العلم في فكر الامام عبد الحميد بن باديس
11-06-2014, 07:35 PM
يحدد ابن باديس مفهومه للعلم وأدوات تحصيله عند تفسيره لقوله تعالى:
(( ولا تقف ما ليس لك به علم ، إن السمع و البصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا))1
من خلال هذه الآية يحدد ابن باديس مفهوم العلم، كما يحدد الوسائل التي بها يحصل الإنسان على العلم، وهي الوسائل التي جعلته مناط التكليف كما تميز بها عن سائر الكائنات وعلى رأس هذه الوسائل يأتي العقل.
أما العلم فهو عندا بن باديس ذلك التصور المطابق للواقع مع الاقتناع بالحجة على ذلك وهي إما مادية محسوسة، أو معقولة مثبتة بالبرهان و الاستدلال، يقول في هذا الصدد:" العلم إدراك جازم مطابق للواقع عن بينة، سواء أكانت تلك البينة حسا أو مشاهدة، أو كانت برهانا عقليا: كدلالة الأثر على المؤثر، و الصنعة على الصانع. فإذا لم تبلغ البينة بالإدراك رتبة الجزم فهو ظن...2"
هذا المفهوم الباديسي للعلم هو المفهوم نفسه لدى علماء الكلام وفلاسفة الإسلام ففي التعريفات للجرجاني وردت جملة من المفاهيم المتقاربة في المعنى، وضع على رأس هذه المفاهيم ما قرأناه عند ابن باديس، حيث قال الجرجاني:" العلم هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع. وقال الحكماء هو حصول صورة الشيء في العقل..."3
ولكن ولما كان العلم بهذا المعنى مرادف لمعنى الحقيقة، بل لليقين و حصول الاطمئنان في النفس، خفف ابن باديس من هذه الدرجة في الجزم، وقال بأنه – أي العلم- يطلق "أيضا على ما يكاد يقارب الجزم ويضعف فيه احتمال النقيض جدا"4.ويستدل هنا بالقرآن دائما من خلال قوله تعالى عن إخوة يوسف عليه السلام:" ((وما شهدنا إلا بما علمنا))5 ، "لأنه إدراك كاد يبلغ الجزم لانبنائه على ظاهر الحال ، وإن كان ثم احتمال خلافه في الباطن، لأنه احتمال ضعيف بالنسبة لما شاهدوه."6
لما قارب ابن باديس بين حصول اليقين و الاقتراب من ذلك ميز بين هذين الصنفين في العلم _ الجزم و الاقتراب من الجزم- من جهة، وبين باقي الأصناف التي لا تغني من الحق شيئا أو التي ليست بعلم و تختلط لدى بعض الناس بمفهوم العلم، من جهة أخرى، مثل الشك أو الظن و الوهم، وهي بترتيبها تتدرج في الاتجاه نحو اليقين، من الإدراك بالرجحان، إلى تغليب وجه على وجوه أخرى محتملة، وصولا إلى إدراك لأمر على وجه لا يحتمل خلافه.
من خلال الآية الكريمة التي دائما بصدد تفسيرها، يحدد ابن باديس أدوات العلم في: المدركات الحسية التي يشترك فيها الإنسان مع الحيوان والمشار إليها في الآية بالسمع و البصر وفي أداة معرفية تفرد بها الإنسان و تميز عن سائر الكائنات، ألا وهي العقل، وذكرها في الآية جاء على أنها الفؤاد، فالفؤاد:"القلب والمراد به هنا العقل من اعتقاده لشيء ما. وإطلاق لفظ الفؤاد و القلب على العقل مجاز مشهور"7.
يعتبر ابن باديس العقل قوة روحية والأداة الرئيسة في التفكير، مهمته تكمن في الاستدلالات و بناء الأقيسة المنطقية بمقدمات صحيحة يستخرج فيها المجهول من المعلوم فتفكيره –أي العقل – هو نظره في معلوماته التي أدرك حقائقها، وأدرك نسب بعضها لبعض إيجابا و سلبا، وارتباط بعضها ببعض نفيا و ثبوتا، وترتيب تلك المعلومات بمقتضى ذلك الارتباط على صورة مخصوصة، ليتوصل بها إلى إدراك أمر مجهول . فالتفكير اكتشاف المجهولات من طريق المعلومات، والمفكر مكتشفا ما دام مفكرا.
