دين المرجئة الجدد....سلسلة
02-05-2008, 02:38 PM
المقدمة
الحمد للَّه على هداه الذي يكلأ اللَّه به سبحانه الصالحات، ويكشف به اللثام عن السيِّئات، فيوفّق أهل الطاعة إليه ببشارته، ولا تكون للعصاة حجّة بنذارته• والصّلاة والسلام على مَن دعا النّاس إلى سواءِ القصد والرّجاء على تمام رسالته، وواضح محجّته، أما بعد :
فإنّه لطالما سألت نفسي :
أين تقع كلمةُ الشهادة من عقيدة أولئك الذين أمكنوا لعقيدة الإرجاء من أنفسهم ـ وبخاصّةٍ المجدّدين منهم الذين هم على مذهب أصحاب السّبت ـ وكأنّي بهم يقولون حسيساً، أو تَخَيُّلاً، أو صدىً لأزِّ وحيِ الشّيطان، هل تحسبون أننا صددناكم عن الهدى؟ ولقد مغروا واللَّهِ بالضّلال، وغشَّوا قلوبهم بالباطل، وأمَسُّوا نعمةَ اللَّه عليهم جحوداً ونُكراً•
وكأنِّي بهم وهم يرفعون لواءَ الإرجاءِ على فسحةٍ من العمر أو ضيق، لا يرون بقولهم هذا الباطل إلا أنَّ من يخالف عنهم هو الحانف عن الحقّ والصواب، وأنّهم هم الهادون المهتدون•
ومَن يمعن أو يُنعم النّظر في مذهبهم ذاك، فإنّه يكاد يجزم أنّ قلوبهم قد نفرَتْ نفاراً بعيداً من كلمة التوحيد، وأعْنَتَتْهم من بَهْظِها عنَتاً شديداً، فلاذوا بها يحتمون بصورتها الحرفية، ويتخذون من هذه الصورة، ستراً يردُّون به عن وجوههم سوءَ العذاب، عياذاً باللَّه• أما معناها، ومقتضاها العمليّ السَّويُّ، فليس يَعْنيهم في شيءٍ، فقد ضلَّ في تلافيف عقولهم الحُطَمة، وإن بقي لهم منه شيءٌ يسير، فليس بالذي يكفي في الأمر على سواءٍ، لأنّ معناها هذا، لا يقوم على ساقه إلا بتمامه، وتماسك أجزائه، فمن أراده على غير هذا الوجه فهو يمشي إلى سرابٍ، وفي سرابٍ، ومن فوق سراب، يكوِّر هذا الحرف على غير معناه، وهذا المعنى على غير الحرف الذي يُصَوِّرُه على غير هيأَته، فلا يكون معنى يُدَلُّ عليه بحروف هذه الكلمة الجميلة، ولا يكون لحروفها معنى يُدَلُّ عليه بها•
ولكأنَّهم رأَوا في حروف هذه الكلمة، التي تُقْرأُ بها ليعرف النّاس معناها بها ـ وقد أفعموها بأمشاجِ جهلهم، وإفكهم، واتِّباعهم غيرَ سبيل المؤمنين، بأن أخْلَوها من مقتضاها الحقّ، ومَحَوا من بين أجزائها التي بُنِيَت بها المعنى الصحيح الكامل الذي تهدي إليه لأول وهلة ـ أنّ هذه الحروف كافيةٌ وحدها في أن تكون قائدتهم إلى الجنّة، فاكتفوا بها وحدها، ودفعوا بها، وهْماً وتخيُّلاً، من أمامهم إلى قبورهم ليجدوها يوم القيامة من بين أيديهم من غير عملٍ عملوه، محسنين الظَّنَّ باللَّه، على فقرٍ من علمٍ بها، ثمّ توكؤٍ على هذه الكلمة، وجاعلوها هي الشافع والمشفَّع عند ربّهم، ويقولون في أنفسهم: لقد كُفينا مؤنتها في الدنيا، وأرحناها من حمل العمل بمقتضاها، وخرجنا متخفِّفين من تبعتها، وطيَّبوا أنفسهم ـ عياذاً باللَّه ـ من العمل الطيِّب ـ وهو مقتضاها ـ وقالوا: النّار لا تحرق لا إله إلا