ردا على عثمان سعدي: نقاش علمي وهاديء حول المسألة الأمازيغية.
12-06-2014, 08:24 AM
ردا على عثمان سعدي:
نقاش علمي وهاديء حول المسألة الأمازيغية.
بقلم الدكتور: رابــح لـونـيـســي
- الجــزء الأول -
سنشرع في نشر مقالة بعنوان "ردا على عثمان سعدي: من أجل نقاش علمي وهاديء للمسألة الأمازيغية"، والتي لم تنشرها يومية الشروق اليومي التي نشرت في المقابل سلسلة حوارات ومقالات خاصة لعثمان سعدي ضد القضية الأمازيغية في أغلبها ودائما بعناوين رئيسية وفي عدة صفحات، وكان من المفروض عليها تبعاً لأخلاقيات الإعلام (حق الرّد) نشر أي رد علمي على ذلك، لكن لم تنشر ذلك إلى حد اليوم، مما يطرح أمامنا عدة تساؤلات، وسنشرع اليوم في نشر جزء من المقالة، ثم نواصل الأجزاء الأخرى تباعا
الجزء الأول
أ-دحض طروحات عثمان سعدي
تلقيت العديد من الرسائل الإلكترونية تطالبني بالدخول في النقاش حول القضية الأمازيغية التي طرحتها يومية الشروق على صفحاتها، ولعل ذلك يعود إلى أعمالي حول هذه المسألة أو معرفتي الدقيقة بالفكر القومي العربي، وبتعبير أدق فقد طلب مني الكثير بالرد على ماأسموه"ترهات عثمان سعدي"، لكني فضلت وضع المسألة في إطار علمي وهاديء دون أي سجال أيديولوجي الذي غلب على الكثير من المعادين للبعد الأمازيغي للجزائر، الذي يعد بعدا أساسيا وعميقا وواقعيا للأمة الجزائرية إلى جانب الإسلام والعربية والمصير المشترك تاريخ الأمة وعناصر أخرى، ولم يكن ردي إلا حرصا على تماسك ووحدة الأمة الجزائرية وعدم الوقوع في حروب ثقافية تضرب هذه الوحدة، والتي عادة ما يشعلها البعض من دعاة القومية العربية المتطرفين والإقصائيين بوعي أو دون وعي ثم يتهمون الآخرين بأنهم يهددونها بالرغم من أن هؤلاء الذين يسميهم سعدي ب"البربريست" يؤمنون ب"الأمة الجزائرية" على عكس البعض من هؤلاء القومين العرب الذين لا يؤمنون بها ، وقبل أي نقاش لابد من تحديد بعض المفاهيم بصيغة علمية وتصحيح ما يشاع حولها.
1-مشكلة إلتباس المفاهيم
عادة ما يقع الخلط في المفاهيم والمصطلحات، فصنعنا إلتباسات خطيرة لدى الإنسان الجزائري عمدا ولأهداف سياسوية بحتة، ومنها هناك فرق كبير بين العربية والعروبة، فالعربية هي لغة وثقافة نعتز بها وجزء أساسي من هويتنا، أما العروبة فهي الأيديولوجية القومية التي تتخذ طابع إقصائي وإستعلائي تجاه الثقافات الأخرى، وتسعى لطمس أي تنوع، وينطبق نفس الأمر على البربرية أو الأمازيغية التي هي لغة وثقافة وبعد تاريخي، وهي أيضا جزء أساسي من هويتنا، فالبربريزم يقابل العروبة والبربريست يقابل العروبي، فكلاهما أيديولوجية تفتيتية، لكن الفرق بينهما أن البربريزم والبربريست في الحقيقة قد ظهر كرد فعل على العروبة أي الأيديولوحية القومية العربية الإقصائية، كما سنوضح ذلك