الأوراسية التي* قتلت عسكريا فرنسيا دفاعا عن الشرف
08-03-2015, 08:41 PM
صنعت المجاهدة الفذة بوذن أم السعد الكثير من التميز خلال الثورة التحريرية المباركة،* وعلاوة على حرص أداء واجب رعاية شؤون العائلة والأبناء،* فقد كانت إلى جانب المجاهدين،* الذين كانت تدعمهم بالطعام والدعم المعنوي* من مقر سكناها في* قرية أقرادو التابعة لمنطقة مروانة بباتنة*.
ولم تقتصر جهود بوذن أم السعد على تدعيم الثورة،* بل ساهمت في* صنع ملحمة خلّدها التاريخ،* وتحوّلت إلى بطلة بامتياز،* حين افتكت بضابط فرنسي* وصلت به الوقاحة إلى تجاوز عتبة المنزل في* ساعة متأخرة في* إحدى ليالي* صائفة* 1961،* وأعطت له درسا في* الشجاعة والصمود والدفاع عن الشرف،* حيت أردته قتيلا بضربات مركزة بالشاقور،* وهي* العملية التي* منحت انتصارا معنويا لسكان المنطقة الذين* يذكرون خالتي* أم السعد* (من مواليد* 1929*) بكثير من الاعتزاز،* خصوصا وأنها أقدمت على تلك العملية البطولية،* وهي* ابنة الـ* 32* سنة في* عراك وجه لوجه كان مفتوحا على كل الاحتمالات،* فالضابط* يملك المسدس والرشاش وخراطيش برتبة ملازم أول تخرج من المدرسة العسكرية الفرنسية،* والبطلة الأوراسية لا تعرف في* قاموسها سوى الصمود وعدم العودة إلى الوراء*.
وتقول المجاهدة الفذة بوذن أم السعد خلال مرافقتها لـ"الشروق*" إلى مكان هذه الملحمة بمنطقة أقرادو الشهيرة* "زوجي* سقط شهيدا بعد أن أعدمته السلطات الاستعمارية الفرنسية في* جبل بوغيول عام* 1957،* وترك لي* 3* أبناء في* عمر الزهور،* حيث ألقي* عليه القبض في* سوق مروانة* يوم الجمعة* 8* رمضان،* وتم وضع أبو زوجي* تحت الإقامة الجبرية،* لأنهما من عائلة مجاهدة معادية للاستعمار،* وكانت المتاعب تلاحقني* يوما بعد* يوم ويكبر الحقد في* قلبي* لكل شيء له علاقة بالاستعمار الفرنسي* وأذنابه*"،* وأكدت خالتي* أم السعد أن منطقة* "أقرادو*" التي* كانت تقيم فيها رفقة عائلتها تقع قرب جبل بوغيول،* وكانت نقطة اتصال بين المجاهدين في* الجبل ومروانة،* ولذلك عند خروج الجيش الفرنسي* أثناء الحصار والتطويق نخرج نحو الجبل بعد أن نخفي* المأكولات بمختلف أنواعها،* وكم تشتد همجية المستعمر إذا وصلته أخبار عن مجيء مجاهدين للمنطقة،* وكم من مرة أضرموا النيران في* المنازل،* وحاولوا الاعتداء على شرف النساء وضرب المسنين،* مضيفة أن هناك نوعا من الحركى* يخدم معهم ويعاون الجزائريين،* وفيهم من باع دينه ووطنه لفرنسا،* ويقومون بممارسات أكثر دناءة من تصرفات الفرنسيين أنفسهم،* ولكم أن تتصوروا حسب محدثتنا حجم مسؤولية المرأة الريفية في* خدمة الثورة،* وإعداد الطعام للمجاهدين وغسل الثياب وتربية الأبناء ومنعهم من أيادي* المستعمر الهمجي* والدفاع عن نفسها وصون عرضها*.
