على مجموعة من المبادئ الصارمة والتي ترمز الى المقومات الأساسية للدولة.
ومن هذا المنظور يمكن التخفيف من غلواء الأحكام التي انطبعت في البنية الذهنية العربية ـ ولا سيما في الكتب المدرسية ـ حول شخصية مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، وكذلك حول مشروعه الذي أطلق عقب إعلان الجمهورية (1924)، بما في ذلك نظرته للعلاقة بين الدين والدولة. فقد كانت الاقتناعات راسخة لدى أتاتورك ومن جاء بعده، بأنه لا يمكن حماية تماسك "الجمهورية الفتية" وتعزيزه في ظل الانقسام القومي والديني والثقافي، ما استدعى إرساء مجموعة من المبادئ وفي مقدمها العلمانية والقومية والإصلاحية بوصفها ضمانات لحماية "الجمهورية" الناشئة.
ولدى متابعة تجربة التيار الإسلامي في تركيا، سواء كرؤية ثقافية في الخمسينات من القرن الماضي مع محاولة عدنان مندريس، أو ما تلاها من تجارب، عبّرت عن نفسها في مناخ "الصحوة العامة" في أحزاب سياسية حديثة وجماعات دينية أو قومية ـ دينية، فإنه يمكن بسهولة التقاط الدينامية التي طبعت هذا التيار، وقابليته واستعداده للتأقلم مع سياسات صيغ الحكم المتعاقبة، مرسخاً وجوده السياسي وبنيته التحتية المتمثلة في الجماعات الدينية. ولم تُفلح التدابير النظامية المتشددة والضغوط المستمرة في تقويض هذا التيار، رغم إمساكها بكل أدوات الدولة، وتحكمها بكل مؤسساتها ومصادر القانون والقضاء، واحتكارها القوة والضغط المسلح. وفي حين انزلقت كثير من الحركات الإسلامية في الوطن العربي الى مربع العنف، فإن تاريخ التيار الإسلامي في تركيا يكاد أن يخلو تماماً من أي تجربة للعنف، وظل قادراً على الدوام على نزع أي فتيل للتوتر من شأنه أن يدفعه للاحتراب مع الدولة، مبدياً براعة في إزالة أي مبرر قد تستخدمه الدولة لتسويغ العنف ضده.
على أنه خلافاً للفهم التبسيطي الذي يصور مسار التدافع بين "الكمالية العلمانية" والتيار الإسلامي على أنه مواجهة واضحة بين العلمانية والإسلام، تبدو العلاقة بين الطرفين أكثر تعقيداً من هذا التفسير الذي ينحو منحى ايديولوجياً ثقافياً ضيقاً.
لقد تميزت التجربة التركية بتقديم رؤية مختلفة لعلاقة الدين بالدولة، على امتداد مسار التجربة وتحولاتها. تموضع الدين في التجربة التركية في علاقته بالفضاءات الأخرى، يقدم صورة مختلفة عن السياقات العربية. إنه تموضع جعل الدين حاضراً بقوة في مسارات التجربة التركية تحييداً واستدعاء. وقد تكون التجربة التركية، في هذا المجال، تجربة حيوية جداً في فهم ما يمكن أن نسميه العلاقة الملتبسة تاريخياً بين الدين والدنيا، بين الديني والسياسي، بين الإسلام والدولة.
لقد كشفت تجربة الإسلام السياسي في تركيا أنه يمكن لأحزاب بجذور إسلامية، أن تكون أداة للتحول الديموقراطي. كما أنه يمكن في مجتمع مسلم أن تنشأ وتتطور تجربة سياسية تعددية يُحتكم فيها الى القانون، من دون أن يكون ذلك كله متناقضاً أو متعارضاً مع سيادة القيم الثقافية الأساسية لهذا المجتمع. غير أنه يجب الإقرار بأن ما ترسخ من قيم ومبادئ في المنظومة السياسية التركية على مدى عقود، بما في ذلك، الحدود المرسومة في علاقة الدين بالدولة، قد ساهم الى حد كبير في بناء ثقافة سياسية ضابطة لمجال العمل السياسي، وبالتالي فإن التجربة التركية أظهرت قابلية واستعداد الإسلاميين لأن يكونوا مساهمين في عملية التحول الديموقراطي وترسيخ قيم التعددية والتسامح، إذا ما أتيحت لهم فرصة الانخراط والمشاركة في العملية السياسية.
هنا تبدو أطروحة المستشرق البريطاني برنارد لويس الذي يشدد على "الاستثناء التركي" وأن العالم العربي غير مؤهل للديموقراطية بحجة أن المنظومة الثقافية والدينية السائدة في مجتمعاتنا لا تسمح ولا تساعد في قيام الديموقراطية، أطروحة مشوشة ولا أساس لها تقوم على قراءة التجربة التركية من منظور ايديولوجي. ذلك أنه خطأ فادح تقديم تاريخ تركيا الحديثة على أنه خط تصاعدي تقدمي قائم على التخلص من الماضي باتجاه المستقبل وإلغاء القديم لاعتناق الجديد، والتحول تدريجاً من نظام يرتكز على الدين والأحكام السلطانية الى نظام حديث تمثل العلمانية أبرز مقوماته. فضلاً عن أن هذه القراءة التي قدمها في كتابه المعروف حول ظهور تركيا الحديثة (1960) فيها الكثير من التعسف، وقد أثبتت التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عرفتها تركيا خلال العقود الماضية أنها قراءة ايديولوجية تخدم وجهة نظر معادية للعرب.
