إنكارُ الصَّحابة والسَّلف لِلْحِلق والترتيبات الطُّرقيَّة أو: ماذا لوْ ظهرتْ هذه الطرقُ في زمن ....
24-01-2013, 05:32 PM
إنكارُ الصَّحابة والسَّلف لِلْحِلق والترتيبات الطُّرقيَّة أو: ماذا لوْ ظهرتْ هذه الطرقُ في زمن الصَّحابة ؟!
مبحث مستل من الكِتاب الفذّ :
مَواقِفُ المُصْلِحِينَ الجَزَائِريِّينَ مِنْ رُسُومِ المتُصَوّفِينَ وَأَوْضَاعِ الطُّرقيِّينَ
بسم الله الرحمن الرحيم
مَواقِفُ المُصْلِحِينَ الجَزَائِريِّينَ مِنْ رُسُومِ المتُصَوّفِينَ وَأَوْضَاعِ الطُّرقيِّينَ
بسم الله الرحمن الرحيم
يقول العلاَّمة الدكتور تقي الدين الهلالي –رحمه الله- : " إن العبادة في الإسلام محدودة الجوهر والصفات ، أما أعيانها وهي التي أقصد بالجوهر فمنصوص عليها في الكتاب والسنة كالصلاة والزكاة والصيام والحج ، العمرة ، والجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعاء وسائر أنواع ذكر الله والآداب الاجتماعية ... فلا يجوز أن يعبد الله بما لم يشرعه كالرقص والغناء وضرب الدفوف والنفخ في الأبواق والمزامير واعتزال الناس وترك الكلام ... ولا يجوز أن تحدد العبادات المشروعة وتقيد بعدد أو وقت أو هيئة إلا من قبل الشرع أي من الكتاب والسنة وهذا ما قصدته بالصفات ، ومثال ذلك ... روى ابن وضاح في "كتاب رد البدع" (1) وذكره الشاطبي في "الاعتصام" (2) أن ناسًا كانوا يجتمعون في مسجد الكوفة حلقة وبين أيديهم الحصى فيقول أحدهم : كبروا مائة ، فيكبرون ، ثم يقول : سبحوا مائة فيسبحون ، ثم يقول : هللوا مائة ، فيهللون ، فسمع بهم عبد الله بن مسعود فوضع البرنس على رأسه وذهب حتى جلس معهم ، ورآهم كذلك فرفع البرنس عن رأسه ، وقال : أنا أبو عبد الرحمن ، والله لقد فقتم أصحاب محمد علمًا أو جئتم ببدعة ظلمًا ، فقال أحدهم : يا أبا عبد الرحمن ، ما فقنا أصحاب محمد علمًا ، ولا جئنا ببدعة ظلمًا ، لكننا قوم نذكر ربنا ، فقال عبد الله بن مسعود : بلى والذي نفس ابن مسعود بيده ، ثم طردهم من المسجد ، فانطلقوا وبنوا مسجدًا في ظاهر الكوفة وأخذوا يصنعون فيه مثل ذلك ، فأمر به فهدم ، فالأذكار التي كانوا يذكرونها مشروعة في أصلها ، ولكن الاجتماع لها والتحليق واتخاذ رجل يتقدم القوم ويأمرهم فيمتثلون أمره وتحديد عدد لم يحدده النص الشرعي ، وتحديد الوقت لذلك – صير العمل بدعة وظلمًا وضلالة ، ولو ترك الذكر على إطلاقة لم يكن بدعة ولا ضلالة ، ويؤيد ما رواه مسلم من حديث عائشة عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (3) " إ.هـ (4)
ويقول محقق كتاب "الزهد" للإمام وكيع : " المقدمة : الباب الثاني في الزهد والتصوف" ، بعد أن ساق روايات في إنكار ابن مسعود على أصحاب الحلق من "كتاب البدع" لابن وضاح ، و"الاعتصام" للشاطبي : " وهذا الإنكار الشديد منه ومن غيره لدليلٌ واضحٌ على منهج الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في أمور العبادات وحرصهم على الاكتفاء بما جاء في الكتاب والسنة ملتزمين بالدقة في اتباع الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم ، وكان هذا