القائد إلى تصحيح العقائد والبدع والعوائد رسالة ود أخوية لكل مخالف
20-03-2013, 08:47 AM
القائد إلى تصحيح العقائد والبدع والعوائد
رسالة ود أخوية لكل مخالف
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
أفتتح مقالي بقول الحق جل وعلا:[ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94)].
يقول العلامة:"عبد الرحمن السعدي – رحمه الله تعالى – في بيان بعض معاني الآية:{... ثم قال تعالى مذكرًا لهم بحالهم الأولى، قبل هدايتهم إلى الإسلام: { كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } أي: فكما هداكم بعد ضلالكم فكذلك يهدي غيركم وكما أن الهداية حصلت لكم شيئًا فشيئًا، فكذلك غيركم، فنظر الكامل لحاله الأولى الناقصة، ومعاملته لمن كان -على مثلها بمقتضى ما يعرف من حاله الأولى، ودعاؤه له بالحكمة والموعظة الحسنة – من أكبر الأسباب لنفعه وانتفاعه، ولهذا أعاد الأمر بالتبين فقال:{ فَتَبَيَّنُوا} . تفسير السعدي:( 1/194).
قد تختلف طرائق الناصحين وأساليبهم في بيان الحق لمن أعرض عنه،فهم بين سالك لسبيل لشدة الناجمة عن الغيرة على جناب التوحيد وحمى السنة وسياج الأخلاق،- أن تنتهك حرمة أي منها -؛ومن كانت هذه سبيله دوما وأبدا دون مراعاة لحال المدعو وبيئته:قد يجانبه الصواب لغلوه وتنطعه في عرضه للحق، وإن كان قصده سليما ونيته صحيحة، مما يدفع كثيرا من المخالفين إلى رد الحق و إن كانت حججه ظاهرة، وبراهينه باهرة، وفي هذا الصنف من الناصحين يقول عليه الصلاة والسلام:"يا أيها الناس: إن منكم منفرين"، (متفق عليه).
وبالمقابل نجد صنفا آخر سلك الصراط المستقيم في عرض الحق القويم، دون إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا جفاء، يتلمس في طريق دعوته منهج نبيه عليه الصلاة والسلام الذي قال عنه جل وعلا:[فبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ]، وهو القائل عليه الصلاة والسلام مرشدا الدعاة والمرشدين:"بشروا ولا تنفروا،ويسروا ولا تعسروا".(أخرجه مسلم:5/141)،(أبو داود:2/293).
ولمنزلة الرفق السامية، ومكانته العالية، جعله النبي عليه الصلاة والسلام:من خير حظوظ الدنيا والآخرة، وأن الله تعالى يعطي عليه ما لا يعطي على غيره، ولا شك أن للدعوة إلى الله تعالى أوفر نصيب من ذلك، قال عليه الصلاة والسلام:" إنه من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا و الآخرة": (صحيح الترغيب والترهيب:2524)، وقال أيضا:" إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه"،(مسلم:4697)، وقال ثالثة:" إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه ":(مسلم: 4698).
ويخطئ بعض شباب الدعوة حين يعتقدون بأن أكثر الناس استقامة هم:أكثرهم تشددا في أمور الدين،ويغفلون عن قوله عليه
الصلاة والسلام:" إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين":(الصحيحة:1283)،و قوله:"هلك المتنطعون" قالها ثلاثا،رواه مسلم:(4823).
ذكرت ما سبق من بيان لحال الصنفين في دعوة المخالفين للحق
ليرجع المتشددون الغلاة عن منهجهم الخاطئ،وليرفقوا بمخالفيهم حتى لو كان خلافهم في العقائد،وقد قلت في مقال سابق ما يناسب هذا المقام ما يلي:"... إن الكثير ممن يحاورنا ويخالفنا بأدب هو: "من صنف العوام ضحايا أئمة السوء"،فالكثير ممن يجادل عن الباطل من العوام يعتقد في قرارة نفسه:"أنه يدافع عن الحق"،وسبب ذلك تزيين أئمة الضلالة الباطل لأتباعهم - أسوة بشيخهم - الذي قال الله تعالى عنه:[ تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] (64(.
فتأمل معي أخي الكريم ما قاله تعالى عن إنزاله الكتاب على رسوله الكريم بعد ذكره تزيين الباطل من قبل الشيطان الرجيم،قال:[ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ]،تأمل سر ربط الهدى والرحمة بالبيان،قال البغوي في تفسيره:{ أي: ما أنزلنا عليك الكتاب إلا بيانا وهدى ورحمة ، فالهدى والرحمة عطف على قوله "لتبين"}.
إذا إخواننا الأفاضل:علينا أن نحرص على ربط بياننا للناس وهدايتنا لهم، بالرحمة بهم،والإشفاق عليهم، لما هم فيه من جهل وعماية،وضلالة وغواية.
إخواني الكرام:إن هؤلاء الذين يخالفوننا حتى في بعض جوانب العقيدة، الأصل
فيهم:" أنهم مسلمون"، وما دام هذا الوصف قد ثبت لهم بيقين، فلا يخرجون عنه إلا بيقين، فكيف لا نرحمهم ولا نتلطف بهم!!؟، وقدوتنا محمد عليه الصلاة والسلام قد رحم، وتلطف بمن أذاه من المشركين، فعن عائشة أنها قالت لرسول الله عليه الصلاة والسلام: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ فقال : " لقد لقيت من قومك فكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ليل بن كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت - وأنا مهموم - على وجهي فلم أفق إلا في قرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال : إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم " . قال : " فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال : يا محمد إن الله قد سمع قول قومك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك إن شئت أطبق عليهم الأخشبين " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا " . متفق عليه.
وأنا أعلم بأن لصاحب الحق مقالا،وأن الله تعالى قال:[لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما]،لكن ينبغي التفريق هنا بين العامي الذي يعارضك عن جهل بالحق بسبب ما لبس به عليه،فهذا: يرفق به،ولعل هذا الصنف هو أكثر من يخالفنا من رواد المنتدى،فيفرق بينه وبين العارف الذي يجادل عن الباطل بعلم وإدراك لحجج الحق،فهذا يغلظ له القول بعد أن يرفق به ابتداء،ومثله من لا يجيد من النقاش إلا:"عبارات ساقطة،وألفاظ سافلة"،ينتقيها بعناية من قاموسه الأسود - فالرفق الرفق- في دعوتنا – إخواننا الأفاضل -.
أقرر ما ذكرته آنفا،لأدعو نفسي وكثيرا من إخواني المستقيمين الداعين إلى الله تعالى،ليستذكر كل منا حاله قبل أن يمن الله عليه بالهداية إلى نور التوحيد والسنة والاعتدال،وينقذه بذلك من ظلمات الشرك والبدعة والغلو،ولكل منا نصيبه من هذا أو ذاك حسب بيئته وظروف نشأته، ولنتأمل ثانية قول الشيخ"السعدي"
رحمه الله تعالى:{ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } أي: فكما هداكم بعد ضلالكم فكذلك يهدي غيركم وكما أن الهداية حصلت لكم شيئًا فشيئًا، فكذلك غيركم، فنظر الكامل لحاله الأولى الناقصة، ومعاملته لمن كان -على مثلها بمقتضى ما يعرف من حاله الأولى ، ودعاؤه له بالحكمة والموعظة الحسنة – من أكبر الأسباب لنفعه وانتفاعه، ولهذا أعاد الأمر بالتبين فقال:{ فَتَبَيَّنُوا}.
فالداعية الموفق:يدعو بعلم وحلم، وحكمة وصبر، وأناة وروية، لا يستعجل النتائج، ولا يضجر لرد فعل المخالفين، لأنه يتفهمهم،فقد كان هو بذاته يوما من الدهر على شاكلة مخالفيه اليوم0
فأذكر نفسي وإخواني الكرام بنعم الله علينا بالهداية والتوفيق للتوحيد والسنة والاعتدال، متحدثا بهذه النعم العظيمة والآلاء الجسيمة،لنرفق بمخالفينا اليوم حيث أننا كنا مثلهم من قبل فمن الله علينا،وأذكر كيف كان أهلي يذهبون بي وأنا صغير مميز إلى زيارة قبر الولي الصالح،لنتقرب إلى مقامه بمختلف أنواع القربات من الأطعمة والأشربة ،والذبائح والألبسة، والهبات والصدقات ،وتزيين الجدران والغرفات،ورفع الأعلام عليها والرايات،بل أذكر أننا كنا لا ندخل مقام الولي إلا مطأطئ الرؤوس لقصر بابه حتى نقترب من حال الركوع لضريحه،بل أذكر أسوأ من ذلك،وكل ذلك شرك،أننا كنا نطوف بضريحه حبوا،في تقديس لمقام الولي،لا يفعله حتى الحجاج مع الكعبة بيت الله الحرام!!؟ ،وصدق في وصفنا ومن شابهنا:قول حافظ بن أحمد الحكمي رحمه الله تعالى:
ومن على القبر سراجا أوقدا ... أو ابتنى على الضريح مسجدا
فإنه مجدد جهارا ... لسنن اليهود والنصارى
كم حذر المختار عن ذا ولعن ... فاعله كما روى أهل السنن
بل قد نهى عن ارتفاع القبر ... وأن يزاد فيه فوق الشبر
وكل قبر مشرف فقد أمر ... بأن يسوى هكذا صح الخبر
وحذر الأمة عن إطرائه ... فغرهم إبليس باسجرائه
خالفوه جهرة وأرتكبوا ... ما قد نهى عنه ولم يجتنبوا
فانظر إليهم قد غلوا وزادوا ... ورفعوا بناءها وشادوا
بالشيد والآجر والأحجار ... لا سيما في هذه الأعصار
وللقناديل عليها أوقدوا ... وكم لواء فوقها قد عقدوا
ونصبوا الأعلام والريات ... وافتتنوا بالأعظم الرفات
بل نحروا في سواحها النحائر ... فعل أولي التسييب والبحائر
والتمسوا الحاجات من موتاهم ... واتخذوا إلههم هواهم
قد صادهم إبليس في فخاخه ... بل بعضهم قد صار من أفراخه
يدعوا إلى عبادة الأوثان ... بالمال والنفس وباللسان
فليت شعري من أباح ذلك ... وأورط الأمة في المهالك
فيا شديد الطول والإنعام ... إليك نشكو محنة الإسلام
كلما تذكرت تلك المشاهد حمدت الله على نعمة التوحيد والسنة،
وحزنت في الوقت ذاته على من يزال يرتكس في حمأة الشرك والبدع،وحجة هؤلاء كانت هي حجتنا، لقناها من أئمة الشرك الأوائل:[إناوجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون]،أضف إلى ذلك تزيين أئمة الضلالة تلك الشركيات لعوام الناس،كما سبقت الإشارة إليه.
فاللهم اغفر لنا ما سلف منا،فإنك تعلم أن ذلك صدر منا عن جهل بمقامك العظيم،وذلك بسبب تلبيس وتدليس أئمة الضلال المنتفعين من عائدات الزردات والوعدات المقامة على الأضرحة والمقامات الذين يعارضون الحق حفاظا على مكسب فان،ومجد هاو،ودنيا
رخيصة، وشهرة خسيسة.
