من كتاب الإسلام والإيمان والإحسان والواقع المعيش- الفصل الثاني- الإيمان بالله
05-06-2012, 05:36 PM
عرفت الجزيرة العربية قبل مجيء الإسلام انتشارا واسعا لعبادة الأصنام، فقد عبدوا ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا الذين جاء ذكرهم في القرآن الكريم(1)، قال تعالـى: ﴿ وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ ءالِهَتَكُـمْ وَلَا تَذَرُنَّ وُدًّا وَلَا سُوَاعًـا وَلَا يَغُـوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴾(نوح/23)، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي كلاع وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح عليه السلام، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولائك ونسخ العلم عبدت(2).
وعبد سكان الجزيرة العربية قبل مجيء الإسلام كذلك مناة واللات والعزى وغير ذلك من الأصنام، وكان في كل دار صنم يعبد ويتخذ شفيعا من دون الله سبحانه وتعالى، يتمسح به عند السفر وعند العودة من السفر(3)، ومن هؤلاء السكان من عبد الأجرام السماوية خاصة منها الشمس والقمر، ومنهم من عبد الأشباح والأرواح والماء والنار والبرق والرعد والنهر والزرع والشجر وغير ذلك(4).
جاء الإسلام بعقيدة التوحيد فأبطل مثل هذه العبادات، ودعا الناس إلى عبادة الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد، دعاهم إلى الطريق المستقيم، طريق الهدى، وبين لهم بالعقل والمنطق والحجة والإقناع حقيقة هذا الدين الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى لعباده(5)، ومن يبتغ غير الله ربا، وغير هذا الدين دينا فهو في ضلال مبين وخسران عظيم، ومثله كمثل إبليس الذي كسب شهرة الناس وخسر نفسه فكان له سوء العاقبة يوم القيامة.
يغرس الإسلام عقيدة التوحيد في نفس معتنقيه منذ نعومة الأظفار؛ فيتحرر الناس بذلك من العبودية لغير الله، يتحررون من عبودية الطبيعة وعبودية الحيوان وعبودية الجن وعبودية البشر وعبودية الحجر وعبودية الهوى، ويتربون على الإيمان بالله وعلى إفراده بالعبادة والاستعانة به وحده لا شريك له(6).
والعقيدة الإسلامية تتجاوب مع الفطرة الإنسانية، وتؤثر في الإنسان والمجتمع، فتبني بذلك حضارة تلبي كل حاجات الإنسان ومتطلبات سعادته المادية والروحية في الدنيا والآخرة(7)، وكل مولود يولد على فطرة العقيدة الصحيحة ويد البشر هي التي تفعل بها الأفاعيل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ أوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ »(8).
العقائد كثيرة ومتنوعة؛ منها عقيدة التوحيد التي هي العقيدة الإسلامية، وعقيدة التثليث التي طرأت على المسيحية فبدلت، هذه العقيدة التي غيرت عقيدة التوحيد التي جاء بها الرسول عيسى عليه السلام، وعقيدة الإشراك بالله التي تتعدد فيها الآلهة المعبودة، وعقيدة الإلحاد التي تنكر وجود الله مطلقا، وأصح هذه العقائد كلها؛ عقيدة التوحيد التي توحد الله سبحانه وتعالى الخالق لكل شيء، وهي الحق الذي لا ينجـو أحد إلا بها(9)، اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه.
والعقائد الإسلامية أربعة أقسام رئيسية وهي:
القسم الأول: الإلهيات: وتبحث فيما يتعلق بالإله سبحانه وتعالى من حيث صفاته وأسماؤه وأفعاله. ويلحق بها ما يستلزمه اعتقادها من العبد لمولاه.
القسم الثاني: النبوات: وتبحث في كل ما يتعلق بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم من حيث صفاتهم وعصمتهم ومهمتهم وإلى الحاجة إلى رسالتهم. ويلحق بهذا القسم ما يتعلق بالأولياء رضوان الله عليهم، والمعجزة والكرامة، والكتب السماوية.
القسم الثالث: الروحانيات: وتبحث فيما يتعلق بالعالم غير المادي: كالملائكة عليهم السلام، والجن، والروح.
القسم الرابع: السمعيات. وتبحث فيما يتعلق بالحياة البرزخية، والحياة الأخروية: كأحوال القبر، وعلامات القيامة، والبعث، والموقف، والحساب، والجزاء(10).
الإيمان بالله هو التصديق الجازم بوجوده سبحانه وتعالى، وأنه رب كل شيء ومالكه ولا رب سواه، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، يوصف بكل كمال وينزه عن كل نقصان، لا يعبد ولا يقصد بالسؤال إلا هو، ولا يستعان إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا خوف ولا رجاء إلا منه، ولا إنابة ولا محبة ولا تعظيم ولا صلاة ولا زكاة ولا صيام ولا حج ولا نذر إلا له، ولا جهاد إلا في سبيله(11)، ويبطل عمل المرائين المغرورين الذين يعملون العمل وينتظرون الشكر من العباد.
أثبت الله سبحانه وتعالى لنفسه أسماء حسنى، قال تعالى: ﴿ وَلِلهِ الَاسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾(الأعراف/180)، وقال عز وجل: ﴿ قُلُ ادْعُواْ اللَّهَ أَوُ ادْعُواْ الرَّحْمَٰنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الاَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ﴾(الإسراء/110)، وقال أيضا: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الاَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾(طه/8)، وقال عز من قائل: ﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الاَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالَارْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾(الحشر/24)، وأثبتها له عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم فقال: « لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَاِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ وَفِي رِوَايَةِ مَنْ اَحْصَاهَا »(12)، فـ « هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد، المحصي المبدئ المعيد، المحي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الأحد الفرد الصمد، القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعالي البر التواب المنتقم العفو الرءوف، مالك الملك ذو الجلال والإكرام، المقسط الجامع الغني المغني المعطي المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور»(13).
فالله هـو الأول ليس قبله شيء، وهو الآخر ليس بعده شيء، وهو الظاهـر ليس فوقه شيء، وهو الباطن ليس دونه شيء، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، ولا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، له الأسماء الحسنى والصفات العليا، قوله الحق، وحكمه العدل، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، وهو القاهر فوق عباده، وهو على كل شيء قدير، خلق الموت والحياة ليبلو الخلائق أيهم أحسن عملا، وهو الغفور الرحيم وعذابه هو العذاب الأليم، فلا رازق ولا مانع إلا هو، ولا ضار ولا نافع إلا هو(14)، خلق السموات والأرض وما بينهما، وخلق النجوم التي تبهر النظر وتزيد الإيمان بعظمة الخالق إيمانا، وخلق الأزهار والأشجار، وخلق الجداول والأنهار والبحار، وخلق التلال والجبال، وخلق الليل والنهار والشمس والقمر، وخلق البراري والصحاري، وخلق ما لم نعلم.
وعن الإيمان بالله يقول الدكتور رسل تشارلز ارتست: « انني اعتقد أن كل خلية من الخلايا الحية قد بلغت من التعقيد درجة يصعب علينا فهمها، وان ملايين الملايين من الخلايا الحية الموجودة على سطح الأرض تشهد بقدرة الله شهادة تقوم على الفكر والمنطق ولذلك فإنني أومن بوجود الله إيمانا راسخا »(15).
ويقول العلامة المؤرخ الطبيعي( فابر ): « كل عهد له أهواء جنونية.