اللَّه، وهي قادرة على أن تدرأَ العذاب الذي نخشى عن نفسها، إذاً؛ فنحن نتقرّب إلى اللَّه، بأن تكون لنا فداءً، واللَّه رافعٌ عنّا العذاب بإحسانِ الظنِّ بكلمة (لا إله إلا اللَّه)• فإنْ كان من مسٍّ من النار لأبشارنا، فلا ملامة علينا من شيءٍ كان منّا، إنّما الملامة كلُّها واقعةٌ على (لا إله إلا اللَّه)؛ لأنّها هي المكلَّفةُ بالخطابات الإلهيّة، والأحكام الشرعية، أي أنّ حروفها مكلفةٌ بحفظ معانيها الدّالة عليها، ونحن البشرَ، بعضٌ من هذه الخطابات، فحقٌّ عليها إذاً أن تعرف عن ربّها ما حُمِّلت من خطاب ربّها، ونحن شيءٌ من هذا الخطاب، وماذا عليها لو أنّها حملت أوزار الأُمة، ما دام أنّها هي مناط الخطاب، وهي الحقيقة، بأن يتَّقى بها ويدَّرأ، ثم نحن في حلٍّ من بعد، بأن نصيب ذنوباً ثم نقلع عنها تائبين أم غير تائبين، ما دام أنّ كلمة (لا إله إلا اللَّه) هي مناط التكليف، ولا علينا أتاب اللَّه علينا أم لم يتُب، فقد كفانا برحمته، وصرفَ عنّا سوءَ العذاب، وبذلك فليس بنا حاجة إلى أن نفرِّق بين أُمة الإجابة وبين أُمّة الدعوة، وقد أضحت كلمة التوحيد هي مناط التكليف، ومُنتهى الإرادة بالخطاب الإلهي، ولا عليها من بعدُ أن يُخفّف عنها العذاب يوم القيامة أم لا، لأنّ أمرها منوطٌ بقدر اللَّه وإرادته، ثم لا عليها كذلك أن تجعل شيئاً من همِّها مصَوَّباً إلى فريق من النّاس، فإمّا أن تكون محسنةً بالقدرة عليها، وإمّا أن تكون مسيئةً بالعجز عن الإحاطة بهم، فإن أحسنت؛ أنالها اللَّه من حُسن ثوابه جزاءَ إحسانها، وإن هي أساءَت؛ أنالها اللَّه من سوءِ عقابه جزاءَ إساءتها•
وإذ ذلك كذلك، فقد برئت ذمّةُ العباد من كلِّ سوءٍ يمكن أن يُنسب إليهم، يُجيئُهم إلى عاقبة السُّوأى، ولا إله إلا اللَّه، هي وحدَها التي تحمل أوزار الذين زحزحوا عمّا كانوا عليه، أي أنهم قد برئوا من حملهم مسؤولية مقتضى هذه الكلمة، لأنَّ لا إله إلا اللَّه هي المخاطَب المكلَّف، والعباد هم شيءٌ من التكليف، الذي أوجبه اللَّه حقّاً لا ينفكّ على هذه الكلمة إلا بأدائه على النحو المراد منها•
واللَّه سبحانه لا يظلم شيئاً شيئاً، وخطابات التكليف كلُّها موجَّهة إلى تلكم الكلمة، فإنْ كان من إحسانٍ فلها، وإن كان من إساءةٍ فعليها، إذاً؛ والإرجاءُ ـ وهو يدفع عن أصحابه مسؤولية الخطابات الشرعية، ويبرِّؤهم من المخالفة عن صواب الحقّ، ويُحَمِّلُ لا إله إلا اللَّه وحدها مسؤولية مخالفات فقه الإرجاء ـ فإنّها بذلك هي الحقيقة بالعذاب، وليست ندامتها مخفِّفَةً عنها يوماً من العذاب، إذاً، فما الفرق بين هذه العقيدة، وعقيدة من يحمِّل المسيح عليه السلام بصلبه ـ زعموا كذباً ـ خطايا البشر؟!
وعلى اللَّه قصد السبيل•

وكتب
أبو مالك
ربي لا تجعلنا من الذين ضل سعيهم في الحياة الدُنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا."