من ذاكرة مجاهدة
02-11-2009, 02:11 PM
من ذاكـــرة مجاهــــدة
بقلم بن اسماعين زليخة خربوش
كنت أثق بحديثهم عن الإنسانية... ما كنت أتصور أن ضمائرهم تسمح لهم بتعذيب حتى النساء و الأطفال بتلك الوحشية... ما كنت احسب أنهم اعدوا للنساء سجنا بتلك القسوة.
دخلت عالما كان مجهولا عندي، كنت عبئا أعيش مع ظلي وأهلي في الدار و لا اخشي غدي، لم اسمع حديثا عن قسوة سجن النساء من قبل: المرأة التي تدخل السجن عيب في عرفنا... والتي تركب سيارة الشرطة عيب اكبر من الانحراف...
منذ أن عرفت الإيمان الحقيقي علي يد جمعية العلماء المسلمين قررت الانضواء في عالم النضال... سرت في رحلة جبلية صعبة... وبمصير شريف... تحديت قوي الشر المتحالفة التي كانت تجري خلفي وصرخت في وجه التقاليد المغلوطة... وقاومت أنواع الفكر الرجعي، التي كانت تقف ضد خيرنا... و فضحت عصور التسلط علي المرأة وبذلت جهدي في تحطيم القضبان الفولاذية التي صاغتها قرون الانحطاط حول رأسي... من هنا كان سجن الاستعمار أهون علي...
جاء اليوم الذي كنت احسبه بعيدا... وجاءت ليلة القبض... في منتصف الليل، سمعت حركة و ضجة وزلزلة... حشرجة المحركات... تكسير الأبواب... اختبأت في الخزانة بين الثياب سمعت الضرب الذي كان ينزل على بنات عمتي... كان متبوعا بسؤال واحد: أين هي؟ ؟ كانت الدار خالية من الرجال- قتل بعضهم و هاجر البعض إلى المغرب الشقيق ... وسجن الباقي... بدا صراخ النساء يعلو... تلوت آية الكرسي... واعدتها و أنا ارتجف داخل الخزانة وامضغ الوثائق التي كانت في جيب منامتي... فتح العساكر الخزانة وجدوني قابعة... جرني احدهم من شعري... رماني علي الأرض في الفناء... تناثرت قطع الوثائق التي كنت أمزقها في جيبي... هجم علي احدهم صارخا: انظروا’ انظروا إنها الأميرة التي بحثنا عنها شهورا... ضربني ضربة علي رأسي أفقدتني وعيي...كبوا علي ماء باردا، فطنت ذهب عني الخوف استنسرت وبدأت اشتم: أهذا هو شرف فرنسا يا سراق؟ تستأسدون في منازل الناس وفي غياب الرجال؟ أيها الذئاب الخداعيين؟ واجهوا المجاهدين في الجبل إن كنتم رجالا...
جروني كالفريسة - مع فراشي وذهبي الذي سرقوه اثناء تفتيش البيت، كما قيدوا بنات عمتي الثلاثة المتلبسات مثلي بجريمة حب الوطن و الاستقلال.كدسونا في سيارة البوليس ولم نكن نعرفها من قبل زفونا إلى الحديد والنار والكرباج والكي بالكهرباء و أدخلونا في صهريج الماء البارد في عز الشتاء وبدؤوا يدخلون رؤوسنا حتى نشرف علي الاختناق ثم يخرجوننا واجهونا مع المقبوض عليهم قبلنا بعد أن مزقوا لحومهم وهشموا رؤوسهم، كما واجهونا مع بعضنا – واني لأنحني شكرا لله عندما أتذكر ذلك الإيمان الذي رسخه الله في قلوبنا... فلم يخفنا تعذيبهم ولا بطشهم بنا...كنا نتخاصم أمامهم باللغة الفرنسية، وننتهز فرصة غفلتهم ونتحدث باللغة العربية لنتفق علي كلمة واحدة .. و لم يأخذوا منا كلمة تروي عطشهم إلى الدماء.
قضينا شهر العسل المر علي تلك الحالة... و أخذونا إلي سجن تلمسان حيث تـحولت أسمـاؤنا إلى أرقام... و رمدوا شعرنا و أجسادنا كالسمك في الديتتي لأننا كنا بؤرة مكروب في نظرهم.
بعد سنة من السجن و أنواع العذاب والتنكيل قضيناها وأيامنا فارغة حان موعد يوم الشرع حملوني مع جمع كبير من المساجين في سيارة البوليس... ولما وصلنا إلى باب المحكمة وجدنا جمهورا غفيرا من المواطنين ينتظرنا إمام المحكمة والبوليس ينشهم ويدفعهم ويرشهم بالانابيب، وهم يرددون في تحد وشجاعة{ تحيي الجزائر}رفعت رؤوسنا و بدأنا نرد عليهم بأعلى صوت: تحيي الجزائر... والدموع تجري علي خدودنا ...
ولما دخلنا القاعة وجدناها تغص بالحاضرين والمتهمين...
نودي أو لهم: محمد بن علي... انك متهم بسرقة بقرتين ... أجاب المتهم: كلا سيدي الرئيس ما سرقت إلا البقرة الكبيرة والأخرى تبعت أمها... ضحك الجميع... وحكم عليه بسنة... ثم نادي رئيس المحكمة المجاهد عبد الجبار... فوقف... قال الرئيس: لقد اعترفت بأنك كنت تساعد المجاهدين وقبض عليك و أنت تحمل المئونة في الجبل... قال المجاهد: سيدي كل ما قلته غير صحيح... لأنهم احرقوني بالكهرباء وكما تعلم سيدي الكهرباء ينطق الراديو... فبلعها الحاكم وضرب الطاولة لإعادة الهدوء وحكم عليه بعشر سنوات...
كنت الثالثة في اللائحة بعد أن تحدث الغراق وذكر التهم الموجهة ضدي تحدث المحامي الأول والثاني وشقشقا كما أرادا للدفاع عني... بعدها حكم علي بخمس سنوات فأجبت رئيس برأس مرفوع: عندما انهي المدة واخرج من السجن أستأنف الجهاد... إذا كنتم لازلتم في بلادي...
وقعت بلبلة في القاعة وصفق المواطنون وشتمني الفرنسيون... أخذني البوليس وجري بي إلى السيارة الملعونة... وما أشبه بارح الجزائر بأيام فلسطين.
والقصة الكاملة التي مررت بها في السجون الثلاث { تلمسان وهران الحراش } يرويها لكم كتابي (مذكرات أسيرة) كتب 1978وطبع في 2006على نفقتي. بدار الأديب بوهران.
Zoulikha2
ربنا زدنا علما وعملا بما علمتنا
من مواضيعي
0 الهُوية؟
0 أين أمتنا من النحل الياباني!
0 عدت با نوفمبر وعودك محمود!
0 الكفرة الفجرة؟
0 دعه يسقط!
0 الشهيد
0 أين أمتنا من النحل الياباني!
0 عدت با نوفمبر وعودك محمود!
0 الكفرة الفجرة؟
0 دعه يسقط!
0 الشهيد