" وبقدر ما تكثر معلومات الإنسان، ويصح إدراكه لحقائقها ولنسبها، ويستقيم تنظيمه لها، تكثر اكتشافاته واستنباطاته في عالمي المحسوس و المعقول وقسمي العلوم والآداب"8
ليست العلوم حكرا على حضارة أو مدنية بعينها، بل الحضارات تتأسس و تتطور بناء على كثرة معلوماتها واكتشافاتها وحسن استفادتها من بعضها البعض فحضارة العرب تدعمت بعلوم اليونان بإعطائها الطابع الإسلامي وحضارة الغرب تطورت باستفادتها من علوم العرب مع إعطائها الطابع المسيحي و الغربي، فالعلوم لا أوطان لها، وهي في تطورها تعكس مرور الإنسانية بتحول و تغير في أطوار، و الذكي من يعمل النظر فيما وصل وتراكم لديه من معلومات و يحسن الاستفادة منها ، أما من تخلى عنها ضعف وهان وزال ملكه و سلطانه، "فمن قلت معلوماته قلت اكتشافاته... ومن كثرت معلوماته وأهمل النظر فيها... بقي حيث هو جامدا، ثم لا يلبث أن تتلاشى من ذهنه تلك المعلومات المهملة حتى تقل أو تضمحل...وهذا هو طور الجمود الذي يصيب الأمم المتعلمة في أيامها الأخيرة عندما تتوافر الأسباب العمرانية القاضية – بسنة الله – بسقوطها".
لهذا كله يلتمس ابن باديس من قومه والشباب منهم على وجه الخصوص أن لا يتوانوا في طلب العلم حيث كان وبأي لغة كانت حتى يتم استرداد المجد الضائع، يقول ابن باديس:"فأرجوكم أيها الشبان الحازمون أن تأخذوا العلم بأي لسان كان وعن أي شخص وجدتموه وأن تطبعوه بطابعنا لننتفع به الانتفاع المطلوب كما أخذه الاورباويون من أجدادنا وطبعوه بطابعهم النصراني وانتفعوا به وهم إذا أنكر بعضهم اليوم فضلنا عليهم فذلك شأنهم أما نحن فلا ننكر فضل من أسدى إلينا الخير الخالص ونعترف له بالجميل الذي لا يراد به سوى الجميل ولا علينا فيمن (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره و لو كره الكافرون ) ولا يكن في صدورنا من خالهم حرج فصدورنا بالإيمان بالله و الثقة به أوسع وعقولنا أرجح وديننا أرحم وأكمل."9
إن ابن باديس يطرح في هذا النص قضية المعاصرة فيدرك تماما مدى التقدم العلمي الذي بلغه الأوربيون ويدرك حاجتنا لهذا التقدم مع ضرورة جعله يتماشى و أصالتنا ، و يتضح من هنا أن سلفية ابن باديس محدثة نهضوية يلتقي فيها مع الأفغاني و عبده. كما تبدو في النص نزعته التفاؤلية بعودة الريادة و السيادة إلى الإسلام و المسلمين، ولكن ذلك لا يتحقق إلا بتوخي الأسباب، وعلى رأس هذه الأسباب العلم . ولبلوغ ذلك يجب إعمال العقل في تحصيل المعلومات و مواكبتها بالاكتشافات بديمومة و صيرورة لا تركن إلى الكسل و الخمول لأن ذلك من أسباب الأفول لا التقدم و الازدهار.
إن اعتماد العقل على وجهه الصحيح والاحتكام إلى النص في نتائجه يثمر عند ابن باديس ثلاثة أمور: اعتقاد صحيح، قول صادق و سداد في الرأي. هذه الثلاثية تقودنا إلى البحث في غائية العلم وأهدافه لدى رائد النهضة الجزائرية فما هي يا ترى؟
1- سورة الاسراء ، اللآية37.
2- ابن باديس : التفسير ، ص. 129.
3- الجرجاني : كتاب التعريفات، ص.155.
4- ابن باديس : التفسير ، ص.130.
5- سورة يوسف، الآية،81
6- المصدر نفسه، ص.130
7- المصدر السابق، ص.130
8- المصدر نفسه، ص 131.