فيما بعد، ونفس الأمر ينطبق حول الإسلام والإسلاموية، فالأول معتقد ودين، ويعد القاعدة الأساسية لهويتنا، لكن الإسلاميوية هي أيديولوجية توظف الإسلام للوصول إلى السلطة، وأنا عادة ما أنطلق من فكرة مفادها أن هوية الأمة الجزائرية تتشكل من خمس عناصر أساسية على شكل مثلث ذهبي قاعدته الإسلام وضلعين هما العربية والأمازيغية مزجها كل من تاريخنا والمصير المشترك كمحللين أي catalyseurs، وأي مساس بأي ضلع من هذه الأضلاع الثلاث معناه تفكك الأمة، كما يتفكك ذلك المثلث الذهبي، وعادة الذين يهددون هذا المثلث هم الذين لا يعترفون بواحد منها، فمثلا الأمازيغية جزائرية والإنسان الناطق بالأمازيغية في الجزائر هو جزائري، فإذن من ضدها فهو أوتوماتيكيا ضد الأمة الجزائرية ومهددا لتماسكها، لأنه يتنكر لمقوم أساسي فيها، وينطبق نفس الأمر على كل بعد من هذه الأبعاد الخمسة التي ذكرناها آنفا، أما الذين يسعون لتحويل أي بعد من هذه الأبعاد إلى أيديولوجية معناه يهدد وحدة الأمة، ولهذا يمنع منعا باتا توظيفها في العمل السياسي بصفتها رأسمال رمزي هو ملك الأمة كلها، ويجب أن تبقى في الإطار العلمي والثقافي، لكن ليس بالتمييز فيما بينها كما يفعل اليوم في الجزائر ضد البعد الأمازيغي، لأن ذلك من شأنه الشعور بالإقصاء وإدخال هذا البعد في العمل السياسي، أي نقله من مجاله الطبيعي وهو العلمي والثقافي إلى المجال السياسي والأيديولوجي، ولايجور تحميل المسؤولية في هذه الحالة للذين أخرجوه من مجاله الثقافي إلى السياسي، بل على الذين همشوه لأن فعلهم ينم عن رد فعل لفعل، وينطبق نفس الأمر عند إقصاء أو تهميش أي بعد من أبعاد هويتنا، وبناء على ذلك كله يجب على كل جزائري مهما كان موقعه في السلطة أو المعارضة في المدرسة او الجامعة أو المسجد أن يدافع عن هذه الأبعاد كلها.
لكن حسب تتبعي لخطاب كل هذه التوجهات سواء كانت العروبية أو ما يسميها عثمان سعدي "البربريست"، فإن هؤلاء الأخيرين لم يطالبوا إلا بإضافة البعد الأمازيغي إلى الإسلام والعربية، ولم يدع احدهم يوما بإقصاء أحدها، فلنعد إلى أدبياتهم، وللأسف لم يتحقق هذا المطلب دستوريا إلى بعد عقود من النضال، وهذا ما لا يقوم به بعض دعاة القومية العربية الذين يعملون على إقصاء البعد الأمازيغي وتهميشه، بل القضاء عليه بشتى، مما يولد ردود فعل طبيعية لدى الكثير من المواطنين، مما يؤدي إلى المساس بوحدة الأمة وإدخالنا في حروب ثقافية نحن في غنى عنها، وعادة مايخطط لها في مخابر أعدائنا ونحن ننساق وراءها دون وعي منا، ويبدو أنها هذه الحروب خطط لها منذ أمد بعيد، واليوم وصلت إلى درجة خطيرة بعد ما وضع هننجتون نظريته حول صدام الحضارات ثم شرع برنارد لويس بالتخطيط لها بإشعال حروب طائفية وعرقية وهمية في العالم الإسلامي.