فاني اعتبر الكفر بالله من الأهواء الجنونية وهو مرض العهد الحالي، وأيسر عندي أن ينزعوا جلدي من أن ينزعوا مني العقيدة بالله »(16)، هذا هو الإيمان الحقيقي الذي ينبع من عقيدة متينة راسخة لا تتزعزع مهما كان مزعزعها.
أما الفيلسوف الإنجليزي ( فرانسس بيكون ) فقد قال: « إن قليلا من الفلسفة يقرب الإنسان من الإلحاد. أما التعمق في الفلسفة فيرده إلى الدين »(17).
ونشر الدكتور( دينرت ) الألماني بحثا حلل فيه الآراء الفلسفية لأكابر العلماء الذين أناروا العقول في القرون الأخيرة، فتبين له من دراسة 290 منهم أن 28 منهم لم يصلوا إلى عقيدة ما، و242 أعلنوا الإيمان بالله، و20 فقط غير مبالين بالوجهة الدينية أو ملاحدة، وإذا اعتبر غير المبالين كلهم من الملاحدة فيكون %92 من كبار العلماء يعتقدون بوجود الله تعالى، هذه بعض الشواهد التي تفند ما ذهب إليه الملاحة أعداء الله وأتباعهم من أن العلم يتنافى والإيمان الذي يعتبر في نظرهم ضرب من الخيال(18)، ولينتبه تبع الغرب بل أذيال الغرب إلى هذه الحقائق التي جاءت من لدن غربيين بعد دراسة معمقة ومتأنية وبدون خلفية مسبقة.
فالإيمان يتقوى ويعظم كلما زاد المرء علما مستنيرا ومعرفة حقيقية، يقول الدكتور ماريت ستانلي كونجدن: « ان جميع ما في الكون يشهد على وجود الله سبحانه ويدل على قدرته وعظمته، وعندما نقوم نحن العلماء بتحليل ظواهر هذا الكون ودراستها حتى باستخدام الطريقة الاستدلالية فاننا لا نفعل أكثر من ملاحظة آثار أيادي الله وعظمته»(19).
روى ابن المعتز لأبي العتاهية فقال:
فيا عجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحـد
ولله في كــــــــــــل تحـريكــة وفي كل تسكينة شاهد
وفي كـــــــــل شيء له آيــة تدل على انه واحـد(20).
وأنشد أبو نواس قائلا:
تأمل في رياض الأرض وانظر إلى آثار ما صنـع المليك
عيــــــــون من لجين شاخصات بأحداق هي الذهب السبيك
على قضيب الزبرجد شاهـــدات بأن الله ليس له شــريك(21).
وقال لبيد بن ربيعة العامري:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل(22).
سئل أعرابي عن دليل وجود الله سبحانه وتعالى، فقال بكل بساطة : « يا سبحان الله، إن البعر ليدل على البعير، وإن أثر الأقدام ليدل على المسير فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟ »(23).
وخطب قس بن ساعدة الإيادي وكان على ملة إبراهيم عليه السلام فقال: « أيها الناس، اجتمعوا فاسمعوا، وإذا سمعتم فعوا، وإذا وعيتم فانتفعوا، وقولوا وإذا قلتم فاصدقوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، مطر ونبات، وأحياء وأموات، ليل داج، وسماء ذات أبراج ونجوم تزهر، وبحار تزجر، وضوء وظلام، وليل وأيام، وبر وآثام، إن في السماء خبرا، وإن في الأرض عبرا، يحار فيهن البصر، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تغور وبحار لا تفور، ومنايا دوان، ودهر خوان، كحد النسطاس ووزن القسطاس. أقسم قس قسما، لا كاذبا فيه ولا آثما. لئن كان في هذا الأمر رضى ليكونن سخط، ثم قال: أيها الناس، إن لله دينا هو أحب إليه من دينكم هذا الذي أنتم عليه. وهذا زمانه وأوانه. ثم قال: مالي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا.
وفي بعض ألفاظها قـال: شرق وغرب، ويتم وحزب، وسلم وحرب، ويابس ورطب، وأجاج وعذب، وشموس وأقمار، ورياح وأمطار، وليل ونهار، وإناث وذكور، وبرار وبحور، وحب ونبات، وآباء وأمهات، وجمع وأشتات، وآيات في إثرها آيات، ونور وظلام، ويسر وإعدام، ورب وأصنام. لقد ضل الأنام، نشو مولود، ووأد مفقود، وتربية محصود، وفقير وغني، ومحسن ومسي، تبا لأرباب الغفلة، ليصلحن العامل عمله، وليفقدن الآمل أمله كلا بل هو إله واحد ليس بمولود ولا والد، أعاد وأبدى، وأمات وأحيا وخلق الذكر والأنثى، رب الآخرة والأولى. أما بعد فيا معشر إياد، أين ثمود وعاد، وأين الآباء والأجداد، وأين العليل والعواد، كل له معاد. يقسم قس برب العباد، وساطع المهاد، لتحشرن على الانفراد، في يوم التناد، وإذا نفخ في الصور، ونقر في الناقور، ووعظ الواعظ، فانتبذ القانط وأبصر اللاحظ فويل لمن صدف عن الحق الأشهر والنور الأزهر والعرض الأكبر، في يوم الفصل، وميزان العدل، إذا حكم القدير، وشهد النذير، وبعد النصير، وظهر التقصير، فريق في الجنة وفريق في السعير»(24)، هذه موعظة بليغة لمن أراد أن يتعظ من أرباب الغفلة الذين طمست أبصارهم بهموم الدنيا ومتاعها.
وما أعظم وأروع وأجود ما جادت به قريحة ابن عطاء الله حيث قال:
« كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الذي أظهر كل شيء؟.
كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الذي ظهر بكل شيء؟.
كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الذي ظهر في كل شيء؟.
كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الذي ظهر لكل شيء؟.
كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الظاهر قبل وجود كل شيء؟.
كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو أظهر من كل شيء؟.
كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الأحد الذي ليس معه شيء؟.
كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو أقرب إليك من كل شيء؟.
كيف يتصور أن يحجبه شيء، ولولاه ما كان وجود أي شيء؟ »(25).
وقال أيضا: « إلهي كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر اليك؟.
أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟
متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟»(26).
وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني في الفتح الرباني:« سلوا الله ولا تسألوا غيره، استعينوا بالله ولا تستعينوا بغيره، ويحك بأي وجه تلقاه غدا، وأنت تنازعه في الدنيا، معرض عنه، مقبل على خلقه، مشرك به تنزل حوائجك بهم. وتتكل بالمهمات عليهم. ارفعوا الوسائط بينكم وبين الله فإن وقوفكم معها هوس، لا ملك ولا سلطان، ولا غنى، ولا عز إلا للحق عز وجل. كن مع الحق، بلا خلق »(27)، ومن كان مع الله كان الله معه، يجعل له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الذي ترجع إليه الأمور كلها.
من تمتع بهذه الصفات الربانية وتوكل على الله وانتظر الفرج منه وحسن الظن به فقد أوتي خيرا كثيرا، وعظمت ثمرات إيمانه، وبلغ غاية الإيمان التي يريدها الله سبحانه وتعالى لعباده المخلصين، ويجد الرعاية والولاية والتأييد والنصر من الله العلي العظيم.