*
*"نوض* يا حلوف بن حلوف*.. أنا فلاقة أرواح نفلقك*"
وتعود الحادثة إلى صائفة* 1961،* حيث خرج مجموعة جنود فرنسيين من مدينة مروانة في* حدود الساعة العاشرة ليلا،* وتقول خالتي* أم السعد بوذن في* وصف الحادثة* "عرّج ثلاثة منهم اتجاه دشرة أقرادو،* ومضى أحدهم على* 5* منازل رفقة بعض مرافقيه* يدخل الديار ويخرج حتى وصل إلى منزلنا،* وكنت أرضع صغيري* من زوجي* الشهيد،* وفجأة انتبهت إلى ضوء في* الفناء* يقطع الظلام،* ليدخل علينا عسكري* فرنسي* ضخم الجثة،* وقام بركل زوجي* بعبارات تحمل الكثير من الاستفزاز والاحتقار،* منها ترديد كلمة* "فلاقة*"،* متهما إيانا بمساعدة المجاهدين،* ثم اقترب مني،* حينها ألقيت بالأبناء في* حجر الزوج،* وصحت قائلة* "نوض* يا حلوف بن حلوف،* لن أسمح بتواجد قتلة أبو أولادي* في* منزلي*.. لا اله إلا الله والموت واحدة*.. أنا فلاقة أرواح نفلقك*"،* وشعرت بقوة إلهية لمواجهة هذا الوحش حسب وصفها،* حيث حاولت أن تستولي* على السلاح وجاءته من الخلف وهو* يضربها بمؤخرة الرشاش على رأسها،* وخرجنا* -تقول أم السعد*- من المنزل نحو الحوش في* عراك مباشر أخذ حركة دائرية*.
*
الشاقور* يتغلب على الرصاص ولبؤة الأوراس تفتك بالوحش الفرنسي
وفي* أجواء مؤثرة تواصل المجاهدة الفذة بوذن أم السعد وصف ملحمة العراك المباشر مع الضابط الفرنسي* قائلة* "أمسكت بيدي* على رشاشه وأوقعته أرضا بفضل الله،* وقام بعدة محاولات لإبعادي،* بما في* ذلك نهش أصابعي* عظا بأسنانه،* لكن ذلك لم* يثن من عزيمتي،* خاصة لما مددت* يدي* نحو الشاقور* (يستعمل لقطع الحطب وأغصان الشجر*) الموجود تحت مجموعة الحطب الموضوع في* زاوية فناء المنزل*"،* وانهالت عليه خالتي* أم السعد بوذن ضربا على رأسه لتخور قواه،* وجرّدته من سلاحه الذي* لم تحضرها البديهة في* إطلاق النار عليه،* ضربات الشاقور تنزل عليه،* وهي* متيقنة من موته،* ورغم ذلك راح* يركلها ويحاول النهوض،* لكن روحه فارقت البدن بعدما هشمت عظامه وتطاير مخه ودمه من وقع الهزيمة،* وبعد القضاء على الضابط الفرنسي* فكرت البطلة الأوراسية في* إلقائه في* مطمورة داخل المنزل،* ولكن الزوج بعدما وقف على الحقيقة أخبر زوج والدتها بما حدث،* فأحضر الحصان لنقل الجثة نحو مرتفعات جبل بوغيول الذي* أعدم فيه زوجها الشهيد،* وتمت تغطية جثة العسكري* الفرنسي* بأغصان أشجار الغابة،* وكتموا السر في* تلك الليلة وسط صمت الجميع،* بعدما توجت العملية بنجاح*.