2-فكرة القوميات كقنبلة إنشطارية في العالم الإسلامي
هذا الأمر يدفعني إلى توضيح مسألة تاريخية هامة جدا يتستر عليها بعض دعاة القومية العربية، لكنهم يستخدمون إلتباسات مؤثرة في الكثير من مواطنينا، وهذه المسألة تتعلق بظهور القوميات، ومنها القومية العربية، فهذه القومية برزت بعد مخطط جهنمي وضعته القوى الأوروبية الكبرى لتفتيت الدولة العثمانية في البداية، فبعد ما وضعوا أكثر من مئة مخطط لتفجير الدولة العثمانية تمكنت من إبتكار القنبلة الإنشطارية، والتي بقيت تعمل إلى حد اليوم، ففتت أوطاننا ودولنا، فهذه القنبلة هي فكرة القومية بكل تعصباتها ، فبدأت بنشر الفكرة الطورانية لدى الأتراك وكذلك فكرة العروبة كأيديولوجية قومية لدى عرب المشرق خاصة على يد الإرساليات التبشيرية الأمريكية والأوروبية، لكن لم تنتشر الفكرة بقوة، ولم يعط لها البنزين الحارق إلا بعد وصول القوميون الأتراك إلى السلطة في اسطنبول بعد ما يسمى بالثورة الدستورية عام 1908 ضد السلطان عبدالحميد الثاني التي فرح بها وناصرها كل شعوب الدولة العثمانية بما فيها العرب، لكن في الكثير من الأحيان الأفراح تتحول إلى أتراح، وذلك بعد سياسات التتريك والعنصرية الطورانية ضد العرب وثقافتهم، فهو ما أدى إلى ردود فعل طبيعية لعرب المشرق دفاعا عن ثقافتهم التي يهددها الأتراك، وهو حق مشروع لهم، وقد وصل هذا القمع العنصري حده الأٌقصى بعد مذابح جمال باشا ضد العديد من الزعماء العرب عام 1916 بتعليقهم على المشانق.
وأدت سياسة التتريك إلى إستعانة بعض العرب بدعم غربي لحماية أنفسهم وثقافتهم، ومنها فرنسا أين وقع الإجتماع العربي عام 1913 بتمويل فرنسي، ثم دخل الأنجليز على الخط إستغلال مأساة هؤلاء العرب، فوظفت هؤلاء القوميون العرب ضد الدولة العثمانية بإشعال ما يسمى ب"الثورة العربية الكبرى" عام 1916، فوقع المشرق العربي بعدها تحت الإنتداب البريطاني والفرنسي.
وبعد هذا السرد التاريخي أطرح سؤالا على أعداء البعد الأمازيغي في الجزائر بإسم العروبة، وأقول لهم هل من العدل إتهام هؤلاء العرب في المشرق بالعمالة للغرب وإدخالهم الإستعمار أم نحمل المسؤولية للقومية الطورانية التركية التي همشتهم، وأرادت تتريكهم والقضاء على الثقافة العربية ولغتها؟ فإذا كان القومبيون العرب يرفضون ذلك ويفضلون الطرح الثاني، فلماذا إذا لا يتحملون مسؤولية القيام بنفس ما قام به القوميون الأتراك في العدد من البلاد التي تعرف بتعدد الثقافات والهويات، ومنها الأكراد في العراق وسوريا؟، وكذلك لماذا لا يتحملون مسؤوليتهم في تفكيك السودان بعد ما طمس القوميون العرب في الخرطوم وهم أقلية بدعم مصري ناصري كل ثقافات الجنوب ودارفور وكردفان وغيرها ودفعهم للتعصب ثم الإنفصال بعد تهميشهم ثقافيا وإقتصاديا؟، فيجب على هؤلاء القوميون القيام بنقد ذاتي والإعتراف بأنهم يتحملون جزء كبير من المسؤولية في تفكيك هذه البلدان بتعصبهم وتهميش كل ثقافات هذه البلدان وعدم الإعتراف بها والعمل على طمسها، بل تعريبهم بكل الوسائل، وهو ما يولد ردود فعل طبيعية، فبدل تحميل المسؤولية للغرب وحده، فلنحملها أيضا للقوميين العرب الذي وقعوا في قنبلة إنشطاريه صممها الغرب لازالت تقوم بمفعولها إلى اليوم، وإذا أردنا الحفاظ على أوطاننا، فيجب القضاءعلى مفعول هذه القنبلة بإقامة دولة ديمقراطية تعددية يحترم فيها الجميع بصفتهم مواطنون يتساوون في الخقوق والواجبات، وإحترام الخصوصيات الثقافية، بل تحويل مسألة الهوية إلى مسألة فردية بدل أن يأتي أي كان فيعمم ما يعتقده أنها هويته أو أصله على كل أفراد الأمة، وهذا ما يسمى في الغرب "مبدأ المواطنة".
