التعريف بأدلة الاحتفال بالمولد الشريف.الجزء الثاني
07-01-2014, 11:15 AM
التعريف بأدلة مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف
الجزءالثاني
للشيخ:عبد العالي بوعكاز
19- قال الله تعالى حكاية عن عيسى بن مريم عليهما السلام: ﴿ ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا وآيةً منك وارزقنا وأنت خير الرازقين﴾ المائدة: 114.
قال الشيخ إسماعيل حقي في "روح البيان 02/446 "عند تفسير هذه الآية: (أي يكون يوم نزولها عيداً نعظِّمه، وإنما أسند ذلك إلى المائدة لأن شرف اليوم مستفاد من شرفها)اهـ.
فهل يكون يوم نزول المائدة أعظم من يوم مولد المصطفىصلى الله عليه وسلم؟؟ ثم إن هذه الآية تدحض الشبهة الحشوية في منع الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بدعوى أن في الاسلام عيدين فقط. وهما الفطر والأضحى ولا يجوز الاحتفال بغيرهما.
لكنهم ربما لا يقرؤون هذه الآية التي بينت أن يوم نزول المائدة يوم عيد، و سماه الله يوم عيد.
ومما يدحض هذه الشبهة الحشوية الزاعمة أن في الاسلام عيدين فقط يُحتفل بهما وكل احتفال بسواهما فهو بدعة، حديث أبي هريرة رضي الله عنهحيث قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلميقول: "إن يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلا أن تصوموا قبله أو بعده" أخرجه ابن خزيمة 2161 وعبد الرزاق 7843 وابن حبان 3610 . وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على صحيح ابن حبان 8/375: إسناده صحيح.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن هذا يوم عيدٍ جعله الله للمسلمين، فمن جاء إلى الجمعة فليغتسل، وإن كان طيبٌ فليمس منه وعليكم بالسواك" أخرجه ابن ماجه 1098.
وهذا أكبر بيان من النبي صلى الله عليه وسلمأن يوم الجمعة يوم عيدٍ كذلك، وبهذا يتبين لمن له لبٌّ أن الأعياد في الإسلام أكثر من اثنين بصريح دلالة الكتاب والسنة.
20-هناك آية أخرى في كتاب الله تعالى تعضد ما ذكرناه وتقويه، وهي قوله تعالى على لسان سيدنا عيسى عليه السلام: ﴿والسلام عليَّ يوم ولدتُ ويوم أموت ويوم أبعث حيا﴾ مريم: 33
فهذه الآية وغيرها من الآيات حافلة بالإشارة إلى ميلاد المسيح عليه السلام، ومدحه ومزاياه التي منَّ الله بها عليه، وهي بمجموعها شاهدة وداعية إلى الاحتفال بهذا الحدث العظيم، وما كان ميلاد محمد صلى الله عليه وسلمبأقل شأنا من ميلاد عيسى عليه السلام، بل إن ميلاد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلمأعظم من ميلاد عيسى عليه السلام لأنه صلى الله عليه وسلمأكبر نعمة، فيكون ميلاده أيضاً أكبر وأعظم.
21- جاء في كتاب الله عز وجل بيان لقصة ميلاد عيسى عليه السلام، وميلاد يحي بن زكريا عليهما السلام، ونطقت آيات كثيرة بالإشارة إلى ميلاد مريم عليها السلام، وما سبق ذلك الميلاد من دعاء الأم الرؤوم، وما صحبه من تخوف واعتذار، وما صحب مولدها عليها السلام من إكرام الله لها حيث كفلها زكريا، وحيث الرزق المتجدد المتعدد الأنواع، وحيث يتبارى أشراف القوم فيمن يكفل مريم، واقترعوا من أجل ذلك، هذا كله في سورة آل عمران من الآية 34 إلى الآية 44.
فالله سبحانه وتعالى خلَّد في القرآن الكريم ذكر ميلاد عيسى عليه السلام، وذكر ميلاد يحي عليه السلام ،وذكرميلاد مريم عليها السلام.
أليس في هذا كله ما يستأنس به لجواز ذكر النعمة بمولده صلى الله عليه وسلموهو بكل تأكيد أفضل خلق الله على الإطلاق؟؟
22-قال الله تعالى: ﴿ و لقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور و ذكِّرهم بأيام الله﴾ إبراهيم: 05 . فقوله سبحانه و تعالى ﴿ و ذكِّرهم بأيام الله﴾ شامل ليوم مولدهصلى الله عليه وسلملأنه من أيام الله بل من أعظم أيام الله، والمراد أن نتذكر ما أنعم الله به علينا بمولد هذا النبي صلى الله عليه وسلم وبعثته وهديه وشرعه.
23 -فيما أخرجه البخاري "الفتح 08/270" وغيره، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، فقال: أي آية ؟ قال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ المائدة: 03. فقال عمر: "إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه، ورسول الله صلى الله عليه وسلمقائم بعرفة يوم الجمعة".