وقد أعذر أسلافي ما فعلوه لجهلهم،وافتقادهم لمن يرشدهم إلى التوحيد الحق،خاصة مع تزيين أئمة الشرك لهم شركياتهم،لكن عجبي لا ينقضي إذا رأيت وقرأت لمن يوصف بالدكتور الأكاديمي
وفي زمن الفضائيات والإنترنيت!!؟،يجيز للناس بناء القباب وتشييد الأضرحة على القبور!!؟،ويجد من ينشر له آراءه،ومن يقرؤها،بل ومن يدافع عنها،كما حصل مع ردي على الدكتور"بن بريكة" في مقالي:"الأدلة الراجحة في تحريم بناء القباب والأضرحة"،ولما كان الأمر كذلك:عزمت على خط هذا المقال لعله يكون سببا بإذنه تعالى لاهتداء من لبس عليه إيمانه،ودلس عليه توحيده،وهو يحسب لنيته الصادقة:أنه يحسن صنعا!!؟.
وليعلم مخالفونا ممن هم واقعون في الشركيات:أن وصفنا لأفعالهم بالشرك:لا يستلزم حكمنا عليهم بالكفر وأنهم كفار،لأن القاعدة عندنا تقول:(ليس كل من وقع في الكفر،يقع الكفر عليه)،أي:ليس كل من فعل فعلا مكفرا،يكون بالضرورة كافرا،لأن هناك شروطا ينبغي أن تتوفر،وموانع ينبغي أن تنتفي،وأن يفهم المعارض الحجة التي يكفر مخالفها،عند ذلك،أي:عند بيان الحجة،ووضوح المحجة:يحكم على المعارض المعاند بما يقتضيه المقام،ونحن نعلم:"أن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة"، قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في رسالة"حكم تارك الصلاة"):ص:60):{... و يعجبني بهذه المناسبة ما نقله الحافظ في ( الفتح ) ( 12 / 300 ) عن الغزالي أنه قال : ( و الذي ينبغي الاحتراز منه : التكفير ما وجد إليه سبيلا فإن استباحة دماء المسلمين المقرين بالتوحيد خطأ ،و الخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد ).
ولأن جنة الله واسعة تسع كل المؤمنين،وحرصا منا على إيصال الحق والهدى الإيماني الذي ننعم به إلى كل مخالفينا ممن لا يزال يؤمن بتلك الشركيات،ويغرق في البدع والشبهات،فيمارسها معتقدا أنها الحق،بل ويدعو غيره إليها،فينشر الباطل بجهده وماله وفكره.
لهؤلاء جميعا:كتبت هذا المقال ليكون بإذنه تعالى فاتح باب نور التوحيد والسنة، ومغلق أبواب الشرك والبدعة، وقد قال الحق جل وعلا:[وأن هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ].
وأساس المقال وأسه:"درر استخلصتها، وجواهر استخرجتها من كتاب:"التنكيل" في جزئه:"القائد إلى تصحيح العقائد"، للشيخ العلامة اليمني:"يحي المعلمي" رحمه الله تعالى،وهذه الجواهر والدرر،ليس لي فيها إلا الجمع والتنسيق،وللقراء الأفاضل بعدها
التدقيق والتحقيق، ومن ثم التعقيب والتعليق، نسأل الله تعالى لنا ولهم السداد والتوفيق، فإلى الدرر والجواهر:
قال العلامة المعلمي رحمه الله تعالى :"... إن حكمة الحق في الخلق اقتضت أن تكون هناك بينات و شبهات،و أن لا تكون البينات قاهرة و لا الشبهات غالبة،فمن جرى مع فطرته من حب الحق و رباها و نماها و آثر مقتضاها،و تفقد مسالك الهوى إلى نفسه فاحترس منها،لم تزل تتجلى له البينات و تتضاءل عنده الشبهات حتى يتجلى له الحق يقيناً فيما يطلب فيه اليقين،و رجحاناً فيما يكفي فيه الرجحان،و بذلك يثبت له الهدى و يستحق الفوز،و الحمد و الكمال على ما يليق بالمخلوق،و من اتبع الهوى و آثر الحياة الدنيا،تبرقعت دونه البينات،و استهوته الشبهات ،فذهبت به إلى:(حيث ألقت رحلها أم قشعم!!!.... ).
فإذا نفذ هذا النور إلى قلبك،وطهر بعض درنه،فأتبعه بهذه الوقفات العشرة لتصقله وتعيد له نور الحق الذي أضعفته البدع والشبهات،فتأملها بعين الإنصاف متجردا من حظوظ النفس وأهوائها،وقبل سرد الوقفات العشر،هذه دعوة تأمل قصيرة تكشف ما يختلج في صدور كثير من أهل الأهواء من الحواجز النفسية التي تعيقهم عن التحرر من أغلال ربقة البدع: "...لا ريب أن الإنسان ينشأ على دين و اعتقاد و مذهب و آراء يتلقاها من مربيه و معلمه،و يتبع فيها أسلافه و أشياخه الذين تمتلئ مسامعه بإطرائهم،و تأكيد أن الحق ما هم عليه و بذم مخالفيهم و ثلبهم،و تأكيد أنهم على الضلالة،فيمتلئ قلبه بتعظيم أسلافه و بغض مخالفيهم،فيكون رأيه و هواه متعاضدين على اتباع أسلافه و مخالفة مخالفيهم،و يتأكد ذلك بأنه يرى أنه إن خالف ما نشأ عليه رماه أهله و أصحابه بالكفر و الضلال،و هجروه و آذوه و ضيقوا عليه عيشته،فمن كانت هذه حاله فليتأمل بعين البصيرة هذه الوقفات العشر:[لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا].
(1)-:فكر في شرف الحق و ضعة الباطل،و ذلك بأن تفكر في عظمة الله عز و جل و أنه رب العالمين،و أنه سبحانه يحب الحق و يكره الباطل،و أن من اتبع الحق استحق رضوان رب العالمين ، فكان سبحانه وليه في الدنيا و الآخرة،بأن يختار له كل ما يعلمه خيراً له و أفضل و أنفع و أكمل و أشرف و أرفع حتى يتوفاه راضياً مرضياً،فيرفعه إليه و يقربه لديه،و يحله في جواره مكرماً منعماً في النعيم المقيم،و الشرف الخالد،الذي لا تبلغ الأوهام عظمته،و أن من أخلد إلى الباطل استحق سخط رب العالمين و غضبه و عقابه،فإن آتاه شيئاً من نعيم الدنيا فإنما ذلك لهوانه عليه ليزيده بعداً عنه،و ليضاعف له عذاب الآخرة الأليم الخالد الذي لا تبلغ الأوهام شدته .
2)-):فكر في نسبة نعيم الدنيا إلى رضوان رب العالمين و نعيم الآخرة، و نسبة بؤس الدنيا إلى سخط رب العالمين و عذاب الآخرة، و تدبر قول الله عز و جل: [ وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ . وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ . وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ].الزخرف: 31 - 35 و يفهم من ذلك:أنه لولا أن يكون الناس أمة واحدة لابتلى الله المؤمنين بما لم تجر به العادة من شدة الفقر و الضر و الخوف و الحزن و غير ذلك،وحسبك أن الله عز وجل ابتلى أنبياءه و أصفياءه بأنواع البلاء.و في" الصحيحين" من حديث كعب بن مالك قال:قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم:"مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيؤها الرياح تصرعها مرة و تعدلها أخرى حتى يأتي أجله،و مثل المنافق كمثل الأرزة المجذية التي لا يصيبها شئ حتى يكون انجعافها مرة واحدة "،و في "الصحيحين" أيضاً نحوه من حديث أبي هريرة،و معنى الحديث و الله أعلم:أن هذا من شأن المؤمن و المنافق،فلا يلزم منه أن كل منافق تكون تلك حاله،لا يناله ضرر و لا مصيبة،إلا أن المقصود من الحديث:"تهذيب المسلمين،فيأنس المؤمن بالمتاعب و المصائب،و يتلقاها بالرضا و الصبر و الاحتساب،راجياً أن تكون له عند ربه عز وجل،و لا يتمنى خالصاً من قلبه النعم و لا يحسد أهلها،و لا يسكن إلى السلامة و النعم و لا يركن إليها،بل يتلقاها بخوف و حذر و خشية أن تكون إنما هيئت له لاختلال إيمانه ،فترغب نفسه إلى تصريفها في سبيل الله عز و جل،فلا يخلد إلى الراحة و لا يبخل،و لا يعجب بما أوتيه و لا يستكبر و لا يغتر،و لم يتعرض الحديث لحال الكافر،لأن الحجة عليه واضحة على كل حال،و أخرج الترمذي و غيره من حديث سعد بن أبي و قاص قال:سئل النبي صلى الله عليه و آله و سلم:أي الناس أشد بلاء ؟ قال:"الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل،يبتلى الرجل على حسب دينه،فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه،وإن كان في دينه رقة هون عليه …" الحديث قال الترمذي:"حسن صحيح"، و قد ابتلى الله تعالى أيوب بما هو مشهور،و ابتلى يعقوب بفقد و لديه و شدة أثر ذلك على قلبه،فكان كما قصه الله عز و جل في كتابه : [ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ] (يوسف: 84،)،و ابتلى محمداً عليه و عليهم الصلاة و السلام بما تراه في أوائل السيرة،فكلفه أن يدعو قومه إلى ترك ما نشئوا عليه تبعاً لآبائهم من الشرك و الضلال،و يصارحهم بذلك سراً و جهاراً،ليلاً و نهاراً،و يدور عليهم في نواديهم و مجتمعاتهم و قراهم،فاستمر على ذلك نحو ثلاث عشرة سنة و هم يؤذونه أشد الأذى مع أنه كان قد عاش قبل ذلك أربعين سنة أو فوقها و لا يعرف أن يؤذى،إذ كان من قبيلة شريفة محترمة موقرة في بيت محترم موقر،و نشأ على أخلاق كريمة احترمه لأجلها الناس ووقروه،ثم كان ذلك على غاية الحياء و الغيرة و عزة النفس،و من كانت هذه حاله يشتد عليه غاية الشدة أن يؤذى و يشق عليه غاية المشقة الإقدام على ما يعرضه لأن يؤذى و يتأكد ذلك في جنس ذاك الإيذاء،هذا يسخر منه،و هذا يسبه،و هذا يبصق في وجهه - بأبي هو و أمي -،و هذا يحاول أن يضع رجليه على عنقه إذا سجد لربه،و هذا يضع سلى الجزور على ظهره و هو ساجد،و هذا يأخذ بمجامع ثوبه و يخنقه،و هذا ينخس دابته حتى تلقيه،و هذا عمه يتبعه أنى ذهب يؤذيه و يحذر الناس منه و يقول:"إنه كذاب ،و إنه مجنون"،و هؤلاء يغرون به السفهاء فيرجمونه حتى تسيل رجلاه دماً،و هؤلاء يحصرونه و عشيرته مدة طويلة في شعب ليموتوا جوعاً،و هؤلاء يعذبون من اتبعه بأنواع العذاب،فمنهم من يضجعونه على الرمل في شدة الرمضاء و يمنعونه الماء،و منهم من ألقوه على النار حتى ما أطفأها إلا ودك ظهره،و منهم امرأة عذبوها لترجع عن دينها فلما يئسوا منها طعنها أحدهم بالحربة في فرجها فقتلها، كل ذلك لا لشئ، إلا أنه يدعوهم إلى أن يخرجهم من الظلمات إلى النور،و من الفساد إلى الصلاح و من سخط الله إلى رضوانه،و من عذابه الخالد إلى نعيمه الدائم،و لم يلتفتوا إلى ذلك مع وضوح الحجة،و إنما كان همهم أنه يدعوهم إلى خلاف هواهم.و من و جه آخر: ابتلى الله عز و جل نبيه صلى الله عليه و آله و سلم بأن قبض أبويه صغيراً ثم جده ثم عمه الذي كان يحامي عنه،ثم امرأته التي كانت تؤنسه،و تخفف عنه،ثم لم يزل البلاء يتعاهده صلى الله عليه و آله و سلم،و تفصيل هذا يطول،و هذا وهو سيد ولد آدم و أحبهم إلى الله عز و جل .
