ما ينبغي أن يحضر في القلب عند كل ركن وشرط من أعمال الصلاة :
17-09-2015, 02:26 PM
إذا سمعت نداء المؤذن فأحضر في قلبك هول النداء يوم القيامة وتشمر بظاهرك وباطنك للإجابة والمسارعة ، فإن المسارعين إلى هذا النداء هم ينادون باللطف يوم العرض الأكبر .

وأما الطهارة : فإذا أتيت بها في مكانك وهو طرفك الأبعد ، ثم في ثيابك وهو غلافك الأقرب ، ثم في بشرتك وهو قشرك الأدنى ، فلا تغفل عن لبك الذي هو ذاتك وهو قلبك ، فاجتهد له تطهرا بالتوبة والندم على ما فرطت وتصميم العزم على الترك في المستقبل ، فطهر بها باطنك فإنه موقع نظر معبودك .

وأما ستر العورة : فاعلم أن معناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق ، فإن ظاهر بدنك موقع لنظر الخلق فما بالك في عورات باطنك وفضائح سرائرك التي لا يطلع عليها إلا ربك عز وجل ، فأحضر تلك الفضائح ببالك وطالب نفسك بسترها ، وتحقق أنه لا يستر عن عين الله سبحانه ساتر ، وإنما يكفرها الندم والحياء والخوف ، فتستفيد بإحضارها في قلبك انبعاث وجود الخوف والحياء من مكانها فتذل به نفسك ، ويستكن تحت الخجلة قلبك ، وتقوم بين يدي الله عز وجل قيام العبد المجرم المسيء الآبق الذي ندم فرجع إلى مولاه ناكسا رأسه من الحياء والخوف .

وأما الاستقبال : فهو صرف لظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله تعالى ، [ ص: 38 ] أفترى أن صرف القلب من سائر الأمور إلى أمر الله عز وجل ليس مطلوبا منك ؟ هيهات ، فلا مطلوب سواه ، وإنما هذه الظواهر تحريكات للبواطن وضبط للجوارح وتسكين لها بالإثبات في جهة واحدة حتى لا تبغي على القلب ، فإنها إذا بغت وظلمت في حركاتها والتفاتها إلى جهاتها استتبعت القلب وانقلبت به عن وجه الله عز وجل . فليكن وجه قلبك مع وجه بدنك ، واعلم أنه كما لا يتوجه الوجه إلى جهة البيت إلا بالانصراف عن غيرها فلا ينصرف القلب إلى الله عز وجل إلا بالتفرغ عما سواه .

وأما الاعتدال قائما : فإنما هو مثول بالشخص والقلب بين يدي الله عز وجل تنبيها على إلزام القلب التواضع والتذلل والتبرؤ عن الترؤس والتكبر ، مع ذكر خطر القيام بين يدي الله عز وجل في هول المطلع عند العرض للسؤال ، واعلم في الحال أنك قائم بين يدي الله عز وجل وهو مطلع عليك ، فقم بين يديه قيامك بين يدي بعض ملوك الزمان إن كنت تعجز عن معرفة كنه جلاله .

وأما النية : فعزم على إجابة الله عز وجل في امتثال أمره بالصلاة وإتمامها رجاء لثوابه وخوفا من عقابه وطلبا للقربة منه متقلدا للمنة منه بإذنه لك في المناجاة مع كثرة عصيانك ، فعظم في نفسك قدر مناجاته ، وانظر من تناجي وكيف تناجي وبماذا تناجي ، وعند هذا ينبغي أن يعرق جبينك من الخجل وترتعد فرائصك من الهيبة ويصفر وجهك من الخوف .

وأما التكبير : فإذا نطق به لسانك فينبغي أن لا يكذبه قلبك ، فإن كان في قلبك شيء هو أكبر من الله سبحانه أو كان هواك أغلب عليك من أمر الله عز وجل وأنت أطوع له منك لله تعالى فقد اتخذته إلهك وكبرته فيكون قولك " الله أكبر " كلاما باللسان المجرد ، وقد تخلف القلب عن مساعدته ، وما أعظم الخطر في ذلك لولا التوبة والاستغفار وحسن الظن بكرمه سبحانه وعفوه .

وأما الركوع والسجود : فينبغي أن تجدد عندهما ذكر كبرياء الله سبحانه وترفع يديك مستجيرا بعفو الله عز وجل من عقابه ، ثم تستأنف له ذلا وتواضعا بركوعك ، وتجتهد في ترقيق قلبك وتجيد خشوعك وتستشعر ذلك وعز مولاك واتضاعك وعلو ربك ، وتستعين على تقرير ذلك في قلبك بلسانك فتسبح ربك وتشهد له بالعظمة وأنه أعظم من كل شيء عظيم ، وتكرر ذلك على قلبك لتؤكده بالتكرار . ثم ترتفع من ركوعك مؤكدا للرجاء في نفسك بقولك : " سمع الله لمن حمده " أي أجاب لمن شكره ، ثم تردف ذلك بالشكر المتقاضي للمزيد فتقول : " ربنا لك الحمد " وتكثر الحمد بقولك : " ملء السماوات وملء الأرض " ، ثم تهوي إلى السجود وهو أعلى درجات الاستكانة فتمكن أعز أعضائك وهو الوجه من أذل الأشياء وهو التراب ، وإن أمكنك أن لا تجعل بينهما حائلا فتسجد على الأرض فافعل ، فإنه أجلب للخشوع وأدل على الذل ، وإذا وضعت نفسك موضع الذل فاعلم أنك وضعتها موضعها ورددت الفرع إلى أصله ، وأنك من التراب خلقت وإليه تعود ، فعند هذا جدد على قلبك عظمة الله وقل : " سبحان ربي الأعلى " وأكده بالتكرار فإن الكرة الواحدة ضعيفة الآثار ، فإذا رق وظهر ذلك فلتصدق رجاءك في رحمة الله فإن رحمته تسارع إلى الضعف والذل لا إلى التكبر والبطر ، فارفع رأسك مكبرا وسائلا حاجتك وقائلا : " رب اغفر وارحم " ثم أكد التواضع بالتكرار فعد إلى السجود ثانيا كذلك .

وأما دوام القيام : فإنه تنبيه على إقامة القلب مع الله عز وجل على نعت واحد من الحضور قال صلى الله عليه وسلم : " إن الله عز وجل مقبل على المصلي ما لم يلتفت " وكما تجب حراسة الرأس والعين عن الالتفات إلى الجهات فكذلك تجب حراسة السر عن الالتفات إلى غير الصلاة ، فإذا التفت إلى غيره فذكره باطلاع الله عليك وبقبح التهاون بالمناجى عند غفلة المناجي ليعود إليه ، والزم الخشوع للقلب فإن الخلاص عن الالتفات باطنا وظاهرا ثمرة الخشوع ، ومهما خشع الباطن خشع الظاهر ، قال صلى الله عليه وسلم - وقد رأى رجلا مصليا يعبث بلحيته - : " أما هذا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه فإن الرعية بحكم الراعي " ولهذا ورد في الدعاء " اللهم أصلح الراعي والرعية " وهو القلب والجوارح .