9- ابن باديس : الأعمال الكاملة، ج2، ص340.
منقــــــول
(( ولا تقف ما ليس لك به علم ، إن السمع و البصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا))1
من خلال هذه الآية يحدد ابن باديس مفهوم العلم، كما يحدد الوسائل التي بها يحصل الإنسان على العلم، وهي الوسائل التي جعلته مناط التكليف كما تميز بها عن سائر الكائنات وعلى رأس هذه الوسائل يأتي العقل.
أما العلم فهو عندا بن باديس ذلك التصور المطابق للواقع مع الاقتناع بالحجة على ذلك وهي إما مادية محسوسة، أو معقولة مثبتة بالبرهان و الاستدلال، يقول في هذا الصدد:" العلم إدراك جازم مطابق للواقع عن بينة، سواء أكانت تلك البينة حسا أو مشاهدة، أو كانت برهانا عقليا: كدلالة الأثر على المؤثر، و الصنعة على الصانع. فإذا لم تبلغ البينة بالإدراك رتبة الجزم فهو ظن...2"
هذا المفهوم الباديسي للعلم هو المفهوم نفسه لدى علماء الكلام وفلاسفة الإسلام ففي التعريفات للجرجاني وردت جملة من المفاهيم المتقاربة في المعنى، وضع على رأس هذه المفاهيم ما قرأناه عند ابن باديس، حيث قال الجرجاني:" العلم هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع. وقال الحكماء هو حصول صورة الشيء في العقل..."3
ولكن ولما كان العلم بهذا المعنى مرادف لمعنى الحقيقة، بل لليقين و حصول الاطمئنان في النفس، خفف ابن باديس من هذه الدرجة في الجزم، وقال بأنه – أي العلم- يطلق "أيضا على ما يكاد يقارب الجزم ويضعف فيه احتمال النقيض جدا"4.ويستدل هنا بالقرآن دائما من خلال قوله تعالى عن إخوة يوسف عليه السلام:" ((وما شهدنا إلا بما علمنا))5 ، "لأنه إدراك كاد يبلغ الجزم لانبنائه على ظاهر الحال ، وإن كان ثم احتمال خلافه في الباطن، لأنه احتمال ضعيف بالنسبة لما شاهدوه."6
لما قارب ابن باديس بين حصول اليقين و الاقتراب من ذلك ميز بين هذين الصنفين في العلم _ الجزم و الاقتراب من الجزم- من جهة، وبين باقي الأصناف التي لا تغني من الحق شيئا أو التي ليست بعلم و تختلط لدى بعض الناس بمفهوم العلم، من جهة أخرى، مثل الشك أو الظن و الوهم، وهي بترتيبها تتدرج في الاتجاه نحو اليقين، من الإدراك بالرجحان، إلى تغليب وجه على وجوه أخرى محتملة، وصولا إلى إدراك لأمر على وجه لا يحتمل خلافه.
من خلال الآية الكريمة التي دائما بصدد تفسيرها، يحدد ابن باديس أدوات العلم في: المدركات الحسية التي يشترك فيها الإنسان مع الحيوان والمشار إليها في الآية بالسمع و البصر وفي أداة معرفية تفرد بها الإنسان و تميز عن سائر الكائنات، ألا وهي العقل، وذكرها في الآية جاء على أنها الفؤاد، فالفؤاد:"القلب والمراد به هنا العقل من اعتقاده لشيء ما. وإطلاق لفظ الفؤاد و القلب على العقل مجاز مشهور"7.
يعتبر ابن باديس العقل قوة روحية والأداة الرئيسة في التفكير، مهمته تكمن في الاستدلالات و بناء الأقيسة المنطقية بمقدمات صحيحة يستخرج فيها المجهول من المعلوم فتفكيره –أي العقل – هو نظره في معلوماته التي أدرك حقائقها، وأدرك نسب بعضها لبعض إيجابا و سلبا، وارتباط بعضها ببعض نفيا و ثبوتا، وترتيب تلك المعلومات بمقتضى ذلك الارتباط على صورة مخصوصة، ليتوصل بها إلى إدراك أمر مجهول . فالتفكير اكتشاف المجهولات من طريق المعلومات، والمفكر مكتشفا ما دام مفكرا.
" وبقدر ما تكثر معلومات الإنسان، ويصح إدراكه لحقائقها ولنسبها، ويستقيم تنظيمه لها، تكثر اكتشافاته واستنباطاته في عالمي المحسوس و المعقول وقسمي العلوم والآداب"8
ليست العلوم حكرا على حضارة أو مدنية بعينها، بل الحضارات تتأسس و تتطور بناء على كثرة معلوماتها واكتشافاتها وحسن استفادتها من بعضها البعض فحضارة العرب تدعمت بعلوم اليونان بإعطائها الطابع الإسلامي وحضارة الغرب تطورت باستفادتها من علوم العرب مع إعطائها الطابع المسيحي و الغربي، فالعلوم لا أوطان لها، وهي في تطورها تعكس مرور الإنسانية بتحول و تغير في أطوار، و الذكي من يعمل النظر فيما وصل وتراكم لديه من معلومات و يحسن الاستفادة منها ، أما من تخلى عنها ضعف وهان وزال ملكه و سلطانه، "فمن قلت معلوماته قلت اكتشافاته... ومن كثرت معلوماته وأهمل النظر فيها... بقي حيث هو جامدا، ثم لا يلبث أن تتلاشى من ذهنه تلك المعلومات المهملة حتى تقل أو تضمحل...وهذا هو طور الجمود الذي يصيب الأمم المتعلمة في أيامها الأخيرة عندما تتوافر الأسباب العمرانية القاضية – بسنة الله – بسقوطها".
لهذا كله يلتمس ابن باديس من قومه والشباب منهم على وجه الخصوص أن لا يتوانوا في طلب العلم حيث كان وبأي لغة كانت حتى يتم استرداد المجد الضائع، يقول ابن باديس:"فأرجوكم أيها الشبان الحازمون أن تأخذوا العلم بأي لسان كان وعن أي شخص وجدتموه وأن تطبعوه بطابعنا لننتفع به الانتفاع المطلوب كما أخذه الاورباويون من أجدادنا وطبعوه بطابعهم النصراني وانتفعوا به وهم إذا أنكر بعضهم اليوم فضلنا عليهم فذلك شأنهم أما نحن فلا ننكر فضل من أسدى إلينا الخير الخالص ونعترف له بالجميل الذي لا يراد به سوى الجميل ولا علينا فيمن (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره و لو كره الكافرون ) ولا يكن في صدورنا من خالهم حرج فصدورنا بالإيمان بالله و الثقة به أوسع وعقولنا أرجح وديننا أرحم وأكمل."9
إن ابن باديس يطرح في هذا النص قضية المعاصرة فيدرك تماما مدى التقدم العلمي الذي بلغه الأوربيون ويدرك حاجتنا لهذا التقدم مع ضرورة جعله يتماشى و أصالتنا ، و يتضح من هنا أن سلفية ابن باديس محدثة نهضوية يلتقي فيها مع الأفغاني و عبده. كما تبدو في النص نزعته التفاؤلية بعودة الريادة و السيادة إلى الإسلام و المسلمين، ولكن ذلك لا يتحقق إلا بتوخي الأسباب، وعلى رأس هذه الأسباب العلم . ولبلوغ ذلك يجب إعمال العقل في تحصيل المعلومات و مواكبتها بالاكتشافات بديمومة و صيرورة لا تركن إلى الكسل و الخمول لأن ذلك من أسباب الأفول لا التقدم و الازدهار.
إن اعتماد العقل على وجهه الصحيح والاحتكام إلى النص في نتائجه يثمر عند ابن باديس ثلاثة أمور: اعتقاد صحيح، قول صادق و سداد في الرأي. هذه الثلاثية تقودنا إلى البحث في غائية العلم وأهدافه لدى رائد النهضة الجزائرية فما هي يا ترى؟
1- سورة الاسراء ، اللآية37.
2- ابن باديس : التفسير ، ص. 129.
3- الجرجاني : كتاب التعريفات، ص.155.
4- ابن باديس : التفسير ، ص.130.
5- سورة يوسف، الآية،81
6- المصدر نفسه، ص.130
7- المصدر السابق، ص.130
8- المصدر نفسه، ص 131.
9- ابن باديس : الأعمال الكاملة، ج2، ص340.
منقــــــول