فالإيمان بالله سكينة النفوس القلقة؛ فلا ضعف ولا خور، ولا جزع ولا هلع، وهداية القلوب الضالة؛ فلا وسواس ولا خناس، ومناط الرضى والاستقرار، وينبوع القوة الإيجابية التي تخلق في النفس البشرية العزة الإنسانية والكرامة الآدمية؛ فلا ذل ولا هوان ولا خضوع، وتجعل الفكر صحيحا نيرا، والعقل مستقيما، والنظر مصيبا، فلا زيغ ولا انحراف ولا هروب عن الجادة(28)، وبهذا الإيمان تسعد النفس وتتزكى وتتطهر ويذهب عنها الهم والغم والقلق، ويطيب لديها طعم الحياة، أما عبادة الأصنام فخرافة، والكفر بالله لعنة، والإلحاد كذبة، فاتقوا الله يا أولي الألباب(29).
ابتعدنا عن الإسلام فابتلينا بأزمات أخلاقية، أزمات اقتصادية، أزمات علمية، أزمات صحية، وغير ذلك من الأزمات التي صرنا نتخبط فيها.
كرم الله سبحانه وتعالى ابن آدم، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا، أودع فيه كل الطاقات والمؤهلات، وخصه بشريعة كاملة ووافية، يعيش على ضوءها في سلم وانسجام، وراحة واطمئنان، يعيش ليبلغ الغاية التي وجد من أجلها، فتعده لعالم الأبد والخلود، عالم الملك الدائم والنعيم القائم إن هو امتثل وأطاع، ولعذاب الجحيم إن تمرد وعاند(30)، اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين ولا تخزنا يوم الدين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
هناك من انتهى به تفكيره إلى أن الوجود لا معنى له، وان الإنسان قد وجد هكذا صدفة وعبثا، فيعيش هذا الملحد بلا إيمان، يعيش حياة كلها اهتزاز واضطراب، وغربة وحيـرة، وفراغ وضيـاع، ولا يجد أمامه كعـلاج لأزماتـه إلا سموما تخدر أو انتحارا يدمر(31).
وإذا كان الإنسان مؤمنا بالله وحده، لا يشرك به أحدا، متوكلا عليه موقنا بأنه هو النافع والضار والمعطي والمانع، وهو معه أينما كان، أدرك المعنى التي من أجلها وجد، وفهم الرسالة التي بها كلف، ومن ثم فهو لا يضعف ولا يستكين ولا يخاف، إذ يشعر من أعماق قلبه أن الله معه، ومن كان الله معه كان أقوى من كل قوي، وأعظم من كل عظيم، وأكبر من كل كبير، لا يقبل الذل ولا يرضى بالهوان، لأنه بالله عزيز ومن اعتز بالله فقد استعلى على كل عال فخور، وتضاءل أمام عينيه كل ظالم جبار، فلا يقف مواقف الذل والعار، وهانت أمامه كل الصعاب، وعاش مرتاح الضمير، هادئ البال، عزيز النفس، حر التفكير، جرئ الرأي، ينتصر للحق وأهله، ويستكبر على الشهوات(32).
يعبد الله سبحانه وتعالى كل حين، فلا تقتصر عبادته على وقت من الأوقات، وإن كانت بعض الأوقات مخصوصة كأوقات الصلاة والصوم والحج والزكاة، إنه موجود في كل زمان وبكل مكان، لا يرتبط وجوده بحال من الأحوال، ولا يحده زمان، فهو معنا حيثما كنا وأينما كنا ، لذا يجب علينا أن نذكره قياما وقعودا وعلى جنوبنا، وإن أصبنا في العبادة فيما مضى من الوقت فلنجتهد في الوقت الذي يلي، وإن أخطأنا فلنكفر عن خطايانا، ولنرجع إلى الله سبحانه وتعالى، لا نتقرب إليه في الضراء فقط وننساه في السراء.
قال أحد الشعراء:
كـــم نطلب الله في ضر يحـل بنا فإن تـولت بلايانا نسينــــــــــــاه
ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه
ونركب الجـو في أمن وفي دعة ومـا سقطنا لأن الحافـظ الله(33).
والمؤمن يعبد الله سبحانه وتعالى رغبة أو رهبة أو شكرا له، قال زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنه: « إن قوما عبدوا الله رهبة من العذاب، فتلك عبادة العبيد.. وقوما عبدوه رغبة في غرض، فتلك عبادة التجار.. وقوما عبدوه امتثالا وشكرا فتلك عبادة الأحرار!!»(34)، فلنكن من الأحرار الذين يعبدون الله سبحانه وتعالى امتثالا وشكرا، امتثالا لأوامره وشكرا على نعمه التي أنعم بها علينا، إنه أحق بالعبادة من غيره، فلا يعبد إلا هو جل وعلا.
عبد السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم الله سبحانه وتعالى بإيمان راسخ، وبتوحيد خالص، وبإقناع لا ريب فيه، قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: « كان الجيل الأول الذي اعتنق الإسلام يؤمن بالله الواحد إيمانا راسخا، ويحبه حبا عميقا..
كان يفقه وحدانيته عن اقتناع لا ريب فيه.
وكان يقتفى مظاهر هذه الوحدانية في أرجاء الأرض والسماء وما بينهما، فيبهره الجمال الإلهي المسكوب على كل شيء.
ثم كان يطبق منطق هذا التوحيد الأعلى على علائقه بأصناف الناس، فلا يرغب ولا يرهب، ولا ينكص ولا يجرؤ إلا بوحي من إيمانه الخالص...
والأمة التـي تنبعث عن عقائد متغلغلة الجذور في كيانها لا تعرف وهنا ولا هوانا.
وكذلك عاش أسلافنا وساروا، وشادوا حضارتهم، وأعلوا البناء.
كان إيمانهم بالله يندفع مع الدماء في عروقهم ويختلط مع الهواء في زفيرهم وشهيقهم.
وكان تصديقهم بالقدر وقودا يجعل لزحوفهم قوة الاعصار، فما تردهم عقبة، ولا تثنيهم خسائر، ولا يذهلهم عن غاياتهم ترح أو فرح.
وكان انتظارهم لليوم الآخر كانتظار الموظف يوم ترقيته إلى الدرجة التي يشتهيها، أو المكان الذي يحب...!! »(35)، فأين نحن عباد العاجلة من هؤلاء القوم الذي أحبوا الله، فأحبهم الله وسدد خطاهم واجتباهم!؟.
هؤلاء القوم، هذا الجيل، جيل السلف الصالح الذي كان يتغذى من الرحيق المحمدي، كان معلمه ومرشده الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، تعلم هذا الجيل- جيل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين- كيف يعبد الله وحده لا يشرك به أحدا، يعبده على بصيرة ويكفر بما سواه، يكفر بكل العبادات الباطلة التي أبطلها الإسلام والتي هي:
1- عبادة الأسلاف: وقد ادعى العالم ( تايلور): « أن عبادة الأجداد نشأت من الاعتقاد بالأرواح، فالآباء والأجداد في القبائل البدائية كانوا رؤساء الأسر وبيدهم مقاليد الأمور لأنهم اخبر بشؤون الحياة، فإذا ماتوا فإن أرواحهم ترفرف في سماء الأسرة لتقيها شر النوائب »، « ورد أذى الأعداء... فتمجيد الأبطال والخوف منهم هو الذي حمل البشر على عبادة الأسلاف »(36).