3- المسألة الأمازيغية في الجزائر نتاج التعصب القومي العروبي
أن المسألة الأمازيغية في الجزائر لم تكن على الإطلاق نتاج إستعماري كما يريد القوميون العرب إيهام الناس، بل هي نتاج التعصب القومي العروبي، فهو كان رد فعل لفعل متطرف وإقصائي مورس في الجزائر منذ إسترجاع إستقلالها، بعد ما تمكن بن بلة من الوصول إلى السلطة بدعم مصري ناصري الذي ما فتيء يحذر من وصول ما يسميهم ب"البربر" إلى السلطة، لأنه كان يخشى أن يفقد الجزائر التي أراد أن يحولها إلى دولة تابعة مثل الكثير من دول العالم العربي في إطار الزعامة، لكن في الأخير خدمة مصالح مصر، لأنه سيتفاوض مع قوى الغرب مكان هذه الدول، أي سيجعل الغرب بدل التعامل مع الجزائر فسيتعامل معها بواسطة مصر، ولهذا تهجمت مصر ومعها البعض من الذين يريدون أن توصلهم إلى السلطة بالتهجم على أرضية الصومام إلا لأنها قالت بإستقلالية الأمة الجزائرية عندما قال "أن الجزائر لن تكون تابعة لواشنطن ولا موسكو ولا باريس ولا القاهرة"، فهذه الكلمة الأخيرة هي التي أقلقت عبدالناصر، ودفع عبان رمضان ثمنا غاليا في حياته، مثلما دفعت منطقة القبائل بشكل رئيسي وجزائريين آخرين هذا الثمن لأنها بقوا صامدين ومدافعين عن الأمة الجزائرية الغير تابعة للقاهرة، كما دفع أجدادنا ثمنا غاليا برفضهم التبعية لدمشق بإقامة الدولة الرستمية، ثم رفض التبعية للخلافة الفاطمية في القاهرة، وومادام نتحدث عن القاهرة حسب منطق عثمان سعدي فلما لا نقول أن المصريين أمازيغ أو على الأقل سكان القاهرة التي بناها أكثر من مئة ألف من قبيلة كتامة الأمازيغية الذين وضعوا مصر تحت سيطرة الفاطميين، وهو عدد كبير جدا بمقاييس آنذاك، لكن هجرة بضعة مئات من العرب حولت الجزائر كلها عربية برغم من إختلاط هؤلاء وتزاوجهم مع السكان الأصليين، وأكثر من هذا فهجرة شخص واحد من أهل البيت هو إدريس هربا من الأمويين حولت الكثير جدا من شعبنا أحفاده، ويدعون أنهم من الأشراف كأنه تزوج كل نساء شعبنا ورجالها يمنع عليهم الإنجاب، أنه التزوير البشع للتاريخ.
وكي نتأكد من التخويف المصري ممن أسماهم ب"البربر"ن فلنقرأ كتاب فتحي الديب "عبدالناصر وثورة الجزائر"، وكيف كان يصنف قادة الثورة في تقاريره لعبدالناصر على أساس أنه "بربري" أم "عربي"، أي نفس التصنيف الإستعماري الذي صنف شعبنا إلى أعراق، وهو ليس صحيح على الإطلاق، فنحن جزائريون أمتزجت دماء القلائل الذين آتوا إليها بدماء السكان الأصليين، وغرابة الأمر نفس التقسيم تقوم به الجزيرة القطرية بعد الثورة في ليبيا، مما جعلنا نشك أن هناك مخططا جهنميا لإثارة عرقيات وهمية لتفجيرنا من الداخل حسب مخططات برنارد لويس بتفتيت المشرق على أساس طائفي، وبلداننا المغاربية على أساس عرقي حسب الأيديولوجية الإستعمارية.