فتدبر هذا كله لتعلم حق العلم:أن ما نتنافس فيه و نتهالك عليه من نعيم الدنيا و جاهها،ليس هو بشيء في جانب رضوان الله عز وجل،و النعيم الدائم في جواره،و أن ما نفر منه من بؤس الدنيا و مكارهها،ليس بشيء في جانب سخط الله عز وجل غضبه و الخلود في عذاب جهنم.و في "الصحيح "من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم:" يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار ثم يقال له :" يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط ؟ هل مر بك نعيم قط ؟ فيقول:لا يا رب، و يؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له:يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط و هل مر بك شدة قط ؟ فيقول: لا و الله يا رب ما مر بي بؤس قط و لا رأيت شدة قط "
3)-):فكر في حالك بالنظر إلى أعمالك من الطاعة والمعصية ،فأما المؤمن فإنه يأتي الطاعة راغباً نشيطاً لا يريد إلا وجه الله عز و جل و الدار الآخرة،فإن عرضت له رغبة في الدنيا فإلى الله تعالى فيما يرجو معونته على السعي للآخرة،فإن كان و لا بد ففيما يغلب على ظنه أنه لا يثبطه عن السعي للآخرة،و هو على كل حال متوكل على الله راغب إليه سبحانه أن يختار له ما هو خير و أنفع،ثم يباشر الطاعة خاشعاً خاضعاً مستحضراً أن الله عز و جل يراه و يرى ما في نفسه،و يأتي بها على الوجه الذي شرعه الله عز و جل،و هو مع ذلك كما قال الله تعالى:[ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ] المؤمنون: - 60 فهو يخاف و يخشى أن لا تكون نيته خالصة،و ذلك أن النية الصالحة قد تكون من قوي الإيمان،و قد تكون من ضعيفه الذي إنما يطيع احتياطا،و قد لا تكون خالصة،بل يمازجها رغبة في ثواب الدنيا لأجل الدنيا،أو رغبة في الآثار الطبيعية: ككسر الشهوة حيث لا يشرع،وكتقوية النفس،كالذي يصوم ويقوم، ليكون من أهل الكشف فيطلع على العجائب و المغيبات،فيلتذ بذلك و يعظم جاهه بين الناس،و كذلك يتعبد ليحصل له الكشف فيصفو إيمانه و يستريح من الوسوسة و مدافعة الشبهات،فإن هذه الطريقة غير مشروعة،و من شأنها أن تجر إلى تعاطي الأسباب الطبيعية لتقوية النفس،و إن كانت منهياً عنها في الشرع،كما هو معروف في بدع المتصوفة،و من حصل له الكشف بهذه الطريق فهو مظنة أن يضعف إيمانه أو يزول،عقوبة له على سلوكه غير السبيل المشروع،حتى لو كشف له عن شيء مما يجب الإيمان به،فشاهده لم ينفعه هذا الإيمان كما يعلم مما تقدم.و إنما المشروع أن يجاهد نفسه و يصرفها عن الشبهات و الوساوس مستعيناً بطاعة الله تعالى،و الوقوف عند حدوده،مبتهلاً إليه عز و جل أن يثبت قلبه بما شاء سبحانه فهذا إنما يحمل على اتباع الشرع و الاهتداء به .
وكمنفعة البدن:كالذي يصوم ليصح،و يصلي التراويح لينهضم طعامه.و كموافقة الإلف و العادة كمن اعتاد الصلاة من صباه فيجد نفسه تنازعه إلى الصلاة فلا تستقر حتى يصلي،فإن هذا قد يكون كالذي أعتاد العبث بلحيته فيجد نفسه تنازعه إلى ذلك حتى لو كف عن ذلك أو منع منه شق عليه،و كحب الترويح عن النفس كالذي يأتي الجمعة ليتفرج و يلقى أصحابه و يقف على أخبارهم،و كمراعاة الناس لكي يمدحوه و يثنوا عليه فيعظم جاهه و يصل إلى أغراضه و لا يمقتوه،إلى غير ذلك من المقاصد، كالمرأة تتزين و تتعطر و تخرج إلى الصلاة لتشاهد الرجال و تلفتهم إليها.و كالعالم يريد أن يراه الناس و يعظموه و يستفتوه فيشتهر علمه و يعظم جاهه . و كالمنتسب إلى الصلاح يريد أن يعظمه الناس و يقبلوا يده و رجليه،و يشتهر ذكره و يتساقط الناس في شبكته و كالحاكم النابه يريد أن يتطاول الناس إلى رؤيته و يتزاحموا و ترتفع أصواتهم بمدحه و غير ذلك،والمؤمن و لو خلصت نيته في نفس الأمر لا يستطيع أن يستيقن ذلك من نفسه،و يخاف و يخشى أن لا يكون أتى بالطاعة على الوجه المشروع،و ذلك من أوجه :
منها :أن للصلاة مثلاً:شرائط و أركانا وواجبات قد اختلف في بعضها،و المجتهد إنما يراعي اجتهاده فيخشى أن يكون قصر في اجتهاده أو استزله الهوى،و العامي إنما يتبع قول مفتيه أو إمامه أو بعض فقهاء مذهبه،فيخشى أن يكون قصر أو تبع الهوى في اختياره قول ذاك المفتي أو في الجمود على مذهب إمامه في بعض ما اختلف فيه.
ومنها :أن روح الصلاة:الخشوع،و النفس تتنازعها الخواطر،فلا يثق المؤمن بأنه خشع كما يجب،فإن حاولت نفس المؤمن أن تقنعه بإخلاصها في نيتها و اجتهادها و خشوعها،خشى على نفسه أن يكون مغروراً مسامحاً لنفسه .
وهكذا تستمر خشية المؤمن بالنظر إلى طاعاته السالفة يرجو أن يكون قبلها الله تعالى بعفوه و كرمه،و يخشى أن تكون ردت لخلل فيها،و إن لم يشعر به،أو لخلل في أساسها و هو الإيمان .
هذه حال المؤمن في الطاعات،فما عسى أن تكون حاله في المعاصي؟و قد قال الله تبارك و تعالى:[ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ]. الأعراف :(201 –202).
فالمؤمن يتصارع إيمانه و هواه،فقد يطيف به الشيطان فيغفله عن قوة إيمانه،فيغلبه هواه فيصرعه،و هو حال مباشرة المعصية ينازع نفسه،فلا تصفو له لذتها،ثم لا يكاد جنبه يقع على الأرض ،حتى يتذكر فيستعيد قوة إيمانه فيثبت يعض أنامله أسفاً و حزناً على غفلته التي أعان بها عدوه على نفسه،عازماً على أن لا يعود لمثل تلك الغفلة.و أما إخوان الشياطين،فتمدهم الشياطين في الغي فيمتدون فيه و يمنونهم الأماني فيقنعون،فمن الأماني أن يقول: "الله قدره علي،فما شاء فعل،قد اختلف العلماء في حرمة هذا الفعل،قد اختلفوا في كونه كبيرة،و الصغائر أمرها هين،لي حسنات كثيرة تغمر هذا الذنب،لعل الله يغفر لي،لعل فلاناً يشفع لي،سوف أتوب! و أحسن حاله أن يقول:"أستغفر الله،استغفر الله"،و يرى أنه قد تاب و محي ذنبه قال الله تعالى:[ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً.يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً.أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً.وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً.لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً.وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ]:(النساء( - 119 – 124.
قال عز و جل: [فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقّ ]:(الأعراف :169،و في"الصحيحين": عن عبد الله بن مسعود قال:"إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، و إن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا - أي بيده - فذبه عنه" .
(4-):فكر في حالك مع الهوى،وافرض أنه بلغك أن رجلاً سب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم،و آخر سب داود عليه السلام،و ثالثاً سب عمر أو علياً رضي الله عنهما،و رابعاً سب إمامك،و خامساً سب إماماً آخر،أيكون سخطك عليهم و سعيك في عقوبتهم و تأديبهم أو التنديد بهم موافقاً لما يقتضيه الشرع!؟ فيكون غضبك على الأول و الثاني قريباً من السواء، و أشد مما بعدهما جداً، و غضبك على الثالث دون ذلك و أشد مما بعده، و غضبك على الرابع و الخامس قريباً من السواء، و دون ما قبلهما بكثير ؟".
افرض أنك قرأت آية فلاح لك منها موافقة قول لإمامك، و قرأت أخرى فلاح لك منها مخالفة قول آخر له، أيكون نظرك إليها سواء، لا تبالي أن يتبين منها بعد التدبر صحة ما لاح لك أو عدم صحته ؟.
افرض أنك و قفت على حديثين لا تعرف صحتهما و لا ضعفهما ،أحدهما يوافق قولاً لإمامك و الآخر يخالفه أيكون نظرك فيها سواء،لا تبالي أن يصح سند كل منهما أو يضعف ؟.
افرض أنك نظرت في مسألة قال إمامك قولاً و خالفه غيره، ألا يكون لك هوى في ترجيح أحد القولين، بل تريد أن تنظر لتعرف الراجح منها فتبين رجحانه ؟.
افرض أن رجلا تحبه و آخر تبغضه، تنازعا في قضية فاستفتيت فيها و لا تستحضر حكمها، و تريد أن تنظر، ألا يكون هواك في موافقة الذي تحبه ؟ .
افرض أنك تحب عالماً و آخر تكرهه،أفتى كل منهما في قضية،و اطلعت على فتويي صاحبيك فرأيتهما صواباً ثم بلغك أن عالماً آخر اعترض على واحدة من تلك الفتاوى،و شدد النكير عليها أتكون حالك واحدة سواء كانت هي فتواك أم فتوى صديقك أم فتوى مكروهك ؟.
افرض أنك تعلم من رجل منكراً و تعذر نفسك في عدم الإنكار عليه،ثم بلغك أن عالماً أنكر عليه و شدد النكير أيكون استحسانك لذلك سواء فيما إذا كان المنكر صديقك أم عدوك،و المنكر عليه صديقك أم عدوك ؟.
فتش نفسك تجدك مبتلى بمعصية أو نقص في الدين،و تجد من تبغضه مبتلى بمعصية أو نقص آخر ليس في الشرع بأشد مما أنت مبتلى به؟ فهل تجد استشناعك ما هو عليه مساوياً لاستشناعك ما أنت عليه،و تجد مقتك نفسك مساوياً لمقتك إياه ؟
وبالجملة:" فمسالك الهوى أكثر من أن تحصى،و قد جربت نفسي أنني ربما أنظر في القضية زاعماً أنه لا هوى لي،فيلوح لي فيها معنى فأقرره تقريراً يعجبني،ثم يلوح لي ما يخدش في ذاك المعنى،فأجدني أتبرم بذاك الخادش و تنازعني نفسي إلى تكلف الجواب عنه، و غض النظر عن مناقشة ذاك الجواب ، و إنما هذا لأني لما قررت ذاك المعنى أولاً تقريراً أعجبني، صرت أهوى صحته ، هذا مع أنه لا يعلم بذلك أحد من الناس ، فكيف إذا كنت قد أذعته في الناس ثم لاح لي الخدش ؟ فكيف لو لم يلح لي الخدش و لكن رجلاً آخر أعترض علي به ؟ فكيف إذا كان المعترض ممن أكرهه ؟.
