حضارة المادة والشغور الروحي
22-05-2013, 09:38 AM
لا شك ان الحضارة الغربية هي اعظم حضارة عرفتها الانسانية منذ الوجود من حيث التقدم العلمي والتكنولوجي واكتشاف الكون فحققت له من الرفاهية ما جعلته يقضي حوائجه بكبسة زر وحلقت به خارج كوكبه ولا يزال جموح رغبته متطلعا الى اعظم من ذلك غير انها لم تستطع في المقابل تحقيق الاستقرار الروحي الذي يعتبر اهم شيء بالنسبة للانسان ويتضح لنا ذلك جليا من خلال افتقاد الانسان الناشئ في ظل هذه الحضارة والمتشبع بمبادئها وكذا الانسان المتؤثر بها والمقلد لها لانسانيته السوية القائمة على الموازنة بين تغذية الروح والجسد حيث تسيره المادة ويعيش من اجل المادة وطموحه المادة حتى ثقافته ونجدها مرتبطة بعالم الاشياء والماديات وقد اهتدى العلامة مالك بن نبي الى مثال غاية في تجسيد حياة الغربي بصفة عامة ويتلخص في قصة " روبنسون كروز و" ذلك الذي غرقت به السفينة ولاذ بنفسه الى جزيرة مهجورة كيف نظم حياته و ملأ ساعاته ؟ كان يخرج في الصباح الباكر للصيد ثم يرجع الى مستقره ويبدا مباشرة في العمل ثم يقوم بطهي صيده ليتناوله ثم يضطجع ليواصل عمله في المساء الى ان يجن الليل ياكل شيئا مما عنده ثم ينام . وكان عمله عبارة عن ابتكارات لسد الحاجة وتحقيق الرفاهية من مواد اولية بسيطة اتيحت له من محيطه فصنع طاولة وكرسيا وسريرا ومظلة واداة صيد وما الى ذلك اذ لم يكن لزمنه قاتل بدقائقه وثوانيه سوى الملموس النفعي البحث . من خلال هذا المثال نستطيع ان نحكم بان المادة بالنسبة للانسان الغربي هي العلة الاولى لكينونة المخلوقات تنطلق من ذاتها لتصل الى ذاتها وفي وسط هذه الحلقة يوجد الشغور الروحي الرهيب والذي تجذر مع ولادة ما يسمى بالمدارس والمذاهب الفلسفية المتعددة الانماط والتوجهات في ظاهرها والمرتكزة عموما في جوهرها على التصور المادي واهم هذه المدارس واكثرها تاثيرا على الاطلاق هي " المدرسة الراسمالية التي رغم كونها حديثة بالنسبة لمدارس اخرى سبقتها في الظهور وكانت لها نفس الاهداف الا انها تعتبر اول من زرع خلايا ورم العلمانية الخبيث حيث بدات كنظام اقتصادي يبحث في وسائل اشباع الحاجات المادية تحقيقا للمنفعة واللذة باعتبارهما اقصى ما يطمح له الانسان استنادا على قاعدة فكرية هي فصل الدين عن الحياة وتبلورت اكثر بعد الثورة الصناعية في اروبا بفضل سلطان رجال الدين والكنسية " * كانت نتائجها وخيمة على العالم باسره حيث ان الشعوب التي تعيش تحت سلطان هذه الحضارة تعاني من القلق والاكتئاب والضياع لان الهدف الاسمى من الوجود الانساني مفقود حيث منحت لهم الحرية الشخصية في فعل اي شيء ما لا يعتدى على الاخرين مع ذلك لم يستطيعوا اشباع رغباتهم وزادوا معها عطشا وبالمقابل جمودا للفطرة البشرية السليمة المقيدة لمطلق الحرية واستغلوا جميع ما اتيحت لهم من ماديات ووسائل الرفاهية لكنهم لم يهتدوا الى المقصد والغاية فراح علماؤهم ومفكريهم ممن استطاعوا ان ينفذوا اقطار السماوات والارض بسلطان علمهم وفكرهم يبحثون عن علاج لمرض شعوبهم فتعددت العيادات النفسية والعصبية وغدت بالالوف مع ذلك قلما نجحت في القضاء على افة الشغور الروحي وما يتبعه من شعور بالياس والندم والتيه وبالتالي اللجوء الى المسكرات والمخدرات والشذوذ او الانتحار حتى ان هناك طائفة من النقاد الغربيين ممن حكموا العقل واجتهدوا ونقروا خلصوا الى السبب الحقيقي لمشكلهم اذ يقول المؤرخ البريطاني الشهير جوزيف توينبي : " لقد اغرقت فنون الصناعة ضحاياها وجعلتهم يسلمونها قياد انفسهم ببيعها المصابيح الجديدة لهم مقابل المصابيح القديمة لقد اغرقتهم فباعوا ارواحهم واخذوا بدلا منها السينما والراديو وكانت نتيجة ذلك السمار الحضاري الذي سببته تلك الصفقة الجديدة اقفارا روحيا وصفه افلاطون بمجتمع الخنازير "
كما قال وزير خارجية امريكا " فوستر دالاس " في عهد ازنهاور في كتاب له بعنوان " حاجتنا الروحية " :
" ان الامر لا يتعلق بالماديات فلدينا اعظم انتاج عالمي في الاشياء المادية ان ما ينقصنا هو الايمان الصحيح القوي ، فبدونه يكون كل ما لدينا قليلا وهذا النقص لا يعوضه السياسيون مهما بلغت قدرتهم او الدبلوماسيين مهما كانت فطنتهم او العلماء مهما كثرت اختراعاتهم او القنابل مهما بلغت قوتها "
أماني أريس
كما قال وزير خارجية امريكا " فوستر دالاس " في عهد ازنهاور في كتاب له بعنوان " حاجتنا الروحية " :
" ان الامر لا يتعلق بالماديات فلدينا اعظم انتاج عالمي في الاشياء المادية ان ما ينقصنا هو الايمان الصحيح القوي ، فبدونه يكون كل ما لدينا قليلا وهذا النقص لا يعوضه السياسيون مهما بلغت قدرتهم او الدبلوماسيين مهما كانت فطنتهم او العلماء مهما كثرت اختراعاتهم او القنابل مهما بلغت قوتها "
*سلسلة دراسات " حكم الاسلام في الرأسمالية " للدكتور محمود الخالدي ص 28
أماني أريس