يتبع...
نقاش علمي وهاديء حول المسألة الأمازيغية.
بقلم الدكتور: رابــح لـونـيـســي
- الجــزء الأول -
سنشرع في نشر مقالة بعنوان "ردا على عثمان سعدي: من أجل نقاش علمي وهاديء للمسألة الأمازيغية"، والتي لم تنشرها يومية الشروق اليومي التي نشرت في المقابل سلسلة حوارات ومقالات خاصة لعثمان سعدي ضد القضية الأمازيغية في أغلبها ودائما بعناوين رئيسية وفي عدة صفحات، وكان من المفروض عليها تبعاً لأخلاقيات الإعلام (حق الرّد) نشر أي رد علمي على ذلك، لكن لم تنشر ذلك إلى حد اليوم، مما يطرح أمامنا عدة تساؤلات، وسنشرع اليوم في نشر جزء من المقالة، ثم نواصل الأجزاء الأخرى تباعا
الجزء الأول
أ-دحض طروحات عثمان سعدي
تلقيت العديد من الرسائل الإلكترونية تطالبني بالدخول في النقاش حول القضية الأمازيغية التي طرحتها يومية الشروق على صفحاتها، ولعل ذلك يعود إلى أعمالي حول هذه المسألة أو معرفتي الدقيقة بالفكر القومي العربي، وبتعبير أدق فقد طلب مني الكثير بالرد على ماأسموه"ترهات عثمان سعدي"، لكني فضلت وضع المسألة في إطار علمي وهاديء دون أي سجال أيديولوجي الذي غلب على الكثير من المعادين للبعد الأمازيغي للجزائر، الذي يعد بعدا أساسيا وعميقا وواقعيا للأمة الجزائرية إلى جانب الإسلام والعربية والمصير المشترك تاريخ الأمة وعناصر أخرى، ولم يكن ردي إلا حرصا على تماسك ووحدة الأمة الجزائرية وعدم الوقوع في حروب ثقافية تضرب هذه الوحدة، والتي عادة ما يشعلها البعض من دعاة القومية العربية المتطرفين والإقصائيين بوعي أو دون وعي ثم يتهمون الآخرين بأنهم يهددونها بالرغم من أن هؤلاء الذين يسميهم سعدي ب"البربريست" يؤمنون ب"الأمة الجزائرية" على عكس البعض من هؤلاء القومين العرب الذين لا يؤمنون بها ، وقبل أي نقاش لابد من تحديد بعض المفاهيم بصيغة علمية وتصحيح ما يشاع حولها.
1-مشكلة إلتباس المفاهيم
عادة ما يقع الخلط في المفاهيم والمصطلحات، فصنعنا إلتباسات خطيرة لدى الإنسان الجزائري عمدا ولأهداف سياسوية بحتة، ومنها هناك فرق كبير بين العربية والعروبة، فالعربية هي لغة وثقافة نعتز بها وجزء أساسي من هويتنا، أما العروبة فهي الأيديولوجية القومية التي تتخذ طابع إقصائي وإستعلائي تجاه الثقافات الأخرى، وتسعى لطمس أي تنوع، وينطبق نفس الأمر على البربرية أو الأمازيغية التي هي لغة وثقافة وبعد تاريخي، وهي أيضا جزء أساسي من هويتنا، فالبربريزم يقابل العروبة والبربريست يقابل العروبي، فكلاهما أيديولوجية تفتيتية، لكن الفرق بينهما أن البربريزم والبربريست في الحقيقة قد ظهر كرد فعل على العروبة أي الأيديولوحية القومية العربية الإقصائية، كما سنوضح ذلك فيما بعد، ونفس الأمر ينطبق حول الإسلام والإسلاموية، فالأول معتقد ودين، ويعد القاعدة الأساسية لهويتنا، لكن الإسلاميوية هي أيديولوجية توظف الإسلام للوصول إلى السلطة، وأنا عادة ما أنطلق من فكرة مفادها أن هوية الأمة الجزائرية تتشكل من خمس عناصر أساسية على شكل مثلث ذهبي قاعدته الإسلام وضلعين هما العربية والأمازيغية مزجها كل من تاريخنا والمصير المشترك كمحللين أي catalyseurs، وأي مساس بأي ضلع من هذه الأضلاع الثلاث معناه تفكك الأمة، كما يتفكك ذلك المثلث الذهبي، وعادة الذين يهددون هذا المثلث هم الذين لا يعترفون بواحد منها، فمثلا الأمازيغية جزائرية والإنسان الناطق بالأمازيغية في الجزائر هو جزائري، فإذن من ضدها فهو أوتوماتيكيا ضد الأمة الجزائرية ومهددا لتماسكها، لأنه يتنكر لمقوم أساسي فيها، وينطبق نفس الأمر على كل بعد من هذه الأبعاد الخمسة التي ذكرناها آنفا، أما الذين يسعون لتحويل أي بعد من هذه الأبعاد إلى أيديولوجية معناه يهدد وحدة الأمة، ولهذا يمنع منعا باتا توظيفها في العمل السياسي بصفتها رأسمال رمزي هو ملك الأمة كلها، ويجب أن تبقى في الإطار العلمي والثقافي، لكن ليس بالتمييز فيما بينها كما يفعل اليوم في الجزائر ضد البعد الأمازيغي، لأن ذلك من شأنه الشعور بالإقصاء وإدخال هذا البعد في العمل السياسي، أي نقله من مجاله الطبيعي وهو العلمي والثقافي إلى المجال السياسي والأيديولوجي، ولايجور تحميل المسؤولية في هذه الحالة للذين أخرجوه من مجاله الثقافي إلى السياسي، بل على الذين همشوه لأن فعلهم ينم عن رد فعل لفعل، وينطبق نفس الأمر عند إقصاء أو تهميش أي بعد من أبعاد هويتنا، وبناء على ذلك كله يجب على كل جزائري مهما كان موقعه في السلطة أو المعارضة في المدرسة او الجامعة أو المسجد أن يدافع عن هذه الأبعاد كلها.
لكن حسب تتبعي لخطاب كل هذه التوجهات سواء كانت العروبية أو ما يسميها عثمان سعدي "البربريست"، فإن هؤلاء الأخيرين لم يطالبوا إلا بإضافة البعد الأمازيغي إلى الإسلام والعربية، ولم يدع احدهم يوما بإقصاء أحدها، فلنعد إلى أدبياتهم، وللأسف لم يتحقق هذا المطلب دستوريا إلى بعد عقود من النضال، وهذا ما لا يقوم به بعض دعاة القومية العربية الذين يعملون على إقصاء البعد الأمازيغي وتهميشه، بل القضاء عليه بشتى، مما يولد ردود فعل طبيعية لدى الكثير من المواطنين، مما يؤدي إلى المساس بوحدة الأمة وإدخالنا في حروب ثقافية نحن في غنى عنها، وعادة مايخطط لها في مخابر أعدائنا ونحن ننساق وراءها دون وعي منا، ويبدو أنها هذه الحروب خطط لها منذ أمد بعيد، واليوم وصلت إلى درجة خطيرة بعد ما وضع هننجتون نظريته حول صدام الحضارات ثم شرع برنارد لويس بالتخطيط لها بإشعال حروب طائفية وعرقية وهمية في العالم الإسلامي.