هذا، و لم يكلف العالم بأن لا يكون له هوى ؟ فإن هذا خارج عن الوسع،و إنما الواجب على العالم أن يفتش في نفسه عن هواها حتى يعرفه،ثم يحترز منه،و يمعن النظر في الحق من حيث هو حق،فإن بان له أنه مخالف لهواه آثر الحق على هواه.و العالم قد يقصر في الاحتراس من هواه و يسامح نفسه فتميل إلى الباطل فينصره،و هو يتوهم أنه لم يخرج من الحق و لم يعاده،و هذا لا يكاد ينجو منه إلا المعصوم،و إنما يتفاوت العلماء،فمنهم من يكثر الاسترسال مع هواه،و يفحش حتى يقطع من لا يعرف طباع الناس و مقدار تأثير الهوى بأنه متعمد،و منهم من يقل ذلك منه و يخف،و من تتبع كتب المؤلفين الذين لم يسندوا اجتهادهم إلى الكتاب و السنة رأساً رأى فيها العجب العجاب،و لكنه لا يتبين له إلا في المواضع التي لا يكون له فيها هوى،أو يكون هواه مخالفاً لما في تلك الكتب،على أنه استرسل مع هواه زعم أن موافقيه براء من الهوى،و أن مخالفيه كلهم متبعون للهوى.و قد كان من السلف من يبلغ في الاحتراس من هواه حتى يقع في الخطأ الآخر،كالقاضي يختصم إليه أخو و عدوه،فيبالغ في الاحتراس حتى يظلم أخاه،و هذا كالذي يمشي في الطريق و يكون عن يمينه مزلة فيتقيها،و يتباعد عنها فيقع في مزلة عن يساره !
5)- ):استحضر أنك على فرض أن يكون فيما نشأت عليه باطل،لا يخلوا عن أن يكون قد سلف منك تقصير أو لا،فعلى الأول: "إن استمررت على ذلك كنت مستمراً على النقص و مصراً عليه و مزداداً منه،و ذلك هو نقص الأبد و هلاكه،و إن نظرت فتبين لك الحق فرجعت إليه حزت الكمال و ذهبت عنك معرة النقص السابق،فإن التوبة تجب ما قبلها،و التائب من الذنب كمن لا ذنب له،و قد قال الله تعالى:[ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّأبينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ].و في الحديث(( كلكم خطاءون و خير الخطائين التوابون ))،و أما الثاني:"و هو أن لا يكون قد سبق منك تقصير،فلا يلزمك بما تقدم منك نقص تعاب به البتة،بل المدار على حالك بعد أن تنبه فإن تدبرت و تنبهت وعرفت الحق فاتبعته فقد فز ت،و كذلك إن اشتبه عليك الأمر فاحتط،و إن أعرضت و نفرت،فذلك هو الهلاك .
6) - ):استحضر أن الذي يهمك وتسأل عنه هو حالك في نفسك ،فلا يضرك عند الله تعالى،و لا عند أهل العلم و الدين و العقل:أن يكون معلمك أو مربيك أو أسلافك أو أشياخك على نقص،والأنبياء عليهم الصلاة و السلام لم يسلموا من هذا،و أفضل هذه الأمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم،و رضى عنهم و كان آباؤهم و أسلافهم مشركين،هذا مع احتمال أن يكون أسلافك معذورين إذا لم ينبهوا و لم تقم عليهم الحجة،و على فرض أن أسلافك كانوا على خطأ يؤاخذون به،فاتباعك لهم و تعصبك لا ينفعهم شياً،بل يضرهم ضرراً شديداً،فإنه يلحقهم مثل إثمك و مثل إثم من يتبعك من أولادك و أتباعك إلى يوم القيامة،كما يلحقك مع إثمك مثل إثم من يتبعك إلى يوم القيامة، أفلا ترى أن رجوعك إلى الحق هو خير لأسلافك على كل حال ؟.
7) - ):تدبر ما يرجى لمؤثر الحق من رضوان رب العالمين،و حسن عنايته في الدنيا و الفوز العظيم الدائم في الآخرة،و ما يستحقه متبع الهوى من سخطه عز و جل،و المقت في الدنيا و العذاب الأليم الخالد في الآخرة،و هل يرضى عاقل لنفسه أن يشتري لذة اتباع هواه بفوات حسن عناية رب العالمين و حرمان رضوانه و القرب منه و الزلفى عنده و النعيم العظيم في جواره،و باستحقاق مقته و سخطه و غضبه و عذابه الأليم الخالد ؟ لا ينبغي أن يقع هذا حتى من أقل الناس عقلاً،سواء أكان مؤمناً موقناً بهذه النتيجة،أم ظاناً لها،أم شاكاً فيها،أم ظاناً لعدمها،فإن هذين يحتاطان،و كما أن ذلك الإشتراء متحقق ممن يعرف أنه متبع هواه،فكذلك من يسامح نفسه فلا يناقشها و لا يحتاط .
: (8) - خذ نفسك بخلاف هواها فيما يتبين لك،فلا تسامحها في ترك واجب أو ما يقرب منه،و لا في ارتكاب معصية أو ما يقرب منها،و لا في هجوم على مشتبه،و روضها على التثبت والخضوع للحق،و شدد عليها في ذلك حتى يصبر الخضوع للحق و مخالفة الهوى عادة لك.
9) - ):خذ نفسك بالاحتياط في ما يخالف ما نشأت عليه،فإذا كان فيما نشأت عليه أشياء ترى أنها لا بأس بها،أو أنها مستحبة،و علمت أن من أهل العلم من يقول إنها شرك أو بدعة أو حرام ،فلتأخذ نفسك بتركها حتى يتبين لك بالحجج الواضحة صحة ما نشأت عليه،و هكذا ينبغي لك أن تنصح غيرك ممن هو في مثل حالك،فإن و جدت نفسك تأبى ذلك،فاعلم أن الهوى مستحوذ عليها:"فجاهدها ."
واعلم أن ثبوت هذا القدر على المكلف،أعنى أن يثبت عنده أن ما يدعى إليه أحوط مما هو عليه كاف في قيام الحجة عند الله عز و جل،و بذلك قامت الحجة على أكثر الكفار،فمن ذلك المشركون من العرب،لم يكن في دينهم الذي كانوا عليه تصديق بالآخرة،و إنما يدعون آلهتهم و يعبدونها للأغراض الدنيوية،مع علمهم أن مالك الضر و النفع هو الله عز و جل وحده،و لذلك كانوا إذا وقعوا في شدة دعوا الله وحده،قال تعالى:[ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ] لقمان : 32.وقال تعالى:[وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ] الإسراء : 67.
وكانوا يرون من هو على خلاف دينهم لا يظهر تفاوت بينه و بينهم في أحوال الدنيا،و عرفوا فيمن أسلم مثل ذلك،ثم عرض عليهم الإسلام،و عرفوا على الأقل أنه يمكن أن يكون حقاً،و أنه كان حقاً و لم يتبعوه تعرضوا للمضار الدنيوية و للخسران الأبدي في الآخرة،فلزمهم في هذه الحال أن يسلموا،لأنه إن كان الأمر كما بدا لهم من صحة الإسلام فقد أخذوا منه بنصيب و إلا فتركهم لما كانوا عليه لا يضرهم كما لا يتضرر من خالفهم فلم يمنعهم من الإسلام إلا اتباع الهوى.قال تعالى:[ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ] فصلت : 26 .
وقال تعالى:[ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ] فصلت : 52 وقال تعالى:[قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ]الأحقاف: 10 . وتكذيبهم للحق و إعراضهم عنه بعد أن قامت الحجة عليهم بأن تصديقه و اتباعه أحوط لهم و أقرب إلى النجاة ظلم شديد منهم استحقوا به أن لا يهديهم الله عز و جل إلى استيقان أنه حق،و هذا كما تقدم في قصة نوح،و قال الله تعالى : [ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ]الأعراف: 101.و نحوها في سورة ( يونس ):74 و فيها:[ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ. ]
وقال الله عز و جل:[ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ.وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ] الأنعام 110:109 .
وفي"تفسير ابن جرير ) 7 / 194:" عن ابن عباس قوله : [وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ]…. قال لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شئ وردت عن كل أمر )).و هذا هو الصحيح، الكاف في قوله: [ كما ] للتعليل.و كذلك هي في قوله تعالى:[ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ]البقرة: 198.
قال ابن جرير في تفسيره : 2 / 163:" يعني بذلك جل ثناؤه:و اذكروا الله أيها المؤمنون عند المشعر الحرام بالثناء عليه و الشكر له على أياديه عندكم،و ليكن ذكركم له بالخضوع له و الشكر على ما أنعم عليكم من التوفيق".
وهو الظاهر في قوله تعالى:[ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ] البقرة: 239 قال ابن جرير 3 / 337:" … فاذكروا الله في صلاتكم و في غيرها بالشكر له و الحمد و الثناء عليه على ما أنعم به عليكم من التوفيق لإصابة الحق الذي ضل عنه أعداؤكم".و قد ذكر ابن هشام في "المغني"هذا المعنى للكاف فراجعه،و في "الإتقان":"...الكاف حرف جر له معان أشهرها التشبيه …. و التعليل نحو:[ كما أرسلنا فيكم ]، قال الأخفش:أي لأجل إرسالنا فيكم رسولاً منكم فاذكروني،[ و اذكروه كما هداكم ]،أي لأجل هدايته إياكم". ….
(10)- :اسع في التمييز بين معدن الحجج و معدن الشبهات،فإنه إذا تم لك ذلك هان عليك الخطب،فإنه لا يأتيك من معدن الحق إلا الحق،فلا تحتاج إن كنت راغباً في الحق قانعاً به إلى الإعراض عن شئ جاء من معدن الحق و لا إلى أن تتعرض لشيء جاء من معدن الشبهات،لكن أهل الأهواء قد حاولوا التشبيه و التمويه ،فالواجب على الراغب في الحق،أن لا ينظر إلى ما يجيئه من معدن الحق من وراء زجاجاتهم الملونة،بل ينظر إليه كما كان ينظر إليه أهل الحق.و الله الموفق .".انتهى بتصرف يسير، ولمن أراد للتفصيل فعليه ب:"التنكيل"(2/188/202.(انتهى كلام المعلمي
كانت تلك هي الدرر الغالية من النصائح العالية،جاءت عشرة كاملة هادية لمن أخلص نيته،وصدق في بحثه عن الهدى،فانقاد بإذن ربه إلى الحق المبين،أما المكابر المعاند فلا نملك له إلا قول الله جل وعلا:[ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء].
كان ذلك جهد المقل، نسأله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه الكريم،
وأن يتقبله بقبول حسن،وأن يجعله سببا لاهتداء من أخطأ سبيل الحق،ونسأله تعالى أن يوفق للخير كل من قرأه،ويجزي خيرا كل من نشره،وألتمس من إخواني الكرام دعوة صالحة بظهر الغيب لهؤلاء الحيارى التائهين في ظلمات الشرك والبدع.
وفي الختام:نسأله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى:أن يحفظ إيماننا،ويثبت أجرنا،وأن يجعل الجنة متقلبنا ومثوانا،وآخر دعائنا أن الحمد لله رب العالمين.