2- عبادة الطبيعـة: كانت الطبيعة بأسـرارها وجمالهـا وعجائبها أول من أدهش الإنسان ودفعه إلى البحث عن إله يعبد، فغرست في نفسه فكرة التدين فعبدها، يقول العالم ماكس موللر في هذا المجال: « إن مظاهر الطبيعة كانت أول ما استرعى انتباه الإنسان الأول وأدهشته عندما نظر إلى الكون، ولشدة نفوذها وتأثيرها في نفسه نبهت فيه فكرة الدين فعبد الطبيعة »(37).
3- عبادة الأصنام والأوثان: والصنم هو التمثال المصنوع من الخشب أو الحجر أو المعدن، وله شكل مخلوق حي كانسان أو حيوان أو طائر أو مزيج من ذلك كله، أما الوثن فلا صورة له كالحجارة والنصب وما إلى ذلك(38).
4- عبادة الشخصية الإنسانية: لقد أله الإنسان من يعتقد أنه يتمتع بمميزات خاصة ينفرد بها عن غيره من البشر(39).
5- عبادة الهوى: وهي انقياد الإنسان لهوى نفسه، فلا يهوى شيئا إلا اتبعه، ومن أبرز هذه الأهواء التي ألهها الإنسان وصير نفسه عبدا لها: المال والجاه والحب.
فالمال ذلك المعبود الطاغي الذي سيطر على عقول كثير من الناس وجعل حياتهم مسخرة لجمعه وطلب الرفاهية عن طريقه والاقتتال في سبيل جمعه، فألهى الناس عن ربهم، وصرفهم عن القيام بواجب الشكر له والتزام حدود أوامره(40).
اندثرت عبادة الأسلاف والأصنام والأوثان، لكن حلت محلها النصب التذكارية هنا وهناك لمشاهير الأبطال والعلماء، تقدس ويخشع الواقف أمامها، فما الفرق إذن بين هذه وتلك!؟.
أما عبادة الشخصية الإنسانية، وعبادة الهـوى، وعبادة المال لازالت سائدة، فكل من ترى فيه الفائدة والمصلحة الخاصة هو جدير بالاحترام والتقدير ولو على حساب أوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه، فالعبادة اليوم تبعا للهوى، صار الإنسان عبدا للجاه والحب والمال، هذا المال الذي حذر الله سبحانه وتعالى منه فقال عز وجل: ﴿ يَأَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلْهِكُمُ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَّفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾(المنافقون/9)، فمن تلهى عن طاعة الله سبحانه وتعالى بأمواله وأولاده مآله الخسران المبين وسوء المصير.
ــــــــــــ
(1)– ينظر روح الدين الإسلامي، ص91.
(2)- تفسير ابن كثير، الجزء السابع ص126.
(3)– ينظر روح الدين الإسلامي، ص91.
(4)– ينظر سفينة الإيمان، ص141.
(5)- ينظر هذا هو الإسلام، ص81.
(6)- ينظر الإسلام والعلمانية وجها لوجه، ص106.
(7)- ينظر شرح وتحليل لأصول العشرين، ص51.
(8)- مختصر صحيح البخاري، ص161.
(9)– ينظر في سبيل العقيدة الإسلامية، ص28.
(10)- العقائد، ص12.
(11)– ينظر منهاج المسلم، ص51.
(12)- مختصر صحيح مسلم، ص393.
(13)- معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، الجزء الأول ص61.
(14)– ركائز الحضارة في الإسلام، ص28.
(15)– روح الدين الإسلامي، ص85.
(16)– روح الدين الإسلامي، ص85.
(17)– روح الدين الإسلامي، ص86.
(18)- ينظر روح الدين الإسلامي، ص84.
(19)- روح الدين الإسلامي، ص69.
(20)- معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، الجزء الأول ص59.
(21)– معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، الجزء الأول ص59
(22)- مواكب الأدب العربي عبر العصور، ص59.
(23)- معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد،الجزء الأول ص59.
(24)– معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، الجزء الأول ص59.
(25)– أسلاميات، ص943.
(26)– سفينة الإيمان، ص44.
(27)- منهاج الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، ص26.
(28)- ينظر سفينة الإيمان، ص84.
(29)- ينظر لا تحزن، ص29.
(30)- ينظر فلسفة الأخلاق في الإسلام، ص210.
(31)- ينظر فلسفة الأخلاق في الإسلام، ص210.
(32)– ينظر في موكب الإيمان، ص245.
(33)- لا تحزن، ص332.
(34)– أسلاميات، ص961.
(35)– الإسلام والطاقات المعطلة، ص85.
(36)– روح الدين الإسلامي، ص102.
(37)– روح الدين الإسلامي، ص103.
(38)- ينظر روح الدين الإسلامي، ص100.
(39)– ينظر روح الدين الإسلامي، ص99.
(40)- ينظر روح الدين الإسلامي، ص101.
لمصادر والمراجع
- القرآن الكريم.
- عفيف عبد الفتاح طبارة، روح الدين الإسلامي، دار العلم للملايين بيروت - لبنان، الطبعة السادسة عشرة تشرين الثاني1977.
الإمام الجليل الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي، تفسير ابن كثير الجزء السابع، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة السادسة1404هـ - 1984م.
- محمد الصالح الصديق، سفينة الإيمان، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر.
- يوسف عبد الوهاب، هذا هو الإسلام، دار الشهاب باتنة الجزائر بالتعاون مع مكتبة التراث الإسلامي القاهرة.
- الدكتور يوسف القرضاوي، الإسلام والعلمانية وجها لوجه، مكتبة رحاب الجزائر، الطبعة الثانية1409هـ -1989م.
- الإمام الشهيد حسن البنا، شرح وتحليل الأصول العشرين، إعداد محمد عبد الحكيم خيال، مكتبة رحاب الجزائر.
- الإمام زين الدين أحمد بن عبد الطيف الزبيدي، مختصر صحيح البخاري المسمى التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، دار الإمام مالك الجزائر، الطبعة الأولى1428هـ -2007م.
-عبد اللطيف بن علي السلطاني، في سبيل العقيدة الإسلامية، دار البعث للطباعة والنشر قسنطينة الجزائر، الطبعة الولى 1402هـ - 1982م.
- أبوبكر جابر الجزائري، منهاج المسلم، دار الكتاب الحديث.
– الحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، مختصر صحيح مسلم دار الإمام مالك الجزائر، الطبعة الأولى1428هـ -2007م.
- الشيخ حافظ بن أحمد حكمي، معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد الجزء الأول، جماعة إحياء التراث.
- عبد الحميد مهدي، ركائز الحضارة مفهوم: العلم، الإيمان، العمل في الإسلام، دار الشهاب للطباعة والنشر باتنة – الجزائر.
- الدكتور عمر الدقاق، مواكب الأدب العربي عبر العصور، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، الطبعة الأولى1988.
- خالد محمد خالد، إسلاميات، دار الفكر بيروت1398هـ - 1978م.
- محمد بن جميل زينو. مدرس في دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة، منهاج الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، دار الشهاب باتنة، الطبعة السابعة.
- د. عائض القرني، لاتحزن، مكتبة العبيكان.
- محمد الصالح الصديق، في موكب الإيمان، دار البعث للطباعة والنشر قسنطينة الجزائر، الطبعة الأولى1405هـ - 1985م.