وأخرج الترمذي 05/250 عن ابن عباس نحوه وقال فيه: "نزلت في يوم عيد من يوم جمعة ويوم عرفة"، وقال الترمذي: وهو صحيح. وفي هذا الأثر موافقة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهعلى اتخاذ اليوم الذي حدثت فيه نعمة عظيمة عيدا، لأن الزمان ظرف للحدث العظيم، فعند عود اليوم الذي وقعت فيه الحادثة يكون موسما لشكر تلك النعمة وفرصة لإظهار الفرح والسرور بها.
24-قال الله تعالى: ﴿ إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ وقال: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ فقد نعت الله سبحانه وتعالى ليلة الإنزال على النبي الأكرم صلى الله عليه وسلمبأنها ليلة مباركة، وأنها ذات قدر، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وما أدريك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تـنـزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر﴾
فالله سبحانه وتعالى عظَّم ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن، ولا شك أن ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم أعظم من ليلة نزول القرآن لأن القرآن أُنزِل على النبي صلى الله عليه وسلمصاحب المولد.
وليلة القدر التي عظمها الله سبحانه وتعالى في مواضع من كتابه تعود علينا ونتذكرها وننتظرها ونحتفل ونفرح بها كل عام.
فإذا كان هذا القدر وهذا التعظيم لليلة نزول القرآن فكيف بليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلمالذي أنزل عليه القرآن، لا شك أنه قدر فوق القدر.
قال الإمام القسطلاني في "المواهب اللدنية" 01/145: ( إذا قلنا بأنه عليه الصلاة والسلام ولد ليلاً فأيما أفضل: ليلة القدر أو ليلة مولده صلى الله عليه وسلم؟
أجيب: بأن ليلة مولده أفضل من ليلة القدر من وجوه ثلاثة:
أحدها: أن ليلة المولد ليلة ظهوره ،صلى الله عليه وسلم وليلة القدر معطاة له، وما شرف بظهور ذات المشرف من أجله أشرف مما شرف بسبب ما أعطيه، ولا نزاع في ذلك، فكانت ليلة المولد - بهذا الاعتبار- أفضل.
الثاني: أن ليلة القدر شرفت بنـزول الملائكة فيها، وليلة المولد شرفت بظهوره صلى الله عليه وسلمفيها. ومن شرفت به ليلة المولد أفضل ممن شرفت بهم ليلة القدر، على الأصح المرتضى، فتكون ليلة المولد أفضل.
الثالث: أن ليلة القدر وقع التفضُّل فيها على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وليلة المولد الشريف وقع التفضُّل فيها على سائر الموجودات. فهو الذي بعثه الله عز وجل رحمة للعالمين، فعمت به النعمة على جميع الخلائق، فكانت ليلة المولد أعم نفعا، فكانت أفضل.
فيا شهرا ما أشرفه وأوفر حرمة لياليه، كأنها لآلئ في العقود، ويا وجها ما أشرفه من مولود، فسبحان من جعل مولده للقلوب ربيعا و حسنه بديعا
يقول لنا لسان الحال منه****و قول الحق يعذب للسميـــع
فوجهي والزمان وشهروضعي **** ربيع في ربيع في ربيع )اهـ
25-هذا وقد عقد العلامة ابن مرزوق رحمه الله تعالى في كتابه " جنا الجنتين في فضل الليلتين" مقارنة لطيفة بين ليلة المولد وليلة القدر، خلص فيها إلى أفضلية ليلة المولد على ليلة القدر، واحتج لذلك بإحدى وعشرين وجها، ومن أراد الاطلاع عليها فليرجع إلى كتاب "المعيار المعرب" للونشريسي 11/279-289.
26-قال الإمام السيوطي في رسالته "حسن المقصد في عمل المولد" والمطبوعة ضمن كتابه "الحاوي للفتاوي" 01/230: ( قلت: وقد ظهر لي تخريجه – أي الاحتفال بالمولد- على أصل آخر وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلمعقَّ عن نفسه بعد النبوة مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عقَّ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيجعل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلمإظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمةً للعالمين وتشريع لأمته كما كان يصلي على نفسه، لذلك فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات و إظهار المسرات...)
الخاتمة: يتبين للمتجرد للحق المحب للنبي صلى الله عليه وسلم أن الاحتفال بالمولد مشروع ولا يجوز إنكاره.
لكننا نقول: إن ذكره صلى الله عليه وسلم والتعلق به يجب أن يكون كل حين ويجب أن تمتلئ به النفوس، وفي يوم ولادته يكون الداعي أقوى، كما أن هذه المناسبة وسيلة كبرى للدعوة إلى الله.
فإن قال المتمسلف: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله. قلنا: بل فعله وكان يفعله كل أسبوع وحثنا على صيام يوم الاثنين. فإن قال: إن الصحابة لم يفعلوه بالكيفية المعهودة اليوم. قلنا: وما يدريك. فإن قال: إنه لم يرِد. قلنا: إن ترك الصحابة للعمل ليس من أدلة الشرع. فإن قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالاحتفال به. قلنا: ولم ينهى عن ذلك أيضاً، كما أنه كان يترك العمل خشية أن يفرض على أمته، وكان صلى الله عليه وسلم يحب التخفيف على أمته سيما فيما يخصه صلى الله عليه وسلم.ومادام أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بالكيفية المعهودة عند الناس اليوم لا أمر فيه ولا نهي فهو مباح.