الإنكار الشديد على أخذ السبحات للذكر والتسبيح ، فما بالك في موقفهم من هذا التصوف الذي لُحمَتُهُ وسُدَاهُ من البدع والإحداث في الدين ، حيث صارت هذه الطرق المتصوفة مذاهب مستقلة لممارسة العبادات ، بدأ أهل التصوف يمارسون هذه الأعمال بضوابطهم الخاصة ، وبدأت فيهم سلسلة البيعة ، وفكرة اختيار شيخ الطريقة التي يعبرون عنها بتصور الشيخ ، وتنوعت فيهم وكثرت الأوراد والأذكار الخاصة والصلوات وأنواع العبادات المخصوصة بمقدار ومكان وزمان ، مما لا أصل له في الكتاب والسنة الصحيحة " إ.هــ (5)
ويقول الشَّيخ العربي التبسـي-رحمه الله- في "بدعة الطرائق في الإسلام" – بعد أن ذكر نقلاً من "الاعتصام" أثر ابن مسعود وغيره في منع أصحاب الحلق - : " ولعل زاعمًا يتوهم أن هذا التحديد والتوقيت لا يضر وقد قصد واضعوه الخير
فنقول : أخطأ الواهم في وهمه ، فإن السلف لما وقع بين أيديهم شيءٌ أقل من هذا ، ولا يشاركه في غير أن الرسول لم يفعله أنكروه وعَدُّوهُ ضَلاَلَةً ... "
وقال : " فتفهم-رحمك الله- رأي الصحابة فيمن خالف ما كان عليه نبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم كيف ضلَّلُوه وأنكروا ما أتى به ، ولم يَعْذُرُوهُ ولاَ تَأَوَّلُوا لَهُ وَجْهًا ، ولاَ نَقَّبُوا لَهُ عَن نِيَّةٍ ، بلْ مخالفَتُهُ كَفَتْهُمْ دلالة على إنكار ما أحدث .
وتأملوا – يا أولي الألباب ويا رجال العلم – فيما أحدثه أشياخ الطرائق ، فإنه يحدثنا بأن حكمًا وأسرارًا خفيت على رسول الله وعلى سلف الأمة في تحديد الأذكار للأمة أدركها هؤلاء المستدركون ، وأن فضائلَ وخواصَّ في أعدادٍ لم يُهْدَ لها نبيُّ الرحمة وهُدِيَ إليها هؤلاء الأقوام الذين تَجَارَتْ بهم أهواؤُهم إلى أبعد مدى " (6)
ويقول : " لو شاهد أئمة الدين هذه العهود التي اتخذها أشياخ الطرائق حبالة شيعيّة لتضليل الأمة ، وغلاَّ ثقيلاً يضعونه في أعناق أمة إسلامية جاهلة حتى رقوا منهم هذا المرقى الصعب ، لكان لهم على الطرقيين وأتباعهم وبدعهم وضلالاتهم – مواقف مشهودة وحملات شديدة تَدَعُ أشياخَ الطرائق وصنائعهم عبرةً للمعتبرين" إ.هـ (7)
أقولُ معلقًا [الشَّيخ سمير سمراد-حفظه الله-] :
بدا لي هنا شيءٌ ، وهو أن "النظام الطرقي" ، قد حكم عليه علماءُ الصحابة وبينوا موقفهم منه ! ، فما أشبه "الحِلَقَ الطرقية" ، بِحِلَقِ من وقف ابن مسعودٍ على رءوسهم ، وأنكر عليهم وطردهم ! ... وعليه نستطيعُ أن نقول :
مُعَدِّلِينَ في "عنوان هذا الفصل" : إنكارُ الصَّحابة والسَّلف لِلْحِلق والترتيبات الطُّرقيَّة على أنها قد ظهرت أو بوادرُها لاحتْ – على الأقل – في زمانهم ، فأنكرُوها ، ومَنَعُوهَا
ولعلَّ هذا يُغْنينا عن الفصل الآتي ، في كون السَّلف لم يعرفوا هذه الطرق ، ومثلَ هذه الحِلَق على ذلكم النظام ، فلم يكن لهم فيها وعليها حكمٌ بخصوصها ! [أي: لم ينقل عنهم حكمٌ في المنع منها] ، أو أنهم لم يكونوا بحاجةٍ إلى إحداثها في زمانهم ، فلما ظهرت الحاجةُ إليها فيمن بعدهم ساغ لهم إحداثها !! ، تلكم هي إحدى شبهات الطرقيين ، واحتجاجاتهم على السَّلفيين !!
درءُ شبهات الطُّرقيِّين أو أصلٌ عظيمٌ في ردّ بدع الغالين والمتزيّدين
يقول الشَّيخ العربي التبسـي-رحمه الله- في "بدعة الطرائق في الإسلام" : " وكأني بجاهل يطعن في هذا الكلام بأن حاصله أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وصحابته وأئمة الاجتهاد تركوا هذه العهود ولم تعرف في أيامهم ، وحاصلُ ذلك ترك منهم والترك لا يوجب حكمًا في المتروك ومن أحدثها رام منها فوائد دينية إلى غير ذلك مما يقوله دخلاء العلم " ، وتوضيحًا لهذه الشبهة ، بعبارة أخرى : [إن الترك المرويِّ عن السلف لا يدلُّ على حكم إذ لم ينقل عن أحد منهم أنه كرهه أو منعه " (8)]
وهذه حجةُ كلّ من يُحَسِّنُ البدع في الدين ، من الطرقيين وغيرهم !
يقول الشَّيخ التبسـي-رحمه الله- رادًّا عليهم : " ... إن طعن في هذا الكلام بهذا الطعن قلنا : إن ترك صاحب الملة وسلف الأمة لأمر من الأمور على وجهين :أ-الوجه الأوَّل: أنه لا يوجد سببه ، ولا ينزل بالأمة ما يدعو له ولا إلى التكلم فيه ، فهذا السكوت عنه لا يوجب حكما معينًا في المتروك ، ودليله قائم في عموميات الشريعة اللفظية أو المعنوية
ب-الوجه الثَّاني: أنه يوجد سببه ، وتتوفر علله ، ويترك العمل به منه صلَّى الله عليه وسلَّم أو من سلف الأمة ، فالترك في مثل هذا كالنص اللفظي المحتم على أنه لا عمل فيه ، وأن الترك : هو حكم الله ، مثلاً الذكر أو العهود أسبابها قائمة والداعي إليها موجودٌ ورسول الله ترك تحديد الأذكار والعهود ، الأَمْرُ الذي يَنْشُدُهُ أشياخ الطرائق عند حسن الظن بهم فيها موجودٌ ، والسلف تركوها وقد ظهر في أيامهم ممن لم يخالط بشاشة الإيمان قلبه ما ظهر من الردة في خلافة أبي بكر رضي الله عنه وغيرها ، فما أعطوا هذه العهود ولا سمع بها في أيامهم وذلك دليلٌ قاطع على أن العهود الطرقية لا يعرفونها وإنه لا زيادة في الأذكار والهداية الإسلامية على ما كان عليه سلف الأمة ، وإذا ذكرت –أيها القارىء- أن العبادات في أمنع مكان عن الأقيسة الواهية والاستحسانات فقل إلى أشياخ الطرائق : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:63] إ.هـ (9)
ويقول الإمام ابن باديس-رحمه الله- : " إن هذا الأصل وهو أن ما تركه النبي صلَّى الله عليه وسلَّم مع قيام المقتضى فالدين تكره والزيادة عليه بدعة مذمومة مخالفة لمقصد الشارع-هو حُجَّةُ المصلحين في رَدِّ بِدَع الغالين والـمُتَزَيِّدِين ... "