- محمد جواد مغنية، فلسفة الأخلاق في الإسلام، دار العلم للملايين بيروت، الطبعة الأولى آذار- مارس- 1977.
- محمد الغزالي، الإسلام والطاقات المعطلة، الزيتونة للإعلام والنشر باتنة الجزائر.
بوداود جلولي
.../...
وعبد سكان الجزيرة العربية قبل مجيء الإسلام كذلك مناة واللات والعزى وغير ذلك من الأصنام، وكان في كل دار صنم يعبد ويتخذ شفيعا من دون الله سبحانه وتعالى، يتمسح به عند السفر وعند العودة من السفر(3)، ومن هؤلاء السكان من عبد الأجرام السماوية خاصة منها الشمس والقمر، ومنهم من عبد الأشباح والأرواح والماء والنار والبرق والرعد والنهر والزرع والشجر وغير ذلك(4).
جاء الإسلام بعقيدة التوحيد فأبطل مثل هذه العبادات، ودعا الناس إلى عبادة الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد، دعاهم إلى الطريق المستقيم، طريق الهدى، وبين لهم بالعقل والمنطق والحجة والإقناع حقيقة هذا الدين الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى لعباده(5)، ومن يبتغ غير الله ربا، وغير هذا الدين دينا فهو في ضلال مبين وخسران عظيم، ومثله كمثل إبليس الذي كسب شهرة الناس وخسر نفسه فكان له سوء العاقبة يوم القيامة.
يغرس الإسلام عقيدة التوحيد في نفس معتنقيه منذ نعومة الأظفار؛ فيتحرر الناس بذلك من العبودية لغير الله، يتحررون من عبودية الطبيعة وعبودية الحيوان وعبودية الجن وعبودية البشر وعبودية الحجر وعبودية الهوى، ويتربون على الإيمان بالله وعلى إفراده بالعبادة والاستعانة به وحده لا شريك له(6).
والعقيدة الإسلامية تتجاوب مع الفطرة الإنسانية، وتؤثر في الإنسان والمجتمع، فتبني بذلك حضارة تلبي كل حاجات الإنسان ومتطلبات سعادته المادية والروحية في الدنيا والآخرة(7)، وكل مولود يولد على فطرة العقيدة الصحيحة ويد البشر هي التي تفعل بها الأفاعيل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ أوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ »(8).
العقائد كثيرة ومتنوعة؛ منها عقيدة التوحيد التي هي العقيدة الإسلامية، وعقيدة التثليث التي طرأت على المسيحية فبدلت، هذه العقيدة التي غيرت عقيدة التوحيد التي جاء بها الرسول عيسى عليه السلام، وعقيدة الإشراك بالله التي تتعدد فيها الآلهة المعبودة، وعقيدة الإلحاد التي تنكر وجود الله مطلقا، وأصح هذه العقائد كلها؛ عقيدة التوحيد التي توحد الله سبحانه وتعالى الخالق لكل شيء، وهي الحق الذي لا ينجـو أحد إلا بها(9)، اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه.
والعقائد الإسلامية أربعة أقسام رئيسية وهي:
القسم الأول: الإلهيات: وتبحث فيما يتعلق بالإله سبحانه وتعالى من حيث صفاته وأسماؤه وأفعاله. ويلحق بها ما يستلزمه اعتقادها من العبد لمولاه.
القسم الثاني: النبوات: وتبحث في كل ما يتعلق بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم من حيث صفاتهم وعصمتهم ومهمتهم وإلى الحاجة إلى رسالتهم. ويلحق بهذا القسم ما يتعلق بالأولياء رضوان الله عليهم، والمعجزة والكرامة، والكتب السماوية.
القسم الثالث: الروحانيات: وتبحث فيما يتعلق بالعالم غير المادي: كالملائكة عليهم السلام، والجن، والروح.
القسم الرابع: السمعيات. وتبحث فيما يتعلق بالحياة البرزخية، والحياة الأخروية: كأحوال القبر، وعلامات القيامة، والبعث، والموقف، والحساب، والجزاء(10).
الإيمان بالله هو التصديق الجازم بوجوده سبحانه وتعالى، وأنه رب كل شيء ومالكه ولا رب سواه، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، يوصف بكل كمال وينزه عن كل نقصان، لا يعبد ولا يقصد بالسؤال إلا هو، ولا يستعان إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا خوف ولا رجاء إلا منه، ولا إنابة ولا محبة ولا تعظيم ولا صلاة ولا زكاة ولا صيام ولا حج ولا نذر إلا له، ولا جهاد إلا في سبيله(11)، ويبطل عمل المرائين المغرورين الذين يعملون العمل وينتظرون الشكر من العباد.
أثبت الله سبحانه وتعالى لنفسه أسماء حسنى، قال تعالى: ﴿ وَلِلهِ الَاسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾(الأعراف/180)، وقال عز وجل: ﴿ قُلُ ادْعُواْ اللَّهَ أَوُ ادْعُواْ الرَّحْمَٰنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الاَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ﴾(الإسراء/110)، وقال أيضا: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الاَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾(طه/8)، وقال عز من قائل: ﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الاَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالَارْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾(الحشر/24)، وأثبتها له عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم فقال: « لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَاِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ وَفِي رِوَايَةِ مَنْ اَحْصَاهَا »(12)، فـ « هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد، المحصي المبدئ المعيد، المحي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الأحد الفرد الصمد، القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعالي البر التواب المنتقم العفو الرءوف، مالك الملك ذو الجلال والإكرام، المقسط الجامع الغني المغني المعطي المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور»(13).
فالله هـو الأول ليس قبله شيء، وهو الآخر ليس بعده شيء، وهو الظاهـر ليس فوقه شيء، وهو الباطن ليس دونه شيء، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، ولا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، له الأسماء الحسنى والصفات العليا، قوله الحق، وحكمه العدل، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، وهو القاهر فوق عباده، وهو على كل شيء قدير، خلق الموت والحياة ليبلو الخلائق أيهم أحسن عملا، وهو الغفور الرحيم وعذابه هو العذاب الأليم، فلا رازق ولا مانع إلا هو، ولا ضار ولا نافع إلا هو(14)، خلق السموات والأرض وما بينهما، وخلق النجوم التي تبهر النظر وتزيد الإيمان بعظمة الخالق إيمانا، وخلق الأزهار والأشجار، وخلق الجداول والأنهار والبحار، وخلق التلال والجبال، وخلق الليل والنهار والشمس والقمر، وخلق البراري والصحاري، وخلق ما لم نعلم.
وعن الإيمان بالله يقول الدكتور رسل تشارلز ارتست: « انني اعتقد أن كل خلية من الخلايا الحية قد بلغت من التعقيد درجة يصعب علينا فهمها، وان ملايين الملايين من الخلايا الحية الموجودة على سطح الأرض تشهد بقدرة الله شهادة تقوم على الفكر والمنطق ولذلك فإنني أومن بوجود الله إيمانا راسخا »(15).
ويقول العلامة المؤرخ الطبيعي( فابر ): « كل عهد له أهواء جنونية.
فاني اعتبر الكفر بالله من الأهواء الجنونية وهو مرض العهد الحالي، وأيسر عندي أن ينزعوا جلدي من أن ينزعوا مني العقيدة بالله »(16)، هذا هو الإيمان الحقيقي الذي ينبع من عقيدة متينة راسخة لا تتزعزع مهما كان مزعزعها.
أما الفيلسوف الإنجليزي ( فرانسس بيكون ) فقد قال: « إن قليلا من الفلسفة يقرب الإنسان من الإلحاد. أما التعمق في الفلسفة فيرده إلى الدين »(17).
ونشر الدكتور( دينرت ) الألماني بحثا حلل فيه الآراء الفلسفية لأكابر العلماء الذين أناروا العقول في القرون الأخيرة، فتبين له من دراسة 290 منهم أن 28 منهم لم يصلوا إلى عقيدة ما، و242 أعلنوا الإيمان بالله، و20 فقط غير مبالين بالوجهة الدينية أو ملاحدة، وإذا اعتبر غير المبالين كلهم من الملاحدة فيكون %92 من كبار العلماء يعتقدون بوجود الله تعالى، هذه بعض الشواهد التي تفند ما ذهب إليه الملاحة أعداء الله وأتباعهم من أن العلم يتنافى والإيمان الذي يعتبر في نظرهم ضرب من الخيال(18)، ولينتبه تبع الغرب بل أذيال الغرب إلى هذه الحقائق التي جاءت من لدن غربيين بعد دراسة معمقة ومتأنية وبدون خلفية مسبقة.
فالإيمان يتقوى ويعظم كلما زاد المرء علما مستنيرا ومعرفة حقيقية، يقول الدكتور ماريت ستانلي كونجدن: « ان جميع ما في الكون يشهد على وجود الله سبحانه ويدل على قدرته وعظمته، وعندما نقوم نحن العلماء بتحليل ظواهر هذا الكون ودراستها حتى باستخدام الطريقة الاستدلالية فاننا لا نفعل أكثر من ملاحظة آثار أيادي الله وعظمته»(19).
روى ابن المعتز لأبي العتاهية فقال:
فيا عجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحـد
ولله في كــــــــــــل تحـريكــة وفي كل تسكينة شاهد
وفي كـــــــــل شيء له آيــة تدل على انه واحـد(20).
وأنشد أبو نواس قائلا:
تأمل في رياض الأرض وانظر إلى آثار ما صنـع المليك
عيــــــــون من لجين شاخصات بأحداق هي الذهب السبيك
على قضيب الزبرجد شاهـــدات بأن الله ليس له شــريك(21).
وقال لبيد بن ربيعة العامري:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل(22).
سئل أعرابي عن دليل وجود الله سبحانه وتعالى، فقال بكل بساطة : « يا سبحان الله، إن البعر ليدل على البعير، وإن أثر الأقدام ليدل على المسير فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟ »(23).
وخطب قس بن ساعدة الإيادي وكان على ملة إبراهيم عليه السلام فقال: « أيها الناس، اجتمعوا فاسمعوا، وإذا سمعتم فعوا، وإذا وعيتم فانتفعوا، وقولوا وإذا قلتم فاصدقوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، مطر ونبات، وأحياء وأموات، ليل داج، وسماء ذات أبراج ونجوم تزهر، وبحار تزجر، وضوء وظلام، وليل وأيام، وبر وآثام، إن في السماء خبرا، وإن في الأرض عبرا، يحار فيهن البصر، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تغور وبحار لا تفور، ومنايا دوان، ودهر خوان، كحد النسطاس ووزن القسطاس. أقسم قس قسما، لا كاذبا فيه ولا آثما. لئن كان في هذا الأمر رضى ليكونن سخط، ثم قال: أيها الناس، إن لله دينا هو أحب إليه من دينكم هذا الذي أنتم عليه. وهذا زمانه وأوانه. ثم قال: مالي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا.
وفي بعض ألفاظها قـال: شرق وغرب، ويتم وحزب، وسلم وحرب، ويابس ورطب، وأجاج وعذب، وشموس وأقمار، ورياح وأمطار، وليل ونهار، وإناث وذكور، وبرار وبحور، وحب ونبات، وآباء وأمهات، وجمع وأشتات، وآيات في إثرها آيات، ونور وظلام، ويسر وإعدام، ورب وأصنام. لقد ضل الأنام، نشو مولود، ووأد مفقود، وتربية محصود، وفقير وغني، ومحسن ومسي، تبا لأرباب الغفلة، ليصلحن العامل عمله، وليفقدن الآمل أمله كلا بل هو إله واحد ليس بمولود ولا والد، أعاد وأبدى، وأمات وأحيا وخلق الذكر والأنثى، رب الآخرة والأولى. أما بعد فيا معشر إياد، أين ثمود وعاد، وأين الآباء والأجداد، وأين العليل والعواد، كل له معاد. يقسم قس برب العباد، وساطع المهاد، لتحشرن على الانفراد، في يوم التناد، وإذا نفخ في الصور، ونقر في الناقور، ووعظ الواعظ، فانتبذ القانط وأبصر اللاحظ فويل لمن صدف عن الحق الأشهر والنور الأزهر والعرض الأكبر، في يوم الفصل، وميزان العدل، إذا حكم القدير، وشهد النذير، وبعد النصير، وظهر التقصير، فريق في الجنة وفريق في السعير»(24)، هذه موعظة بليغة لمن أراد أن يتعظ من أرباب الغفلة الذين طمست أبصارهم بهموم الدنيا ومتاعها.
وما أعظم وأروع وأجود ما جادت به قريحة ابن عطاء الله حيث قال:
« كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الذي أظهر كل شيء؟.
كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الذي ظهر بكل شيء؟.
كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الذي ظهر في كل شيء؟.
كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الذي ظهر لكل شيء؟.
كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الظاهر قبل وجود كل شيء؟.
كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو أظهر من كل شيء؟.
كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الأحد الذي ليس معه شيء؟.
كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو أقرب إليك من كل شيء؟.
كيف يتصور أن يحجبه شيء، ولولاه ما كان وجود أي شيء؟ »(25).
وقال أيضا: « إلهي كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر اليك؟.
أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟
متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟»(26).
وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني في الفتح الرباني:« سلوا الله ولا تسألوا غيره، استعينوا بالله ولا تستعينوا بغيره، ويحك بأي وجه تلقاه غدا، وأنت تنازعه في الدنيا، معرض عنه، مقبل على خلقه، مشرك به تنزل حوائجك بهم. وتتكل بالمهمات عليهم. ارفعوا الوسائط بينكم وبين الله فإن وقوفكم معها هوس، لا ملك ولا سلطان، ولا غنى، ولا عز إلا للحق عز وجل. كن مع الحق، بلا خلق »(27)، ومن كان مع الله كان الله معه، يجعل له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الذي ترجع إليه الأمور كلها.
من تمتع بهذه الصفات الربانية وتوكل على الله وانتظر الفرج منه وحسن الظن به فقد أوتي خيرا كثيرا، وعظمت ثمرات إيمانه، وبلغ غاية الإيمان التي يريدها الله سبحانه وتعالى لعباده المخلصين، ويجد الرعاية والولاية والتأييد والنصر من الله العلي العظيم.