2-فكرة القوميات كقنبلة إنشطارية في العالم الإسلامي
هذا الأمر يدفعني إلى توضيح مسألة تاريخية هامة جدا يتستر عليها بعض دعاة القومية العربية، لكنهم يستخدمون إلتباسات مؤثرة في الكثير من مواطنينا، وهذه المسألة تتعلق بظهور القوميات، ومنها القومية العربية، فهذه القومية برزت بعد مخطط جهنمي وضعته القوى الأوروبية الكبرى لتفتيت الدولة العثمانية في البداية، فبعد ما وضعوا أكثر من مئة مخطط لتفجير الدولة العثمانية تمكنت من إبتكار القنبلة الإنشطارية، والتي بقيت تعمل إلى حد اليوم، ففتت أوطاننا ودولنا، فهذه القنبلة هي فكرة القومية بكل تعصباتها ، فبدأت بنشر الفكرة الطورانية لدى الأتراك وكذلك فكرة العروبة كأيديولوجية قومية لدى عرب المشرق خاصة على يد الإرساليات التبشيرية الأمريكية والأوروبية، لكن لم تنتشر الفكرة بقوة، ولم يعط لها البنزين الحارق إلا بعد وصول القوميون الأتراك إلى السلطة في اسطنبول بعد ما يسمى بالثورة الدستورية عام 1908 ضد السلطان عبدالحميد الثاني التي فرح بها وناصرها كل شعوب الدولة العثمانية بما فيها العرب، لكن في الكثير من الأحيان الأفراح تتحول إلى أتراح، وذلك بعد سياسات التتريك والعنصرية الطورانية ضد العرب وثقافتهم، فهو ما أدى إلى ردود فعل طبيعية لعرب المشرق دفاعا عن ثقافتهم التي يهددها الأتراك، وهو حق مشروع لهم، وقد وصل هذا القمع العنصري حده الأٌقصى بعد مذابح جمال باشا ضد العديد من الزعماء العرب عام 1916 بتعليقهم على المشانق.
وأدت سياسة التتريك إلى إستعانة بعض العرب بدعم غربي لحماية أنفسهم وثقافتهم، ومنها فرنسا أين وقع الإجتماع العربي عام 1913 بتمويل فرنسي، ثم دخل الأنجليز على الخط إستغلال مأساة هؤلاء العرب، فوظفت هؤلاء القوميون العرب ضد الدولة العثمانية بإشعال ما يسمى ب"الثورة العربية الكبرى" عام 1916، فوقع المشرق العربي بعدها تحت الإنتداب البريطاني والفرنسي.
وبعد هذا السرد التاريخي أطرح سؤالا على أعداء البعد الأمازيغي في الجزائر بإسم العروبة، وأقول لهم هل من العدل إتهام هؤلاء العرب في المشرق بالعمالة للغرب وإدخالهم الإستعمار أم نحمل المسؤولية للقومية الطورانية التركية التي همشتهم، وأرادت تتريكهم والقضاء على الثقافة العربية ولغتها؟ فإذا كان القومبيون العرب يرفضون ذلك ويفضلون الطرح الثاني، فلماذا إذا لا يتحملون مسؤولية القيام بنفس ما قام به القوميون الأتراك في العدد من البلاد التي تعرف بتعدد الثقافات والهويات، ومنها الأكراد في العراق وسوريا؟، وكذلك لماذا لا يتحملون مسؤوليتهم في تفكيك السودان بعد ما طمس القوميون العرب في الخرطوم وهم أقلية بدعم مصري ناصري كل ثقافات الجنوب ودارفور وكردفان وغيرها ودفعهم للتعصب ثم الإنفصال بعد تهميشهم ثقافيا وإقتصاديا؟، فيجب على هؤلاء القوميون القيام بنقد ذاتي والإعتراف بأنهم يتحملون جزء كبير من المسؤولية في تفكيك هذه البلدان بتعصبهم وتهميش كل ثقافات هذه البلدان وعدم الإعتراف بها والعمل على طمسها، بل تعريبهم بكل الوسائل، وهو ما يولد ردود فعل طبيعية، فبدل تحميل المسؤولية للغرب وحده، فلنحملها أيضا للقوميين العرب الذي وقعوا في قنبلة إنشطاريه صممها الغرب لازالت تقوم بمفعولها إلى اليوم، وإذا أردنا الحفاظ على أوطاننا، فيجب القضاءعلى مفعول هذه القنبلة بإقامة دولة ديمقراطية تعددية يحترم فيها الجميع بصفتهم مواطنون يتساوون في الخقوق والواجبات، وإحترام الخصوصيات الثقافية، بل تحويل مسألة الهوية إلى مسألة فردية بدل أن يأتي أي كان فيعمم ما يعتقده أنها هويته أو أصله على كل أفراد الأمة، وهذا ما يسمى في الغرب "مبدأ المواطنة".