الأربعاء: 8 جمادى الأول 1434
الموافق ل: 20مارس 2013
رسالة ود أخوية لكل مخالف
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
أفتتح مقالي بقول الحق جل وعلا:[ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94)].
يقول العلامة:"عبد الرحمن السعدي – رحمه الله تعالى – في بيان بعض معاني الآية:{... ثم قال تعالى مذكرًا لهم بحالهم الأولى، قبل هدايتهم إلى الإسلام: { كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } أي: فكما هداكم بعد ضلالكم فكذلك يهدي غيركم وكما أن الهداية حصلت لكم شيئًا فشيئًا، فكذلك غيركم، فنظر الكامل لحاله الأولى الناقصة، ومعاملته لمن كان -على مثلها بمقتضى ما يعرف من حاله الأولى، ودعاؤه له بالحكمة والموعظة الحسنة – من أكبر الأسباب لنفعه وانتفاعه، ولهذا أعاد الأمر بالتبين فقال:{ فَتَبَيَّنُوا} . تفسير السعدي:( 1/194).
قد تختلف طرائق الناصحين وأساليبهم في بيان الحق لمن أعرض عنه،فهم بين سالك لسبيل لشدة الناجمة عن الغيرة على جناب التوحيد وحمى السنة وسياج الأخلاق،- أن تنتهك حرمة أي منها -؛ومن كانت هذه سبيله دوما وأبدا دون مراعاة لحال المدعو وبيئته:قد يجانبه الصواب لغلوه وتنطعه في عرضه للحق، وإن كان قصده سليما ونيته صحيحة، مما يدفع كثيرا من المخالفين إلى رد الحق و إن كانت حججه ظاهرة، وبراهينه باهرة، وفي هذا الصنف من الناصحين يقول عليه الصلاة والسلام:"يا أيها الناس: إن منكم منفرين"، (متفق عليه).
وبالمقابل نجد صنفا آخر سلك الصراط المستقيم في عرض الحق القويم، دون إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا جفاء، يتلمس في طريق دعوته منهج نبيه عليه الصلاة والسلام الذي قال عنه جل وعلا:[فبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ]، وهو القائل عليه الصلاة والسلام مرشدا الدعاة والمرشدين:"بشروا ولا تنفروا،ويسروا ولا تعسروا".(أخرجه مسلم:5/141)،(أبو داود:2/293).
ولمنزلة الرفق السامية، ومكانته العالية، جعله النبي عليه الصلاة والسلام:من خير حظوظ الدنيا والآخرة، وأن الله تعالى يعطي عليه ما لا يعطي على غيره، ولا شك أن للدعوة إلى الله تعالى أوفر نصيب من ذلك، قال عليه الصلاة والسلام:" إنه من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا و الآخرة": (صحيح الترغيب والترهيب:2524)، وقال أيضا:" إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه"،(مسلم:4697)، وقال ثالثة:" إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه ":(مسلم: 4698).
ويخطئ بعض شباب الدعوة حين يعتقدون بأن أكثر الناس استقامة هم:أكثرهم تشددا في أمور الدين،ويغفلون عن قوله عليه
الصلاة والسلام:" إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين":(الصحيحة:1283)،و قوله:"هلك المتنطعون" قالها ثلاثا،رواه مسلم:(4823).
ذكرت ما سبق من بيان لحال الصنفين في دعوة المخالفين للحق
ليرجع المتشددون الغلاة عن منهجهم الخاطئ،وليرفقوا بمخالفيهم حتى لو كان خلافهم في العقائد،وقد قلت في مقال سابق ما يناسب هذا المقام ما يلي:"... إن الكثير ممن يحاورنا ويخالفنا بأدب هو: "من صنف العوام ضحايا أئمة السوء"،فالكثير ممن يجادل عن الباطل من العوام يعتقد في قرارة نفسه:"أنه يدافع عن الحق"،وسبب ذلك تزيين أئمة الضلالة الباطل لأتباعهم - أسوة بشيخهم - الذي قال الله تعالى عنه:[ تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] (64(.
فتأمل معي أخي الكريم ما قاله تعالى عن إنزاله الكتاب على رسوله الكريم بعد ذكره تزيين الباطل من قبل الشيطان الرجيم،قال:[ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ]،تأمل سر ربط الهدى والرحمة بالبيان،قال البغوي في تفسيره:{ أي: ما أنزلنا عليك الكتاب إلا بيانا وهدى ورحمة ، فالهدى والرحمة عطف على قوله "لتبين"}.
إذا إخواننا الأفاضل:علينا أن نحرص على ربط بياننا للناس وهدايتنا لهم، بالرحمة بهم،والإشفاق عليهم، لما هم فيه من جهل وعماية،وضلالة وغواية.
إخواني الكرام:إن هؤلاء الذين يخالفوننا حتى في بعض جوانب العقيدة، الأصل
فيهم:" أنهم مسلمون"، وما دام هذا الوصف قد ثبت لهم بيقين، فلا يخرجون عنه إلا بيقين، فكيف لا نرحمهم ولا نتلطف بهم!!؟، وقدوتنا محمد عليه الصلاة والسلام قد رحم، وتلطف بمن أذاه من المشركين، فعن عائشة أنها قالت لرسول الله عليه الصلاة والسلام: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ فقال : " لقد لقيت من قومك فكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ليل بن كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت - وأنا مهموم - على وجهي فلم أفق إلا في قرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال : إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم " . قال : " فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال : يا محمد إن الله قد سمع قول قومك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك إن شئت أطبق عليهم الأخشبين " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا " . متفق عليه.
وأنا أعلم بأن لصاحب الحق مقالا،وأن الله تعالى قال:[لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما]،لكن ينبغي التفريق هنا بين العامي الذي يعارضك عن جهل بالحق بسبب ما لبس به عليه،فهذا: يرفق به،ولعل هذا الصنف هو أكثر من يخالفنا من رواد المنتدى،فيفرق بينه وبين العارف الذي يجادل عن الباطل بعلم وإدراك لحجج الحق،فهذا يغلظ له القول بعد أن يرفق به ابتداء،ومثله من لا يجيد من النقاش إلا:"عبارات ساقطة،وألفاظ سافلة"،ينتقيها بعناية من قاموسه الأسود - فالرفق الرفق- في دعوتنا – إخواننا الأفاضل -.
أقرر ما ذكرته آنفا،لأدعو نفسي وكثيرا من إخواني المستقيمين الداعين إلى الله تعالى،ليستذكر كل منا حاله قبل أن يمن الله عليه بالهداية إلى نور التوحيد والسنة والاعتدال،وينقذه بذلك من ظلمات الشرك والبدعة والغلو،ولكل منا نصيبه من هذا أو ذاك حسب بيئته وظروف نشأته، ولنتأمل ثانية قول الشيخ"السعدي"
رحمه الله تعالى:{ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } أي: فكما هداكم بعد ضلالكم فكذلك يهدي غيركم وكما أن الهداية حصلت لكم شيئًا فشيئًا، فكذلك غيركم، فنظر الكامل لحاله الأولى الناقصة، ومعاملته لمن كان -على مثلها بمقتضى ما يعرف من حاله الأولى ، ودعاؤه له بالحكمة والموعظة الحسنة – من أكبر الأسباب لنفعه وانتفاعه، ولهذا أعاد الأمر بالتبين فقال:{ فَتَبَيَّنُوا}.
فالداعية الموفق:يدعو بعلم وحلم، وحكمة وصبر، وأناة وروية، لا يستعجل النتائج، ولا يضجر لرد فعل المخالفين، لأنه يتفهمهم،فقد كان هو بذاته يوما من الدهر على شاكلة مخالفيه اليوم0
فأذكر نفسي وإخواني الكرام بنعم الله علينا بالهداية والتوفيق للتوحيد والسنة والاعتدال، متحدثا بهذه النعم العظيمة والآلاء الجسيمة،لنرفق بمخالفينا اليوم حيث أننا كنا مثلهم من قبل فمن الله علينا،وأذكر كيف كان أهلي يذهبون بي وأنا صغير مميز إلى زيارة قبر الولي الصالح،لنتقرب إلى مقامه بمختلف أنواع القربات من الأطعمة والأشربة ،والذبائح والألبسة، والهبات والصدقات ،وتزيين الجدران والغرفات،ورفع الأعلام عليها والرايات،بل أذكر أننا كنا لا ندخل مقام الولي إلا مطأطئ الرؤوس لقصر بابه حتى نقترب من حال الركوع لضريحه،بل أذكر أسوأ من ذلك،وكل ذلك شرك،أننا كنا نطوف بضريحه حبوا،في تقديس لمقام الولي،لا يفعله حتى الحجاج مع الكعبة بيت الله الحرام!!؟ ،وصدق في وصفنا ومن شابهنا:قول حافظ بن أحمد الحكمي رحمه الله تعالى:
ومن على القبر سراجا أوقدا ... أو ابتنى على الضريح مسجدا
فإنه مجدد جهارا ... لسنن اليهود والنصارى
كم حذر المختار عن ذا ولعن ... فاعله كما روى أهل السنن
بل قد نهى عن ارتفاع القبر ... وأن يزاد فيه فوق الشبر
وكل قبر مشرف فقد أمر ... بأن يسوى هكذا صح الخبر
وحذر الأمة عن إطرائه ... فغرهم إبليس باسجرائه
خالفوه جهرة وأرتكبوا ... ما قد نهى عنه ولم يجتنبوا
فانظر إليهم قد غلوا وزادوا ... ورفعوا بناءها وشادوا
بالشيد والآجر والأحجار ... لا سيما في هذه الأعصار
وللقناديل عليها أوقدوا ... وكم لواء فوقها قد عقدوا
ونصبوا الأعلام والريات ... وافتتنوا بالأعظم الرفات
بل نحروا في سواحها النحائر ... فعل أولي التسييب والبحائر
والتمسوا الحاجات من موتاهم ... واتخذوا إلههم هواهم
قد صادهم إبليس في فخاخه ... بل بعضهم قد صار من أفراخه
يدعوا إلى عبادة الأوثان ... بالمال والنفس وباللسان
فليت شعري من أباح ذلك ... وأورط الأمة في المهالك
فيا شديد الطول والإنعام ... إليك نشكو محنة الإسلام
كلما تذكرت تلك المشاهد حمدت الله على نعمة التوحيد والسنة،
وحزنت في الوقت ذاته على من يزال يرتكس في حمأة الشرك والبدع،وحجة هؤلاء كانت هي حجتنا، لقناها من أئمة الشرك الأوائل:[إناوجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون]،أضف إلى ذلك تزيين أئمة الضلالة تلك الشركيات لعوام الناس،كما سبقت الإشارة إليه.
فاللهم اغفر لنا ما سلف منا،فإنك تعلم أن ذلك صدر منا عن جهل بمقامك العظيم،وذلك بسبب تلبيس وتدليس أئمة الضلال المنتفعين من عائدات الزردات والوعدات المقامة على الأضرحة والمقامات الذين يعارضون الحق حفاظا على مكسب فان،ومجد هاو،ودنيا
رخيصة، وشهرة خسيسة.