فالإيمان بالله سكينة النفوس القلقة؛ فلا ضعف ولا خور، ولا جزع ولا هلع، وهداية القلوب الضالة؛ فلا وسواس ولا خناس، ومناط الرضى والاستقرار، وينبوع القوة الإيجابية التي تخلق في النفس البشرية العزة الإنسانية والكرامة الآدمية؛ فلا ذل ولا هوان ولا خضوع، وتجعل الفكر صحيحا نيرا، والعقل مستقيما، والنظر مصيبا، فلا زيغ ولا انحراف ولا هروب عن الجادة(28)، وبهذا الإيمان تسعد النفس وتتزكى وتتطهر ويذهب عنها الهم والغم والقلق، ويطيب لديها طعم الحياة، أما عبادة الأصنام فخرافة، والكفر بالله لعنة، والإلحاد كذبة، فاتقوا الله يا أولي الألباب(29).
ابتعدنا عن الإسلام فابتلينا بأزمات أخلاقية، أزمات اقتصادية، أزمات علمية، أزمات صحية، وغير ذلك من الأزمات التي صرنا نتخبط فيها.
كرم الله سبحانه وتعالى ابن آدم، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا، أودع فيه كل الطاقات والمؤهلات، وخصه بشريعة كاملة ووافية، يعيش على ضوءها في سلم وانسجام، وراحة واطمئنان، يعيش ليبلغ الغاية التي وجد من أجلها، فتعده لعالم الأبد والخلود، عالم الملك الدائم والنعيم القائم إن هو امتثل وأطاع، ولعذاب الجحيم إن تمرد وعاند(30)، اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين ولا تخزنا يوم الدين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
هناك من انتهى به تفكيره إلى أن الوجود لا معنى له، وان الإنسان قد وجد هكذا صدفة وعبثا، فيعيش هذا الملحد بلا إيمان، يعيش حياة كلها اهتزاز واضطراب، وغربة وحيـرة، وفراغ وضيـاع، ولا يجد أمامه كعـلاج لأزماتـه إلا سموما تخدر أو انتحارا يدمر(31).
وإذا كان الإنسان مؤمنا بالله وحده، لا يشرك به أحدا، متوكلا عليه موقنا بأنه هو النافع والضار والمعطي والمانع، وهو معه أينما كان، أدرك المعنى التي من أجلها وجد، وفهم الرسالة التي بها كلف، ومن ثم فهو لا يضعف ولا يستكين ولا يخاف، إذ يشعر من أعماق قلبه أن الله معه، ومن كان الله معه كان أقوى من كل قوي، وأعظم من كل عظيم، وأكبر من كل كبير، لا يقبل الذل ولا يرضى بالهوان، لأنه بالله عزيز ومن اعتز بالله فقد استعلى على كل عال فخور، وتضاءل أمام عينيه كل ظالم جبار، فلا يقف مواقف الذل والعار، وهانت أمامه كل الصعاب، وعاش مرتاح الضمير، هادئ البال، عزيز النفس، حر التفكير، جرئ الرأي، ينتصر للحق وأهله، ويستكبر على الشهوات(32).
يعبد الله سبحانه وتعالى كل حين، فلا تقتصر عبادته على وقت من الأوقات، وإن كانت بعض الأوقات مخصوصة كأوقات الصلاة والصوم والحج والزكاة، إنه موجود في كل زمان وبكل مكان، لا يرتبط وجوده بحال من الأحوال، ولا يحده زمان، فهو معنا حيثما كنا وأينما كنا ، لذا يجب علينا أن نذكره قياما وقعودا وعلى جنوبنا، وإن أصبنا في العبادة فيما مضى من الوقت فلنجتهد في الوقت الذي يلي، وإن أخطأنا فلنكفر عن خطايانا، ولنرجع إلى الله سبحانه وتعالى، لا نتقرب إليه في الضراء فقط وننساه في السراء.
قال أحد الشعراء:
كـــم نطلب الله في ضر يحـل بنا فإن تـولت بلايانا نسينــــــــــــاه
ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه
ونركب الجـو في أمن وفي دعة ومـا سقطنا لأن الحافـظ الله(33).
والمؤمن يعبد الله سبحانه وتعالى رغبة أو رهبة أو شكرا له، قال زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنه: « إن قوما عبدوا الله رهبة من العذاب، فتلك عبادة العبيد.. وقوما عبدوه رغبة في غرض، فتلك عبادة التجار.. وقوما عبدوه امتثالا وشكرا فتلك عبادة الأحرار!!»(34)، فلنكن من الأحرار الذين يعبدون الله سبحانه وتعالى امتثالا وشكرا، امتثالا لأوامره وشكرا على نعمه التي أنعم بها علينا، إنه أحق بالعبادة من غيره، فلا يعبد إلا هو جل وعلا.
عبد السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم الله سبحانه وتعالى بإيمان راسخ، وبتوحيد خالص، وبإقناع لا ريب فيه، قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: « كان الجيل الأول الذي اعتنق الإسلام يؤمن بالله الواحد إيمانا راسخا، ويحبه حبا عميقا..
كان يفقه وحدانيته عن اقتناع لا ريب فيه.
وكان يقتفى مظاهر هذه الوحدانية في أرجاء الأرض والسماء وما بينهما، فيبهره الجمال الإلهي المسكوب على كل شيء.
ثم كان يطبق منطق هذا التوحيد الأعلى على علائقه بأصناف الناس، فلا يرغب ولا يرهب، ولا ينكص ولا يجرؤ إلا بوحي من إيمانه الخالص...
والأمة التـي تنبعث عن عقائد متغلغلة الجذور في كيانها لا تعرف وهنا ولا هوانا.
وكذلك عاش أسلافنا وساروا، وشادوا حضارتهم، وأعلوا البناء.
كان إيمانهم بالله يندفع مع الدماء في عروقهم ويختلط مع الهواء في زفيرهم وشهيقهم.
وكان تصديقهم بالقدر وقودا يجعل لزحوفهم قوة الاعصار، فما تردهم عقبة، ولا تثنيهم خسائر، ولا يذهلهم عن غاياتهم ترح أو فرح.
وكان انتظارهم لليوم الآخر كانتظار الموظف يوم ترقيته إلى الدرجة التي يشتهيها، أو المكان الذي يحب...!! »(35)، فأين نحن عباد العاجلة من هؤلاء القوم الذي أحبوا الله، فأحبهم الله وسدد خطاهم واجتباهم!؟.
هؤلاء القوم، هذا الجيل، جيل السلف الصالح الذي كان يتغذى من الرحيق المحمدي، كان معلمه ومرشده الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، تعلم هذا الجيل- جيل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين- كيف يعبد الله وحده لا يشرك به أحدا، يعبده على بصيرة ويكفر بما سواه، يكفر بكل العبادات الباطلة التي أبطلها الإسلام والتي هي:
1- عبادة الأسلاف: وقد ادعى العالم ( تايلور): « أن عبادة الأجداد نشأت من الاعتقاد بالأرواح، فالآباء والأجداد في القبائل البدائية كانوا رؤساء الأسر وبيدهم مقاليد الأمور لأنهم اخبر بشؤون الحياة، فإذا ماتوا فإن أرواحهم ترفرف في سماء الأسرة لتقيها شر النوائب »، « ورد أذى الأعداء... فتمجيد الأبطال والخوف منهم هو الذي حمل البشر على عبادة الأسلاف »(36).
2- عبادة الطبيعـة: كانت الطبيعة بأسـرارها وجمالهـا وعجائبها أول من أدهش الإنسان ودفعه إلى البحث عن إله يعبد، فغرست في نفسه فكرة التدين فعبدها، يقول العالم ماكس موللر في هذا المجال: « إن مظاهر الطبيعة كانت أول ما استرعى انتباه الإنسان الأول وأدهشته عندما نظر إلى الكون، ولشدة نفوذها وتأثيرها في نفسه نبهت فيه فكرة الدين فعبد الطبيعة »(37).
3- عبادة الأصنام والأوثان: والصنم هو التمثال المصنوع من الخشب أو الحجر أو المعدن، وله شكل مخلوق حي كانسان أو حيوان أو طائر أو مزيج من ذلك كله، أما الوثن فلا صورة له كالحجارة والنصب وما إلى ذلك(38).
4- عبادة الشخصية الإنسانية: لقد أله الإنسان من يعتقد أنه يتمتع بمميزات خاصة ينفرد بها عن غيره من البشر(39).
5- عبادة الهوى: وهي انقياد الإنسان لهوى نفسه، فلا يهوى شيئا إلا اتبعه، ومن أبرز هذه الأهواء التي ألهها الإنسان وصير نفسه عبدا لها: المال والجاه والحب.
فالمال ذلك المعبود الطاغي الذي سيطر على عقول كثير من الناس وجعل حياتهم مسخرة لجمعه وطلب الرفاهية عن طريقه والاقتتال في سبيل جمعه، فألهى الناس عن ربهم، وصرفهم عن القيام بواجب الشكر له والتزام حدود أوامره(40).
اندثرت عبادة الأسلاف والأصنام والأوثان، لكن حلت محلها النصب التذكارية هنا وهناك لمشاهير الأبطال والعلماء، تقدس ويخشع الواقف أمامها، فما الفرق إذن بين هذه وتلك!؟.
أما عبادة الشخصية الإنسانية، وعبادة الهـوى، وعبادة المال لازالت سائدة، فكل من ترى فيه الفائدة والمصلحة الخاصة هو جدير بالاحترام والتقدير ولو على حساب أوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه، فالعبادة اليوم تبعا للهوى، صار الإنسان عبدا للجاه والحب والمال، هذا المال الذي حذر الله سبحانه وتعالى منه فقال عز وجل: ﴿ يَأَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلْهِكُمُ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَّفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾(المنافقون/9)، فمن تلهى عن طاعة الله سبحانه وتعالى بأمواله وأولاده مآله الخسران المبين وسوء المصير.
ــــــــــــ
(1)– ينظر روح الدين الإسلامي، ص91.
(2)- تفسير ابن كثير، الجزء السابع ص126.
(3)– ينظر روح الدين الإسلامي، ص91.
(4)– ينظر سفينة الإيمان، ص141.
(5)- ينظر هذا هو الإسلام، ص81.
(6)- ينظر الإسلام والعلمانية وجها لوجه، ص106.
(7)- ينظر شرح وتحليل لأصول العشرين، ص51.
(8)- مختصر صحيح البخاري، ص161.
(9)– ينظر في سبيل العقيدة الإسلامية، ص28.
(10)- العقائد، ص12.
(11)– ينظر منهاج المسلم، ص51.
(12)- مختصر صحيح مسلم، ص393.
(13)- معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، الجزء الأول ص61.
(14)– ركائز الحضارة في الإسلام، ص28.
(15)– روح الدين الإسلامي، ص85.
(16)– روح الدين الإسلامي، ص85.
(17)– روح الدين الإسلامي، ص86.
(18)- ينظر روح الدين الإسلامي، ص84.
(19)- روح الدين الإسلامي، ص69.
(20)- معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، الجزء الأول ص59.
(21)– معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، الجزء الأول ص59
(22)- مواكب الأدب العربي عبر العصور، ص59.
(23)- معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد،الجزء الأول ص59.
(24)– معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، الجزء الأول ص59.
(25)– أسلاميات، ص943.
(26)– سفينة الإيمان، ص44.
(27)- منهاج الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، ص26.
(28)- ينظر سفينة الإيمان، ص84.
(29)- ينظر لا تحزن، ص29.
(30)- ينظر فلسفة الأخلاق في الإسلام، ص210.
(31)- ينظر فلسفة الأخلاق في الإسلام، ص210.
(32)– ينظر في موكب الإيمان، ص245.
(33)- لا تحزن، ص332.
(34)– أسلاميات، ص961.
(35)– الإسلام والطاقات المعطلة، ص85.
(36)– روح الدين الإسلامي، ص102.
(37)– روح الدين الإسلامي، ص103.
(38)- ينظر روح الدين الإسلامي، ص100.
(39)– ينظر روح الدين الإسلامي، ص99.
(40)- ينظر روح الدين الإسلامي، ص101.
لمصادر والمراجع
- القرآن الكريم.
- عفيف عبد الفتاح طبارة، روح الدين الإسلامي، دار العلم للملايين بيروت - لبنان، الطبعة السادسة عشرة تشرين الثاني1977.
الإمام الجليل الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي، تفسير ابن كثير الجزء السابع، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة السادسة1404هـ - 1984م.
- محمد الصالح الصديق، سفينة الإيمان، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر.
- يوسف عبد الوهاب، هذا هو الإسلام، دار الشهاب باتنة الجزائر بالتعاون مع مكتبة التراث الإسلامي القاهرة.
- الدكتور يوسف القرضاوي، الإسلام والعلمانية وجها لوجه، مكتبة رحاب الجزائر، الطبعة الثانية1409هـ -1989م.
- الإمام الشهيد حسن البنا، شرح وتحليل الأصول العشرين، إعداد محمد عبد الحكيم خيال، مكتبة رحاب الجزائر.
- الإمام زين الدين أحمد بن عبد الطيف الزبيدي، مختصر صحيح البخاري المسمى التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، دار الإمام مالك الجزائر، الطبعة الأولى1428هـ -2007م.
-عبد اللطيف بن علي السلطاني، في سبيل العقيدة الإسلامية، دار البعث للطباعة والنشر قسنطينة الجزائر، الطبعة الولى 1402هـ - 1982م.
- أبوبكر جابر الجزائري، منهاج المسلم، دار الكتاب الحديث.
– الحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، مختصر صحيح مسلم دار الإمام مالك الجزائر، الطبعة الأولى1428هـ -2007م.
- الشيخ حافظ بن أحمد حكمي، معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد الجزء الأول، جماعة إحياء التراث.
- عبد الحميد مهدي، ركائز الحضارة مفهوم: العلم، الإيمان، العمل في الإسلام، دار الشهاب للطباعة والنشر باتنة – الجزائر.
- الدكتور عمر الدقاق، مواكب الأدب العربي عبر العصور، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، الطبعة الأولى1988.
- خالد محمد خالد، إسلاميات، دار الفكر بيروت1398هـ - 1978م.
- محمد بن جميل زينو. مدرس في دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة، منهاج الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، دار الشهاب باتنة، الطبعة السابعة.
- د. عائض القرني، لاتحزن، مكتبة العبيكان.
- محمد الصالح الصديق، في موكب الإيمان، دار البعث للطباعة والنشر قسنطينة الجزائر، الطبعة الأولى1405هـ - 1985م.
- محمد جواد مغنية، فلسفة الأخلاق في الإسلام، دار العلم للملايين بيروت، الطبعة الأولى آذار- مارس- 1977.
- محمد الغزالي، الإسلام والطاقات المعطلة، الزيتونة للإعلام والنشر باتنة الجزائر.
بوداود جلولي
.../...