بعض الأسئلة الأساسية
هل تجربة تركيا التحديثية، ثم تجربة حركات الإحياء الإسلامي فيها، وما أفضت اليه المناظرة بين الإسلاميين والعلمانيين من تقارب وتعاون وتوليف، هي نسيج تركيا وحدها أم أن هناك ما يمكن أن يتعلمه العرب منها؟ هل تشهد تركيا حقاً تقاطعاً وتلاقحاً بين العلمانيين والإسلاميين؟
الوقائع تشير الى أن الاستقطاب لم يعد قائماً بين الطرفين، بعدما خفت حدته كثيراً في ضوء نتائج الاستفتاء الأخير(ايلول 2010)، وأن غلاة العلمانيين في الجيش ومؤسسات الدولة الأخرى ما عادوا يحذرون من "خطر" إسلامي محدق بعدما سقطت قلاعهم بسقوط محاولتهم للحد من ظهور الإسلام في الحقل السياسي.
ويقود هذا الى أسئلة من نوع: الى أي حد يمكن اعتبار المتمردين على النهج "الأصولي" للشيخ نجم الدين أربكان والمتحررين من قيود الإسلام السياسي التقليدي إسلاميين فعلاً؟
فالأحزاب "الإسلامية" التي نشأت في تركيا من التجارب الأولى لأربكان في هذا المجال، لم تحمل يوماً تسمية إسلامية، بل حرصت دائماً على تأكيد التزامها الكامل دستور البلاد العلماني وصيغتها الكمالية. فضلاً عن أنه في الصراعات التي دارت بين هذه الأحزاب والمؤسسة العلمانية، كانت هذه الأحزاب تدفع عن نفسها تهمة الابتعاد عن علمانية الدولة أو تهديدها. ولا شك أن وضع هذه الأحزاب يختلف جذرياً عن وضع مثيلاتها في العالم العربي، فهي لا تطالب قط بتطبيق الشريعة.
سؤال آخر: الى أي حد تعتبر الحالة التركية نتاجاً للتوجهات الديموقراطية للنخب العلمانية؟ الدراسات توحي بأن التجربة التركية في التحول الديموقراطي هي ثمرة نضج سياسي ساهمت فيه النخب العلمانية التي قادت مسيرة البلاد نحو الديموقراطية، وكذلك النخب الإسلامية التي ابتعدت عن العنف وتقيدت بقواعد النظام السياسية والقانونية. ولا شك في أن النخب العلمانية في تركيا قد أظهرت أيضاً قدراً من ضبط النفس والتعقل تجاه خصومها الإسلاميين. وهذا ما نتأمل أن تختبره بنجاح التجربتان التونسية والمصرية.
من جهة أخرى، يجدر الانتباه الى أن صعود حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان وعبدالله غول وبولنت ارينج، نتج من تطورات معقدة لم تكن في حسبان النخبة العلمانية ولا حتى قيادات الحزب التي اختبرت تحديات جديدة. الصفوة الكمالية رحبت بالحزب الجديد "ما بعد الإسلامي"، ولعلها سهّلت انشاءه إن لم تكن قد ساعدت في ذلك بغرض الاستفادة من خلافات الإسلاميين أو الحفاظ على مصالح الدولة العليا. لكن ما لم يحسب الكماليون حسابه هو عبقرية أردوغان السياسية وتداعيات التحولات البنيوية الكبرى التي عرفتها تركيا خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين. وهذا يطرح سؤالاً أخيراً: لماذا لم تؤدِ الإجراءات المماثلة التي اتبعت في العالم العربي الى نتائج قريبة لما حدث في تركيا؟
إن بعض الدول العربية، وفي مقدمها مصر السادات مطلع سبعينات القرن الماضي، والجزائر نهاية الثمانينات، جربت قدراً من الانفتاح السياسي أتاح للإسلاميين صعوداً سريعاً عبر العملية الانتخابية. غير أن كل الأنظمة المعنية تراجعت عن ذلك الانفتاح بسبب صعود الإسلاميين تحديداً. فهل حدث هذا لأن تلك الأنظمة افتقدت ضبط النفس لدى الكماليين، أم لأن الحركات الإسلامية افتقدت اعتدال الأردوغانيين؟ الوقائع توحي بأن هناك مزيجاً من العاملين، وإن كانت النزعة الديكتاتورية العربية تتحمّل المسؤولية الأكبر. وإن الثورات العربية الحالية التي أسقطت هذه الديكتاتورية تفسح في المجال للافادة من تجربة التوليف التركية وعقلانية الاسلام السياسي العربي واعتداله.
هناك بالطبع عوامل أخرى ساهمت في تشكل خصوصية الحالة التركية، وأبرزها الآمال المعقودة على الانضمام الى الاتحاد الأوروبي وما تتطلبه العضوية الأوروبية من امتثال للممارسة الديموقراطية. ولا ننسى بالتأكيد حقبة الرئيس تورغوت أوزال التي حققت إنجازين كبيرين، الأول تحرير الاقتصاد وما تبعه من إضعاف قبضة الدولة على المجتمع والحياة العامة، والثاني إعادة الاعتبار الى التدين ودور الدين في توازن المجتمع، فضلاً عن الشروع في بناء مقاربة مختلفة للمسألة الكردية.
على رغم خصوصيتها والظروف الموضوعية والذاتية المحيطة بها، تبدو التجربة التركية الآن الأكثر قرباً من السياقات التونسية والمصرية للربيع العربي، والأوفر حظاً في أن تلهم الشباب العربي التأمل في معالم تجربة فريدة في مجالات الديموقراطية التعددية والنهوض الاقتصادي والمكانة الإقليمية والدولية.