ويقول : " هذه حجة كل مبتدع ومحدث في الدين ما ليس منه ومتعبد بغير ما شرع الله لعباده بواسطة رسوله عليه الصَّلاة والسَّلام ، يفعل ما تركه النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بدعوى أن في فعله خيرًا وفضيلةً وزيادة مفيدةً ، ويعارض التشريع الإلهي بالترك النبوي مع قيام المقتضى برأيه وهواه ، واستدراكه ودعواه ، ومن مقتضى منعه مطلقًا أن ذلك الخير وتلك الفضيلة والزيادة المفيدة قد فات النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في السنين الطويلة التى عاشها تاركًا لها فلم يفعلها وهو المأمور بالتبليغ المعصوم من الكتمان ، حتى تفطن لها هذا المبتدع فجاء بها وفاز بتحصيلها وكانت من الفضائل التى رجح ميزانه بها وخلا منها ميزان محمد صلَّى الله عليه وسلَّم ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا﴾ [الكهف:5] " إ.هــ (10)
والخلاصةُ : أن حكم السلف على هذه الطرائق هو المنعُ منها بأحد وجهين ، أو بهما جميعًا : إما بتركهم لها مع وجود دواعيها وهو كالنص في المنع ، وإما بنصهم على إنكارها قوليًّا وقيامهم بالمنع منها عمليًّا ، كما في قصة ابن مسعود وغيره من السلف مع أصحاب أولئك الحِلَق .
الحواشي :
الحواشي :
(1) : انظر : "كتاب فيه ما جاء في البدع" لابن وضاح ، حققه:بدر البدر (رقم:9): (17،18، 19 ،20 ، 22) مختصرًا
(2) : انظر : "الاعتصام" للشاطبي ، حققه مشهور بن حسن (1/228) ، (2 /323 ،324)
(3) : رواه مسلمٌ (رقم:1718)
(4) : مقال : (الأخلاق الإسلامية والأخلاق الإنسانية) ، مجلة : "حضارة الإسلام" ، العدد (5) ، السنة (9) ، (ص:43-44)
(5) : عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي : مقدمة تحقيق كتاب "الزهد" لوكيع بن الجراح (1 /135-136)
(6) : "الشهاب" ، العدد (166) ، (ص:7-8) ، 20 ربيع الثاني 1347هــ/ 04 أكتوبر 1928م
(7) : "الشهاب" ، العدد (168) ، (ص:4) ، 05 جمادى الأولى 1347هــ/ 17 أكتوبر 1928م
(8) : فتوى للفقيه ابن لبّ ، انظر"المعيار" (1/155-156)
(9) : "الشهاب" ، العدد (168) ، (ص:4) ، 05 جمادى الأولى 1347هــ/ 17 أكتوبر 1928م
(10) : "آثار ابن باديس" (3 /297-298)
من مواضيعي
0 التغذية: نصائح وحيل حول الأكل الصحي اهمالها قد يسبب لنا مشاكل صحية لا نعرف اين سببها؟
0 فوضى سينوفاك الصينية.. لقاح واحد و3 نتائج متضاربة
0 "نوع آخر مثير للقلق".. سلالات كورونا المتحورة تنتشر في 50 بلدا
0 إجراء تغييرات إيجابية: نصائح وحيل للتغذية السليمة ولتقوية الاعصاب
0 هل لديك وزن زائد؟ نستطيع مساعدتك
0 يؤثر نظامك الغذائي على صحتك: كيفية الحفاظ على التغذية الجيدة
0 فوضى سينوفاك الصينية.. لقاح واحد و3 نتائج متضاربة
0 "نوع آخر مثير للقلق".. سلالات كورونا المتحورة تنتشر في 50 بلدا
0 إجراء تغييرات إيجابية: نصائح وحيل للتغذية السليمة ولتقوية الاعصاب
0 هل لديك وزن زائد؟ نستطيع مساعدتك
0 يؤثر نظامك الغذائي على صحتك: كيفية الحفاظ على التغذية الجيدة