وقد أعذر أسلافي ما فعلوه لجهلهم،وافتقادهم لمن يرشدهم إلى التوحيد الحق،خاصة مع تزيين أئمة الشرك لهم شركياتهم،لكن عجبي لا ينقضي إذا رأيت وقرأت لمن يوصف بالدكتور الأكاديمي
وفي زمن الفضائيات والإنترنيت!!؟،يجيز للناس بناء القباب وتشييد الأضرحة على القبور!!؟،ويجد من ينشر له آراءه،ومن يقرؤها،بل ومن يدافع عنها،كما حصل مع ردي على الدكتور"بن بريكة" في مقالي:"الأدلة الراجحة في تحريم بناء القباب والأضرحة"،ولما كان الأمر كذلك:عزمت على خط هذا المقال لعله يكون سببا بإذنه تعالى لاهتداء من لبس عليه إيمانه،ودلس عليه توحيده،وهو يحسب لنيته الصادقة:أنه يحسن صنعا!!؟.
وليعلم مخالفونا ممن هم واقعون في الشركيات:أن وصفنا لأفعالهم بالشرك:لا يستلزم حكمنا عليهم بالكفر وأنهم كفار،لأن القاعدة عندنا تقول:(ليس كل من وقع في الكفر،يقع الكفر عليه)،أي:ليس كل من فعل فعلا مكفرا،يكون بالضرورة كافرا،لأن هناك شروطا ينبغي أن تتوفر،وموانع ينبغي أن تنتفي،وأن يفهم المعارض الحجة التي يكفر مخالفها،عند ذلك،أي:عند بيان الحجة،ووضوح المحجة:يحكم على المعارض المعاند بما يقتضيه المقام،ونحن نعلم:"أن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة"، قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في رسالة"حكم تارك الصلاة"):ص:60):{... و يعجبني بهذه المناسبة ما نقله الحافظ في ( الفتح ) ( 12 / 300 ) عن الغزالي أنه قال : ( و الذي ينبغي الاحتراز منه : التكفير ما وجد إليه سبيلا فإن استباحة دماء المسلمين المقرين بالتوحيد خطأ ،و الخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد ).
ولأن جنة الله واسعة تسع كل المؤمنين،وحرصا منا على إيصال الحق والهدى الإيماني الذي ننعم به إلى كل مخالفينا ممن لا يزال يؤمن بتلك الشركيات،ويغرق في البدع والشبهات،فيمارسها معتقدا أنها الحق،بل ويدعو غيره إليها،فينشر الباطل بجهده وماله وفكره.
لهؤلاء جميعا:كتبت هذا المقال ليكون بإذنه تعالى فاتح باب نور التوحيد والسنة، ومغلق أبواب الشرك والبدعة، وقد قال الحق جل وعلا:[وأن هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ].
وأساس المقال وأسه:"درر استخلصتها، وجواهر استخرجتها من كتاب:"التنكيل" في جزئه:"القائد إلى تصحيح العقائد"، للشيخ العلامة اليمني:"يحي المعلمي" رحمه الله تعالى،وهذه الجواهر والدرر،ليس لي فيها إلا الجمع والتنسيق،وللقراء الأفاضل بعدها
التدقيق والتحقيق، ومن ثم التعقيب والتعليق، نسأل الله تعالى لنا ولهم السداد والتوفيق، فإلى الدرر والجواهر:
قال العلامة المعلمي رحمه الله تعالى :"... إن حكمة الحق في الخلق اقتضت أن تكون هناك بينات و شبهات،و أن لا تكون البينات قاهرة و لا الشبهات غالبة،فمن جرى مع فطرته من حب الحق و رباها و نماها و آثر مقتضاها،و تفقد مسالك الهوى إلى نفسه فاحترس منها،لم تزل تتجلى له البينات و تتضاءل عنده الشبهات حتى يتجلى له الحق يقيناً فيما يطلب فيه اليقين،و رجحاناً فيما يكفي فيه الرجحان،و بذلك يثبت له الهدى و يستحق الفوز،و الحمد و الكمال على ما يليق بالمخلوق،و من اتبع الهوى و آثر الحياة الدنيا،تبرقعت دونه البينات،و استهوته الشبهات ،فذهبت به إلى:(حيث ألقت رحلها أم قشعم!!!.... ).
فإذا نفذ هذا النور إلى قلبك،وطهر بعض درنه،فأتبعه بهذه الوقفات العشرة لتصقله وتعيد له نور الحق الذي أضعفته البدع والشبهات،فتأملها بعين الإنصاف متجردا من حظوظ النفس وأهوائها،وقبل سرد الوقفات العشر،هذه دعوة تأمل قصيرة تكشف ما يختلج في صدور كثير من أهل الأهواء من الحواجز النفسية التي تعيقهم عن التحرر من أغلال ربقة البدع: "...لا ريب أن الإنسان ينشأ على دين و اعتقاد و مذهب و آراء يتلقاها من مربيه و معلمه،و يتبع فيها أسلافه و أشياخه الذين تمتلئ مسامعه بإطرائهم،و تأكيد أن الحق ما هم عليه و بذم مخالفيهم و ثلبهم،و تأكيد أنهم على الضلالة،فيمتلئ قلبه بتعظيم أسلافه و بغض مخالفيهم،فيكون رأيه و هواه متعاضدين على اتباع أسلافه و مخالفة مخالفيهم،و يتأكد ذلك بأنه يرى أنه إن خالف ما نشأ عليه رماه أهله و أصحابه بالكفر و الضلال،و هجروه و آذوه و ضيقوا عليه عيشته،فمن كانت هذه حاله فليتأمل بعين البصيرة هذه الوقفات العشر:[لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا].
(1)-:فكر في شرف الحق و ضعة الباطل،و ذلك بأن تفكر في عظمة الله عز و جل و أنه رب العالمين،و أنه سبحانه يحب الحق و يكره الباطل،و أن من اتبع الحق استحق رضوان رب العالمين ، فكان سبحانه وليه في الدنيا و الآخرة،بأن يختار له كل ما يعلمه خيراً له و أفضل و أنفع و أكمل و أشرف و أرفع حتى يتوفاه راضياً مرضياً،فيرفعه إليه و يقربه لديه،و يحله في جواره مكرماً منعماً في النعيم المقيم،و الشرف الخالد،الذي لا تبلغ الأوهام عظمته،و أن من أخلد إلى الباطل استحق سخط رب العالمين و غضبه و عقابه،فإن آتاه شيئاً من نعيم الدنيا فإنما ذلك لهوانه عليه ليزيده بعداً عنه،و ليضاعف له عذاب الآخرة الأليم الخالد الذي لا تبلغ الأوهام شدته .
2)-):فكر في نسبة نعيم الدنيا إلى رضوان رب العالمين و نعيم الآخرة، و نسبة بؤس الدنيا إلى سخط رب العالمين و عذاب الآخرة، و تدبر قول الله عز و جل: [ وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ . وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ . وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ].الزخرف: 31 - 35 و يفهم من ذلك:أنه لولا أن يكون الناس أمة واحدة لابتلى الله المؤمنين بما لم تجر به العادة من شدة الفقر و الضر و الخوف و الحزن و غير ذلك،وحسبك أن الله عز وجل ابتلى أنبياءه و أصفياءه بأنواع البلاء.و في" الصحيحين" من حديث كعب بن مالك قال:قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم:"مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيؤها الرياح تصرعها مرة و تعدلها أخرى حتى يأتي أجله،و مثل المنافق كمثل الأرزة المجذية التي لا يصيبها شئ حتى يكون انجعافها مرة واحدة "،و في "الصحيحين" أيضاً نحوه من حديث أبي هريرة،و معنى الحديث و الله أعلم:أن هذا من شأن المؤمن و المنافق،فلا يلزم منه أن كل منافق تكون تلك حاله،لا يناله ضرر و لا مصيبة،إلا أن المقصود من الحديث:"تهذيب المسلمين،فيأنس المؤمن بالمتاعب و المصائب،و يتلقاها بالرضا و الصبر و الاحتساب،راجياً أن تكون له عند ربه عز وجل،و لا يتمنى خالصاً من قلبه النعم و لا يحسد أهلها،و لا يسكن إلى السلامة و النعم و لا يركن إليها،بل يتلقاها بخوف و حذر و خشية أن تكون إنما هيئت له لاختلال إيمانه ،فترغب نفسه إلى تصريفها في سبيل الله عز و جل،فلا يخلد إلى الراحة و لا يبخل،و لا يعجب بما أوتيه و لا يستكبر و لا يغتر،و لم يتعرض الحديث لحال الكافر،لأن الحجة عليه واضحة على كل حال،و أخرج الترمذي و غيره من حديث سعد بن أبي و قاص قال:سئل النبي صلى الله عليه و آله و سلم:أي الناس أشد بلاء ؟ قال:"الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل،يبتلى الرجل على حسب دينه،فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه،وإن كان في دينه رقة هون عليه …" الحديث قال الترمذي:"حسن صحيح"، و قد ابتلى الله تعالى أيوب بما هو مشهور،و ابتلى يعقوب بفقد و لديه و شدة أثر ذلك على قلبه،فكان كما قصه الله عز و جل في كتابه : [ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ] (يوسف: 84،)،و ابتلى محمداً عليه و عليهم الصلاة و السلام بما تراه في أوائل السيرة،فكلفه أن يدعو قومه إلى ترك ما نشئوا عليه تبعاً لآبائهم من الشرك و الضلال،و يصارحهم بذلك سراً و جهاراً،ليلاً و نهاراً،و يدور عليهم في نواديهم و مجتمعاتهم و قراهم،فاستمر على ذلك نحو ثلاث عشرة سنة و هم يؤذونه أشد الأذى مع أنه كان قد عاش قبل ذلك أربعين سنة أو فوقها و لا يعرف أن يؤذى،إذ كان من قبيلة شريفة محترمة موقرة في بيت محترم موقر،و نشأ على أخلاق كريمة احترمه لأجلها الناس ووقروه،ثم كان ذلك على غاية الحياء و الغيرة و عزة النفس،و من كانت هذه حاله يشتد عليه غاية الشدة أن يؤذى و يشق عليه غاية المشقة الإقدام على ما يعرضه لأن يؤذى و يتأكد ذلك في جنس ذاك الإيذاء،هذا يسخر منه،و هذا يسبه،و هذا يبصق في وجهه - بأبي هو و أمي -،و هذا يحاول أن يضع رجليه على عنقه إذا سجد لربه،و هذا يضع سلى الجزور على ظهره و هو ساجد،و هذا يأخذ بمجامع ثوبه و يخنقه،و هذا ينخس دابته حتى تلقيه،و هذا عمه يتبعه أنى ذهب يؤذيه و يحذر الناس منه و يقول:"إنه كذاب ،و إنه مجنون"،و هؤلاء يغرون به السفهاء فيرجمونه حتى تسيل رجلاه دماً،و هؤلاء يحصرونه و عشيرته مدة طويلة في شعب ليموتوا جوعاً،و هؤلاء يعذبون من اتبعه بأنواع العذاب،فمنهم من يضجعونه على الرمل في شدة الرمضاء و يمنعونه الماء،و منهم من ألقوه على النار حتى ما أطفأها إلا ودك ظهره،و منهم امرأة عذبوها لترجع عن دينها فلما يئسوا منها طعنها أحدهم بالحربة في فرجها فقتلها، كل ذلك لا لشئ، إلا أنه يدعوهم إلى أن يخرجهم من الظلمات إلى النور،و من الفساد إلى الصلاح و من سخط الله إلى رضوانه،و من عذابه الخالد إلى نعيمه الدائم،و لم يلتفتوا إلى ذلك مع وضوح الحجة،و إنما كان همهم أنه يدعوهم إلى خلاف هواهم.و من و جه آخر: ابتلى الله عز و جل نبيه صلى الله عليه و آله و سلم بأن قبض أبويه صغيراً ثم جده ثم عمه الذي كان يحامي عنه،ثم امرأته التي كانت تؤنسه،و تخفف عنه،ثم لم يزل البلاء يتعاهده صلى الله عليه و آله و سلم،و تفصيل هذا يطول،و هذا وهو سيد ولد آدم و أحبهم إلى الله عز و جل .