*
عناية الله جنبت سكان قرية* "أقرادو*" إبادة جماعية
وفي* الصباح خرجت القوات الفرنسية في* عملية تمشيط بحثا عن الضابط،* تتقدمهم كلاب مدربة اتجهوا صوب منطقة* "أقرادو*"،* وفي* هذا السياق تقول خالتي* أم السعد* "خرجنا من المنزل وأنا واثقة أنهم سيكتشفون الأمر وسيعرفون السر،* ولكن عناية الله حوّلت كلبهم نحو قمة الجبل ليرعانا الله ويحفظنا،* لأنني* كنت خائفة على الدشرة بأكملها،* خاصة أنهم سيدفعون الثمن لو تم العثور عليه،* وبعدها أخبرنا قيادة الجيش التي* استلمت سلاح الضابط واتصلوا بالمكان لمعاينة الحقيقة*"،* وقد اندهش الكثير حينها من جرأة صاحبة العملية البطولية،* بدليل أنها سمحت بتجريد جثة الضابط الفرنسي* من اللباس،* وعثروا بعد تفتيشه على رتبته العسكرية ومجموعة خراطيش وكمية من النقود* (820* ف ف*)،* ثم قامت قيادة الجيش على مستوى المنطقة بدعوة السكان إلى ضرورة كتمان السر،* في* الوقت الذي* تم تحوّل خالتي* أم السعد إلى طبيب* يهودي* بمروانة معروف بـ* "سطورة*"،* من أجل العلاج بحجة سقوطها أثناء ركوبها الحصان*.
*
زيارة البقاع المقدسة*.. أكبر أمانيها
وبعيدا عن الحادثة التاريخية التي* جعلت بوذن أم السعد أول امرأة تفتك بضابط فرنسي،* فقد دعت محدثتنا إلى الاعتناء بذاكرة الثورة،* واستذكار مناقب كل من ضحى من أجل الجزائر،* وتبقى أكبر أمانيها هو زيارة البقاع المقدسة،* خاصة أنها بلغت من العمر* 86* سنة،* حيث تأمل في* تسهيل مهمة الحصول على جواز السفر الخاص بالحج من قبل الجهات الوصية مقابل تكفلها بتكاليف التنقل إلى البقاع المقدسة،* وكانت قد وجهت رسالة إلى والي* باتنة دعته إلى تسهيل مهمتها باعتبارها أرملة شهيد ومجاهدة،* من أجل تمكينها من جواز السفر الخاص بالحج،* خاصة أن ذلك* يندرج حسب قولها في* إطار ذوي* الحقوق،* وقد سبقت أن راسلت منظمة المجاهدين ومدير المجاهدين لكن دون جدوى،* في* الوقت الذي* أكد ابنها أنها تستحق التفاتة ملموسة في* هذا الجانب،* خصوصا وأنها طلبت تسهيل مهمتها إداريا من خلال الحصول على جواز السفر الخاص بالحج،* ولم تطلب امتيازات مادية أو شخصية،* وهو الطلب الذي* يبدو منطقيا حسب قوله من طرف أول امرأة افتكت بضابط فرنسي*.
*
هذا ما قالته لأحلام مستغانمي* خلال زيارتها إلى مروانة
كانت المجاهدة الفذة بوذن أم السعد من أبرز الحضور الذين قاموا باستقبال الكاتبة المعروفة أحلام مستغانمي* خلال زيارتها لمدينة مروانة منذ سنتين* (نوفمبر* 2013*)،* وهذا بمناسبة إصدار روايتها الجديدة* "الأسود* يليق بك*" التي* تدور أحداثها حول مدينة مروانة،* وأكدت المجاهدة بوذن في* هذا الخصوص أنها قالت لصاحبة رواية الجسد أن نساء ورجال الجزائر صنعوا التاريخ فوق الميدان من أجل نيل الاستقلال ومنح دروس في* النضال والصمود للاستعمار الفرنسي،* وعلى المثقفين والكتاب أن* يحرصوا على كتابة وتدوين هذا التاريخ،* حتى* يعطوا صورة إيجابية عن بلد المليون ونصف المليون شهيد،* علما أن المجاهدة بوذن أم السعد أوكلت لها مهمة تكريم أحلام مستغانمي* ومرافقتها في* عدة أماكن أثرية وتاريخية خلال زيارتها لمدينة مروانة بباتنة*