3- المسألة الأمازيغية في الجزائر نتاج التعصب القومي العروبي
أن المسألة الأمازيغية في الجزائر لم تكن على الإطلاق نتاج إستعماري كما يريد القوميون العرب إيهام الناس، بل هي نتاج التعصب القومي العروبي، فهو كان رد فعل لفعل متطرف وإقصائي مورس في الجزائر منذ إسترجاع إستقلالها، بعد ما تمكن بن بلة من الوصول إلى السلطة بدعم مصري ناصري الذي ما فتيء يحذر من وصول ما يسميهم ب"البربر" إلى السلطة، لأنه كان يخشى أن يفقد الجزائر التي أراد أن يحولها إلى دولة تابعة مثل الكثير من دول العالم العربي في إطار الزعامة، لكن في الأخير خدمة مصالح مصر، لأنه سيتفاوض مع قوى الغرب مكان هذه الدول، أي سيجعل الغرب بدل التعامل مع الجزائر فسيتعامل معها بواسطة مصر، ولهذا تهجمت مصر ومعها البعض من الذين يريدون أن توصلهم إلى السلطة بالتهجم على أرضية الصومام إلا لأنها قالت بإستقلالية الأمة الجزائرية عندما قال "أن الجزائر لن تكون تابعة لواشنطن ولا موسكو ولا باريس ولا القاهرة"، فهذه الكلمة الأخيرة هي التي أقلقت عبدالناصر، ودفع عبان رمضان ثمنا غاليا في حياته، مثلما دفعت منطقة القبائل بشكل رئيسي وجزائريين آخرين هذا الثمن لأنها بقوا صامدين ومدافعين عن الأمة الجزائرية الغير تابعة للقاهرة، كما دفع أجدادنا ثمنا غاليا برفضهم التبعية لدمشق بإقامة الدولة الرستمية، ثم رفض التبعية للخلافة الفاطمية في القاهرة، وومادام نتحدث عن القاهرة حسب منطق عثمان سعدي فلما لا نقول أن المصريين أمازيغ أو على الأقل سكان القاهرة التي بناها أكثر من مئة ألف من قبيلة كتامة الأمازيغية الذين وضعوا مصر تحت سيطرة الفاطميين، وهو عدد كبير جدا بمقاييس آنذاك، لكن هجرة بضعة مئات من العرب حولت الجزائر كلها عربية برغم من إختلاط هؤلاء وتزاوجهم مع السكان الأصليين، وأكثر من هذا فهجرة شخص واحد من أهل البيت هو إدريس هربا من الأمويين حولت الكثير جدا من شعبنا أحفاده، ويدعون أنهم من الأشراف كأنه تزوج كل نساء شعبنا ورجالها يمنع عليهم الإنجاب، أنه التزوير البشع للتاريخ.
وكي نتأكد من التخويف المصري ممن أسماهم ب"البربر"ن فلنقرأ كتاب فتحي الديب "عبدالناصر وثورة الجزائر"، وكيف كان يصنف قادة الثورة في تقاريره لعبدالناصر على أساس أنه "بربري" أم "عربي"، أي نفس التصنيف الإستعماري الذي صنف شعبنا إلى أعراق، وهو ليس صحيح على الإطلاق، فنحن جزائريون أمتزجت دماء القلائل الذين آتوا إليها بدماء السكان الأصليين، وغرابة الأمر نفس التقسيم تقوم به الجزيرة القطرية بعد الثورة في ليبيا، مما جعلنا نشك أن هناك مخططا جهنميا لإثارة عرقيات وهمية لتفجيرنا من الداخل حسب مخططات برنارد لويس بتفتيت المشرق على أساس طائفي، وبلداننا المغاربية على أساس عرقي حسب الأيديولوجية الإستعمارية.
يتبع...