فتدبر هذا كله لتعلم حق العلم:أن ما نتنافس فيه و نتهالك عليه من نعيم الدنيا و جاهها،ليس هو بشيء في جانب رضوان الله عز وجل،و النعيم الدائم في جواره،و أن ما نفر منه من بؤس الدنيا و مكارهها،ليس بشيء في جانب سخط الله عز وجل غضبه و الخلود في عذاب جهنم.و في "الصحيح "من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم:" يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار ثم يقال له :" يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط ؟ هل مر بك نعيم قط ؟ فيقول:لا يا رب، و يؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له:يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط و هل مر بك شدة قط ؟ فيقول: لا و الله يا رب ما مر بي بؤس قط و لا رأيت شدة قط "
3)-):فكر في حالك بالنظر إلى أعمالك من الطاعة والمعصية ،فأما المؤمن فإنه يأتي الطاعة راغباً نشيطاً لا يريد إلا وجه الله عز و جل و الدار الآخرة،فإن عرضت له رغبة في الدنيا فإلى الله تعالى فيما يرجو معونته على السعي للآخرة،فإن كان و لا بد ففيما يغلب على ظنه أنه لا يثبطه عن السعي للآخرة،و هو على كل حال متوكل على الله راغب إليه سبحانه أن يختار له ما هو خير و أنفع،ثم يباشر الطاعة خاشعاً خاضعاً مستحضراً أن الله عز و جل يراه و يرى ما في نفسه،و يأتي بها على الوجه الذي شرعه الله عز و جل،و هو مع ذلك كما قال الله تعالى:[ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ] المؤمنون: - 60 فهو يخاف و يخشى أن لا تكون نيته خالصة،و ذلك أن النية الصالحة قد تكون من قوي الإيمان،و قد تكون من ضعيفه الذي إنما يطيع احتياطا،و قد لا تكون خالصة،بل يمازجها رغبة في ثواب الدنيا لأجل الدنيا،أو رغبة في الآثار الطبيعية: ككسر الشهوة حيث لا يشرع،وكتقوية النفس،كالذي يصوم ويقوم، ليكون من أهل الكشف فيطلع على العجائب و المغيبات،فيلتذ بذلك و يعظم جاهه بين الناس،و كذلك يتعبد ليحصل له الكشف فيصفو إيمانه و يستريح من الوسوسة و مدافعة الشبهات،فإن هذه الطريقة غير مشروعة،و من شأنها أن تجر إلى تعاطي الأسباب الطبيعية لتقوية النفس،و إن كانت منهياً عنها في الشرع،كما هو معروف في بدع المتصوفة،و من حصل له الكشف بهذه الطريق فهو مظنة أن يضعف إيمانه أو يزول،عقوبة له على سلوكه غير السبيل المشروع،حتى لو كشف له عن شيء مما يجب الإيمان به،فشاهده لم ينفعه هذا الإيمان كما يعلم مما تقدم.و إنما المشروع أن يجاهد نفسه و يصرفها عن الشبهات و الوساوس مستعيناً بطاعة الله تعالى،و الوقوف عند حدوده،مبتهلاً إليه عز و جل أن يثبت قلبه بما شاء سبحانه فهذا إنما يحمل على اتباع الشرع و الاهتداء به .
وكمنفعة البدن:كالذي يصوم ليصح،و يصلي التراويح لينهضم طعامه.و كموافقة الإلف و العادة كمن اعتاد الصلاة من صباه فيجد نفسه تنازعه إلى الصلاة فلا تستقر حتى يصلي،فإن هذا قد يكون كالذي أعتاد العبث بلحيته فيجد نفسه تنازعه إلى ذلك حتى لو كف عن ذلك أو منع منه شق عليه،و كحب الترويح عن النفس كالذي يأتي الجمعة ليتفرج و يلقى أصحابه و يقف على أخبارهم،و كمراعاة الناس لكي يمدحوه و يثنوا عليه فيعظم جاهه و يصل إلى أغراضه و لا يمقتوه،إلى غير ذلك من المقاصد، كالمرأة تتزين و تتعطر و تخرج إلى الصلاة لتشاهد الرجال و تلفتهم إليها.و كالعالم يريد أن يراه الناس و يعظموه و يستفتوه فيشتهر علمه و يعظم جاهه . و كالمنتسب إلى الصلاح يريد أن يعظمه الناس و يقبلوا يده و رجليه،و يشتهر ذكره و يتساقط الناس في شبكته و كالحاكم النابه يريد أن يتطاول الناس إلى رؤيته و يتزاحموا و ترتفع أصواتهم بمدحه و غير ذلك،والمؤمن و لو خلصت نيته في نفس الأمر لا يستطيع أن يستيقن ذلك من نفسه،و يخاف و يخشى أن لا يكون أتى بالطاعة على الوجه المشروع،و ذلك من أوجه :
منها :أن للصلاة مثلاً:شرائط و أركانا وواجبات قد اختلف في بعضها،و المجتهد إنما يراعي اجتهاده فيخشى أن يكون قصر في اجتهاده أو استزله الهوى،و العامي إنما يتبع قول مفتيه أو إمامه أو بعض فقهاء مذهبه،فيخشى أن يكون قصر أو تبع الهوى في اختياره قول ذاك المفتي أو في الجمود على مذهب إمامه في بعض ما اختلف فيه.
ومنها :أن روح الصلاة:الخشوع،و النفس تتنازعها الخواطر،فلا يثق المؤمن بأنه خشع كما يجب،فإن حاولت نفس المؤمن أن تقنعه بإخلاصها في نيتها و اجتهادها و خشوعها،خشى على نفسه أن يكون مغروراً مسامحاً لنفسه .
وهكذا تستمر خشية المؤمن بالنظر إلى طاعاته السالفة يرجو أن يكون قبلها الله تعالى بعفوه و كرمه،و يخشى أن تكون ردت لخلل فيها،و إن لم يشعر به،أو لخلل في أساسها و هو الإيمان .
هذه حال المؤمن في الطاعات،فما عسى أن تكون حاله في المعاصي؟و قد قال الله تبارك و تعالى:[ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ]. الأعراف :(201 –202).
فالمؤمن يتصارع إيمانه و هواه،فقد يطيف به الشيطان فيغفله عن قوة إيمانه،فيغلبه هواه فيصرعه،و هو حال مباشرة المعصية ينازع نفسه،فلا تصفو له لذتها،ثم لا يكاد جنبه يقع على الأرض ،حتى يتذكر فيستعيد قوة إيمانه فيثبت يعض أنامله أسفاً و حزناً على غفلته التي أعان بها عدوه على نفسه،عازماً على أن لا يعود لمثل تلك الغفلة.و أما إخوان الشياطين،فتمدهم الشياطين في الغي فيمتدون فيه و يمنونهم الأماني فيقنعون،فمن الأماني أن يقول: "الله قدره علي،فما شاء فعل،قد اختلف العلماء في حرمة هذا الفعل،قد اختلفوا في كونه كبيرة،و الصغائر أمرها هين،لي حسنات كثيرة تغمر هذا الذنب،لعل الله يغفر لي،لعل فلاناً يشفع لي،سوف أتوب! و أحسن حاله أن يقول:"أستغفر الله،استغفر الله"،و يرى أنه قد تاب و محي ذنبه قال الله تعالى:[ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً.يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً.أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً.وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً.لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً.وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ]:(النساء( - 119 – 124.
قال عز و جل: [فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقّ ]:(الأعراف :169،و في"الصحيحين": عن عبد الله بن مسعود قال:"إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، و إن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا - أي بيده - فذبه عنه" .
(4-):فكر في حالك مع الهوى،وافرض أنه بلغك أن رجلاً سب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم،و آخر سب داود عليه السلام،و ثالثاً سب عمر أو علياً رضي الله عنهما،و رابعاً سب إمامك،و خامساً سب إماماً آخر،أيكون سخطك عليهم و سعيك في عقوبتهم و تأديبهم أو التنديد بهم موافقاً لما يقتضيه الشرع!؟ فيكون غضبك على الأول و الثاني قريباً من السواء، و أشد مما بعدهما جداً، و غضبك على الثالث دون ذلك و أشد مما بعده، و غضبك على الرابع و الخامس قريباً من السواء، و دون ما قبلهما بكثير ؟".
افرض أنك قرأت آية فلاح لك منها موافقة قول لإمامك، و قرأت أخرى فلاح لك منها مخالفة قول آخر له، أيكون نظرك إليها سواء، لا تبالي أن يتبين منها بعد التدبر صحة ما لاح لك أو عدم صحته ؟.
افرض أنك و قفت على حديثين لا تعرف صحتهما و لا ضعفهما ،أحدهما يوافق قولاً لإمامك و الآخر يخالفه أيكون نظرك فيها سواء،لا تبالي أن يصح سند كل منهما أو يضعف ؟.
افرض أنك نظرت في مسألة قال إمامك قولاً و خالفه غيره، ألا يكون لك هوى في ترجيح أحد القولين، بل تريد أن تنظر لتعرف الراجح منها فتبين رجحانه ؟.
افرض أن رجلا تحبه و آخر تبغضه، تنازعا في قضية فاستفتيت فيها و لا تستحضر حكمها، و تريد أن تنظر، ألا يكون هواك في موافقة الذي تحبه ؟ .
افرض أنك تحب عالماً و آخر تكرهه،أفتى كل منهما في قضية،و اطلعت على فتويي صاحبيك فرأيتهما صواباً ثم بلغك أن عالماً آخر اعترض على واحدة من تلك الفتاوى،و شدد النكير عليها أتكون حالك واحدة سواء كانت هي فتواك أم فتوى صديقك أم فتوى مكروهك ؟.
افرض أنك تعلم من رجل منكراً و تعذر نفسك في عدم الإنكار عليه،ثم بلغك أن عالماً أنكر عليه و شدد النكير أيكون استحسانك لذلك سواء فيما إذا كان المنكر صديقك أم عدوك،و المنكر عليه صديقك أم عدوك ؟.
فتش نفسك تجدك مبتلى بمعصية أو نقص في الدين،و تجد من تبغضه مبتلى بمعصية أو نقص آخر ليس في الشرع بأشد مما أنت مبتلى به؟ فهل تجد استشناعك ما هو عليه مساوياً لاستشناعك ما أنت عليه،و تجد مقتك نفسك مساوياً لمقتك إياه ؟
وبالجملة:" فمسالك الهوى أكثر من أن تحصى،و قد جربت نفسي أنني ربما أنظر في القضية زاعماً أنه لا هوى لي،فيلوح لي فيها معنى فأقرره تقريراً يعجبني،ثم يلوح لي ما يخدش في ذاك المعنى،فأجدني أتبرم بذاك الخادش و تنازعني نفسي إلى تكلف الجواب عنه، و غض النظر عن مناقشة ذاك الجواب ، و إنما هذا لأني لما قررت ذاك المعنى أولاً تقريراً أعجبني، صرت أهوى صحته ، هذا مع أنه لا يعلم بذلك أحد من الناس ، فكيف إذا كنت قد أذعته في الناس ثم لاح لي الخدش ؟ فكيف لو لم يلح لي الخدش و لكن رجلاً آخر أعترض علي به ؟ فكيف إذا كان المعترض ممن أكرهه ؟.
