ترسيخ مفهوم التوحيد في الصيام
18-06-2015, 03:18 PM
ترسيخ مفهوم التوحيد في الصيام
الحمد لله ،والصلاة والسلام على نبيه ومصطفاه ،خيرة خلق الله خليله ومجتباه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أخي الصائم، أختي الصائمة..
لقد خلقنا الله -جل وعلا- في هذه الدنيا من أجل عبادته وتوحيده،حيث قال الله تعالى:[ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ]، ومعنى (ليعبدون) أي : ليوحدون.
وحقيقة هذا:" التوحيد"، وهذه:" العبودية" أنها:" حال في القلب والجوارح: تجعل العبد مقبلا على الله وحده، منصرفا ومعرضا بقلبه عن كل ما سواه من المخلوقين".
وهذا:" التوحيد": إذا ما قوي في قلب العبد، واستقرت حقائقه في النفس: كانت العبادة أحسن، والإقبال على الله فيها: أثبت وأقوم، وأيضا كلما صحت العبادة وقويت، وأداها العبد على أحسن الوجوه:( عملا وإخلاصا ومحبة وإقبالا على الله وموافقة للسنة): كان هذا دالا على قوة الإيمان، وثبات التوحيد في النفس، بل وزادت الإيمانَ في القلب رسوخا وثباتا، فالعلاقة بين الإيمان والعبادة هي:" علاقة تلازمية"، فالتوحيد: يولد العبادة الصحيحة، والعبادة الصحيحة: تغذي التوحيد، وتنميه في قلب المسلم.
يقول شيخ الإسلام:" ابن تيمية"- رحمه الله تعالى- كما في الفتاوى-( 7/541) :
" لكن القلب هو الأصل، والبدن فرع له، والفرع يستمد من أصله، والأصل يثبت ويقوى بفرعه: كالشجرة كلما قوي أصلها وروي: قويت فروعها، وفروعها أيضاً إذا اغتذت بالمطر والريح: أثر ذلك في أصلها".اهــ
ومن هنا، فإن الصيام من العبادات التي إذا أداها العبد بإخلاص لله، وموافقة للسنة: كان ذلك دليلا على كمال التوحيد في القلب، ورسوخه فيه، مما يترتب عليه عظيم الأجر والثواب عند الله – جل وعلا- فتفاضل الأعمال إنما هو: بحسب ما قام في قلب العبد من الإيمان والإخلاص.
ففي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي".
وأرجح الأقوال في معنى:" فإنه لي وأنا أجزي به ": أن الحسنات يضاعف جزاؤها من عشر أمثالها إلي سبعمائة ضعف إلا الصوم، فإن ثوابه لا يقدر قدره إلا الله، فلذلك يتولى جزاءه بنفسه، ولا يكله إلى ملائكته، والموجب لاختصاص الصوم بهذا الفضل: أن سائر العبادات مما يطلع عليه العباد، والصوم: سر بين العبد وبين ربه، يفعله خالصاً لوجه الله تعالى، ويعامله بها طالباً لرضاه.
والصائم في أثناء صيامه: يستشعر عبوديته لربه، ومراقبة الله – سبحانه- في كل لحظة من اللحظات، فهو وإن خلا بنفسه، فإنه يمنعها من الطعام والشراب، لأنه يستحضر في قلبه: أنه يعبد ربا واحدا يسمعه ويراه.
وهو - أيضا- يحفظ لسانه من الكلام الحرام، والنظر الحرام، بل ويحفظ قلبه من الخلجات الحرام، لأنه يستحضر عبوديته ومراقبته لربه - جل وعلا- في كل أحواله.
ولذا فإن عبادة الصيام من أعظم العبادات: التي تصنع العبد التقي، وتربي المسلم على حقيقة الإيمان لو أداه كما يجب، وقد قال الله تعالى مبينا ذلك:[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ].
وعليه، فإن الضجر من الصيام، أو تمني انقضاء شهره: ينافي كمال التقوى، وينافي كمال الإيمان الواجب، مما يستلزم نقصان الأجر، والوقوع في الإثم- عافانا الله والمسلمين-.
فالواجب على المسلم أن يقبل على العبادة بسعادة، وانشراح صدر، وأن يكون محققا للإيمان، محتسبا للأجر والثواب، وأن يحذر من أن يكون حظه من الصيام:" الجوع والعطش!!؟".
وقد روى الشيخان من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"، ومعنى:(إيمانًا):أي تصديقا وإقرارا، وانقيادا وإذعانا، ومعنى:(احتسابًا):أي طلبًا للثواب عليه من الله.
فقبول الأعمال في رمضان وفي غيره: إنما يكون على قدر الإيمان والإذعان، فكمال العبادة وصحتها: دليل على كمال التوحيد، وضعف العبادة والانتقاص منها: دليل على ضعف التوحيد.
اللهم اجعلنا ممن حقق التوحيد بكماله وتمامه، واجعل أعمالنا – يا ربنا - كلها صالحة، و لوجهك خالصة، ولا تجعل لأحد من الخلق فيها شيئًا، والحمد لله رب العالمين.
بقلم الأستاذ الفاضل:" محمد خشان".