هذا، و لم يكلف العالم بأن لا يكون له هوى ؟ فإن هذا خارج عن الوسع،و إنما الواجب على العالم أن يفتش في نفسه عن هواها حتى يعرفه،ثم يحترز منه،و يمعن النظر في الحق من حيث هو حق،فإن بان له أنه مخالف لهواه آثر الحق على هواه.و العالم قد يقصر في الاحتراس من هواه و يسامح نفسه فتميل إلى الباطل فينصره،و هو يتوهم أنه لم يخرج من الحق و لم يعاده،و هذا لا يكاد ينجو منه إلا المعصوم،و إنما يتفاوت العلماء،فمنهم من يكثر الاسترسال مع هواه،و يفحش حتى يقطع من لا يعرف طباع الناس و مقدار تأثير الهوى بأنه متعمد،و منهم من يقل ذلك منه و يخف،و من تتبع كتب المؤلفين الذين لم يسندوا اجتهادهم إلى الكتاب و السنة رأساً رأى فيها العجب العجاب،و لكنه لا يتبين له إلا في المواضع التي لا يكون له فيها هوى،أو يكون هواه مخالفاً لما في تلك الكتب،على أنه استرسل مع هواه زعم أن موافقيه براء من الهوى،و أن مخالفيه كلهم متبعون للهوى.و قد كان من السلف من يبلغ في الاحتراس من هواه حتى يقع في الخطأ الآخر،كالقاضي يختصم إليه أخو و عدوه،فيبالغ في الاحتراس حتى يظلم أخاه،و هذا كالذي يمشي في الطريق و يكون عن يمينه مزلة فيتقيها،و يتباعد عنها فيقع في مزلة عن يساره !
5)- ):استحضر أنك على فرض أن يكون فيما نشأت عليه باطل،لا يخلوا عن أن يكون قد سلف منك تقصير أو لا،فعلى الأول: "إن استمررت على ذلك كنت مستمراً على النقص و مصراً عليه و مزداداً منه،و ذلك هو نقص الأبد و هلاكه،و إن نظرت فتبين لك الحق فرجعت إليه حزت الكمال و ذهبت عنك معرة النقص السابق،فإن التوبة تجب ما قبلها،و التائب من الذنب كمن لا ذنب له،و قد قال الله تعالى:[ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّأبينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ].و في الحديث(( كلكم خطاءون و خير الخطائين التوابون ))،و أما الثاني:"و هو أن لا يكون قد سبق منك تقصير،فلا يلزمك بما تقدم منك نقص تعاب به البتة،بل المدار على حالك بعد أن تنبه فإن تدبرت و تنبهت وعرفت الحق فاتبعته فقد فز ت،و كذلك إن اشتبه عليك الأمر فاحتط،و إن أعرضت و نفرت،فذلك هو الهلاك .
6) - ):استحضر أن الذي يهمك وتسأل عنه هو حالك في نفسك ،فلا يضرك عند الله تعالى،و لا عند أهل العلم و الدين و العقل:أن يكون معلمك أو مربيك أو أسلافك أو أشياخك على نقص،والأنبياء عليهم الصلاة و السلام لم يسلموا من هذا،و أفضل هذه الأمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم،و رضى عنهم و كان آباؤهم و أسلافهم مشركين،هذا مع احتمال أن يكون أسلافك معذورين إذا لم ينبهوا و لم تقم عليهم الحجة،و على فرض أن أسلافك كانوا على خطأ يؤاخذون به،فاتباعك لهم و تعصبك لا ينفعهم شياً،بل يضرهم ضرراً شديداً،فإنه يلحقهم مثل إثمك و مثل إثم من يتبعك من أولادك و أتباعك إلى يوم القيامة،كما يلحقك مع إثمك مثل إثم من يتبعك إلى يوم القيامة، أفلا ترى أن رجوعك إلى الحق هو خير لأسلافك على كل حال ؟.
7) - ):تدبر ما يرجى لمؤثر الحق من رضوان رب العالمين،و حسن عنايته في الدنيا و الفوز العظيم الدائم في الآخرة،و ما يستحقه متبع الهوى من سخطه عز و جل،و المقت في الدنيا و العذاب الأليم الخالد في الآخرة،و هل يرضى عاقل لنفسه أن يشتري لذة اتباع هواه بفوات حسن عناية رب العالمين و حرمان رضوانه و القرب منه و الزلفى عنده و النعيم العظيم في جواره،و باستحقاق مقته و سخطه و غضبه و عذابه الأليم الخالد ؟ لا ينبغي أن يقع هذا حتى من أقل الناس عقلاً،سواء أكان مؤمناً موقناً بهذه النتيجة،أم ظاناً لها،أم شاكاً فيها،أم ظاناً لعدمها،فإن هذين يحتاطان،و كما أن ذلك الإشتراء متحقق ممن يعرف أنه متبع هواه،فكذلك من يسامح نفسه فلا يناقشها و لا يحتاط .
: (8) - خذ نفسك بخلاف هواها فيما يتبين لك،فلا تسامحها في ترك واجب أو ما يقرب منه،و لا في ارتكاب معصية أو ما يقرب منها،و لا في هجوم على مشتبه،و روضها على التثبت والخضوع للحق،و شدد عليها في ذلك حتى يصبر الخضوع للحق و مخالفة الهوى عادة لك.
9) - ):خذ نفسك بالاحتياط في ما يخالف ما نشأت عليه،فإذا كان فيما نشأت عليه أشياء ترى أنها لا بأس بها،أو أنها مستحبة،و علمت أن من أهل العلم من يقول إنها شرك أو بدعة أو حرام ،فلتأخذ نفسك بتركها حتى يتبين لك بالحجج الواضحة صحة ما نشأت عليه،و هكذا ينبغي لك أن تنصح غيرك ممن هو في مثل حالك،فإن و جدت نفسك تأبى ذلك،فاعلم أن الهوى مستحوذ عليها:"فجاهدها ."
واعلم أن ثبوت هذا القدر على المكلف،أعنى أن يثبت عنده أن ما يدعى إليه أحوط مما هو عليه كاف في قيام الحجة عند الله عز و جل،و بذلك قامت الحجة على أكثر الكفار،فمن ذلك المشركون من العرب،لم يكن في دينهم الذي كانوا عليه تصديق بالآخرة،و إنما يدعون آلهتهم و يعبدونها للأغراض الدنيوية،مع علمهم أن مالك الضر و النفع هو الله عز و جل وحده،و لذلك كانوا إذا وقعوا في شدة دعوا الله وحده،قال تعالى:[ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ] لقمان : 32.وقال تعالى:[وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ] الإسراء : 67.
وكانوا يرون من هو على خلاف دينهم لا يظهر تفاوت بينه و بينهم في أحوال الدنيا،و عرفوا فيمن أسلم مثل ذلك،ثم عرض عليهم الإسلام،و عرفوا على الأقل أنه يمكن أن يكون حقاً،و أنه كان حقاً و لم يتبعوه تعرضوا للمضار الدنيوية و للخسران الأبدي في الآخرة،فلزمهم في هذه الحال أن يسلموا،لأنه إن كان الأمر كما بدا لهم من صحة الإسلام فقد أخذوا منه بنصيب و إلا فتركهم لما كانوا عليه لا يضرهم كما لا يتضرر من خالفهم فلم يمنعهم من الإسلام إلا اتباع الهوى.قال تعالى:[ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ] فصلت : 26 .
وقال تعالى:[ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ] فصلت : 52 وقال تعالى:[قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ]الأحقاف: 10 . وتكذيبهم للحق و إعراضهم عنه بعد أن قامت الحجة عليهم بأن تصديقه و اتباعه أحوط لهم و أقرب إلى النجاة ظلم شديد منهم استحقوا به أن لا يهديهم الله عز و جل إلى استيقان أنه حق،و هذا كما تقدم في قصة نوح،و قال الله تعالى : [ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ]الأعراف: 101.و نحوها في سورة ( يونس ):74 و فيها:[ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ. ]
وقال الله عز و جل:[ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ.وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ] الأنعام 110:109 .
وفي"تفسير ابن جرير ) 7 / 194:" عن ابن عباس قوله : [وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ]…. قال لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شئ وردت عن كل أمر )).و هذا هو الصحيح، الكاف في قوله: [ كما ] للتعليل.و كذلك هي في قوله تعالى:[ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ]البقرة: 198.
قال ابن جرير في تفسيره : 2 / 163:" يعني بذلك جل ثناؤه:و اذكروا الله أيها المؤمنون عند المشعر الحرام بالثناء عليه و الشكر له على أياديه عندكم،و ليكن ذكركم له بالخضوع له و الشكر على ما أنعم عليكم من التوفيق".
وهو الظاهر في قوله تعالى:[ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ] البقرة: 239 قال ابن جرير 3 / 337:" … فاذكروا الله في صلاتكم و في غيرها بالشكر له و الحمد و الثناء عليه على ما أنعم به عليكم من التوفيق لإصابة الحق الذي ضل عنه أعداؤكم".و قد ذكر ابن هشام في "المغني"هذا المعنى للكاف فراجعه،و في "الإتقان":"...الكاف حرف جر له معان أشهرها التشبيه …. و التعليل نحو:[ كما أرسلنا فيكم ]، قال الأخفش:أي لأجل إرسالنا فيكم رسولاً منكم فاذكروني،[ و اذكروه كما هداكم ]،أي لأجل هدايته إياكم". ….
(10)- :اسع في التمييز بين معدن الحجج و معدن الشبهات،فإنه إذا تم لك ذلك هان عليك الخطب،فإنه لا يأتيك من معدن الحق إلا الحق،فلا تحتاج إن كنت راغباً في الحق قانعاً به إلى الإعراض عن شئ جاء من معدن الحق و لا إلى أن تتعرض لشيء جاء من معدن الشبهات،لكن أهل الأهواء قد حاولوا التشبيه و التمويه ،فالواجب على الراغب في الحق،أن لا ينظر إلى ما يجيئه من معدن الحق من وراء زجاجاتهم الملونة،بل ينظر إليه كما كان ينظر إليه أهل الحق.و الله الموفق .".انتهى بتصرف يسير، ولمن أراد للتفصيل فعليه ب:"التنكيل"(2/188/202.(انتهى كلام المعلمي
كانت تلك هي الدرر الغالية من النصائح العالية،جاءت عشرة كاملة هادية لمن أخلص نيته،وصدق في بحثه عن الهدى،فانقاد بإذن ربه إلى الحق المبين،أما المكابر المعاند فلا نملك له إلا قول الله جل وعلا:[ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء].
كان ذلك جهد المقل، نسأله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه الكريم،
وأن يتقبله بقبول حسن،وأن يجعله سببا لاهتداء من أخطأ سبيل الحق،ونسأله تعالى أن يوفق للخير كل من قرأه،ويجزي خيرا كل من نشره،وألتمس من إخواني الكرام دعوة صالحة بظهر الغيب لهؤلاء الحيارى التائهين في ظلمات الشرك والبدع.
وفي الختام:نسأله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى:أن يحفظ إيماننا،ويثبت أجرنا،وأن يجعل الجنة متقلبنا ومثوانا،وآخر دعائنا أن الحمد لله رب العالمين.
الأربعاء: 8 جمادى الأول 1434
الموافق ل: 20مارس 2013







